ضبط اتجاه القبلة ومنع الانحراف عنها عند العلم به | المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث
الثلاثاء , نوفمبر 12 2019
الرئيسية / الصلاة / ضبط اتجاه القبلة ومنع الانحراف عنها عند العلم به

ضبط اتجاه القبلة ومنع الانحراف عنها عند العلم به

قبل بضع سنوات استأجرت الجماعة صالة لإقامة الصلاة والأنشطة التعليمية لخدمة الجالية في المدينة، وفوراً تم ضبط اتجاه القبلة بواسطة العديد من البوصلات، وأقيمت الصلوات على هذا الأساس لمدة أسبوع تقريباً، وبما أن الاتجاه الذي أشارت إليه البوصلات غير متواز مع جدار المصلى (انظر الرسم التوضيحي) وأفتى إمام الجماعة آنذاك بجواز (أو أفضلية) تغيير الاتجاه بحيث تصبح الصفوف متوازية مع الجدار الطويل للصالة، وبالتالي يكون مقدار الانحراف عن الاتجاه المضبوط بحدود (30) درجة أو يزيد، مستدلين بما يلي:
                        1.              قوله تعالى: }ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله{ [سورة البقرة: 115].
        2.     قول المصطفى – صلى الله عليه وسلم – عن أبي هريرة رضي الله عنه: “بين المشرق والمغرب قبلة”.
                        3.              ضرورة احتواء الصف الأول لأكبر عدد من المصلين.
وفعلاً تم تغيير الاتجاه ورُسِمَتْ خطوطُ الصفوف على الأرض موازية للجدار، ومازالت على وضعها حتى هذا الحين، وكلما اعترض أخ بضرورة الالتزام بالأصل اعْتُرِضَ عليه بأن الفتوى في ذلك موجودة، وأن طرح هذه المسألة أمام المصلين الجدد الذين لا علم لهم بها إنما هو اختلاق للفتنة!
ما حكم الشرع في وضعنا هذا؟ ماذا نفعل؟
الرسم التوضيحي:
1                      2
1 – الاتجاه الأصلي وفق البوصلة.
2 – الاتجاه المعدل لمناسبة الجدار.

 

 
 

 

الجواب:
الاتجاه إلى القبلة – الكعبة البيت الحرام – في الصلاة: فريضة من فرائض الصلاة بإجماع المذاهب واتفاق الأمة.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: }ومن حيث خرجت فولى وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره{ [البقرة: 149].
وقد اهتم المسلمون من قديم بتحديد اتجاه القبلة، فوضعوا علامات وإشارات، وفي عصرنا اخترعوا ( بوصلات ) وساعات، يحملها الإنسان في يده، فتعين له القبلة في أي مكان في العالم.
وإذا استطاع المسلم أن يحدد القبلة بدقة، فلا يجوز أن ينحرف عنها عمداً بلا عذر، وخصوصاً في المساجد؛ لأن القبلة فيها تبقى على الدوام، فلهذا يحرص المسلمون على التحري والمبالغة في التدقيق؛ حتى لا يحدث خطأ يترتب عليه إضاعة القبلة على أهل المسجد إلى ما شاء الله.
وقد رأينا المسلمين الذين يخصصون حجرات أو قاعات للصلاة في الدوائر الحكومية، أو في المطارات أو المدارس ونحوها – مما لم يبن في الأصل مسجداً – ولم تكن مستقيمة على القبلة: رأيناهم يرسمون خطوطاً أو يضعون خيوطاً، تحدد جهة القبلة تماماً، وإن كانت غير موازية لجدار المكان، وهكذا رأينا الإخوة في أمريكا وأوروبا إذا اشتروا كنيسة يخططونها صفوفاً على القبلة.
لهذا استغربنا من عمل الإخوة في هذا المسجد، حيث أقروا الانحراف عن القبلة بأكثر من 30 درجة بصفة دائمة، لا لشخص واحد ولا لصلاة طارئة.
وما استدل به الإخوة مردود عليه، ولا يصمد للنقد.
فقوله تعالى: }ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله{ [سورة البقرة: 115].
هذه الآية نزلت بعد الهجرة تسلية للرسول صلى الله عليه مسلم وأصحابه، الذين أُخْرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، كما قال ابن كثير في تفسيرها. وقال آخرون: إنما أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى القبلة، ثم نسخها الأمر المتكرر بالتوجه شطر المسجد الحرام في نفس السورة.
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية إذناً من الله أن يصلي المتطوع المسافر على راحلته، حيث توجه من شرق أو غرب. وفي حال المسايفة (القتال المباشر) وشدة الخوف.
وقال غيرهم: بل هذه الآية نزلت فيمن اشتبهت عليه القبلة، كالمسافر في حالة الغيم، ولم يجد دليلاً ولا علامة تهديه إليها، فصلى بالاجتهاد، كما فعل الصحابة في بعض الحالات، فهؤلاء يقال لهم: }أينما تولوا فثم وجه الله{.
وحديث “ما بين المشرق والمغرب قبلة” – إن صحَّ([1]) – معمول به حينما يكون الإنسان في الصحراء، أو في مكان لا تعرف فيه القبلة على وجه الدقة. والحديث مذكور لأهل المدينة ومن على سمتهم حيث القبلة في جهة الجنوب. وأهل اليمن على عكسهم: القبلة في جهة الشمال.
على أن الحديث لم يجئ من طريق صحيح سالم من الكلام فيه، والذين صححوه إنما صححوه بكثرة طرقه، وإن كان كل طريق منها على حدة لا تقوم به حجة.
وأما الاستدلال بضرورة احتواء الصف الأول لأكبر عدد من المصلين، فلم يقل بذلك أحد، وليس مطلوباً أن يحتوي صف واحد أكبر عدد، ولعل المقصود أن تكون مساجد المسلمين عريضة لا طويلة، ولكن هذا عندما نبني مسجداً، أما إذا حوَّلنا مكاناً ما إلى مسجدٍ، فظروفه هي التي تحكمنا.
ولا نعرف فقيهاً واحداً أجاز الانحراف عن القبلة عمداً وقصداً مع معرفتها، لتحديد جهتها بدقة، وفي جميع الصلوات، وعلى وجه الدوام. قد يجوز هذا لبعض الأفراد في بعض الأحوال لبعض الأعذار، وخصوصاً إذا كان الانحراف قليلاً.
أما أن يكون هذا في المسجد، وتقر فيه القبلة على الخطأ عمداً، ومن غير عذر، فهذا لا يجوز بحال. ولطالما صلينا وراء أئمة معتبرين يقولون للمصلين خلفهم: القبلة لليمين قليلاً، أو إلى اليسار قليلاً، حرصاً على إقامة هذه الفريضة التي هي من شرائط صحة الصلاة.
فعلى الإخوة في هذا المسجد أن ينتهوا عن هذا الخطأ،ويستغفروا الله، ولا يعودوا لمثله بعد هذا الجواب. ولو استمروا على الخطأ وتمادوا في ذلك فصلاتهم باطلة.
والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.



([1])            أخرجه ابن أبي شيبة (2/362) والترمذي (رقم: 342-344) وابن ماجة (رقم: 1011) والطبراني في “الأوسط” (رقم: 794، 2945، 9136) من حديث أبي هريرة، وصحَّحه الترمذي. والدارقطني (1/270) والحاكم (1/205) والبيهقي (2/9) من حديث ابن عمر، وصحَّحه الحاكم، لكن صوَّب الدارقطني في “العلل” (2/31-32) أنه موقوف.

شاهد أيضاً

بيان بشأن ما أشيع عن عزم السلطات السعودية إعدام ثلاثة من العلماء

بيان من الأمانة العامة للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بشأن ما أشيع عن عزم السلطات السعودية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *