الأخبارمميز

بيان: حول منهجية التعامل مع الشأن الإسلامي في أوروبا

بيان المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

حول منهجية التعامل مع الشأن الإسلامي في أوروبا

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، ورحمة الله للعالمين، وبعد،

 فإن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث يتابع ما يجري على الساحة الأوروبية من نقاشات وجدل حول سياسات التعامل مع قضايا الحضور الإسلامي، ويلاحِظ تعدّد وجهات النظر في منهجية التعاطي مع القضايا المطروحة لدى الدوائر الفكرية والسياسية، من أجل البحث عن التوازن بين حماية الحريات وتحقيق العدل والمساواة، وتحصين المجتمع من عوامل التصدع وحماية استقراره وأمنه.

والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، باعتباره مؤسسة أوروبية لها مكانتها بين مسلمي أوروبا، يرى أنه معني بما يجري في هذا الصدد؛ إذ إنه قد أخذ على عاتقه، منذ ما يضاهي ربع قرن على نشأته، خدمة الحضور الإسلامي في أوروبا، وذلك بانتهاج كل ما يساعد المسلمين على ممارسة دينهم بوعي واعتدال، وما يُمكّنهم من خدمة مجتمعاتهم بصدق واحتساب، انطلاقاً من مجموعة من المبادئ التي أصّلها المجلس في بحوثه وفتاويه.

وإن من أهم هذه المبادئ التي قررها المجلس وأصبحت بمثابة موجِّهات لعمله البحثي والإفتائي: التأكيد على الوفاء بمقتضيات المواطنة الصالحة في المجتمع، والعمل على تحقيق الاندماج الإيجابي في الحياة الاجتماعية، وتفعيل جهود المشاركة للمسلمين من منطلق المواطنة في سائر ميادين الحياة لتحقيق العيش المشترك في المجتمع، واحترام القوانين الجارية والالتزام بها، والعمل على حماية الأمن والاستقرار في المجتمع، ومناهضة كل صور العنف والاعتداء، وتحصين المسلمين وخصوصاً الشباب منهم ضد تيارات الغلو والتطرف.

وإن المجلس إذ يؤكّد على هذه المبادئ في كل بياناته الختامية، والتي أصدرها في صورة قرارات فقهية وتوصيات عامة، إنما يريد بذلك أن يساهم في تأهيل الحضور الإسلامي حتى يكون رافداً نافعاً وخادماً لمصالح المجتمع.

وإن من واجب النصح للحفاظ على تكريس قيم العدل وحفظ الانسجام في حياة مجتمعاتنا الأوروبية أن ننبه بخصوص ما يجري في مجال التعامل مع الشأن الإسلامي في أوروبا على القضايا التالية:

  1. إن المسلمين في أوروبا بعمومهم يحترمون مقتضيات النظام العلماني الذي يحكم المجتمعات الأوروبية؛ ويقدِّرون مؤسسات الدولة وسلطاتها؛ وإن ما قد يصدر من تصرفات شاذة لبعض الأفراد بما ينافي ذلك، لا يمكن بأي حال تحميل مسؤوليته لعموم المسلمين. 
  2. إن الالتزام بالنظام العلماني الذي يحكم المجتمعات الأوروبية تترتب عليه التزامات للمجموعات الدينية بعدم ممارسة العمل السياسي من خلال المؤسسات الدينية؛ كما تترتب عليه التزامات أخرى تخص الدولة؛ ومن أهمها حماية حرية الاعتقاد والممارسة الدينية؛ وذلك وفقاً لما هو مُقرر في المواثيق الدولية والميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان؛ وليس من مهامّ الدولة أن تتدخل في تحديد طبيعة المعتقدات وتنظيم الشأن الديني؛ والمسلمون في هذا المجال يريدون أن تعاملهم الدولة كما تعامل بقية الأديان الأخرى؛ وبهذا تكون العلمانية بمثابة إطارٍ عام ينظم أسس العلاقات في المجتمع؛ ولا تكون علمانيةً منافسةً أو مصادمةً للأديان فيما هو من خصوصياتها. 
  3. إنه من مسؤولية المسلمين، كما هو من مسؤولية كل مجموعة دينية في إطار النظام العلماني، أن ينظموا أنفسهم وأن يقيموا مؤسساتهم بمحض إرادتهم، في إطار ما تكفله لهم القوانين العامة؛ وإن المسلمين مدعوون إلى التنسيق والتشاور والتعاون فيما بينهم لتحقيق ذلك بعيداً عن أي تأثيرات أو توجيهات سياسية داخلية أو خارجية. 
  4. إن من أسس دولة القانون أن يكون التعامل مع جميع المواطنين، بقطع النظر عن انتماءاتهم الدينية والفكرية والسياسية، باعتبارهم مواطنين؛ وإن المواطن المسلم الذي قد تصدر عنه مخالفة للقانون ينبغي التعامل معه بصفته مواطناً، وليس بصفته مسلماً؛ فالقانون لا تُنفّذ أحكامه بناء على الانتماء الديني للمواطنين وإنما بناء على صفة المواطنة لا غير؛ وبالتالي فإن الرغبة في سنّ قوانين جديدة تستهدف المسلمين، وإن كانت صيغتها صيغة عامة، ليس هو المسلك الصحيح الذي من شأنه أن يُعمّق الثقة لدى جميع المواطنين بعدالة دولة القانون. 
  5. إن المسلمين في أوروبا يدركون تماما أن العمل السياسي له مجالاته، وهي الأحزاب والهيئات السياسية، وهم يبتعدون بمؤسساتهم الدينية والتعليمية عن الخوض في الشأن السياسي؛ ولذلك فإن الحديث عما يُسمى بـ “الإسلام السياسي” لا يعبر على أمرٍ حقيقي في واقع المسلمين في أوروبا؛ وقد دعا المجلس المسلمين في أوروبا للمشاركة في حياة مجتمعاتهم، بما في ذلك المشاركة السياسية، بصفتهم مواطنين في إطار المجتمع المدني.
  6. إن مواجهة العنف والعدوان إنما يكون بالتطبيق العادل والصارم للقوانين الجارية، وليس بسنّ تشريعات من شأنها أن تحدَّ من حرية الممارسة الدينية بحجة محاصرة التجاوزات التي يقع فيها البعض، وهي تجاوزات يجب محاسبة أصحابها من خلال القوانين العامة التي ينبغي تطبيقها على الجميع، وليس من خلال قوانين استثنائية خاصة. 
  7. إنه من غير المجدي أن نشهد في بعض الدول الأوروبية تجدّد الجدل حول الإسلام والمسلمين مع اقتراب المواعيد الانتخابية وتسابق بعض الأحزاب السياسية في مزايدات وشعارات تشعر المسلمين الأوروبيين بأنهم دائماً محل ريبة ومصدر خطر على المجتمع؛ مع أن المسلمين الأوروبيون هم في واقع الأمر يقومون بواجباتهم في خدمة مجتمعاتهم في سائر المجالات العلمية والصحية والتعليمية والاقتصادية بصدق وتفاني.

إن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث وهو ينبه إلى هذه القضايا الجوهرية في ظل الظروف الدقيقة الراهنة التي تعيشها مجتمعاتنا وتداعياتها على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، وما تستوجبه من توطيد أواصر التعاون والتكافل والتآخي، إنما يريد المساهمة في تقوية اللحمة والانسجام في مجتمعاتنا الأوروبية، وترسيخ قواعد الأمن والاستقرار والعيش المشترك.

وإن المجلس يوصي المسلمين في أوروبا يما يلي:

  • التمسك بالحوار الرصين في معالجة القضايا الخلافية في المجتمع، والبحث عن القواسم المشتركة لتقويتها، ومناقشة المُختلف فيه بصبر وسعة أفق، مع الحفاظ دائماً على رعاية الحقوق والواجبات وحماية الانسجام في المجتمع.
  • التواصل الدائم مع الأفراد والهيئات الدينية والفكرية والسياسية من أجل بحث القضايا المتصلة بالشأن الديني بروح إيجابية تفضّل الوصول إلى الحلول الناجعة للمسائل الشائكة بدلاً من روح التجاذب السلبي والقطيعة بين أبناء المجتمع الواحد. 
  • العمل على خدمة المجتمع والتفاني في تقديم العون والإحسان لكل المواطنين، خصوصا الذين يعانون من التهميش والحرمان في ظل الظروف الصحية والاجتماعية الراهنة التي تمر بها سائر المجتمعات البشرية اليوم. 
  • العناية بتعريف مجتمعاتنا بقيم الإسلام كالعدل والرحمة والسلام والأخوة بما يرفع اللبس والضبابية في فهم مواطنينا للإسلام، ويُحقق التواصل الإيجابي بين أبناء المجتمع الواحد. 
  • بذل الجهد في مجال التعليم والتوجيه الإسلامي الرشيد خصوصاً للأجيال الجديدة، بقصد تحصينهم بقيم الوسطية والاعتدال ونبذ الأفكار الشاذة وكل ما يؤدي إلى الغلو والعنف. 
  • دعوة المسلمين إلى مزيد من التقارب فيما بينهم، والاجتماع على الدائرة الواسعة للمتفق عليه، وبحث المختلف فيه بروح الأخوة والوئام، والعمل على تنظيم شؤونهم بعيداً عن الاعتبارات الفكرية والتأثيرات السياسية الداخلية والخارجية. 

والله تعالى نسأل أن يحفظ أوطاننا من كل مكروه وشر، وأن يجعلها آمنة مطمئنة سخاءً رخاءً وسائر الأوطان، وأن يوفقنا لعمل الخير وخير العمل، والحمد لله رب العالمين.

26 جمادى الآخرة 1442هـ الموافق 08/02/ 2021م

الشيخ الدكتور/ حسين حلاوة

الأمين العام

الشيخ الدكتور/ صهيب حسن

رئيس المجلس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق