البحوث

الأقِليَّاتُ المسلمةُ وتَغيُّرِ الفتوى

الأقِليَّاتُ المسلمةُ وتَغيُّرِ الفتوى

إعداد

سالم بن عبدالسلام الشيخي

عضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين وبعد:

فإنّه لمن دواعي السرور والغبطة أن أُقدم بين يدي مشايخي من السادة العلماء، وإخواني من طلبة العلم هذا البحث الموجز في مكون من مكونات فقه الفتوى والإفتاء يحاول كشف العلاقة بين موجبات تغير الفتوى، وواقع الأقليات المسلمة في بلاد أوربا.

ذلك أن واقع الأقليات المسلمة في الغرب يطرح إشكالية تغير الفتوى بإلحاح ؛ فالمسلمون في هذه الديار يعيشون ظروفا استثنائية بكل المقاييس ، فالنظم والأعراف والعادات والتقاليد… مختلفة تمام الاختلاف عما هو معهود في ديار المسلمين .

ومتى تجاوزنا هذه العقبات الكبيرة صادفنا أن انتماء أبناء هذه الأقليات إلى أجناس متنوعة ، وأعراق مختلفة ، يزيد من تعقيد فهم معطيات هذا الواقع الغريب، مما يملي على المفتي قدرا من التحري والتثبت، ويتطلب منه تعاطيا موزونا وحذرا مع كل القضايا، بل واجتهادا خاصا في كل نازلة ترد عليه.

خطة البحث :

هكذا إذاً يأتي هذا البحث محاولا سد هذه الثغرة، والإجابة عن هذا الإشكال الشائك، وذلك عبر ثلاثة مباحث هي:

  • مبحث تمهيدي يشرح على سبيل التفصيل مصطلحات البحث ومتعلقاتها.
  • ومبحث نظري يسبر أغوار قاعدة تغير الفتوى في واقع الأقليات المسلمة، ويبين -بشكل جلي- المصالح المترتبة على استخدامها وإعمالها، والمفاسد المنجرة عن جهلها أو إهمالها.
  • ومبحث عملي يجسد بالنماذج المعيشة والأمثلة الواقعية، أهمية هذه المسألة للمفتي والمستفتي.

والله أسأل أن ينفع به و أن يجعله خالصاً لوجه الكريم ،والحمد لله رب العالمين .

                                                                                        كتبه:

                                                                                                سالم بن عبدالسلام الشيخي

المبحث الأول

الأقليات المسلمة وتغير الفتوى (التعريف والماهية)

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: تعريف مصطلح الأقليات المسلمة .

 المطلب الثاني: تعريف الفتوى ومعنى تغيرها .

المطلب الثالث: الفرق بين الحكم الشرعي والفتوى و أثره في هذا الباب  .

المبحث الأول:- الأَقليات المسلمة وتغيّر الفتوى – التعريف والماهية :

قبل الدخول  في تفاصيل هذا البحث أحببت أن أمهد ببيان سريع يتعلق بتعريف عنوانه مع تحديد بعض المفردات الملحقة بمصطلح تغير الفتوى ، كل ذلك تمهيداً للدخول في مفاصل هذا الموضوع من بابه الصحيح فالحكم عن الشئ فرع من تصوره،والبدء بالتعريفات أولى ما يقدم بين يدي الموضوع ، وقد كان هذا التمهيد على النحو التالي:

المطلب الأول: تعريف الأقليات لغة واصطلاحاً:

أولاً: تعريف الأقليات لغة و اصطلاحاً:

  1. الأقليات لغة:

هي جمع أقلية والأقلية في اللغة مأخوذة من القِلَّة خلاف الكثرة، قال تعالى: { وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } (الأعراف :86).

وجاء في لسان العرب  ” القلة: خلاف الكثرة، والقل : خلاف الكثر، وقد قل يقل قلة … وقللة وأقله جعله قليلاً “. (1)

وقال الفيروزأبآدي في القاموس : ” ورجل قُلٌ، بالضم: فردٌ لا أحد له. وقُللٌ من الناس بضمتين: ناسٌ متفرقون من قبائل شتى أو غير شتى فإذا أجتمعوا  جمعا فهم قُللٌ ”  (2).

  1. الأقليات اصطلاحاً:

قبل  أن نذكر التعريفات الاصطلاحية لكلمة أقلية نحب أن نذكر بالآتي:

  • أن من المعاني التي ذكرناها للقلة في لغة العرب قولهم قُللٌ من الناس ، ناسٌ متفرقون من قبائل شتى ، أو غير شتى فإذا اجتمعوا جمعاً فهم قُللٌ.

وهذا المعنى قريب من مصطلح الأََقليات في علم الاجتماع الذي يعنى : اجتماع الأشتات من البشر ليكونوا حلقة في مجتمع أكبر.

  • أن الاستعمال القرآني لكلمة قِلة ومشتقاتها يفتح المجال لفهم أوسع لهذا المصطلح فهذه المادة اللغوية جاءت في أكثر من سياق لتعطي معاني ودلالات متنوعة ، و من ذلك مايلي:
    • قوله تعالى : { ثلةٌ من الأَولين، وقليلٌ من الآخرين } (الواقعة:13-14).فالقلة هنا جاءت في مقابلة كلمة  ( الثُلة ) وهي لاتعني النقص وإنما تعني التمييز و الإرتقاء والسبق. أي قليل من الآخرين يسارع في الطاعات حتى يلحق درجة الأولين. (3) .
    • قوله تعالى : { واذكروا إذ أنتم قليلٌ مستضعفون في الأرض تخافون } (الأنفال :26)، فوصف القلة هنا يُظهر حالة سياسية محددة موصوفة بأنها استضعاف في مقابل حالة للكثرة توصف في القرآن الكريم بالاستكبار.
    • قوله تعالى : { ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً وإياَّي فاتقون  } (البقرة : 41). وقوله تعالى{ ليشتروا به ثمناً قليلاً }  ( البقرة :79). وغير ذلك من الآيات التي جاءت القلة فيها بمعنى القلة المعنوية ، فهذا الثمن الذي أُخذ في مقابل آيات الله وصف بالقلةِ لفنائه وعدم ثباته وفقدان بركته.

وعليه فحتى لو كان الثمن مرتفعاً في نظر الناس فهو قليل في حقيقته ، فالقلة هنا معنوية، وكم من اجتماع بشري يكون كثيراً في العدد، ولكنه قليل في بركته والتزامه بشرع الله، فيكون غثاءً كغثاء السيل.

  • قوله تعالى:{ .. قال الذين يَظنونَ أنهم مُّلـــقوا اللهِ كم من فئةٍ  قَلِيلَةٍ غَلبت فئةً كثيرة بإذن اللهِ واللهُ مع الصابرين } (البقرة249) .

 وهذه قلة عددية محسوسة مادية.

و من خلال هذه المعاني القرآنية، وغيرها كثير في كتاب الله يمكن أن نستخلص الآتي:

  • – أن التعبير القرآني بالقلة لا يعني فقط القلة العددية ، بل قد يعني – في أحايين كثيرة – القلة المعنوية.
  • – أن استخدام مادة القِلة في القرآن الكريم حتى وإن دل على النقص العددي – قلة مادية – لكنه لايدل على أن القلة وصف لما هو قليل في شأنه أو محتقر في وصفه، بل الغالب في القرآن الكريم استخدام القلة في سياق المدح.

وعليه فوصف جماعة ((بالقلة)) أو ((الكثرة)) هو -كما يقولون- وصف محايد، حتى يقترن به في سياقه وصف آخر يحدد المعنى المراد من القلة أو الكثرة، ذماً أو مدحاً أو وصفاً اجتماعياً أو سياسياً… كما في إضافة وصف (( الاستضعاف)). أو وصف الشرذمة: (( إنَّ هؤلآء لشرذمةٌ قليلُون)) (الشعراء :54).

بعد هذه الاستنارة باستعمال هذه المادة في القرآن الكريم  نلج إلى التعريفات الاصطلاحية، وهي كثيرة نذكر منها.

  • تعريف عبدالوهاب الكيالي : ” الأَقلية: مجموعة من سكان قُطْرٍ أو إِقليم أَو دولة ما تخالف الأَغلبية في الأنتماء العرقي أَو الديني، دون أن يعني ذلك بالضرورة موقفاً سياسياً متميزاً ” (4).
  • تعريف الشيخ يوسف القرضاوي :”  كل مجموعة بشرية في قُطر من الأقطار، تتميز عن أكثرية أهله في الدين، أو المذهب ، أو العرق ، أو اللغة ، أو نحو ذلك، من الأساسيات التي تتمايز بها المجموعات البشرية بعضها عن بعض”.(5)
  • تعريف معجم العلوم السياسية الميسر : ” جماعة من السكان من شعب معين ، عددهم أقل من بقية السكان، لهم ثقافتهم ولغتهم ودينهم، ويطالبون بالمحافظة على شخصيتهم وثقافتهم على أساس نظام معين ” (6).

والذي يتبين لنا من خلال كل هذه التعريفات هو استعمال القلة بمفهومها العددي، أو بعبارة أخرى القلة في مقابل الكثرة العددية المخالفة لها في العرق أو الدين أو المذهب أو اللغة أو غير ذلك من أسباب الاختلاف.

مع التنبيه أن بعض التعريفات أشارت إلى أمر إضافي، وهو سعي هذه الأقلية للحصول على نظام معين، يضمن لها التميز الديني أو العرقي ، ويحفظها من سيطرة الأكثرية ، وفرض ما تتبناه هذه الأكثرية من دين أو ثقافة أو مذهب عليها.

هذا هو تعريف الأقلية و الأقليات لغة واصطلاحاً ، ويبقى استكمال الباب بذكر التعريف بالإضافة أي تعريف الأقليات بوصفها أقليات مسلمة أو اسلامية.

فمن خلال ما سبق من المعاني يمكن أن نعرف الأقليات المسلمة باعتبار الإضافة أنها:الأقِليَّاتُ المسلمةُ وتَغيُّرِ الفتوى الأقليات الأقِليَّاتُ المسلمةُ وتَغيُّرِ الفتوى

 “مجموعة مسلمة تعيش بين أكثرية غير مسلمة  تسعى أن تحافظ على خصوصيتها الدينية وفق برنامج سياسي محدد )”.

و في ختام هذا المطلب أُحب أن أُذكر بأن الاقليات المسلمة في أُوربا موضوع البحث تنقسم إلى قسمين.

  • القسم الأول :- هم من أهل البلد الأصليين الذين أَسلمواْ من قديم ، ولكنهم يعتبرون أقلية بالنسبة لمواطنيهم الآخرين، ومن هؤلاء مسلمو أوُربا الشرقية ويربو عددهم على عدة ملايين .
  • القسم الثاني :- المهاجرون في القرون الأخيرة إلى أوُربا كالمهاجرين من بلاد المغرب العربي إلى فرنسا، والمهاجرون الأتراك إلى ألمانيا، والمهاجرون من القارة الهندية إلى بريطانيا، بالإضافة إلى مجموعات من الأُوربيين أسلمواْ حديثاً. (7).

المطلب الثاني: الفتوى تعريفها وخصائصها، ومعنى تغيّرها:

أولاً: تعريف الفتوى لغة و اصطلاحاً:

  1. الفتوى في لغة العرب :

الفتوى، والفُتيا: لغة بالواو مع فتح الفاء، وبالياء مع ضم الفاء، هي اسم مصدر من أَفتاه في الأمر  إذا أبانه له.

قال ابن فارس رحمه الله: ” الفاء و التاء و الحرف المعتل أصلان: أحدهما يدلُ على طَرَاوة وجّدة، والآخر على تبين حكم …. والأصل الآخر الفُتيا: يقال: أفتى الفقيه في المسألة، إذا بيّن حكمها، واستفتيت، إذا سألت عن الحكم، قال الله تعالى  { يستفتونَكَ قُل الله يُفتيكم في الكلالة} (النساء:176) ويقال منه فتوى وفُتيا “.(8).

وقد نبه بعض الفضلاء الى أنّ الفتوى في اللغة أعم منها في الإصطلاح ويدل على ذلك قوله تعالى حكاية عن صاحب يوسف:{ يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان …} (يوسف:46)، وكما في قوله تعالى حكاية عن الملك :{ ياأيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون } (يوسف:43)، وكما في قوله تعالى حكاية عن ملكة سبأ:{ قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري} (النمل:32).

وفي بيان هذا العموم قال أبو علي اليوسي : “وقد علمت من شرح اللفظ أن الإفتاء يصدق في الأصل في كل علم ، فكل من بيَّن مسألة فقد أفتاه ، ولكن اشتهر في العرفِ اطلاقه في الشرعية فقط ” (9).

 وعلى هذا فإطلاق الفتوى على ما يتعلق بأحكام الشرع هو من باب الحقيقة العرفية التي هي أخص من الحقيقة اللغوية.

  1. الفتوى اصطلاحاً :

يدور كلام الفقهاء في تعريف الفتوى حول معنى الإخبار عن الحكم الشرعي وهو معنى متفق عليه بينهم.

وإنما ظهر الاختلاف في بعض التعريفات حول ما يتعلق بإضافة بعض القيود الاحترازية  أو حذفها ، ومن أشهر تعريفاتتها :

أ- تعريف القرافي بقوله: ” إخبار عن حكم الله تعالى في إلزام أو إباحة  ” .(10).

ب – وتعريف اللقَّاني بقوله : ” الإخبار عن الحكم على غير وجه الإلزام  ” .(11).

وقد احترزَ بقوله على غير وجه الإلزام من حكم القاضي لأنه مبنيُّ على الإلزام عند من يرى ذلك.

ولانريد أن ندخل في ذكر الفروق بين القضاء و الأفتاء، فلها مجال آخر من البحث تضيق عنها هذه الصفحات.

ثانياً : خصائص الفتوى ومعنى تغيّرها :

1 – خصائص الفتوى:

من خلال النظر في التعريفات الإصطلاحية للفتوى و الإفتاء يمكن  أن نبين –باختصار- أهم خصائص الفتوى على النحو التالي:

الخاصية الأولى: أنها مؤسسة على الإخبار عن حكم شرعيك:

فعنصر الإخبار ضروري للفتوى ، وهو مقترن بالتبيين و البيان، ولا يتم ذلك إلاّ بالعلم ، فالعلم بحكم النازلة يسبق مرحلة الإخبار.

الخاصية الثانية: أنها متعلقة بالأحكام الشرعية:

وذلك أن المفتي يخبر تارة عن الوجوب ، وتارة عن التحريم ونحوه من الأحكام الشرعية. مما يدل على ارتباطها بالفقه، بمعناه الاصطلاحي، وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية ، ولا مانع من تعلقها بالعقائد و الآداب، و إنما ارتباطها بالأحكام العملية هو الغالب.

الخاصية الثالثة: أنها مبنية على السؤال:

و ذلك أن السؤال هو الأمر المستدعي للإخبار، فالثاني لا يحصل إلاّ بناءً على الأول.

الخاصية الرابعة: أن لها تعلقا بالاعتبار الدياني:

و ذلك أن الفتوى لا تتوقف على عنصر الإلزام القضائي و لا تدخل في دائرته، إلاّ إذا اعتمدت في موضوع أمام القضاء ، فإنها حينئذ تحوز صفة الإلزام بالتبع .

وأما ما عدا ذلك سواء كانت الفتوى في مجال العبادات و المعاملات فتبقى خاضعة في إلزامها للإعتبار الديني (12).

  • تغير الفتوى.

بتغير الفتوى – الذي ورد  في عنوان  هذا البحث – نقصد به ذلك المبدأ التشريعي المقرر عند أهل العلم من أن الفتوى  – والتي ذكرنا تعريفها وحقيقتها – “تتغير بتغير موجباتها ، ومرادنا من هذا التغير ما يتعلق بعلم مباحث تعليل الأحكام ، أي أن الأحكام المعلَّلة بالمصلحة أو العرف أو غيرها من الموجبات، تتغير بتغيرها، لأن الشارع هو الذي جعل من المصلحة أو العرف مناطات تلك الأحكام، لا أن الحكم يتغير تغيرا كلياً بما يشبه  النّسخ والإزالة”.

 وسوف يدور البحث بجميع مسائله – إن شاء الله – حول بيان حقيقة تغير الفتوى وأثر ذلك على فتاوى الأقليات .

المطلب الثالث: الفرق بين الحكم الشرعي و الفتوى وأثره في هذا الباب:

بعد أن تبين لنا تعريف الفتوى ومقصود العلماء من قولهم تغير الفتوى ، قد يشتبه على بعض الناس ، فيظن أن تغير الفتوى يعني تغير الأحكام الشرعية الثابتة بنصوص الكتاب و السنة ، وعندها سوف تنـزل هذه القاعدة منـزلة النسخ للأحكام الشرعية ، الذي توقف بعد النبي صلى الله عليه وسلم فأردت بهذا المطلب أن أُعرج على بيان الفروق بين الحكم  الشرعي وبين الفتوى ليتبين أي المجالين يدخله التغير بغير موجباته .

أولاً: تعريف الحكم الشرعي ومقارنته بتعريف الفتوى:

  1. الحكم في اللغة والعرف:

الحكم في اللغة هو المنع و الصرف ، ومنه الحكمة للحديدة في اللجام (13) ، وفي العرف إسناد أمر إلى آخر إيجاباً وسلباً، ويختلف وصفه بحسب جهة الإيجاب والسلب ، فلو كان الإيجاب و السلب عقليين-كقولك: الصنعة تدل على الصانع ، كان الحكم عقلياً ، وإن كان الإيجاب و السلب عادياً-كقولك: الحديد يصدأ ، كان الحكم عادياً، وإن كان الإيجاب و السلب شرعياً-كإيجاب الصلاة، وتحريم الخمر كان الحكم شرعياً (14).

  1. الحكم عند الفقهاء:

الحكم عند الفقهاء هو أَثر خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالأقتضاء أوالتخيير ،فأثر قوله تعالى { أَوفوا بالعقود } (المائدة:1) وجوب الوفاء بالعقود ، وأثر قوله تعالى :{ولا تقربوا الزنا } (الإسراء:32). حرمة الزنا، وأثر قوله: { أقم الصلاة لدلوك الشمس } (الإسراء:78)، أن الزوال سبب الوجوب الصلاة ، وهكذا في سائر الأحكام ، فالفقهاء يقولون:الحكم في هذا الأمر الوجوب أو الحرمة أو الإباحة أو أنه سبب لكذا،أو شرط له ، أو مانع من صحته ، ولايطلقون الحكم على الخطاب تفسه ، كما يفعل الأصوليون . (15).

  1. الحكم عند الأصوليين:

أختلف الأصوليون في الحكم الشرعي على أقوال متعددة كلها لا تخلوا من مطاعن واعتراضات، ولعل أقرب التعاريف للصواب ، أقلها أعتراضاً من قبل الأصوليين، هو قولهم بأن الحكم الشرعي هو : خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين إقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً. (16)

والأقتضاء هو الطلب ، وقد يكون طلب فعل أو كف ، وطلب الفعل قد يكون جازماً وهو الإيجاب ، وغير جازم وهو الندب ، وطلب الكف قد يكون جازماً وهو التحريم ، وغير جازم وهو الكراهة.

 وأما التخيير فمعناه التسوية بين الفعل و الترك وهو الإباحة ، والمقصود بالوضع ما يتعلق بالأحكام الوضعية كجعل الشيء سبباً لشيء آخر، أو شرطاً له ، أو مانعاً منه.

  1. المقارنة بين تعريف الحكم الشرعي وتعريف الفتوى:

تقدم أن الفتوى هي: إخبار عن حكم الله تعالى في إلزام أو إباحة.وأن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، اقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً،وعليه فالحكم الشرعي يتعلق بأفعال المكلفين على وجه العموم من غير التفات إلى واقع معين يرتبط به الحكم كالحكم بوجوب الصلاة أو حرمة شرب الخمر ونحوه ، أما الفتوى فهي تتعلق بحكم ما وإخبار عن حكم الله في ذلك الواقع المخصوص ، أو هي : تطبيق للحكم الشرعي على الواقع ، و إنزال للحكم الشرعي العام على واقع أو واقعة مخصوصة .

تنبيه :

قد يستعمل العلماء الفتوى بمعنى الحكم الشرعي أو العكس ، وهذا ناتج عن الارتباط الوثيق بينهما ، ومع هذا ينبغي الإنتباه عند استعمال مصطلح الحكم الشرعي في قاعدة تغير الفتوى، إذ قد يحدث عدم التنبيه إلى الفرق بين الحكم الشرعي وبين الفتوى لبساً عند الآخرين ، وقد يمهد لسوء استخدام لقاعدة تغير الفتوى ليُتَوَصَلَ من خلالها إلى تبديل شرع الله وأحكام دينه الثابتة .

ثانياً : تغير الفتوى وثبات الأحكام:

بينا فيما سبق أن المراد من تغير الفتوى: أن الفتوى تتغير بتغير موجباتها ، ونحب أن نشير الى أن الأحكام الشرعية بالمعنى الذي ذكرناه لا تتغير ، بل الثبات هو من أهم صفاتها وعلى المجتهد حين يمارس إعمال قاعدة تغير الفتوى أن يستبطن معنى ثبات الأحكام الشرعية ، وحين يُنزل الأحكام الشرعية على الواقع أن لايغفل عن قاعدة  تغير الفتوى، وكأن العلاقة بين ثبات الأحكام الشرعية وقاعدة تغير الفتوى أنهما إذا اجتمعا في سياق واحد ، اختلفا في معنى الثبات والتغيّر ، فالفتوى تتغير، و الأحكام ثابتة ، وإذا افترقا في السياق أُخذت الأحكام الشرعية عند تنزيلها في ظل قاعدة تغير الفتوى ، وأُخذت قاعدة تغير الفتوى في ظل ثبات الأحكام الشرعية .

ولبيان وتأكيد هذا المعنى نختم هذا المطلب بالآتي :

  1. أدلة ثبات الأحكام الشرعية:

الأدلة على بقاء الأحكام الشرعية على ما شرعها الله عليه ، ودوامها إلى قيام الساعة ، وعدم تأثرها بزمان ولا مكان أكثر من أن تحصى ، نذكر منها ما يلي – اختصاراً-:

  • قوله تعالى : {  اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } (المائدة:3)  .

فالدين قد كَمُلَ ونعمةُ الله تمت ، والتغير فيما قد كَمُلَ نقص ، وما لم يكن يومئذٍ ديناً فلن يكون بعد دينا ً، والقول بجواز تغير الحكم الشرعي هو طعن في إكمال الله لدينه ، وجحود للنعمة التي أتمها الله علينا بدينه .

  • قوله تعالى: { وأنّ هذا صراطي مُستقيماً فاتبعوُه ولاتتبعوا السُبُلَ فتفرقَ بكم عن سبيله } (الأنعام:(153).

فمن لم يتبع صراط الله المستقيم المتمثل في اتباع الكتاب و السنة فقد اتبع سُبل الشيطان ، ومن قال بأن أحكامه  تتغير فقد حكم بغير الكتاب و السنة و اتبع السُبُل المفرقة عن سبيل الله .

ج)  قوله تعالى : { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } (يونس:15) .

قال القرطبي -رحمه الله- :”  إني أخشى من الله إن خالفت أمره وغيرت أحكام كتابه وبدلت وحيه فعصيته بذلك عذاب يوم عظيم هوله”(17) .

ء)  قوله صلى الله عليه وسلم : ” من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رَدُّ ” (18) . أي مردود عليه فمن غَيَّر الأحكام فقد أحدث في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس منه فهو مردود عليه.

 ورحم الله الإمام الشاطبي إذ فهِم من استقراءه للنصوص هذا المعنى فقال :” فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها-أي الشريعة-نسخاً، ولا تخصيصاً لعمومها ، ولا تقيداً لإطلاقها ، ولا رفعاً لحكم من أحكامها ، لا بحسب عموم المكلفين ، ولا بحسب خصوص بعضهم ، ولا بحسب زمان دون زمان ولا بحال دون حال ، بل ما أثبت سبباً فهو سببٌ لا يرتفع ، وما كان شرطاً فهو أبداً شرط، وما كان واجباً فهو واجب أبداً أو مندوباً فمندوب ، وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها ولا تبدل، ولو فُرِضَ بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك ” (19).

  1. بين النسخ والقول بتغيّر الأحكام :

القول بأن الأحكام الشرعية تتغير معناه رفع حكم الأحكام الشرعية من المنع إلى الإباحة، أو من الإباحة إلى المنع ،أو نحو ذلك .

وتغير الأحكام الشرعية بهذا المعنى مساو للقول بنسخها، بعد وفاة الني صلى الله عليه وسلم، و قد أجمعت الأمة على ردّه.

إذ معنى النسخ عند العلماء هو :” رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر ” (20).

فالنسخ أن يُرفع حكم شرعي بدليل صحيح ليحل محله حكم آخر وهذا هو مؤدى القول بجواز تغير الأحكام الشرعية ، وإذا كان النسخ لا يكون إلاّ من الله تعالى ، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم -وهو ممنوع بعد انقطاع الوحي من السماء بموت المصطفى صلى الله عليه وسلم – بل القول بتغير الأحكام بعد موته صلى الله عليه وسلم يؤدي لامحالة الى التشبه بالذين بدَّلوا الكتاب بعد أنبيائِهم ، وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله هذا المعنى وأن من قال به فهو: ” يُجوّز تبديل المسلمين دينهم بعد نبيهم ، كما تقول النصارى أن المسيح سوغ لعلمائهم أن يحرموا ما رأوا تحريمه مصلحة، ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة وليس هذا دين المسلمين (21) .

وبهذا يتبين لنا ما أرادناه من بيان الفرق بين مسألة ثبات الأحكام الشرعية ، ومسألة تغير الفتوى بتغير موجباتها ، وذلك حتى يظل الفارق واضحاً بين الثوابت التي لا يمكن أن يلحقها تغير ، وبين إنزال الأحكام على الوقائع والتي هي عملية اجتهادية تقبل القول بتغيرها وتنوعها بحسب تغير موجباتها .

ولشيخنا العلامة عبدالله بن بيه – حفظه الله – كلام نفيس في هذا المعنى ذكره عند حديثه

على قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان- نعطر به هذا المطلب- فقد فقال : ” وهي قاعدة ليست على إطلاقها فليست كل الأحكام تتأثر بتغير الزمان فوجوب الصلاة ، والصوم ، والزكاة ، والحج  ،وبر الوالدين ، والكثير من أحكام المعاملات والأنكحة ، وكذلك فإن المنهيات القطعية كالاعتداء على النفس ، والأموال ، والأعراض ، وارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن  وأكل أموال الناس بالباطل ، ومنها الغش والخيانة ومحرمات عقود الأنكحة ومحرمات عقود البيوع المشتملة على الربا ، أو الغرر الفاحش ، أو الجهالة فكل تلك لا تستباح إلا بالضرورات التي تبيح المحظورات وبصفة عامة فمحرمات المقاصد التي تعنى أن العقد يشتمل على المفسدة التي نهى الشارع عنها لا تجيزها الحاجة

وبالعكس من ذلك فإن محرمات الذرائع التي يتوصل بها إلى المفسدة ، وواجبات الوسائل التي يتوصل بها إلى مصلحة ، فإنها تتغير بتغير الزمان لأنها تدور مع المصالح جلباً والمفاسد درءاً فإذا رجحت مصلحة على المفسدة التي من أجلها كان الحظر فإن النهي يستحيل تارة إلى تخيير وتارة إلى طلب” ( 22 ).

المبحث الثاني

فقه تَغَيُّر الفتوى وأثره على واقع الأَقليات المسلمة

وتحته مطالب:

المطلب الأول : أهمية قاعدة تغير الفتوى في نوازل الأقليات .

المطلب الثاني: المصالح والمفاسد المترتبة على اعتبار قاعدة تغير الفتوى في واقع الأقليات.

المطلب الثالث: خطورة الفَهْمِ الخاطئ لقاعدة تغير الفتوى.

المطلب الرابع: الأدلة الشرعية على قاعدة تغير الفتوى .

المطلب الخامس: وقفة تحليلية لكلام ابن القيم رحمه الله حول قاعدة تغير الفتوى.

 المطلب الأول : الحديث عن الأَهمية (عناصره وضرورته):

السؤال عن الأهمية اليوم من أهم الأسئلة التي ينبغي أن يُركز عليها عند بحث أي قضية علمية حتى نبتعد عن تسويد الأوراق، والعمل بصنعة السُراق على حد تعبير ابن العربي رحمه الله، في مقدمة العارضة حيث قال :” ولا ينبغي لحصيف أن يتصدى إلى تصنيف أَن لا يعدل عن غرضين إما أن يخترع معنى ، أو يبتدع وصفاً وفنناً … و ماسوى هذين الوجهين فهو تسويد الورق و التحلي بحلية السرق ” (23).

أعود فأقول بأنه كلما كان الجواب واضحاً وجامعاً عند أصحاب القضية العلمية حول أهمية الموضوع الذي يبحثونه كلما وصلت الفكرة إلى الآخرين بشكل واضح وجلي وتحركت العقول و القلوب إلى تبيينها والعمل بمقتضاها .

والطريق العملي السهل الذي يسلكه من أراد أن يحدد أهمية أي قضية علمية أو عملية أن يتصور  حالة الوجود وحالة الفقدان لهذه القضية و أثرها على الواقع.

وأقصد بحالة الوجود: الجواب الواضح عن المصالح والمنافع المترتبة على الاهتمام والاعتناء بدراسة قضية معينة بالنسبة لأصحابها وكذلك لمن يتوجهون إليه بها.

كما أقصد بحالة الفقد أو الفقدان: الجواب الواضح عن المفاسد والمضار التي تترتب على عدم الأهتمام بقضية معينة على أصحابها وعلى من يتوجهون إليه بها.

ولبيان المصالح المترتبة على تناول وفهم قضية تغير الفتوى في واقع الأقليات ، وبيان المفاسد المترتبة على الجهل بهذه القضية فقد خصصتُ المطلب الثاني في هذا المبحث لذلك.

المطلب الثاني: المصالح و المفاسد المترتبة على اعتبار قاعدة تغير الفتوى في واقع الأقليات:

يمكن النظر إلى المصالح و المفاسد المترتبة على اعتبار وإعمال قاعدة تغير الفتوى بتغير موجباتها على واقع الأقليات المسلمة من خلال الآتي:

أولاً: أثر ذلك على المجتهد في شؤون الأقليات المسلمة:

إن قاعدة تغير الفتوى بتغير موجباتها تُعين المجتهد في نوازل الأقليات المسلمة على أن يتمهل قليلاً قبل أن يصدر فتواه ، وذلك لينظر في واقع الأقليات ويتفحص جزئيات هذا الواقع التي لها علاقة بموضوع فتواه ، حتى يستكمل أدوات النظر والاجتهاد التي ذكرها  ابن القيم رحمه الله بقوله: “ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى و الحكم بالحقِ إلاّ بنوعين من الفهم.

أحدهما: فهم الواقع و الفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن و الأَمارات والعلامات حتى يحيط به علماً.

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع ، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر ” (24) .

والفتوى قد ترتبط بعدة عوامل ، وقد تتداخل فيها تلك العوامل وتتغير بسببها وسوف ينتفع المجتهد بمقدار فهمه لموجبات هذا التغير ، بل إنه بمقدار هذا الفهم سوف يفوز بتحليل دقيق عميق لواقع الأقليات المسلمة الذي يريد أن يفتي فيه .

فمعرفة أثر المكان وخصوصياته على اعتبار أنه ليس خاضعاً لأحكام دار الإسلام مثلاً ، أو  معرفة أثر الزمان الذي نعني به أثر التغير الحاصل على أخلاق الناس وسلوكياتهم ، أو أثر وجود المسلم بين أكثرية لا تؤمن بالله العظيم ولا بدينه القويم ، أو أثر الأعراف والعادات، وعموم البلوى ونحو ذلك من مكونات النظر الصحيح للواقع سوف يعين المجتهد في قضايا الأقليات من الاقتراب أكثر إلى دائرة الصواب في معرفة حكم الله في تلك النوازل و القضايا.

ثانياً: أثر ذلك على الأقليات المسلمة:

إذا علمت الأقليات المسلمة-وهي تمثل موضوع الفتوى- أن الفتوى الصادرة عن المؤسسة.

الإفتائية ، أو عن مجتهد معين قد روعي فيها شرط فهم الواقع الخاص بالأقليات ومراعاة المتغيرات المكانية والزمانية ونحوها  التي تؤثر في فهم المجتهد لواقعهم الخاص  فإنهم سوف يتعاملون مع الفتوى بإيجابية كاملة ويخضعون لما جاء فيها من الأحكام على أعتبار أنها فتوى مستكلمة لشروطها التي ذكرناها عن أبن القيم- رحمه الله- من فهم النص وفهم الواقع- ولا يسعهم غير ذلك استجابة لقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا  } (الأحزاب :36 ).

أمّا إذا تبين للأقليات المسلمة أن الفتوى الصادرة بحقها قد جاءت من جهات لا تفقه الواقع الخاص بالأقليات ، ولا تراعي الاختلاف بين مكونات هذا الواقع ومكونات الواقع الإسلامي، فإنها عندها لن تقبل هذه الفتاوى ، وأقل ما يمكن أن تتعامل به تجاهها أن تصف أصحابها بأنهم لا يعرفون الواقع الخاص بهم ولا يفقهونه ، وعندها تفقد الفتوى فاعليتها ، و لا يتحقق المقصود الشرعي من وجودها.

وفي مقابل هذا قد يتحمس بعض أبناء الأقليات المسلمة لهذه الفتاوى إذا كانت صادرة عن جهات يدينون لها بالولاء والحب والتعظيم، فيتسبب هذا الحماس وهذا الالتزام في تعطيل حركة الإسلام في أوساط هذه الأقليات، وأوساط الواقع الذي يعيشون فيه.

وكم تسببت فتاوى صادرة عن جهات بعيدة عن فهم واقع الأقليات -وهي مع بعدها ليس لها دراية ولا علم بخصائص هذا الواقع بوقوع مزيد من الاختلاف والتشرذم بين أبناء الأقلية المسلمة ، بل وفي تعطيل حركة الدعوة إلى الإسلام في أوساط المجتمعات التي تعيش فيها هذه الأقليات .

وختامًا فأن المقصود  أن نبين أن الأثر الإيجابي الذي يحدثه اعتبار قاعدة تغير الفتوى بتغير موجباتها في واقع الأقليات المسلمة ،وهو أثر عظيم يجعلهم يتحركون بدينهم في واقع مجتمعاتهم ، وهم يشعرون أن لديهم القدرة على الإلتزام بأحكام هذا الدين ، بل يجعلهم يشعرون بإمكانية الإلتزام بهذه الأحكام حتى وهم يعيشون في واقع غير إسلامي .

المطلب الثالث :خطورة الفهم الخاطئ لقاعدة تغير الفتوى:

إذا كنا قد أكدنا على ضرورة اعمال قاعدة تغير الفتوى بتغير موجباتها، فإنّ هذا الإعمال إذا تم في غير محله ومن غير أهله فإنه سوف يحدث فتنة في إلتزام الأقليات المسلمة بدينها خاصة إذا اسُتغلّت هذه القاعدة من قبل قوم قل نصيبهم من معرفة علل الأحكام و مداركها ، ورأو في هذه القاعدة ما يشبع أغراضهم وشهواتهم العاجلة فأتخذوا منها معولاً يضربون به النصوص الثابتة والقواعد الراسخة لهذا الدين.

إن تغير الفتوى حق لا ريب فيه ولكن ينبغي أن يفرق بينه وبين تغير الأحكام وتبدل النصوص وانحراف المقاصد و الحِكم عن موضعها التي أراده الله لها.

فتغير الفتوى يُعمله من كان مستصحباً للأُصول الشرعية، والعلل المرعية  و المصالح المعتبرة شرعاً ، لا الذين جهلوا النصوص و أنكروا الثوابت وتمسكوا بالمصالح الملغاة ! ليتخذوا من هذه القاعدة متكئاً لأهوائِهم وانحِرَافَتهم.

وكم رأينا من العلمانيين وأضرابهم من يتخذ من هذه القاعدة أصلاً يفسر به إنحرافه ، بل كم سمعنا منهم أحتفاءً وفرحاً بهذه القاعدة لتصبح كالفرع الذي عاد على أصله بالبطلان.

إن القول بتغير الأصول و الأحكام الشرعية بناءً على هذه القاعدة هو : الطريق للحكم و التحاكم إلى غير ما أنزل الله ، وهو اتباع للهوى ، ووقوع في فتنة التبديل لشرع الله ، وما على المسلم إلا أن يعتقد أن ذلك إفتراءٌ على الله ، وقول عليه بغير علم ، وقد قال تعالى:{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ }. ( الأعراف :33)

وقال تعالى – محذراً نبيه صلى الله عليه وسلم –  من هذه الفتنة: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74) إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} (الإسراء :).

قال ابن جرير رحمه الله في تفسيرها :” والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أن المشركين كادوا أن يفتنوه عما أواحاه الله إليه ليعمل بغيره وذلك هو الافتراء على الله ”  ( 25 ).

فإذا نظرنا إلى كل كذلك علمنا خطورة الاستخدام السيئ  والفهم الخاطئ لهذه القاعدة خاصة في واقع الأقليات المسلمة التي يحيط بها الكيد والمكر من كل مكان وتسلط عليها موجات من الشبهات ، والانحرافات العقدية والأخلاقية ونحوها  مما يُهئ مناخاً لخروج بعض المارقين الداعين لتغير أحكام الإسلام وثوابته ، للتتوافق مع واقع الأكثرية التي لا تؤمن بالإسلام ديناً بحجة تغير الواقع وخصوصية الزمان و المكان والحال .

 من أجل ذلك أحببت أن أنبه إلى هذا الأمر،وإلى أنه في كل يوم يخرج علينا من يزعم أنه من أصحاب الفكر الإسلامي المستنير المتوافق مع الواقع الأوربي بآراء فقهية وأحياناً كثيرة عقدية مخالفة لقواعد الشريعة و مواطن الإجماع بين علمائها ، بحجة اعمال قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان ، مع الطعن في فتاوى العلماء واجتهاداتهم و اتهامها بأنها لا تساير الواقع ، ولاتناسب الزمان والمكان ، فمن القول بإباحة بعض الفواحش بحجة أنه ليس عليها دليل قطعي لإقرار الواقع الأُوربي لها ! أوالقول بعدم وجوب حجاب المرأة المسلمة لإنها تعيش في واقع آمن ، أو القول بتعطيل بعض آيات القرآن الكريم لأنها لا توافق الواقع الأُوربي قياساً على الفهم  الخاطئ لاجتهاد عمر في مسألة المؤلفة قلوبهم ، الى غير ذلك من الأقوال التي تنبني عن جهل مركب كبير وتَقصُد لهدم ثوابت الإسلام و أصوله.

المطلب الرابع : الأدلة الشرعية على قاعد ة تغير الفتوى:

أولاً : الأدلة من الكتاب العزيز:

ذكر الشيخ القرضاوي – حفظه الله- أنه لم يقف على من استدل على هذه القاعدة من الكتاب العزيز ، وقد حاول أن يستدل لها من القرآن الكريم وهذه خلاصة ما قاله حفظه الله في كتابه موجبات تغير الفتوى في عصرنا.

  1. مهد الشيخ القرضاوي للاستدلال بالقران الكريم على هذه القاعدة ببيان أصل في غاية الأهمية  وهو أن الانطلاقة الصحيحة في تقرير الاستدلال من الكتاب العزيز على اصالة وشرعية هذه القاعدة يبدأ من محاولة التدقيق في دعواى النسخ في كثير من الآيات ، إذ التحقيق يُظهر أن العلاقة بين كثير من الآيات التي تصنف في مباحث النسخ  ليست لها  صلة بالناسخ والمنسوخ ، و إنما هي كما قال: “والتحقيق أنها ليست منسوخة ولا ناسخة، وإنما لكل منها مجال تُعمل فيه وقد تمثل إحداهما جانب العزيمة، والأخرى جانب الرخصة، أو تكون إحدهما للإلزام و الإيجاب، و الأخرى للندب و الاستحباب …. وهكذا  ”   .
  2. من الأدلة القرآنية التي ذكرها في هذا السياق قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ } (الأنفال:65).

 ثم قال تعالى: { الآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } (الأنفال:66).

قال الشيخ القرضاوي- حفظه الله- : معقبا على الاستدلال بهذه الآية الكريمة بما رواه البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:لما نزلت { إن يكن منكم عشرون صابرون  }  شق ذلك على المسلمين ، حين فرض عليهم ألاّ يفر أحد من عشرة.

 فجاء التخفيف فقال :  {ألئن خفف الله عنكم } -. “وهذه الرواية لا تدل على النسخ الأصولي الذي زعمه بعضهم وهو رفع الحكم الذي تضمنته الآية الأولى، وانتهاء العمل به إلى الأبد- فقد تبين أن الآية الأولى عزيمة ، أومقيدة بحال القوة ، والثانية رُخصة مقيدة بحال الضعف ، ومعنى هذا أن الآية الثانية تشرع لحالة معينة ، غير الحالة التي جاءت لها الآية الأولى ، وهذا أصل لتغير الفتوى بتغير الأحوال . مثل ذلك آيات الصبر، والصفح، والعفو، والإعراض عن المشركين ونحو ذلك، مما قال فيه كثير من المفسرين: نسختها آية السيف ، فالحق أن لهذه الآيات وقتها ومجالها، و لآية السيف وقتها ومجالها كذلك ” (26).

ثانياً: الأدلة من السنة المطهرة:

  1. ماثبت عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :” ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم عليه السلام قالت، فقلت يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا حِدثان قومك بالكفر لفعلت ” (27) فالنبي صلى الله عليه وسلم عزم على تغيير البيت ورده إلى قواعد إبراهيم ، ومنعه من ذلك مع مقدرته خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر.

و من الواضح في هذا الحديث تغير حال المنكر الذي يراد تغييره إلى حال يكون فيها أقل نكراً مما يصار إليه بالتغير .

  1. عن عبدالله بن واقد قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، قال عبدالله بن أبي بكر فذكرت ذلك لعمرة فقالت صدق سمعت عائشة تقول : دفّ أهلُ أبياتٍ من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه: وسلم ادّخروا ثلاثاً ثم تصدقوا بما بقي فلما كان بعد ذلك قالوا يا رسول الله إنّ الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويحملون فيها الودك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما ذاك قالو نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال إنما نهيتكم من أجل الدّافّةِ التي دفق فكلوا وادخروا وتصدقوا ” (28).

قال الشيخ يوسف القرضاوي- حفظه الله-: ” ومعنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام في حالة معينة، ولعلة طارئة ، وهي وجود ضيوف وافدين على المدينة في هذه المناسبة الطيبة، فيجب أن يوفر لهم مايوجبه كرم الضيافة وسماحة الأخوة من لحم الضحايا، فلما انتهى هذا الظرف العارض، وزالت هذه العلة الطارئة ، زال الحكم الذي أفتى به الرسول تبعاً لها، فإن المعلول يدور مع علته وجوداً وعدماً، وغير النبي الكريم فتواه من المنع إلى الإباحة، ولهذا صرح في أحاديثه بإباحى الأدخار بعد ذلك قائلاً : (  كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، فكلوا و أطعموا وادخروا).

فهذا مثل واضح لتغير الفتوى بتغير الأحوال، وأكثر الفقهاء على اعتبار هذه الإباحة نسخاً للنهي المتقدم …. والتحقيق أنه ليس من باب النسخ، بل من باب نفي الحكم لانتفاء علته كما أشار إلى ذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه في آخر((باب العلل في الحديث)) من كتابه ((الرسالة)) حيث ربط نهي عن الادخار بالدفّة” (29).

وختاماً فقد أكتفيت ببعض الأدلة التي يتحقق بها المراد على اعتبار قاعدة تغير الفتوى بتغير موجباتها والا فهي قاعدة أدلتها أكثر من أن تحصى فإذا أضفنا الى هذه الأدلة اجتهادات الصحابة ومن بعدهم من المجتهدين أصبحت هذه القاعدة من القواعد المتفق عليها بين العلماء وإن اختلفوا في التضييق والتوسع عند استعمالها ومجالات تطبيقاتها.

المطلب الخامس: وقفة تحليلية لكلام ابن القيم رحمه الله حول قاعدة تغير الفتوى:

إن من أكثر نصوص الفقهاء تعرضا للتحريف لدى طائفة من العلمانين ، ما أورده الإمام ابن القيم- رحمه الله- في كتابه إعلام الموقعين حول تأصيل و إبراز قاعدة تغير الفتوى بتغير موجباتها ، فهم قد أخذوا كلمات الإمام ابن القيم حول هذه القاعدة وطاروا بها في كل حدب وصوب ، وصاحوا بها في كل واد وناد كما فعلوا من قبل مع كلام الإمام الطوفي حول اعمال المصلحة و لو خالفت نصاً شرعياً.

وهذا الاستعمال والتوظيف لكلام ابن القيم -رحمه الله-  لا يعود لقناعة العلمانيين بمصدريه وصلاحية القواعد الشرعية لقوانين الناس و أحكامهم ، وإنما هو توظيف ماكر لهذه المقولة ليضربوا بها – وهي فرع – أصول التشريع وأحكامه فيضربوا الأصل بالفرع ، طمعاً بالفوز بتغير بعض أحكام الشريعة الثابتة لتخضع للأهواء والشهوات التي تمليها عليهم عقولهم ومصالحهم المزعومة.

ولخطورة هذا الاستخدام، أحببت أن أقف مع كلام ابن القيم -رحمه الله- لأبين الفرق بينه وبين مزاعم العلمانيين فقلت وبالله التوفيق:

أولا : نص كلام ابن القيم رحمه الله:

قال رحمه الله: ” فصل في تغير الفتوى ، واختلافها بحسب الأزمنة والأمكنة والأحول والنيات والعوائد .

 هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة ، أوجب الحرج والمشقة وتكليف مالا سبيل إليه ، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به  فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد

وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها ، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل ، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة

وأصدقها ، وهي نوره الذي أبصر به المبصرون وهداه الذي اهتدى به المهتدون وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي من استقام به فقد استقام على سواء السبيل ، فهي قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح ، فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصل بها وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها ، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوى العالم وهي العصمة للناس وقوام العالم وبها يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها ، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة ” ( 30 )  .

ثانياً: وقفات مع مع هذا النص المبارك:

يتبين لنا من خلال القراءة الصحيحة لكلام ابن القيم رحمه الله الآتي :

الوقفة الأولى: أن الإمام رحمه الله قد عنون لهذه القاعدة بقوله : فصل في تغير الفتوى ولم يقل في تغير  الحكم الشرعي ، وكما ذكرنا في بيان الحكم الفارق بين الحكم الشرعي وبين الفتوى وكيف أن التغير يطرأ على الفتوى باعتبارها اجتهاداً ولايطرأ على الأحكام لأنها من الثوابت القطعية .

الوقفة الثانية: أن الإمام قد نص على رعاية الشريعة للمصالح ودرء المفاسد  لكنه لم يحصرها في مصالح الدنيا فقط بل قال: “رعاية الشريعة للمصالح ودرء المفاسد في المعاش والمعاد “. وهذه مفارقة واضحة للمذهبية العلمانية التي لا تعتني إلاّ بمصالح الدنيا ومفاسدها ، أمّا ما نص عليه الإمام فهو لا يفصل بين الدنيا والآخرة ، ولذا فلا حجة للعلمانيين في الاستشهاد بهذا النص إلاّ على سبيل الأختزال و التحريف.

الوقفة الثالثة: أن الإمام قد جعل معيار قبول المصلحة هو التشريع وليس العكس ، وأي مصلحة خالفت الشريعة مردودة على أصحابها.

قال رحمه الله : “فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصالحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل”  إلى أن قال رحمه الله: “وكل خيرٌ في الوجود فإنما هو مستفاد منها – أي الشريعة – ، وحاصل بها ، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها” .

وبهذا الكلام الواضح الجلي الذي يربط بين الخير في الوجود والالتزام بشريعة الله ، وبين حصول الشر والنقص في الوجود وإضاعة هذه الشريعة ، تنقطع أنفاس من فصل الدين عن الحياة و اتكأ على مبدأ المصلحة المطلقة حتى لو خالفت الشريعة وكانت سبباً في النقص و الخراب الذي أشار اليه الإمام في كلامه السابق .

ثالثاً: الأمثلة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تبين مقصوده في تغير الفتوى وليس تغير الأحكام:

 إضافة لكلام الإمام الواضح البين في الربط بين قبول المصلحة ما دانت تنطلق من قواعد  الشريعة الغراء التي هي عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه ، فإننا لو تأملنا في كل الأمثلة التي

ساقها الإمام لبيان مراده من هذه القاعدة نجد أن جميع الأمثلة لاعلاقة لها بتغير الأحكام الثابتة ، وإنما هي أحكام مناطة بواقع أو حال أو زمان أو مكان معين تتغير كلما تغير المناط المتعلقة به.وقد أحسن الدكتور بسطامي سعيد في تلخيص وتقريب كل الأمثلة التي ذكرها ابن القيم على النحو التالي:

1– الحالة التي يثبت تغير النص فيها بنص آخر : مثل نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع الأيدي في الغزو ، فتعطيل الحد هنا في هذا الظرف ثابت في نص آخر . ويشبه ذلك أيضا سقوط حد السرقة أيام المجاعة كما هو منقول عن عمر بن الخطاب عملا بنص درء الحد بالشبهة

2- الحالة التي تتعارض فيها المصالح التي تثبتها النصوص ، ومثالها ترك إنكار المنكر إذا كان يستلزم ما هو أنكر منه . يقول ابن القيم : ” فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى أن يزول ويخلفه ضده ، الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته ، الثالثة أن يخلفه ما هو مثله ، الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه . فالدرجتان الأوليان مشروعتان ، والثالثة موضع اجتهاد ، والرابعة محرمة”.

3– حالة يستعمل فيها القياس وإلحاق الأشباه والنظائر بأمثالها التي تثبتها النصوص ، ومن أمثلة ذلك أن النص جعل صدقة الفطر في أصناف مخصوصة ، فيقاس عليها أمثالها من الأصناف التي تصلح أن تكون قوتا ، في البلاد التي لا يوجد فيها الأصناف التي حددها النص . ويضيف ابن القيم قائلا: ” وكذلك حكم ما نص عليه الشارع من الأعيان ، التي يقوم غيرها مقامها من كل وجه أو يكون أولى منها ، كنصه على الأحجار في الاستجمار ، ومن المعلوم أن الخرق والقطن والصوف أولى منها بالجواز ، وكذلك نصه على التراب في الغسل من ولوغ الكلب والاشنان أولى منه ، هذا فيما علم مقصود الشارع منه وحصول ذلك المقصود على أتم الوجوه بنظيره وما هو أولى منه “.

4- حالة استثنائية قاهرة خاصة بحالة العجز والضرورة ، ومثالها صحة طواف الحائض إذا خشيت أن تفوتها رفقتها في الحج ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم منع الحائض من الطواف وقال: ” اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت” .وهو نص واضح في عدم صحة ذلك في الأحوال العادية.

يقول ابن القيم: ” وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها له ، بأعظم من اشتراطها للصلاة ، فإذا سقطت بالعجز عنها فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحرى .

5– الحالات التي تتغير فيها عبارات العقود والأيمان والطلاق والنذور تبعا لتغير العرف والعادة في ذلك . (31)

المبحث الثالث

موجبات تغير الفتوى والتطبيقات الفقهية على واقع الأقليات المسلمة في الغرب

وتحته المطالب التالية:

المطلب الأول: تغير المكان وفتاوى الأقليات.

المطلب الثاني: تغير الزمان وفتاوى الأقليات.

المطلب الثالث: تغير العرف والعادة وفتاوى الأقليات.

موجبات تغير الفتوى والتطبيقات الفقهية على واقع الأقليات المسلمة في الغرب

موجبات تغير الفتوى ، أو الأسباب التي تستوجب تغير الفتوى خاضعة في الأصل إلى النظر الى العلل الشرعية ، فما كان من الأحكام مبنياًً على أماراتٍ غير ثابتة ولا مطردة في المحال-أي أنه ما قد يتحقق مناطه في محل معين قد يتخلف في محل آخر- ينبغي على المجتهد أن يعرفه ويميز بينه وبين غيره من الأحكام الثابتة.

و حصر هذه الأسباب في عدد معين نوع من التحكم ، وذلك لأنها عائدة في الأصل الى تغير المصلحة فهي كأسباب وموجبات لا تؤثر بذاتها بل  تدور مع المصلحة وجوداً وعدماً ، وإذا ارتبط الأمر بالمصلحة فلا يمكن عندها حصر الأسباب في عدد معين محدود إلأ على سبيل التمثيل.

بيد أن العلماء- رحمهم الله- تيسيرا على الناس حاولوا أن يحصروا هذه الأسباب في عدد معين رأوا أنه بمثابة أسباب كبرى ففي حين ذكر بعضهم أربعة أسباب رئيسةعضهم أسباباً أخرى؛الى أن أوصلها إلى عشرة.(32)

ونحن سنذكر في مبحثنا هذا ما يتعلق من هذه الأسباب بواقع الأقليات المسلمة دون تكلف وسنكتفي بذكر ثلاثة منها، هي- في نظرنا – أهمها وأعظمها أثراً وهي:

  • تغير المكان.
  • تغير الزمان.
  • تغير العرف والعادة.

المطلب الأول : تغير المكان وفتاوى الأقليات

أولاً: تغير المكان الحقيقة والماهية:

المكان هو ظرف جعله الله وعاءً لحركة الإنسان وأفعاله في مدة زمنية محددة ، و لا يمكن أن ينظر إليه على أنه بقعة من الأرض مجردة بل هو  شخصية اعتبارية مركبة من الآتي :

  1. ما خصه الله به من تقاسيم جغرافية تتعلق بطبيعته الجغرافية من حيث كونه مكاناً جبلياً أو وادياً أو سهلاً أو نحوه ، أو من طبيعته الفلكية  من حيث كونه مكاناً حاراً أو بارداً أو معتدلاً.
  2. ما صنعه الإنسان من إعمار أو بناء على هذه الأرض بدرجات متفاوته ما بين القرية الصغيرة إلى المدينة الكبيرة وما بين خيمة البادية إلى عمران الحاضرة.
  3. فعل الإنسان وحركته في هذه الأرض ومدى موافقة ذلك لأمر الله وحُكمه ، مما يجعل من الأرض بقعة للطائعين العابدين ، أو للفاجرين الفاسقين ، أو دار طاعة وقربة ، أو دار فسق وفجور .
  4. المصدر التشريعي الذي اختاره الناس ورضوا به على تلك الأرض أو السلطة التشريعية الحاكمة لحياة الناس على تلك البقعة  مما يجعل الأرض توصف بكونها دار إسلام أي السلطة التشريعية لآهلها خاضعة لأحكام الإسلام ومصادره التشريعية ، أو دار كفر أي السلطة التشريعية لأهلها ليست خاضعة للإسلام ومصادره التشريعية.

فبالنظر إلى هذه المكونات يمكن أن ندرك المقصود بتغير المكان وأثره على الفتوى ، بمعنى أن الفتوى إذا كانت مبنية على اعتبار مكون من مكونات الشخصية المعنوية لمكان ما ، فإنها ستتغير بتغير ذلك المكان.

ثانياً: تغير المكان وعلاقته بواقع الأقليات المسلمة:

قلنا بأن أحد المكونات للشخصية الأعتبارية للمكان ما يتعلق بالسلطة التشريعية أو مصدر التشريعات الذي أختاره سكان ذلك المكان وارتضوه حكماً بينهم ، وعلى هذا الاعتبار يمكن إرجاع الخلاف الحاصل بين الفقهاء في تحديد حقيقة دار الإسلام وقسيمتها دار الكفر ، وما ينبني على ذلك من الاختلاف في تكييف الواقع الغربي وهل هو دار كفر أو دار دعوة أو دار عهد أو غير ذلك ، مع الإتفاق على أن هذه الديار ليست دار إسلام قولاً واحداً .

 ولا شك أن هذا التغير في وصف الدار ينتج عنه اختلاف في الفتوى المتعلقة بالمسلمين المقيمين على ظهرها ، والفارق واضح لكل ذي بصيرة بين مسلم يعيش في دار السلطة التشريعية  فيها ترتكز على مصادر الشريعة من الكتاب و السنة ونحوها ، و مع قوم رضو بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً.

ومسلم آخر يعيش في ظلال دار لا تحتكم إلى الإسلام ومع قوم يخالفونه في الدين والعقيدة ،ويزداد الفارق وضوحاً إذا كان المسلمون يعيشون كأقلية صغيرة في وسط أكثرية تخالفهم في الدين و العقيدة والمنهج والشريعة .

فالمقصود أن نبين حقيقة المكان الذي تعيش فيه الأقليات المسلمة وطبيعته وأثر ذلك على صناعة الفتوى المتعلقة بهم كما يقول الشيخ القرضاوي -حفظه الله-: ” أن المسلم في دار الإسلام يعيش بين أهله وبين ظهراني مجتمعه الذي هو كالماء للسمك ، أو كالهواء للطير، فهذه الدار محضن يحميه، ومدرسة تعلمه ، وعش يظلله ، ومنارة تهديه ، يتلقى العقيدة من هذا المجتمع ، ويتعلم الشريعة من هذا المجتمع ، ويقيس الأخلاق والآداب من هذا المجتمع ، يتعلم من الأب و الأم و الإخوة و الأقارب و الجيران و الشيوخ والمعلمين ، وأفراد الجماعة كلها: يتعلم من المسجد ، ومن المدرسة ، ومن البيت ومن الطريق.

وهذا بخلاف من يعيش خارج دار الإسلام – وبعبارة أخرة – من يعيش في مجتمع غير مسلم ، فهو يعيش في محنة أو أزمة ، لأن المجتمع من حوله لا يعينه على أداء الواجبات ، ولا على اجتناب المحرمات ، بل بالعكس يغريه باقتراف المنهيات ويثبطه عن فعل المأمورات “( 33 ).

ثالثاً: نماذج إفتائية على تغير المكان وأثره على فتاوى الأقليات:

  • حكم إقامة المسلم اختياراً في غير دار المسلمين :

اختلف العلماء قديماً وحديثاً في حكم إقامة المسلم في غير دار المسلمين  اختياراً  ما بين من يمنع هذه الإقامة مطلقاً  وهو الذي يظهر من قول المالكية و الظاهرية  ، وبين من يمنع فقط عند عدم قدرة المسلم على إظهار دينه وهو مايظهر من قول الجمهور  .

وبدون الدخول في تفاصيل هذا الخلاف وأدلته المبثوثة في مضانها ؛ إلاّ أنه ينبغي أن ينظر في واقع حال المسلمين المقيمين في أوربا وأمريكا من خلال التغير الحاصل في العوامل التالية -التي تخضع لتغير المكان المؤثر في الفتوى – :

  • أن المسلم في هذه الدول يتساوى في الحقوق السياسية مع غيره على أساس مبدأ المواطنة الذي يساوي بين أفراد هذه المجتمعات في الحقوق و الواجبات وعلى هذا فالمسلمون إذا نظرنا إليهم باعتبار الخصوصية الدينية فهم أقلية ، وإذا نظرنا إليهم من مبدأ الحقوق والواجبات العامة فهم مواطنون لا يختلفون عن غيرهم ولو كانوا أكثرية.
  • أن المرجعية في هذه الدول للعلمانية التي فصلت الدين عن الحياة ، وعليه فالسلطة في هذه البلاد ليست لدين معين بل هي للشعب ، و الأقلية المسلمة هي جزء من هذا الشعب و إن كانت جزئه الأضعف إلاّ أنها يمكن أن تؤثر في واقع تلك البلاد سلباً أو ايجاباً .
  • إن وجود الأقليات المسلمة في هذه الديار ليس وجوداً إستثنائياً يعودون من بعده إلى دار الإسلام الموحدة التي تحتضنهم وتجمعهم ! ، بل هو وجود أصيل ، فتلك البلاد هي دارهم إمّا بأعتبار ولادتهم ونشأتهم كالأقليات التي هي من أهل تلك البلاد أو بأعتبار التجنس و الحصول على حق المواطنة ، إضافة  إلى ذلك أن نظرية الهجرة الجماعية إلى دار الإسلام غير ممكنة للأفراد فضلا عن جماعة المسلمين في هذه الديار وذلك لتشتت ديار المسلمين ولدخول عنصر الدولة القطرية في كل دولة من هذه الدول ولذا فإن القول بعموم الهجرة من ديار الغرب الى ديار المسلمين  سيترتب عليه- لامحالة- حرج عظيم تأباه  قواعد التشريع وأصوله   .

وعليه فطرح هذه المسألة بالاعتماد فقط على الخلاف بين المتقدمين فيها دون اعتبار لكل هذه المتغيرات هو إهمال لإعمال قاعدة تغير الفتوى بتغير المكان قد يتحقق بسببه ما قاله الإمام ابن القيم رحمه الله ” هذا فصل عظيم النفع جدا ، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لاتأتي به ”  ( 34 ) .

  • حكم الزواج من الكتابيات في بلاد الغرب:

هذه المسألة مطروحة في كتبنا الفقهية شرحاً وتفصيلاً ، والخلاف فيها قديم- من لدن الصحابة إلى يومنا- ما بين مبيح ، ومحرم ، وكاره لهذا الأمر . إلاّ أن تغير المكان- بالاعتبارات التي بيناها في حقيقة المكان – ينبغي أن يؤخذ بعين الأعتبار عند الإفتاء في هذه المسألة ، ومما أستجد في واقع  هذه المسألة ويمكن أن يؤثر في الفتوى المتعلقة بها ما يلي:

  • أن الزواج سيتم في دولة القانون فيها هو قانون المرأة الكتابية ، وليس قانون الرجل المسلم ، فالمسلم عند إقدامه على هذا الزواج يعلم مسبقاً أن الحكم في كل ما يتعلق بشؤون الحياة الزوجية ليس له علاقة بأحكام الإسلام بل هو مبني على القوانين الوضعية ونحوها خاصة عند الأختلاف و النزاع.
  • إن البيئة الاجتماعية والأخلاقية لهذ البلدان قد جعلت من شرط العفة التي هي موضع إجماع لدلالة النص عليها { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } )المائدة : 5)، عملةً نادرةً في المجتمعات الغربية – وهذا بإقرارهم و دراساتهم المنشورة في المراكز المختصة – ومن عاش في تلك الديار علم صدق هذا الحال.
  • إن الثقافة الأسرية السائدة والتي لا تقبل المرأة الغربية التنازل عنها أن تربية الأبناء لا يمكن أن ينفرد بها الأب المسلم – خاصة فيما يتعلق بشؤون الأبناء الدينية والأب مخير بين أمرين أحلاهما مر، إما أن يُعطي الأم الحق في أن تربي أبنائها على دينها كما له الحق في ذلك إستناداً لمبدأ المساوة ، وإما أن يترك الأبناء دون توجيههم ليختاروا بعد بلوغهم ما يريدون ولو كان ذلك إلحاداً أو كفراً !.

هذه بعض المتغيرات التي لايمكن إهمالها عند الإفتاء في مسألة الزواج من الكتابية في ديار الغرب وهي من تغير المكان الذي ينبغي أن يؤثر في تغير هذه الفتوى .

ج-  حكم ميراث المسلم من غير المسلم:

نحن نعلم أن جمهور الفقهاء قد ذهبوا إلى أن المسلم لا يرث الكافر ، كما أم الكافر لا يرث المسلم ، وقد استدلوا على ذلك بصريح قوله صلى الله عليه وسلم :” لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر يرث المسلم ” (35 ).

وذهب غيرهم إلى خلاف ذلك لأدلة مذكورة في مضانها، والذي يعنينا في بحثنا هذا هو أثر اختلاف المكان في هذا الحكم ، وهل هو حكم ثابت فوق كل أرض و تحت كل سماء ؟ ، أم أنه منوط بأمور أخرى غير الأعتقاد القلبي كما قال أبن تيمية رحمه الله: ” فعلم أن الميراث مداره على النصرة الظاهرة لا على إيمان القلوب و الموالاة الباطنة  “. (36 ).هذا محل بحث ودراسة .

فإذا أضفنا إلى أدلة الذين قالوا بخلاف قول الجمهور بعض الأعتبارات الجديدة ، فهل يبقى تعميم قول الجمهور خارج ديار الإسلام سائغاً ، أم أنه قابل للتغيير لتغير موجباته ؟، المسألة اجتهادية ولكل وجهة هو موليها .

 والذي يعنينا في هذا المبحث هوذكر بعض التغيرات المتعلقة بالمكان- والتي قد تؤثر في مسار الفتوى المتلعقة بهذه النازلة – ومن  هذه التغيرات ما يلي:

  • إن الميراث يخضع لقوانين الدول المنظمة لذلك ، وترِكة المسلم وغير المسلم في ذلك على حد سواء ، فالقول أن أختلاف الدين في هذه الديار مانع من الميراث ليس له أي سلطان قضائي، وسيؤدي إلى اختلال ميزان العدل في مسألة المواريث ، فالمسلم الذي يلتزم ديناً بهذه الفتوى ويترك المال الذي استحقه من مورثه الكافر،لا يستطيع أن يُلزم الكافر بترك المال الذي يرثه من مورثه المسلم ، وعندها تنتهي الصورة واقعياً ، بأن غير المسلم يرث المسلم ، و المسلم لا يرثه وهذا أمر ينبغي أن يؤخذ بعين الأعتبار.
  • إن الأموال التي سنمنع المسلم من أخذها- لأنها وصلت إليه عن طريق مورثه غير المسلم- لن يأخذها أحد من الورثة غير المسلمين بل ستعود بحكم القانون إلى الأموال السائبة التي تخضع لسلطة الدولة ، والتي تعطي بحسب القانون إلى المؤسسات الدينية النصرانية ونحوها أو المؤسسات الخيرية الإنسانية .

ومن هاهنا، فإننا حتى لو قلنا بأن المسلم لا يجوز له أن يأخذ هذا المال فهل يجوز له أن يتركه ليصرف  في هذه الوجوه ؟ أم أن له أن يأخذه ويضعه في أوجه النفع العام للأقلية المسلمة .

  • مسألة غياب بعض علامات الصلاة في بعض الأقطار الأوربية:

 وصورة هذه المسألة أن وقت صلاة العشاء في بعض الأقطار الأُوربية يبدأ في التأخر، ثم بعد ذلك تفقد العلامة الشرعية لصلاة العشاء كلياً وتتصل حمرة الغروب مع بياض الفجر

 وقد اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على عدة أقوال أهمها القول بالتقدير وهو قول بعض اللجان الفقهية في الدول الاسلامية  ، والقول بالجمع بين المغرب والعشاء تقديماً وهو قول المجلس الأُوربي للافتاء و البحوث.

ومما ينبه إليه وينبغي أن يؤخذ بعين الأعتبار عند الترجيح بين أقوال العلماء في هذه المسألة ما يلي:

  • إن القول بالتقدير على أقرب البلدان يفترض وجود سلطة قضائية شرعية تأخذ على عاتقها إنزال هذا التقدير على أرض الواقع ، إذ هو مسألة حسابية دقيقة تحتاج إلى عمليات حسابية تتعلق بوقت غياب الشفق في الدولة المُقاس عليها، ثم عمليات حسابية تتعلق بتحديد طول الليل طيلة هذه الفترة في الدولة التي لا يغيب فيها الشفق ، ثم بعد ذلك تأتي عملية التقدير المفتى بها ، وهذا الأمر لم تتوفر له جهة شرعية في أُوربا تقوم به وإلى أن تنشأ هذه الهيئة وتحصل على تراضي المسلمين ، وقبول تقديرها ، فيصبح القول بالتقدير قولاً يتعلق في عالم النظر والفكر لا في عالم الواقع والتطبيق إذ يصعب على آحاد المسلمين أن يقوموا بذلك.

ويصار عندها إلى حالتين، إما الأخذ بتقدير غير صحيح كأن يقدر ساعة ونصف ثابتة مثلاً دون أعتبار لأسس التقدير التي قال بها أصحابها، وإما الأخذ بالقول الثاني وهو الجمع بين الصلاتين لوجود الحرج المتعلق بعدم غياب الشفق ، والحرج المتعلق بتعذر تطبيق التقدير في واقع الأقليات في أوربا، مع ثبوت رخصة الجمع للحاجة في مثل هذه الحالات.

هـ – مسألة أستخدام الكلاب في المناطق القطبية:

يقول الشيخ القرضاوي حفظه الله  -في بيانه لحال المسلمين الذين يعيشون في مناطق ثلجية يغلب عليها الثلج في كل مكان – : ” وهم هناك يستخدمون الكلاب لجر عرباتهم ، فهي التي تحتمل هذا البرد الشديد ، أفنحرم عليهم اقناء الكلاب ، وهي ضرورة لحياتهم ومعيشتهم ؟ أم نستثني هذه الحالة و أمثالها من النهي العام عن اقتناء الكلاب ؟ لا شك أن الأستثناء هو الاتجاه السليم ، والفقه البصير في هذه القضية. وهو أيضاً يتصل بمقاصد الشريعة، فهذه الكلاب لا تعقر و لا تخيف كبيراً و لا صغيراً و لا تؤذي أحداً، بل تخدم الإنسان فأصبح شأنها شأن بهيمة الأنعام ” (37).

وأخيراً فإنني اكتفيت بذكر بعض النماذج الإفتائية المبنية على اعتبار عنصر المكان بجميع مكوناتها تقريباً للمعنى المراد، ومنتهى القول أن الفتاوى المتعلقة بواقع الأقليات المسلمة ينبغي لأهل الاجتهاد والنظر فيها أن يتأملوا جيداً في خصوصية المكان وأثر مكوناته على واقع المسلمين و نوازلهم، حتى لا يوقعوا المسلمين في الحرج، أو يصادموا مقاصد الشرع.

المطلب الثاني: تغير الزمان و أثره في فتاوى الأقليات المسلمة

أولاً: تغير الزمان مفهومه وحقيقته:

الزمان هو الظرف الذي جعله الله وقتاً لحركتنا على هذه الأرض وحركة جميع المخلوقات وتغير الزمان في باب الفتوى لا يقصد به حركة الإنسان عبر الأيام و الليالي.

إنما يقصد بتغير الزمان تغير البنية الاجتماعية والدينية للمسلمين ، وما يعرض للمسلم من اختلاف امكانيته على الألتزام بالأحكام الشرعية كاختلاف قدرته وعجزه ونحو ذلك.

فكم من أمر يكون المسلم تجاهه في حالة عجز وضعف على القيام به ثم يتغير الزمان أي الحالفيصبح هذا الأمر سهلاً وممكناً ، أو يكون المسلم في حالة قوة وقدرة عليه ثم يتغير الزمان فيصبح هذا الأمر صعباً وشاقاً وقد يعسر عليه القيام به على وجهه المشروع  .

وقد قرب الشيخ مصطفى الزرقا _رحمه الله_ معنى تغير الزمان بقوله : ” من المقرر في فقه الشريعة أن لتغير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيراً كبيراً في كثير من الأحكام الشرعية الاجتهادية، فإن هذه الأحكام تنظيم أوجبة الشرع يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد.

 فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية وبالأخلاق العامة، فكم من حكم كان تدبيراً أو علاجاً ناجعاً لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل الى المقصود منه ، أو أصبح يفضي إلى عكسه ، بتغير الأوضاع و الوسائل و الأخلاق” (38).

ويقول في موضع آخر : ” قد يكون تغير الزمان الموجب لتبديل الأحكام الفقهية الاجتهادية ناشئاً عن فساد الأخلاق وفقدان الورع وضعف الوازع، مما يسمونه فساد الزمان.

وقد يكون ناشأً عن حدوث أوضاع تنظيمية ووسائل زمنية جديدة من أوامر قانونية مصلحية وترتيبات إدارية و أساليب اقتصادية ، ونحو ذلك.

 وهذا النوع الثاني هو أيضاً كالأول موجب لتغير الأحكام الفقهية الاجتهادية المقررة قبله إذا أصبحت لا تتلائم معه لأنها تصبح عندئذ عبثاً أو ضرراً، و الشريعة منزهة عن ذلك ” (39).

إذا فمعنى تغير الزمان لا يقصد به أن الأمور التي كانت محرمة قبل عشر سنوات- مثلاً- تصبح اليوم مباحة أو عكس ذلك ، إنما المقصود أن الأحكام المبنية على مراعاة مصلحة معينة متعلقة بواقع الناس السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي ونحو ذلك تتغير إذا تغيرت تلك المصلحة.

فتغير الزمان هو التغير الحاصل والواقع على المصالح والمفاسد التي أُنيطت بها بعض الأحكام في واقع معين، وقد قال الشيخ عبدالله بن بيه –حفظه الله – في تغير الفتوى بتغير الزمان : ” وليس ذلك إلاّ لترجح مصلحة شرعية لم تكن راجحة في وقت من الأوقات أو لدرء مفسدة حادثة لم تكن قائمة في زمن من  الأزمنة والزمن لا يتغير كما قال الشاعر:

وما الدهر الاّ ليلة ونهارها                                  وإلاّ طلوع الشمس ثم غيابها

و الذي يتغير هو أحوال أهل الزمن و المصالح التي تبني عليها الأحكام جلباً و المفاسد التي تراعيها الشريعة درأً  “(40).

ثانياً: تغير الزمان وعلاقته بواقع الأقليات المسلمة:

إذا كانت حقيقة تغير الزمان الموجب لتغير الفتوى كما بينا وأنها تعني تغير الأخلاق والأوضاع الاجتماعية ، مع ضعف الوازع الديني ونحوه ، فإن تغير الزمان بهذا المعنى متحقق في أعلى صوره في واقع الأقليات المسلمة خاصة في بلاد الغرب  .

وإذا كان الفقهاء من المتقدمين و المتأخرين قد أفتوا بخلاف من سبقهم من الأئمة والمجتهدين على أعتبار فساد الزمان على ما كان عليه ، فماذا يقولوا علمائنا اليوم في واقع متغير بالكامل حيث يوجد المسلم في وسط أكثرية لا علاقة لها بالإسلام من كل وجه ؟! .

ولقد كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم النموذج الذي يحتذى به في هذا الباب فقد أفتوا في أمور مبناها على المصالح بخلاف ما كان عليه الأمر في زمن النبوة كما فعل عمر بشأن نكاح الكتابيات وغير ذلك مع قرب العهد من زمن النبوة ، ثم سار على نهجهم من جاء بعدهم من الفقهاء و المجتهدين الذين  أفتوا بخلاف من سبقهم على أعتبار فساد الزمان حتى قال عمر بن العزيز كلمته المشهورة : “تحدث للناس أقضية بقدر ما أحثوا من فجور”  يعني أن حدوث الفجور في الناس يستوجب صدور أحكام تناسب هذا الفجور وتعالج هذا الفجور فماذا يقول أهل الاجتهاد في شأن نوازل الأقليات المسلمة التي قدر لها أن تعيش في واقع لا علاقة له كلياً بجميع أحكام الإسلام؟!.

وقد أتحفنا الإمام ابن عابدين – رحمه الله- ببيان واضح وأمثلة فقهية وافرة على هذا المسلك الفقهي الدقيق لدى الفقهاء- رحمهم الله- فقال : ” (ثم أعلم) أن كثيراً من الأحكام التي نص عليها المجتهد صاحب المذهب بناء على ما كان في عرفه وزمانه قد تغيرت بتغير الأزمان بسبب فساد أهل الزمان، أو عموم الضرورة، كما قدمناه من إفتاء المتأخرين بجواز الاستئجار على تعليم القرآن وعدم الاكتفاء بظاهر العدالة مع أن ذلك مخالف لما نص عليه أبو حنيفة ومن ذلك تحقق الإكراه من غير السلطان مع مخالفته لقول الإمام بناء على ما كان في عصره إن غير السلطان لا يمكنه الإكراه ثم كثر الفساد فصار يتحقق الإكراه من غيره فقال محمد باعتباره، وأفتى به المتأخرون.

ومن ذلك تضمين الساعي مع مخالفته لقاعدة المذهب من أن الضمان على المباشر دون المتسبب ولكن أفتوا بضمانه زجراً لفساد الزمان بل أفتوا بقتله زمن الفتنة. ومنه تضمين الأجير المشترك، وقولهم إن الوصي ليس له المضاربة بمال اليتيم في زماننا. وإفتاؤهم بتضمين الغاصب عقار اليتيم والوقف، وعدم إجارته أكثر من سنة في الدور وأكثر من ثلاث سنين في الأراضي مع مخالفته لأصل المذهب من عدم الضمان وعدم التقدير بمدة، ومنعهم القاضي أن يقضى بعمله وإفتائهم بمنع الزوج من السفر بزوجته وإن أوفاها المعجل لفساد الزمان، وعدم سماع قوله أنه أستثنى بعد الحلف بطلاقها إلا ببينة مع أنه خلاف ظاهر الرواية ،وعللوه بفساد الزمان. وعدم تصديقها بعد الدخول بها بأنها لم تقبض ما أشترط لها تعجيله من المهر مع أنها منكرة للقبض وقاعدة المذهب أن القول للمنكر لكنها في العادة لا تسلم نفسها قبل قبضه.

 وكذا قالوا في قوله كل حل علي حرام يقع به الطلاق للعرف  قال مشايخ بلخ وقول محمد لا يقع إلا بالنية أجاب به على عرف ديارهم ، أما في عرف بلادنا فيريدون به تحريم المنكوحة فيحمل عليه، نقله العلامة قاسم ، ونقل عن مختارات النوازل أن عليه الفتوى لغلبة الاستعمال بالعرف ثم قال قلت: ومن الألفاظ المستعملة في هذا في مصرنا الطلاق يلزمني، الحرام يلزمني، وعلي الطلاق ،وعلي الحرام” (41).

 أعود فأقول بعد هذه النقول الفقهية أنه ينبغي على أهل الاجتهاد في شؤون نوازل الأقليات المسلمة أن يراعوا تغير الزمان بالمعنى الذي ذكرناه وأن يقدروا اختلاف الأحوال والقدرات ، لأقلية  تعيش في واقع لا علاقة له بالكلية بجميع أحكام الإسلام وتشريعاته .

وقد قال الشيخ القرضاوي حفظه الله: ” والمسلم في المجتمع غير المسلم أضعف من المسلم في داخل المجتمع المسلم، ولهذا كان يحتاج إلى التخفيف والتيسير أكثر من غيره  “(42) .

المقصود أنه ينبغي لمن أراد الإفتاء في شؤون الأقليات أن يراعي معنى تغير الزمان مع التنبيه على  أننا لا نقصد بمراعاة تغير الزمان أن يتمحور دائماً نحو التخفيف و الترخص ، بل قد يكون التغير نحو العزيمة هو الصحيح إذا ترتب على ذلك تماسك الجماعة المسلمة في وجه التيارات التي تسعى لاذبتها والقضاء على خصوصيتها ومقومات وجودها .

ثالثاً: نماذج افتائية لأثر تغير الزمان على فتاوى الأقليات المسلمة في الغرب:

  1. مسألة دفع الزكاة للمساجد و المراكز الإسلامية في ديار الغرب:

مسألة دفع الزكاة لصالح بناء المساجد واصلاح مرافقها من المسائل الخلافية المعروفة في كتب الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين ، وجمهور العلماء على منع ذلك ، فهل يصح استصحاب القول بعدم جواز دفع الزكاة لبناء المساجد وصيانتها في ديار الإسلام الى مسألة بناء المساجد و المراكز الإسلامية في ديار الغرب اليوم ؟.

أم أنه ينبغي ملاحظة تغير الزمان ليضاف إلى الأدلة التي ساقها من يرى جواز دفع الزكاة للمساجد فيترجح قوله عندها ويعضده تغير الزمان الذي نقصد به هنا ما يلي :

  • أن أوضاع الأقليات المسلمة تتسم بالضعف أمام قوة القواعد و النظم والقوانين الاجتماعية و الأخلاقية في مجتمع الأكثرية الذي يعيشون فيه ، وهم محتاجون لمراكز قوة تجمعهم وتعينهم على المحافظة على دينهم في هذه الأوساط ، ومن مراكز القوة المساجد و المراكز الإسلامية فهي لا تمثل مكاناً للصلاة وتلاوة القرآن فقط بل هي مأوى ومثابة ليلتقي فيها المسلمون في الغرب للتشاور في شؤونهم وإحياء فقه التناصح بينهم و القيام على كثير من فروض الكفايات ،التي إن التزموا بها استطاعو أن يحافظوا على أفرادهم وأسرهم ، وتجمعاتهم الإسلامية .
  • إن عدداً كبيراً من أبناء الأقليات المسلمة قد ضعف التزامهم بالاسلام وهم مهددون في عقائديهم وأخلاقهم ، ومحتاجون الى عمل إصلاحي كبير ومتواصل ، وعليه فقد يتوجه القول الى اعتبار حالة الأقليات المسلمة في الأوساط الغربية أشبه بحالة المؤلفة قلوبهم – الذين تبذل لهم الأموال لتثبت أقدامهم على الاسلام – ، مما يرخص للقائمين على شؤنهم أن يأخذوا من أموال الزكاة لدعم المناشط و المشاريع التي ترغبهم وتحبب الإسلام إليهم ، وتعينهم على الثبات على دينهم، وقيمهم ، وأخلاقهم ، و أفضل الأماكن التي تصلح لهذه المناشط والبرامج على الإطلاق هي المساجد والمراكز الإسلامية .
  1. مسألة شراء البيوت بالقروض الربوية لمن يعيش في أوساط اجتماعية سيئة في الغرب:

وهي صورة فرعية عن مسألة شراء البيوت بالقروض الربوية وصورتها أن المسلم في ديار الغرب قد يجد نفسه في أحياء سكنية مخصصة للمهاجرين من جميع الجنسيات وعنده أولاد وبنات يخشى عليهم إن تربوا في مثل هذه الأوساط التي يخالطون فيها أبناء هؤلاء المهاجرين في المدارس والشوارع ونحوها ، قد ينتهي حالهم إلى تورط أبناءهم وبناتهم في منكرات هذه البيئات السيئة من تناول المخدرات و انتشار الجريمة و نحوها.

فهل تغير هذا الزمان- بمعنى أن المسلم الذي يجد نفسه وأولاده في مثل هذه البيئة ويعجز عن إيجاد بديل مناسب بطريقة مشروعة – يصحح القول بجواز أن يقترض هذا المسلم بالربا ليحافظ على أسرته و أبناءه أم لا ؟ .

  1. التشدد في توثيق عقود الزواج في المراكز الإسلامية في الغرب:

إذا كان تغير الزمان قد دفع المسلمين في ديار الإسلام إلى الحرص على توثيق جميع العقود بينهم لما طرأ على الناس من فساد في الذمم  وتغير في الأخلاق. فهل يجوز أن يفتي مجتهد ما ! بأنه يجوز إجراء عقد الزواج في المراكز الإسلامية ولو بدون توثيق ذلك بأوراق ومستندات رسمية ، بحجة أن الأصل هو صحة هذه العقود ولو وقعت بدون هذا التوثيق لأنها عقود مستوفية للشروط الشرعية فلا حاجة الى أن نتشدد في أمر مستحدث الأ وهو أمر التوثيق .

وهذه الصورة يكثر وقوعها في حالات التعدد – أي إذا كان ذلك الزواج هو بحق الزوجة الثانية أو الثالثة وهو زواج  تمنع كل القوانين الأوربية إتمامه وتعاقب كل من ساهم في إتمام أي أمر من أموره  -.

إن الذي لا يراعي تغير الزمان واستحداث قواعد وقوانين لأثبات الحقوق في ديار الغرب قد يفتي بما يجلب على الأسرة المسلمة الفساد، وضياع الحقوق ، والطعن في ثبوت نسب الأولاد وغير ذلك من المفاسد التي تصادم المقاصد الشرعية في باب العلاقات الزوجية  .

  1. مسألة أخذ الهيئات القضائية في بريطانيا بجواز إجبار الزوج على الخلع:

فمسألة إجبار الزوج على الخلع مسألة خلافية والجمهور على عدم الجواز ،ولكن المجالس الشرعية في بريطانيا أخذت بالقول الذي يجيز للقاضي أن يفرق بين الزوجين إذا طلبت الزوجة ذلك وتعسف الزوج في استعمال حق الطلاق وأصر على عدم قبوله إيقاع الخلع  وقد أوجب الأخذ بهذا الرأي تغير الزمان على النحو التالي :

  • أن المرأة إذا كرهت زوجها وتعسرت الحياة الزوجية بينهما وأصر الزوج على عدم إيقاع الطلاق أو الخلع تكون معرضة للوقوع في فتن كثيرة في مجتمع يعج بالفساد وتتهيء فيه فرص خروج المرأة من بيتها وذهابها للبيوت التي أعدتها الدول الأوربية لمن تعسرت حياتها الزوجية. وعليه فإن التأخر في إيقاع الطلاق قد يوقع المسلمة في فتن كثيرة تنزه الشريعة الربانية عن تقصدها وقد قال ابن القيم –رحمه الله- في تنزيه الشريعة عن ذلك :”وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها ، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل ” ( 43) .
  • أن فساد ذمم الناس وضعف الوازع الديني عند بعض الرجال يدفع ببعضهم إلى اتخاذ قول الجمهور حجة لإطالة أمد تعليق المرأة لمدة تجاوزت في بعض الحالات ثمان سنوات ، وهم يعلمون أنهم بوسعهم تأخير أمد الطلاق المدني بطرق وحيل قانونية ، بل بعضهم يشترط لوقوع الخلع فدية كبيرة جداً تعجز عنها المرأة طمعاً في مالها ونحو ذلك من عرض الدنيا الزائل.

المطلب الثالث

 تغير العرف والعادة وأثره على فتاوى الأقليات

أولاً: المقصود بتغير العرف وأثره على الفتوى:

العرف كما عرفه الجرجاني رحمه الله: “ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول ، وتلقته الطباع السليمة بالقبول “(44)  .

وعرفه غيره بغير هذا ، ولا نريد أن نخوض في تفاصيل المسائل المتعلقة بقاعدة اعمال العرف . إنما المقصود أن نعلم أن مراعاة أعراف الناس ، وعاداتهم ، من الأمور التي اعتنى بها الفقهاء وبينوا ما يبنى عليها من الأحكام الشرعية بشروط كثيرة ، أهمها الاّ تخالف هذه الأعراف والعادات النصوص الشرعية و القواعد والأصول الكلية .

فإذا تغير العرف الذي بُنيت عليه فتوى معينة ، فالقاعدة الشرعية تدعوا إلى تغير الفتوى و الاجتهاد لتغير العرف القديم وإعمال واعتبار العرف الجديد وهذا هو المقصود بتغير الفتوى بتغير العرف.

ولا ينبغي أن يُفهم على الإطلاق من هذه القاعدة أنّ فساد الأعراف والعادات مؤثر في تغير الفتاوى والأحكام الشرعية المبنية على اعتبار العرف ، فالأصل أن تصحح الأعراف والعادات الفاسدة المخالفة للشريعة لا أن تغير الأحكام الشرعية لتوافقها وتستجيب لانحرافها ، يقول الأستاذ على حسب الله تحت عنوان ( العادة محكمة ):وتحكيم عادات الناس وعرفهم في معاملاتهم يدخل في باب رعاية مصالحهم وعدم إيقاعهم في الضيق و الحرج.

فأما عرفهم اللغوي فإنهم يعاملون به وإن خالف عرف القرآن الكريم فلو حلف أمرؤ لا يأكل رأساً لم يحنث إلاّ بأكل رأس الضان متى جر عرف الناس الذين يعيش بينهم بذلك، ولو حلف لا يجلس على بساط فجلس على الأرض أو حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء ، أو لايستضئ بسراج فاستضاء بالشمس، او لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث في شئ من ذلك وإن سمى الله الأرض بساط في قوله تعالى : { الله جعل لكم الأرض بساطاً } ، وسمى السماء سقفاً و الشمس سراج و السمك لحما.

وأما العرف الفعلي فهو نوعان: عرف فاسد وهو ما أَحل حراما أو حرم حلال كاعتيادهم التعامل بالربا أو شرب الخمر جهاراً أو كشف العورات أو ما شابه ذلك وهذا يجب إلغاؤه و عدم الأعتداد به.

 وعرف صحيح وهو ما لايحل حراماً و لا يحرما حلالاً كاعتيادهم الاهداء إلى العروس قبل الزفاف، وجعلهم المهر قسمين، حالاً و مؤجلاً ونحو ذلك، وهذا تجب مراعاته في الأفتاء و القضاء ” (45 ) .

 ومقصودنا أن نبين أن الأحكام المبنية على العرف تتبدل بتبدله و قد قال الأستاذ مصطفى الزرقا _رحمه الله_ في بيان هذه القاعدة: ” أن جميع ما بني من الأحكام على العرف يتبدل بتبدل العرف، ويدور معه كيفما استدار. ذلك لأن من المقرر فقهاً أن الحكم يدور مع العلة، وعن هذا وضعت القاعدة الفقهية القائلة:( لاينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان )  .

ولافرق في العرف الذي تخضع له الأحكام بين العرف العام و العرف الخاص، غير أن العرف الخاص بمكان أو بفئة من الناس يقتصر اعتباره وسلطانه على المكان أو الفئة اللذين استقر العرف فيها  “(46)  .

تنبيه :

 والحكمة في تغير الأحكام بتغير الأعراف التي بنيت عليها تعود لقاعدة مراعاة المصالح ودفع المفاسد.

فلو بقى الحكم على ما كان عليه مع تغير العرف الذي بني عليه أولاً للزم وقوع المشقة و العسر بالناس ، وهذا مما يخالف قواعد الشريعة التي بنيت على رفع الحرج والضرر و الفساد عن الناس.

ثانياً: العلاقة بين تغير العرف وفتاوى الأقليات:

الحديث عن ضرورة اعتبار تغير العرف وإختلافه بين ديار المسلمين من المسلمات الفقهية ، ولأهميته جعل القرافي عدم اعتباره من الجهل بالدين فقال رحمه الله: “إن استمرار الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد : خلاف الإجماع ، وجهالة الدين بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد بتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما نقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديداً للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء و أجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير إستئناف اجتهاد “(47) .

 هذا كلام القرافي -رحمه الله- في ضرورة اعتبار تغير العرف وهو يتحدث في الأصل عن تغير الأعراف بين ديار المسلمين ، فكيف إذا كان تغير الأعراف بين ديار الإسلام وديار غيرهم كما هو حال المسلمين المقيمين في الغرب ؟.

إن على أهل الاجتهاد في نوازل الأقليات أن ينتبهوا إلى تغير الأعراف بين الأقطار التي يعيشون فيها وبين ماجرت عليه أعراف المسلمين في واقع الأقليات.

وقبل أن نذكر بعض النماذج الإفتائية المتعلقة باعتبار تغير الأعراف والعادات في واقع الأقليات أمهد بأمرين اثنين :

الأمر الأول: أن الأقليات المسلمة مركبة من أجناس شتى وأعراف متنوعة ، ومازال أغلبهم يعيش على الأعراف والعادات التي جاء بها من بلده الأصلي ، ولذا فأنت واجد لا محالة بين الأقليات المسلمة اختلافاً كبيراً في العادات والأعراف فمنهم المسلم الذي هو من أهل البلد الأصلي والذي تشكلت أعرافه بناءً على المنظومة الفكرية الغربية ، و منهم الذي قدِم من دولة عربية ومازال يعيش في ظل أعرافه العربية ومنهم الذي قدِم  من أسيا أو أفريقيا ومازال متمسكا بأغلب عادته وأعرافه .

وهذا التنوع يملي على المفتي لا يستعجل بالفتوى المبنية على الأعراف ويعطي حكماً واحداً لكل أبناء الأقليات ، بل وجب عليه أن يتفهم الأعراف الخاصة بكل عرق أو جنس.

الأمر الثاني: أن مسألة العرف في الغرب – عموماً- قد تشكلت بناءً على فلسفة علمانية مادية تطورت مع الأيام عبر مجموعة من العلوم التجريبيية المختلفة من علم النفس ، وعلم الاجتماعي الوضعي، وعلم السلالات البشرية وغيرها .

 ثم تطور هذا العرف بعد الثورة الفرنسية بظهور فلسفة أوجست كونت (1798-1875) زعيم المدرسة الوضعية الذي فصل الدين عن كل مناحي الحياة ومنها الأعراف والعادات و التقاليد ، وهكذا تطور العرف الى أن وصل الى زماننا الحالي الذي طغت فيه الفلسفة الوضعية على كل شئ ودخلت في كل مجالات الحياة وأفسدتها؛ خاصة العلاقات الاجتماعية وعادات وأعراف الزواج و الطلاق وسائر الأعراف اليومية .

 لذا أصبحت الأقليات تعيش في ظل أعراف الأغلبية- غير المسلمة- وهي أعراف ترسخت عبر فترة من الزمن ومن أهم خصائصها  : أنها أعراف مادية علمانية لاصلة لها بموروث المجتمعات الغربية  الديني .

 فعلى المجتهد في نوازل الأقليات أن يراعي هذا المعنى ، ويتفهم سلطان الأعراف الوضعية في الواقع الغربي .

وختاماً فإننا نعود لنؤكد على ضرورة فهم أعراف الأقليات المسلمة الخاصة والعامة لكل من أراد أن يجتهد في نوازلهم ونذكر بوصية الإمام القرافي – رحمه الله – لأهل الإجتهاد والنظر عندما قال:” وعلى هذا تراعي الفتاوى على طول الأيام فمهما تجدد العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك وأسأله عن عرف بلده وأجره عليه وأفته به دون بلدك و المقرر في كتبك فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين، و السلف الماضين  “(48). 

ثالثاً: نماذج إفتائية لتغير العرف وأثره على فتاوى الأقليات المسلمة:

  1. خدمة المرأة في بيت زوجها وعرف المرأة الأُوربية:

الذي عليه جمهور العلماء من المذاهب الأربعة أن المرأة لا يجب عليها القيام بخدمة الزوج وأداء الأعمال المنزلية من طبخ وغسل وتنظيف ونحوه.

وذهب بعض الفقهاء إلى وجوب ذلك على المرأة على اعتبار أن هذه الخدمة مسألة تعارف عليها الناس ، والمرأة تعلم أن من مقاصد الزواج بالنسبة للرجل أن يجد من يكفيه مؤونة خدمة البيت ليسعى هو في القيام برعاية البيت وتوفير الأحتيجات المالية له.

وهذا العرف الذي تعلمه المرأة وتعارف عليه الناس ينزل منزلة الشرط العرفي في عقد الزواج ، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، ولذا قال ابن القيم – رحمه الله -: ” إن العقود المطلقة إنما تنزل على العرف والعرف خدمة المرأة وقيامها بمصالح البيت الداخلة  “(49).

هذا أقوى ما أستدل به من يذهب إلى وجوب خدمة المرأة في بيت زوجها بالمعروف ، وهو حكم صحيح في بيئة إسلامية تعارف الناس فيها على أن من واجبات المرأة القيام بالخدمة في بيتها بالمعروف،ولكن هل يمكن أن يكون هذا الحكم صحيحاً في بيئة تعارف الناس فيها على أن الخدمة واجب مشترك بين الزوجين كالبيئة الغربية مثلاً ؟ .

وهل تغير العرف يغير الإجتهاد الملزم للمرأة أن تخدم زوجها في بيته ؟ .

 الجواب على ذلك مبني على معرفة أن المرأة المسلمة في ديار الغرب- خاصة إذا كانت من المسلمات الجدد- لا تعترف بهذا الشرط العرفي أصلاً فهي قد عاشت وترعرعت في بيئة لا تلزم المرأة بخدمة زوجها ، وهي غير معتادة على هذا الأمر بل تصرح أن خدمة البيت عمل مشترك بين الزوجين ، فهل نلزمها بعد ذلك بعرف لا تراه أم أن الأصل تغير الفتوى بتغير العرف ؟ .

المقصود أن على المجتهد في نوازل الأقليات أن يراعي اختلاف الأعراف خاصة في الشؤون الاجتماعية الأسرية وإلاّ ألزم الناس بغير لازم.

  1. الكفاءة في النكاح:

نحن نعلم أن العلماء قد أختلفوا في أشتراط الكفاءة في النكاح اختلافاً كثيراً بعد اتفاقهم على اشتراط الكفاءة في الدين – ، ويمكن اختصار اختلافهم في قولين اثنين:

القول الأول: يرى تحديد الكفاءة بمواصفات محددة كالمنصب و الصناعة و الأوضاع المالية و الاجتماعية أو اشترط السلامة من بعض العيوب ونحوها.

القول الثاني : يرى تحديد الكفاءة موكول الى العرف ، فما عده الناس من الأعمال والصفات شريفاً فهو شريف وما عده خسيساً فهو خسيس .

وهذا القول يجعل من الكفاءة أمراً مناطا بتغير الأعراف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ، وعليه فأن الأقليات المسلمة – وهي جزءٌ من النسيج الاجتماعي العام – ستتأثر بعرف هذا النسيج  فما عده هذا العرف من الأعمال و الوظائف شريفاً سيؤثر في عرف الأقليات المسلمة وما عده غير شريف فهو كذلك .

فعلى المفتي أن يراعي هذا الأختلاف في تحديد معايير الكفاءة العرفية ، ومن ذلك مثلاً أن الأعراف في الغرب قد جرت على أن الإنسان الذي يعيش على المساعدات الاجتماعية هو في مرتبة اجتماعية دنية مهما كان مكتفيا بهذه المساعدات ومهما بلغت في مقدارها- وقد تعادل في كثير من الأحيان مرتبات الوظائف المستقرة -، فإذا تقدم شاب ملتزم بدينه وذو خلق إلاّ أنه يعيش على هذه المساعدات فلأهل المرأة إذا كانوا من الطبقة الوسطى- أي من الموظفين مثلاً – أن يرفضوه لعدم وجود الكفاءة الإجتماعية بينهما ولاحرج عليهم في ذلك  .

والله أعلم وأحكم..

والحمد لله رب العالمين،،

المراجع

  1. لسان العرب ( 5/3726 ).
  2. القاموس مادة القُلُ.
  3. تفسير القرطبي (17/193 )
  4. عبدالوهاب الدوكالي، موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات و النشر (1/244).
  5. في فقه الأقليات المسلمة، للشيخ يوسف القرضاوي. (ص:5).
  6. معجم العلوم السياسية الميسر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (ص:28).
  7. الأقليات الإسلامية في العالم للدكتور محمد ضناوي ص 178، ونحو فقه جديد للأقليات للأقليات، لجمال الدين عطية (ص12، وما بعدها)، وفي فقه الأقليات للشيخ يوسف القرضاوي (ص17-18).
  8. معجم مقاييس اللغة (4/473).
  9. نقلاً عن أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي للدكتور محمد رياض (ص 175).
  10. الفروق (4/53).
  11. منار اصول الفتوى وقواعد الافتاء بالأقوى، إبراهيم اللقاني، (ص231).
  12. أصول الفتوى و القضاء في المذهب المالكي، (ص181).
  13. لسان العرب (12/140-145)، ومعجم قياس اللغة (2/91).
  14. الحكم الشرعي بين النقل و العقل للدكتور الصادق الغرياني (ص 17).
  15. المصدر السابق (ص 17)، وانظر شرح مختصر الروضة للطوفي (1/259).
  16. انظر البحر المحيط للزركشي (1/117)، التوضيح مع التنقيح لصور الشريعة(1/13).
  17. تفسير القرطبي ( 8/297 ).
  18. أخرجه
  19. الموافقات (1/78،79).
  20. نثر الورود على مراقي السعود لمحمد الأمين الشنقيطي (1/322).
  21. مجموع الفتاوى (33/94).
  22. معايير الوسطية في الفتوى ( ).
  23. عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي (1/4).
  24. إعلام الموقعين (1/87).
  25. تفسير الطبري (15/130).
  26. موجبات تغير الفتوى (ص 27 ).
  27. رواه مسلم: كتاب الحج:(ح 2318).
  28. رواه مسلم: كتاب الأضاحي(ح 3643).
  29. موجبات تغير الفتوى (ص 32 ).
  30. إعلام الموقعين (3/14-15).
  31. أنظر مثلاً كتاب موجبات تغير الفتوى للشيخ القرضاوي فقد أوصلها إلى عشرة.
  32. موجبات تغير الفتوى ( ص 46 ).
  33. إعلام الموقعين (3/14).
  34. رواه البخاري: كتاب الفرائض (ح6267).
  35. أحكام أهل الذمة لأبن القيم (ص 462-465).
  36. موجبات تغير الفتوى (ص 45).
  37. المدخل الفقهي العام (2/924).
  38. المصدر السابق (2/926).
  39. معايير الوسطية بالفتوى (ص 6).
  40. المصدر السابق ( ).
  41. فقه الأقليات القرضاوي ( ص 51).
  42. إعلام الموقعين(3/14).
  43. تعريفات الجرجاني (130).
  44. أصول التشريع الإسلامي (ص 349).
  45. المدخل الفقهي العام (2/872).
  46. الأحكام في تمييز الفاوى عن الأحكام (ص 11).

الفهرس

مقدمة 2
المبحث الأول:- الأَقليات الإسلامية وتغير الفتوى – التعريف والماهية 3
المطلب الأول:- تعريف الأقليات لغة واصطلاحاً وبيان نشأتها في أوربا. 4
المطلب الثاني: الفتوى تعريفها وخصائصها. 7
أولاً:- تعريف الفتوى لغة و اصطلاحاً. 7
ثانياً : خصائص الفتوى ومعنى تغيرها  . 8
المطلب الثالث: الفرق بين الحكم الشرعي و الفتوى وأثره في هذا الباب . 10
1.   الحكم في اللغة والعرف . 10
2.   الحكم عند الفقهاء 10
3.   الحكم عند الأصوليين. 10
4.   المقارنة بين تعريف الحكم الشرعي وتعريف الفتوى. 11
ثانياً :ً تغير الفتوى وثبات الأحكام. 11
1. أدلة ثبات الأحكام الشرعية. 12
2.بين النسخ و القول بتغير الأحكام . 13
المبحث الثاني:- تغير الفتوى وأثره على واقع الأَقليات الإسلامية 15
المطلب الأول : الحديث عن الأَهمية ( عناصره وضرورته ). 16
المطلب الثاني: المصالح و المفاسد المترتبة على اعتبار قاعدة تغير الفتوى في واقع الأقليات. 16
أولاً: أثر ذلك على المجتهد في شؤون الأقليات المسلمة. 16
ثانياً :ً أثر ذلك على الأقليات المسلمة. 17
المطلب الثالث :خطورة الفهم الخاطئ لقاعدة تغير الفتوى. 19
المطلب الثالث :خطورة الفهم الخاطئ لقاعدة تغير الفتوى. 20
أولا :ً الأدلة من الكتاب العزيز. 21
ثانياً: الأدلة من السنة المطهرة. 22
المطلب الخامس: وقفة تحليلية لكلام ابن القيم رحمه الله حول قاعدة تغير الفتوى. 24
أولاً: نص كلام ابن القيم رحمه الله 24
  ثانياً: وقفات مع مع هذا النص المبارك.

 

25
 ثالثاً: الأمثلة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تبين مقصوده في تغير الفتوى وليس تغير الاحكام. 26
المبحث الثالث موجبات تغير الفتوى والتطبيقات الفقهية على واقع الأقليات المسلمة في الغرب . 28
مقدمة 29
المطلب الأول : تغير المكان وفتاوى الأقليات. 30
أولاً: تغير المكان الحقيقة و الماهية. 30
ثانياً: تغير المكان وعلاقته بواقع الأقليات المسلمة. 30
ثالثاً: نماذج إفتائية على تغير الفتوى والإجتهاد بتغير أحكام الدور. 31
أ‌- حكم إقامة المسلم اختياراً في غير دار المسلمين. 31
ب- حكم الزواج من الكتابيات في بلاد الغرب. 32
ج-  حكم ميراث المسلم من غير المسلم. 33
رابعاً : نماذج إفتائية تتعلق بالتغيرات الفلكية و الجغرافية   . 35
أ – مسألة غياب بعض علامات الصلاة في بعض الأقطار الأوربية. 35
ب – مسألة أستخدام الكلاب في المناطق القطبية. 35
المطلب الثاني: تغير الزمان و أثره في فتاوى الأقليات المسلمة. 34
أولاً: تغير الزمان مفهومه وحقيقته. 34
ثانياً: تغير الزمان وعلاقته بواقع الأقليات المسلمة. 38
ثالثاً: نماذج افتائية لأثر تغير الزمان على فتاوى الأقليات المسلمة في الغرب. 40
1. مسألة دفع الزكاة للمساجد و المراكز الإسلامية في ديار الغرب. 40
2. مسألة شراء البيوت بالقروض الربوية لمن يعيش في أوساط اجتماعية سيئة في الغرب. 41
3.التشدد في توثيق عقود الزواج في المراكز الإسلامية في الغرب. 41
4. مسألة أخذ الهيئات القضائية في بريطانيا بجواز إجبار الزوج على الخلع. 41
المطلب الثالث: تغير العرف و العادة و أثره على فتاوى الأقليات  . 43
أولاً: المقصود بتغير العرف و أثره على الفتوى. 43
ثانياً: العلاقة بين تغير العرف وفتاوى الأقليات. 44
ثالثاً: نماذج أفتائية لتغير العرف في واقع الأقليات. 46
1. خدمة المرأة في بيت زوجها وعرف المرأة الأُوربية 46
2.الكفاءة في النكاح. 46
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق