البحوث

قدرة المنتجات المالية الإسلامية في الاستجابة لمتطلبات السوق والتحديات المستقبلية

مدى قدرة المنتجات المالية الإسلامية في الاستجابة لمتطلبات السوق

والتحديات المستقبلية أمام التطوير والابتكار

 

“دراسة فقهية اقتصادية”

بقلم:

أ . د . علي محيي الدين القره داغي
أستاذ بجامعة قطر

ورئيس مجلس أمناء جامعة التنمية البشرية،

ورئيس لعدد من الهيئات الشرعية

والحائز على جائزة الدولة، والخبير بالمجامع الفقهية

وعضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث

 


الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين، وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. وبعد،

فإن المؤسسات المالية الإسلامية ( المصارف والتأمين التكافلي وشركات الاستثمار والتمويل ) قد خطت خطوات جادة، بل قفزات جيدة نحو شمولية الأدوات وتنوع الصيغ، وكثرة الآليات التي تلبي حاجيات الأفراد والمجتمعات والدول الإسلامية، فلم يعد هناك عذر ( لو كان هناك عذر ) لعدم الإقدام على أسلمة المؤسسات المالية بحجة عدم وجود الصيغ المناسبة للتمويل والاستثمار والتنمية.

وكثير من المؤتمرات والندوات عقدت في التمويل الإسلامي في هذا الاطار الجيد، بل نحو تأطير هذه الآليات وتطويرها بناءً على أن ما تم تحقيقه ـ مهما بلغ ـ فهو لا يزال في بداية الطريق الطويل، بل إن من سنن الله تعالى أن من لم يزاول التقدم ويستمر عليه فإنه يتأخر أو أنه قد تأخر فعلاً بمجرد توقفه عند أية نهاية، فالنشاط البشري ليس له نهاية ، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم إذ يقول: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ (المدثر/37) حيث لم يقل (أو يتوقف) لأن التوقف هو داخل في التأخر، فمن توقف فقد سبق بالآخرين الذين لا يتوقفون، وبالتالي فقد تأخر، كما أن العلم البشري لا ينتهي إلى النهاية، فقال تعالى: ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ (يوسف/76) ولذلك يجب على المسلم أن يبحث عن المزيد والمزيد لتعمير الكون، وتحقيق الخلافة في الأرض، وتوصيل الرحمة إلى العالمين ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء/107) ومن خلال بحثي هذا: ( مدى قدرة المنتجات المالية الإسلامية في الاستجابة لتحديات السوق، مع بيان التحديات الشرعية المستقبلية أمام التطوير والابتكار) سأتناول هذه القدرة للمنتجات المالية، وبيان كيفية ذلك من حيث التوسع والكفاءة والتنوع، كما نذكر التحديات، وأنواعها، والبدائل الممكنة لها، ولكن الأهم من ذلك هو أن البحث سيركز على إظهار أن ما يسمى بالتحديات هي مجرد صعوبات تظهر في البداية فقط، أما لدى التعمق والتحقيق فإنه لا يمكن أن تقف الشريعة أو تطبيقها عائقاً أمام التطور والابتكار، لأن الشريعة في حقيقتها خير كله، ورحمة كلها، وعدل كلها ومصلحة كلها، وأينما تكن المصالح الحقيقية فثمة شرع الله، وأينما كانت الشريعة فثمة المصالح والمنافع الدنيوية والاخروية ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا خَيْرًا ۗ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾(النحل/30).

ولذلك كان توجيه القرآن للمؤمن أن يكون شعاره طلب خيري الدنيا والآخرة فقال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ  أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ (البقرة/201،202)[1] .

وسوف أتحدث بإذن الله تعالى عن هذه المسائل والقضايا لننتهي في الأخير إلى بيان تفوق المنتجات الإسلامية مع ذكر أهم التحديات أمام تطوير وابتكار المنتجات المالية الإسلامية، وهي عدم تطبيق الشريعة ومبادئها ومقاصدها بصورة كاملة، وعدم التزام بعض هذه المنتجات بقواعد الشريعة الغراء

والله تعالى أسأل أن يكسو كل أعمالي ثوب الإخلاص، وأن يلهمني الصواب، ويعصمني من الزلل والخلل في العقيدة والقول والعمل، إنه حسبي ومولاي، فنعم المولى ونعم الموفق والنصير.

                                                                              كتبه الفقير إلى ربه:

                                                                              علي محيي الدين القره داغي

 


خطة البحث:

يتكون البحث من: تمهيد، ومبحثين

التمهيد وفيه:

  • التعريف بعناصر العنوان.
  • مبنى الشريعة على اليسر ورفع الحرج والمصالح والمنافع .
  • تقويم المنتجات المالية المرتكزة على الأصول والأعيان والمنافع:
  • عناية المجامع الفقهية، والمؤتمرات، والندوات، والحقات الفقهية والاقتصادية بالمنتجات المالية الإسلامية منذ خمسة عقود:

المبحث الأول: مدى قدرة المنتجات المالية الإسلامية في الاستجابة لمتطلبات السوق، وفيه:

  • أنواع هذه المنتجات
  • كيفية استجابة هذه المنتجات لمتطلبات السوق، من حيث الجودة، والتنوع، والشمول

المبحث الثاني: التحديات المستقبلية أمام تطوير وابتكار المنتجات المالية الإسلامية مع الحلول، وفيه سبعة محاور:

  • المحور الأول: التحديات أو الصعوبات التي تتعلق بأحكام الشرعية الغراء .
  • المحور الثاني: التحدي الذي يتعلق بالبيئة القانونية والرقابية والاشرافية التي تعيش في ظلها المؤسسات المالية الإسلامية أو المنتجات المالية الإسلامية.
  • المحور الثالث: التحدي الذي يتعلق بعدم وعي الجماهير بالمنتجات المالية الإسلامية وأحكامها
  • المحور الرابع: التحدي الذي يتعلق بعدم وجود مراكز البحث والجامعات التي تولى العناية المناسبة بهذه المنتجات.
  • المحور الخامس: تحدي عدم الوحدة والتنسيق المناسب بين المؤسسات المالية الإسلامية.
  • المحور السادس: عدم وجود مؤسسات إسلامية كبرى خاصة بالمحاسبة والتدقيق الخارجي.
  • المحور السابع: تنافس المنتجات التقليدية.
  • المحور الثامن: خلل في بعض المنتجات.

التعريف بالعنوان:

أ ـ التحديات، جمع التحدي، وهو من: تحدّى الشيء: أي حداه، وتحدّى فلاناً، أي طلب مباراته في أمر[2].

والمقصود بالتحديات هنا ليس معناها اللغوي ، وإنما المقصود بها الصعوبات التي تواجه المؤسسات المالية الاسلامية في سبيل تطبيقها لأحكام الشريعة الاسلامية الغراء في ظل عالم يسوده الربا ، والمنتجات الربوية التي ملأت العالم ، وتسوق لها وسائل الاعلام والمؤسسات المالية الرأسمالية العملاقة .

 


مبنى الشريعة على اليسر ورفع الحرج والمصالح والمنافع :

تضافرت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أن مبنى هذه الشريعة على اليسر ن ورفع الحرج، ولذلك لا نرى أن استعمال ( التحديات الشرعية ) مناسباً، وإنما المناسب هو ( الصعوبات الشرعية من حيث الظاهر) أي وجود نوع من المشقة، ولكنها في حقيقتها تحقق مصالح في الدنيا والآخرة معاً، أو في الآخرة على الأقل، حيث الأجر والثواب، أو العقاب على الترك، وذلك لأن الشريعة في حقيقتها ومآلاتها رحمة كلها، وخير كلها، ومصلحة كلها، فهي دين الرحمة والخير للناس أجمعين ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء/107)، ودين اليسر ورفع الحرج فقال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(البقرة/185) وقال تعالى: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾(الحج/78)، ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مخاطباً أمته: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا … »[3] أي يسروا في تطبيق الأحكام الشرعية ولا تسددوا على الناس لأن «المنبت لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع »[4] ولا تغلوا فإن من كان قبلكم إنما هلك بغلوهم ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾(المائدة/77)، فالغاية من إنزال هذه الرسالة هو تحقيق الرحمة وحسنتي الدنيا والآخرة، وبشروا في الدعوة وقدموها سهلة ميسورة محفوفة بالمبشرات، وبالأساليب الجميلة والخطابات الرائعة المتجددة، ولا تنفروا الناس بالغلظة والكلام غير المناسب، وأساليب التنفير.

ومما لا شك فيه أن الأدلة الشرعية تدل على وجود التكاليف فيها نوع من المشقة، لكنها محتملة، وعلى وجود الصعوبات في تطبيق الشريعة، والالتزام الكامل بها بسبب الأهواء، وخصوصاً في العصور المتأخرة، وبالأخص في عصرنا الحاضر وإلاّ فالشريعة كلها رحمة.

ومن الجانب التشريعي فإن مبنى الحل والجواز على الطيبات، والمنافع والمصالح وان مبنى التحريم والحظر على الخبائث، والمضار، والمفاسد، وانه إذا غلبت المصالح، أو المضار فغن الحكم الشرعي يتبع الغالب فقال تعالى في سبب تحريم الخمر والميسر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾(البقرة/219).

ب ـ المنتجات المالية الإسلامية، وسيأتي تعريفها بالتفصيل.

تقويم المنتجات المالية المرتكزة على الأصول والأعيان والمنافع:

في اعتقادي أن إصدار الصكوك الإسلامية كان خطوة جيدة نحو التطوير، وقد نجحت معظمها على معظم المستويات.ولكن شاب بعضها ـ مع الأسف الشديد ـ بعض المخالفات على الأقل لمقاصد الشريعة، وبنيت على عقود صورية وشكلية، وحيل ومخارج فقهية، وأنا أقول دائماً لا يمكن أن يبنى منتج كبير يهم الأمة الإسلامية على جزئية بسيطة ذكرها أحد الفقهاء عرضاً، ولم يفكر في أنها تبنى عليها منتج عظيم، ومثل وجود قول لبعض فقهاء الحنابلة في مسألة الوكالة حيث قالوا : لو أن شخصاً وكل آخر أن يبيع دابته بعشرة دراهم فباعها بثمانية ضمن العشرة، أو أن تبنى فكرة المرابحة للآمر بالشراء على أساس سعر لايبور يحدد في كل عام على أساس قول لبعض الفقهاء في جواز أن تجعل خدمة العبد ثمناً … ، أو أن ينبى فكرة بيع الوعد بثمن على أساس بعض أقوال الفقهاء في بيع الحقوق، وهكذا فأنا أعتقد أن القضية هي قضية المنهج، كما قال الدكتور عزالدين خوجة .

ومن هذا المنطلق فقد بنيت بعض هذه الصكوك الإسلامية على عقود شكلية، وأمور غير حقيقية، مثل الصكوك الواردة على شراء مطار إحدى الدول، ثم تأجيره المنتهي بالتمليك.

ومن هنا فقد أصدر المجلس الشرعي بياناً في غاية من الأهمية تضمن عدة أسس أساسية منها أن يمكن بيع الأصلو قانوناً بالإضافة إلى ( شرعاً )، لأن هذا المانع معتبر.

حينما كتبت عن كيفية الأسواق المالية، وعن آلياتها لدورة مجمع الفقه الإسلامي الدولي قبل عشرين سنة، وقدمت 14 انموذجاً للصكوك الإسلامية، ثم قدمنا صكوك الإجارة والمشاركة كنت أبني آمالاً كبيرة جداً على أن البنوك الإسلامية سوف تنشط في هذا الجانب، وتقدم نماذج مشرفة، لأنها ليست مضطرة لأن تكون بدائل عن السندات.

عناية المجامع الفقهية، والمؤتمرات، والندوات، والحقات الفقهية والاقتصادية بالمنتجات المالية الإسلامية منذ خمسة عقود أولى العلماء المسمون المعاصرون عنايتهم القصوى منذ أكثر من قرن بإخراج الأمة الإسلامية من مستنقع الربا والمحرمات، ولا سيما في مجال المعاملات، وأن ينقذوهم من شرور الحرام.

إلى عالم الحلال والطيبات، وأن يساعدوا الحكام لتقنين الأنشطة الاقتصادية أيضاً وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء، ليكون للأمة قانونها المنبثق من شرع الله تعالى، ونظامها الاقتصادي الذي لا يتعارض وأحكامه ومبادئه، مع الاستفادة من كل قديم صالح، ومن كل جديد نافع، والجمع بين الأصالة والمعاصرة، والثبات والتطوير، لأن هذه الشريعة قائمة أساساً على رعاية المصالح والمنافع والطيبات، ودرء الخبائث والمضار والمؤذيات.

ثم تحولت الجهود الفردية للعلماء إلى الجهود المؤسسية منذ إنشاء مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف، حيث كان من قراراتها في دورة مؤتمره الثاني الذي عقد في القاهرة عام 1964م قرار بتحريم الفوائد البنكية، وقبل ذلك عقدت في دمشق ندوة فقهية ناقشت عدة قضايا منها قضية التأمين التجاري.

ثم تحول قرار مجمع البحوث الإسلامية إلى عمل وتطبيق من خلال إنشاء البنوك الإسلامية، وأعقبها إنشاء شركات التأمين الإسلامي، ثم شركات الاستثمار والتمويل والإجارة…

وعقدت خلال هذه العقود الخمسة عشرات من المؤتمرات، مثل مؤتمر الاقتصاد الإسلامي الأول في الرياضعام 1976، ثم عدة مؤتمرات أخرى، وكذلك عقدت عشرات الندوات والحلقات من أهمها ندوات البركة الاقتصادية التي وصلت إلى 30 ندوة، ناهيك عن عدة مؤتمرات فقهية واقتصادية، كل ذلك لأهمية هذه الموضوعات، ونخن نذكر على سبيل المثال عناية مجمع الفقه الإسلامي الدولي بهذه المنتجات من خلال قراراته الخاصة بهذه المنتجات التي تصل إلى الآن (2009م): (73) قراراً [5].

وأما الندوات التي عقدها مجمع الفقه الإسلامي الدولي فقط فتصل إلى عشر ندوات وحلقات فقهية، وهي:

  • ندوة سندات المقارضة التي عقدت بين المجمع والبنك الإسلامي للتنمية، بتاريخ 22 – 25 ذو الحجة 1407هـ الموافق 1 – 19 أغسطس 1987م بجدة، وبحثت المحاور الآتية:
    • تصوير سندات المقارضة والفرق بينها وبين سندات التنمية وشهادات الاستثمار.
    • تحديد طبيعة سندات المقارضة، وهل هي عقد جديد ذو صبغة خاصة أو عقد مضاربة شرعية؟
    • إطفاء سندات المقارضة.
  • الندوة الأولى للأسواق المالية: وعقدت بين المجمع والبنك الإسلامي للتنمية باستضافة وزارة الأوقاف المغربية بتاريخ 20 – 24 أكتوبر 1989م بالرباط، وبحثت المحاور الآتية:
    • الأدوات المالية التقليدية.
    • الخيارات في السلع والمستقبليات.
    • الأدوات المالية الإسلامية.
    • البيان الوصفي للأسواق المالية وأهمية تنمية هذه الأسواق.
  • ندوة استخدام الحاسوب في العلوم الشرعية: وعقدت بين المجمع والبنك الإسلامي للتنمية بجدة، بتاريخ 24 – 26 ربيع الآخر 1410هـ الموافق 11- 13 نوفمبر 1990م وبحثت عن استخدام الحاسب الآلي في العلوم الشرعية.
  • ندوة الإجابة على استفسارات البنك الإسلامي للتنمية: والتي عقدت بين المجمع والبنك الإسلامي للتنمية بجدة بتاريخ 16 – 17/5/1411هـ الموافق 3 – 4/12/1990م بجدة، وبحثت المحاور الآتية:
    • هل يجوز للبنك بوصفه بنكا لا مضاربا في صندوق الحصص الاستثمارية الذي أنشأه، أن يضمن قبل أرباب المال المستفيدين وكفلائهم بالنسبة للاستثمارات التي يبيعها البنك للصندوق؟ هل مساهمة البنك في رؤوس أموال المشروعات الإنتاجية بالدول الأعضاء التي تقوم عليها شركات تتعامل بالفائدة جائزة شرعا؟
    • وهل يجوز للبنك الإسهام في الشركات الموجودة في أسواق المال الدولية والمتعاملة بالفائدة في ظل الأوضاع الاقتصادية القائمة؟
  • الندوة الثانية للأسواق المالية: وقد عقدت بين المجمع والبنك الإسلامي للتنمية باستضافة بنك البحرين الإسلامي، بتاريخ 19 – 21 جمادى الأولى 1412هـ الموافق 25 -27 نوفمبر 1991م بالمنامة، وبحثت المحاور الآتية:
    • الأسهم.
    • الاختيارات.
    • معوقات العمل المصرفي الإسلامي.
    • بطاقة الائتمان وتكييفها الشرعي والبديل الإسلامي لها.
  • الحلقة الدراسية للنظر في توصيات ندوة البحرين، وعقدت بمقر الأمانة العامة للمجمع بجدة وشارك فيها ثلة من الفقهاء والاقتصاديين. وقُدمت فيها أبحاثٌ فنيةٌ وفقهية تم عرضها ومناقشتها باستفاضة وبروح علمية متعاونة بين فقهاء الشريعة والمختصين في الاقتصاد الإسلامي والمصارف الإسلامية والأسواق المالية العالمية .
  • عقد 3 ندوات فقهية اقتصادية، وبالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية في الفترة من 10 – 14 إبريل 1993م بجدة، عقدت ثلاث ندوات فقهية اقتصادية، وبحثت:
    • قضايا العملة.
    • مشاكل البنوك الإسلامية.
    • حكم المشاركة في رأس مال الشركات الاستثمارية المتعاملة بالربا
  • الندوة الفقهية الاقتصادية حول قضايا العملة، وقد عقدت تنفيذاً لتوصية الدورة التاسعة لمجلس المجمع المنعقدة في أبو ظبي في الفترة من 1 – 6 ذي القعدة 1415هـ الموافق 1 – 6 إبريل 1995م التي كلفت الأمانة العامة للمجمع بعقد ندوة حول “قضايا العملة” وبخاصة موضوع “حقيقة التضخم، أنواعه وآثاره – الحل الإسلامي”، وقد تمَ الاتفاق على عقد هذه الندوة بالتعاون مع مصرف فيصل الإسلامي بالبحرين وذلك في ثلاث حلقات: أولاها في جدة والثانية في كوالالمبور (ماليزيا) والثالثة في المنامة (البحرين).
    • الحلقة الأولى: وعقدت يومي 28 – 29 رجب 1416هـ الموافق 20 – 21 ديسمبر 1995م بمقر البنك الإسلامي للتنمية بجدة، وكان موضوعها: “التضخم النقدي: حقيقته، مسبباته، أنواعه وآثاره – الحل الإسلامي”.
    • الحلقة الثانية:انعقدت يومي 20 – 21 صفر 1417هـ 6 – 7 يوليو 1996م بكوالالمبور (ماليزيا)، وكان موضوعها: التضخم وآثاره على المجتمعات.
    • الحلقة الثالثة : وانعقدت بالمنامة عاصمة البحرين بتأريخ 12-13 جمادى الثانية 1420هـ الموافق 22-23 سبتمبر 1999م .
    • حلقة عمل حول تداول الأسهم والصكوك : حيث انعقدت بالتعاون المشترك بين المجع والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب في الفترة 20-21 صفر1428هـ الموافق10-11 مارس2007
  • الندوة الفقهية لقضايا الزكاة المعاصرة ، والتي نضمها مجمع الفقه الإسلامي الدولي بالتعاون مع الغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة بجدة ووزارة العدل والشؤون الإسلامية بمملكة البحرين ، وعقدت في بالمنامة ( مملكة البحرين ) في الفترة 18-20 ربيع اللآخر 1428هـ الموافق 5-7 أيار 2007م[6]
المبحث الأول:

مدى قدرة المنتجات المالية الإسلامية في الاستجابة لمتطلبات السوق، وفيه:

  • أنواع هذه المنتجات
  • كيفية استجابة هذه المنتجات لمتطلبات السوق، من حيث الجودة، والتنوع، والشمول

التعريف بالمنتجات المالية الإسلامية وضوابطها:

المقصود بالمنتجات المالية الاسلامية هي ما يتكون من الصيغ والعقود والآليات المالية التي تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، وتضاهي في إمكانية تطبيقها ومرونتها المنتجات المالية المعاصرة، ولكنها تمتاز بالمبادئ، والمميزات الخاصة بالاقتصاد الإسلامي، من الملكية، والمشاركة، وأن الغرم بالغنم والخراج بالضمان ونحو ذلك.

وهذه المنتجات تبدأ بالعقود، وتنتهي بالصكوك الاسلامية التي في حقيقتها منظومة تقوم على أساس عقد من العقود المالية المشروعة.

والذي يظهر لنا أن المنتج هو ليس مجرد عقد، وإنما هو منظومة تتكون من أحد العقود الإسلامية مع الوعد، أو نحوه، أو يتكون من أكثر من عقد يحقق أحد أهداف الاستثمار، أو التمويل الإسلامي.

ومن هنا فالمنتجات الإسلامية بالإضافة إلى الشروط والضوابط القانونية والمصرفية والفنية والحرفية، تحتاج إلى مجموعة من الشروط والضوابط الشرعية المطلوب توافرها في العقد الذي بني عليه المنتج، وفي الوعد الذي ربط به، وأنها تحتاج كذلك إلى شروط اجتماع العقدين أو أكثر، أو ما يسمى بجمع صفقتين من صفقة واحدة، العقود المركبة.

 وقد وردت أحاديث في النهي عن صفقتين في صفقة واحدة، وعن بيعتين في بيعة واحدة، وقد جمعناها وما ذكره المحدثون والفقهاء حولها، فتوصلنا إلى أن المقصود بها هي النهي عن الجمع بين بيع وسلف، أو بعبارة أوسع: النهي عن الجمع بين المعاوضات من بيع ونحوه مع السلف من قرض وسلم لما في الذلك من الذرائع الموصلة إلى الربا، أو النهي عن الجمع بين البيع نقداً أو نسيئة أو أكثر في صفقة واحدة لما في ذلك من الغرر[7] .

وبالتالي فإن ضوابط الجمع الجائز بين صفقتين أو أكثر ما يأتي:

  • أن لا يكون الجمع بين عقد معاوضة وعقد سلف في صفقة واحدة ـ كما سبق ـ .
  • أن لا يؤدي الجمع بين عقدين أو أكثر إلى جهالة فاحشة أو غرر « احتمال بين الوجود والعدم، أو بين الحصول وعدمه، أو في المقدار أو الزمن ».
  • أن لا يؤدي الجمع بينهما إلى الجمع بين متضادين، حيث عبر المالكية عن ذلك بقولهم: « كل عقدين يتضادان وصفاً ويتناقضان حكماً فإنه لا يجوز اجتماعهما »[8] وذكروا لذلك أصلاً وهو النهي عن بيع وسلف، وذكروا له أمثلة مثل الجمع بين البيع والنكاح لأن مبنى البيع على المساومة والمغابنة ومبنى النكاح على المودة، والمسامحة والقربة والمكارمة، ومن هذا الباب في نظرهم: الجمع بين العقد الواجب والعقد الجائر مثل البيع والجعالة، ويزيده على ذلك أن أحد العوضين في الجعالة مجهول، والجمع بين البيع، والصرف، لأنه مبنى على امتناع الخيار والتأخير، ونحوهما، أو المساقاة، أو الشركة، أو القراض، لما في هذه العقود الثلاثة الأخيرة من الجعالة والغرر، قال الإمام القرافي: « اعلم أن الفقهاء جمعوا أسماء العقود التي لا يجوز اجتماعها مع البيع في قولك: « جص مشنق …. ، وما لا تضاد فيه يجوز جمعه مع البيع »[9] وعلل القرافي هذا الفرق بقوله: « والسر في الفرق أن العقود أسباب لاشتمالها على تحصيل حكمتها في مسبباتها بطريق المناسبة، والشيء الواحد بالاعتبار الواحد لا يناسب المتضادين، فكل عقدين بينهما تضاد لا يجمعها عقد واحد[10]، لكن المالكية أجازوا الجمع بين البيع والإجارة، وبينه وبين الهبة.

والذي يظهر لنا رجحانه هو أن هذا التوسع من المالكية في تطبيقات هذه الضابطة أو القاعدة غير مسلم، فلا نسلم أن في الجمع بين البيع، وبين كل من الجعالة، والمضاربة، والشركة والمساقاة، والصرف تضاداً، لأن التضاد الممنوع هو التضاد في الشروط والأحكام إذا ترتب على ذلك تضاد في الأحكام والآثار، وذلك مثل الجمع بين بيع عين وهبتها في صفقة واحدة، أو الجمع بين المضاربة وإقراض رأس المال للمضارب[11] .

  • أن لا يتخذ الجمع بين صفقتين ذريعة إلى محظور شرعاً، مثل الربا كما هو الحال في بعض التنظيمات المعاصرة للعقود التي يراد بها الوصول إلى الربا من خلال التورق غير المنضبط القائم على الأوراق، وليس على الأشياء الحقيقية، ولذلك صدر بتحريمه قرارات من مجمع الفقه الإسلامي الدولي ومن المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي.
  • بالإضافة إلى ضرورة توافر أركان كل عقد، وشروطه، وضوابطه.

وتشمل المنتجات المالية الإسلامية جميع العقود الفقهية التي نظمت وأصبحت صالحة للتطبيق في المؤسسات المالية الإسلامية، مثل المرابحة، والمساومة، والسلم، والسلم الموازي، والاستصناع، والاستصناع الموازي، والتورق المنضبط بضوابطه، والإجارة التشغيلية والتمويلية سواء أكانت إجارة أشخاص، أم أعيان، وسواء أكانت إجارة معينة أم موصوفة في الذمة ….، وكذلك المشاركات بجميع أنواعها سواء كانت شركة أموال، أم أبدان، وصنائع وأعمال، أم شركة جامعة بين المال والخبرة والعمل، مثل المضاربة والمساقاة، والمزارعة، والمخايرة والمغارسة، والمصانعة، ونحوها.

وكذلك تشمل المنتجات الإسلامية جميع انواع الصكوك المشروعة، والوحدات الاستثمارية، والمحافظ الاستثمارية المشروعة، بالإضافة إلى منتجات التأمين التكافلي.

فالمنتجات المالية الإسلامية كثيرة جداً تشمل أي منتج قائم على أي عقد مشروع في الفقه الإسلامي، بل يشمل أي منتج قائم على أي عقد مشروع، وإن لم يكن موجوداً أو مقرراً في الفقه الإسلامي، حيث إن الأصل في العقود والشروط الإباحة عند جمهور الفقهاء، وبالتالي فيجوز إنشاء أي عقد أو الاعترف بأي عقد جاءنا من أي مصدر ما دام لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية الغراء ومبادئها[12] .

كيفية استجابة هذه المنتجات لمتطلبات السوق، من حيث الجودة، والتنوع، والشمول.

 إن هذه المنتجات المالية الإسلامية قادرة على استجابة جميع متطلبات السوق للأسباب الآتية:

أولاً ـ تنوعها على عكس ما لدى المؤسسات التقليدية:

 إن المؤسسات المالية التقليدية ( البنوك الربوية ) تتعامل مع منتجات تدور كلها، أو معظمها حول القرض بفائدة، فالبنك الربوي يأخذ الأموال من المودعين عن طريق القرض بفائدة مثل حسابات التوفير، والودائع المرتبطة بزمن ( قصير الأجل، أو طويل الأجل، أو متوسطة ) وبدون فائدة في الحساب الجاري، فليس أمامه إلاّ عقد القرض، في حين أن البنك الإسلامي أمامه عدة عقود، حيث إن أمامه بالاضافة إلى عقد القرض في الحساب الجاري عقد المضاربة، وعقد الوكالة بالاستثمار، وغير ذلك.

وفي حالة دفع الأموال للعملاء ليس أمام البنك الربوي إلاّ عقد القرض بفائدة، في حين أن أمام البنك الإسلامي عدة عقود على ضوء ما يأتي:

إن الصيرفة الإسلامية تقوم على ستة عناصر أساسية، وهي:

  • الاستثمار المباشر أو غير المباشر من خلال العقود الشرعية والأدوات والآليات من الصكوك، والمحافظ الاستثمارية.
  • جمع المدخرات واستثمارها من خلال الودائع الاستثمارية.
  • التمويل، وهو تمويل الأفراد، أو الشركات والمؤسسات للتجارة والتصنيع، وتحقيق الأرباح من خلال عقود المرابحة والاستصناع، والإجارة المنتهية بالتمليك والمشاركات المتناقصة.
  • تحقيق السيولة في بعض الحالات من خلال عقد السلم، وعقد التورق المنضبط بضوابط الشرع.
  • الخدمات الخاصة بحفظ الأمانات وتأجير الصناديق، وتقديم الخدمات المطلوبة للتمويل، وللتحويلات والتجارة، والمقاولات مثل خدمات التحويل والكفالات وفتح الاعتماد، وتحصيب الشيكات، ونحوها …
  • وهناك بعض الأعمال الاجتماعية تقوم بها بعض البنوك الإسلامية مثل : جمع الزكاة من المساهمين والمودعين وصرفها على المستحقين، ومنح القروض الحسنة لمن تتوافر فيهم الشروط المطلوبة، وهذه الأعمال في غاية من الأهمية وتكمل دور المصارف الإسلامية في خدمة المجتمع، لذلك نرجو أن تعم.

الجدول رقم (1)

 

الجدول رقم (2)

 

الجدول رقم (3)

الفروق الجوهرية في التعامل في حالة الاقتراض والأخذ من حيث العقود المنظمة

عنصر المقارنة العقد المنظم في الربوي العقد المنظم في الإسلامي
حساب جاري عقد قرض بدون فائدة عقد قرض بدون فائدة
حساب توفير عقد قرض بفائدة عقد مضاربة شرعية
ودائع عقد قرض بفائدة عضد مضاربة شرعية
ضمان رأس المال في التوفير والودائع البنك ضامن لرأس المال، والفائدة، وإن والفائدة (عبء على التمويل) البنك غير ضامن لرأس المال إلاّ في حالة التعدي، أو الإهمال، والربح مشترك حسب الربح ( مشاركة في الربح )
عائد البنك ثابت حسب زمنه مرتبط بالربح: زيادة ونقصاناً
علاقة المتعامل مع البنك في حالة إقراض البنك أو إعطائه علاقة المدين بالدائن ( المقرض بالمقترض ) بالفائدة علاقة بيع وشراء في المرابحة أو المساومة، أو علاقة قائمة على عقد مشروع.
غرض العملية لا يهتم بغرض القرض يعتبر أهم عنصر يوليه البنك الاسلامي عنايته وهو كونه مشروعاً ونافعاً
محل العلاقة إقراض نقود بصرف النظر عن مجال استخدامها

 

يتحتم في حالة المرابحة أن توجد بضاعة محددة وموصوفة ومملوكة أو محازة وأن تنتقل البضاعة من ذمة إلى ذمة ومن مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان وبهذا توجد منفعة اقتصادية حقيقية تبرر ربح البنك .
عائد البنك ·     فائده ثابتة تتصل بأصل القرض ومدته .

 

·     لا علاقة له بتكلفة المتعامل عند حصوله على الايرادات.

 

ــ ربح يتفق عليه بالتفاوض بعد معرفة طالب التمويل بتفاصيل تكلفة شراء البضاعة ثم يضاف الربح فيصبح الثمن أمرا متفقا عليه بصرف النظر عن مدة السداد.

ـ يراعى فيه تحديد ظروف السوق والسلعة وإتاحة فرصة للتعامل لتحقيق مصلحة وألا تكون فيه مغالاة، إضافة إلى أن البضاعة لابد أن تدخل في ضمان البنك.

التوقف عن السداد يحصل البنك على حقوقه بكل الوسائل بصرف النظرعن السبب، مع احتساب الفائدة المستمرة .

 

يفرق البنك بين حالتين :-

_ التوقف لأسباب لا دخل للعميل بها فيطبق المبدأ الإسلامي ” فنظرة إلى ميسره ”

_ التوقف عن السداد بسبب عوامل مسئول عنها العميل ولدية القدرة على السداد فيطبق فيها المبدأ الإسلامي (مطل الغني ظلم ) وعندئذ يكون من حق البنك استيفاء حقه بالطرق الشرعية والقانونية المناسبة وذلك (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ).

الضمانات أهم عنصر يهتم به البنك التجاري هو أن القروض تصنف حسب الضمانات وتحدد قيمة القروض ارتباطا بالضمانات المقدمة .

 

يتم الحصول على الضمانات من واقع القدرات المتاحة لطالب التمويل ووفقا لطبيعة العملية والسلعة.. بل إن البنك الإسلامي يحتاج إلى ضمانات أكثر بسبب عدم احتساب الفوائد عند التأخير.

 

ملاءة العميل أو دراسة الجدوى الاقتصادية الأهيمة القصوى لملاءة العميل الأهمية القصوى للمشروع وجدواه الاقتصادية، ثم قدرة العميل على السداد

ثانياً ـ إن أسباب  الأزمة المالية عززت مكانة الصيرفة الإسلامية، فالشريعة حمت البنوك الاسلامية من الوقوع في أسباب هذه الأزمة، ولذلك كلما كان الالتزام بها أكبر كانت الحماية أكبر وأكثر، وجاءت تصريحات قادة الفكر والسياسة والاقتصاد، وأخيراً الفاتيكان كلها تصب لصالح الصيرفة الإسلامية، وقد استطاعت الصيرفة الاسلامية الصمود، وعدم اهتزازها بالأزمة، بل وقوتها دليل على صلاحيتها، حيث تعود هذه القوة إلى عدم تورط المصارف الإسلامية في السندات، وفقاعة العقارات في أمريكا

ثالثاً ـ تكامل الهياكل الأساسية للصيرفة الإسلامية:

  أ – المجامع والمؤتمرات والندوات

  ب – صدور حوالي 80 معياراً شرعياً، ووجود هيئة للمعايير الشرعية والمحاسبية

  ج – اتحاد البنوك الاسلامية من خلال المجلس العام للبنوك الاسلامية

  د – التحكيم الدولي الخاص بها

رابعاً ـ البنوك الاسلامية تلتزم بالمعايير الرقابية الدولية في منظومة بازل 1 وبازل2، وكفاءة رأس المال العامل والحوكمة والشفافية، بالإضافة إلى الالتزام بالضوابط الشرعية، والمعايير الشرعية.

خامساً ـ وجود معظم المصارف في الدول الخليجية قوة لا يستهان بها.

سادساً ـ توجه الدول الغربية إلى الصيرفة الاسلامية والصكوك الاسلامية .

سابعاً ـ توجه البنوك الكبرى لفتح فروع أو نوافذ إسلامية صحيحة .

ثامناً ـ بحث الصيرفة الاسلامية في قمة مجموعة العشرين الاقتصادية بواشنطن، ووجود توصية منها بإقرار معايير موحدة لتنظيم عمل المصارف الاسلامية .

تاسعاً ـ قابلية المنتجات المالية الإسلامية للتطوير والمعاصرة والحداثة والنمو المطر مع الحفظا على الثوابت والأصالة .

الشروط الأساسية لنجاح هذه المنتجات واستمرارها:

في نظري أن هناك شرطين أساسيين لنجاح هذه المنتجات وقدرتها على الاستمرار، والتنافس، وهما:

الشرط الأول : الأصالة، والتمثيل الحقيقي من هذه المنتجات لحقائقها الشرعية وعقودها الفقهية الأصلية، دون لف ودوران، وأن ترتبط بمبادئ العدل، والتوازن في الحقوق والواجبات، فالعدل هو الأساس في كل شيء، فإذا اختل فإن العقد غير صحيح، وكذلك الارتباط بالمقاصد الشرعية لكل عقد أو منتج ـ كما سيأتي ـ .

الشرط الثاني: التطوير والإبداع والتجديد بعيداً عن المحاكاة والتقليد الأعمى للمنتجات التقليدية، فمن الشروط الأساسية لنجاح أي مشروع، أو منتج أن يكون قائماً على الإبداع والتجديد، بعيداً عن المحاكاة والتقليد، لأن من سنن الله تعالى أن التوقف هو عين التأخير كما قال تعالى: ﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾(المدثر/37). ولم يقل ( أو يتوقف ) لأنه داخل في التأخر .

 وكذلك من سنن الله تعالى أن الابتلاء والامتحان لهذه الأمة المسلمة المطالبة بالتعمير ليس بالعمل العادي، بل بالعمل الأحسن المتطور المتجدد في كل وقت فقال تعالى:﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾(الملك/1، 2) أي أن مجال الامتجان في عالم الملك، وفي عالم صناعة الحياة والقوة إنما هو في نطاق من أهو أحسن عملاً، وذلك لأن كلاً يعمل على شاكلته، وأن الحياة لن تتطور بالعمل العادي، وإنما بالعمل الأحسن للدنيا والآخرة، ومن هنا نرى الغرب، واليابان ونحوهما قد تقدم بهذا التنافس في الأحسن، حتى إن بعض الدول كاليابان، والصين قد بدأت بالمحاكاة، لكنها سرعان ما وصلت ـ وبخاصة يابان ـ إلى الابتكار والتجديد، وحينئذ تقدمت ولم تكن متقدمة عندما كانت تقوم بالمحاكاة .

وقد استعمل القرآن الكريم لفظاً مرناً ومتحركاً حينما قال (أَحْسَنُ عَمَلاً) فهو نكرة يدل على أن هذه الأحسنية نسبية ومتجددة ومتغيرة، فأحسن عملاً اليوم هو غيره في غد، أو ما بعد غد، وقد كرر القرآن الكريم ضرورة الالتزام بالأحسن في كل شيء حتى في الاتباع، وفي القول والهجر، والصبر… مما يدل على توجيهه الأمة الإسلامية نحو تشكيل عقلية متطورة متجددة، وديناميكية تبحث عن الأحسن في كل شيء، وتتجه نحو الحسن الذي لا نهاية له في عالمنا المعاصر.

ومع الأسف الشديد فإن معظم منتجاتنا اليوم تنقوم على المحاكاة والبدائل، فمثلاً فإن البنك التقليدي يقوم على القرض بفائدة، إذن يبحث البنك الإسلامي عن بديل عن طريق التورق المنظم ( غير المنضبط) وأن البنك التقليدي يأخذ الودائع بفائدة مضمونة، إذن يبحث البنك الإسلامي عن بديل يحاكيه تماماً، يتمثل في المرابحة العكسية، أو التورق المصرفي المقلوب، وأخيراً السلم المنظم الذي هو أدهى وأمر من التورق المنظم.

وكذلك فإن البنك التقليدي يقدم السندات وهي أوراق تمثل قرضاً بفائدة مضمونة، إذن على البنك الإسلامي أن يقدم أوراقاً مالية تسمى الصكوك تنتهي مع زيادة المصاريف وعقود مركبة إلى ضمان المال وفائدته.

نحن لا نمنع من البدائل أبداً، لأنها مطلوبة لرفع الحرج، ولكن لا بدّ أن تتوافر فيها الشروط والضوابط الشرعية، وتتحقق فيها مقاصد الشريعة المطلوبة ولو في أدنى مراحلها، وإنما نحن ضد البدائل التي ألبست ثوب الشريعة، وهي بعيدة بل هي عبء إضافي على العملاء بالإضافة إلى جميع مواصفات الربا ( الفائدة )

وكذلك نرى نوعاً من التذمر لدى العملاء من بعض المنتجات المطبقة، وتراجعاً في مستوى المصداقية، وإثارة وبلبلة، ويزيد ذلك إشتعالاً وسائل الإعلام المرتبطة بالمؤسسات التقليدية . وقصدي من ذلك أننا يجب أن نسير على خطين موازيين هما:

  • خط البدائل المقبولة شرعاً لرفع الحرج عن المسلمين في حياتهم الاقتصادية، وفي ظل انتشار الربا بشكل مَنْ لم يأخذه نالهُ من غباره.
  • خط التطوير والتجديد والابتكار، ودراسة احتياجات العملاء والأسواق وتطورها، واحتياجات الأمة الإسلامية إلى التنمية الشاملة، وهذا يقتضي من المؤسسات المالية الإسلامية العناية القصوى بمراكز البحث والدراسات ـ كما سيأتي ـ .

والتطوير لا يتم إلاّ إذا اعتمد على الركائز الآتية:

  • الشرعية، فيجب أن تتوافر الشروط والضوابط والمقاصد والمبادئ الأساسية في كل منتج، وأعتقد أن قرارات المجامع الفقهية والمعايير الشرعية سهلت هذه المسألة إلى حدّ كبير.
  • توافر الشروط والضوابط القانونية المقبولة شرعاً في المنتج.
  • توافر الجوانب الفنية والاحترافية المهنية في المنتج .
  • الابداع والجديد في المنتج من حيث التنمية، ومن حيث تحقيق الأرباح الجيدة للعملاء، أو تحقيق حاجياتهم، وحاجيات الوسق بشكل طيب ميسو

المبحث الثاني:

التحديات المستقبلية أمام تطوير وابتكار المنتجات المالية الإسلامية مع الحلول، وفيه:

 إن هذه التحديات تدور حول سبعة محاور:

  • المحور الأول: التحديات أو الصعوبات التي تتعلق بأحكام الشرعية الغراء .
  • المحور الثاني: التحدي الذي يتعلق بالبيئة القانونية والرقابية والاشرافية التي تعيش في ظلها المؤسسات المالية الإسلامية أو المنتجات المالية الإسلامية.
  • المحور الثالث: التحدي الذي يتعلق بعدم وعي الجماهير بالمنتجات المالية الإسلامية وأحكامها.
  • المحور الرابع: التحدي الذي يتعلق بعدم وجود مراكز البحث والجامعات التي تولى العناية المناسبة بهذه المنتجات.
  • المحور الخامس: تحدي عدم الوحدة والتنسيق المناسب بين المؤسسات المالية الإسلامية.
  • المحور السادس: عدم وجود مؤسسات إسلامية كبرى خاصة بالمحاسبة والتدقيق الخارجي.
  • المحور السابع: تنافس المنتجات التقليدية.
  • المحور الثامن: خلل في بعض المنتجات.

المحور الأول : التحديات والصعوبات التي تتعلق بأحكام الشرعية الغراء .

  • أنواع التحديات مع بيان الحلول:
    • أولاً ـ صعوبات تتعلق بعدم تحديد الفائدة في عصرنا الحاضر .
    • ثانياً ـ صعوبات تتعلق بعدم ضمان رأس المال .
    • ثالثاً ـ صعوبات تتعلق بتأخير الديون، دون فرض الفوائد عليها.
    • رابعاً ـ مشكلة الفتاوى المتضاربة سواء كانت داخل الهيئات الشرعية، أو من خارجها.
    • خامساً ـ عدم الالتزام بمنهج الاقتصاد الإسلامي ومقاصده:

علماً بأن هذه التحديات يعود بعضها إلى المنتجات، وبعضها يعود إلى المؤسسات المالية الإسلامية .

أولاً ـ صعوبات عدم تحديد الفائدة :

إن التزام المؤسسات المالية الإسلامية بعدم تحديد الفائدة ، أو الربح تترتب عليه ـ في الظاهر ـ صعوبات في عالمنا اليوم من عدة وجوه منها:

  • أن البنوك التقليدية التي لا تزال هي المسيطرة على العالم حتى على عالمنا الاسلامي تحدد الفوائد مسبقاً، وهذا يجعل منافسة البنوك الإسلامية لها صعبة .
  • مسألة الشفافية التي يطالب بها كثير من المستثمرين، حيث يريدون معرفة ما يتحقق لهم من فوائد أو أرباح، ليبنوا عليها ميزانياتهم المالية، وحتى يتمكنوا من اختيار من يعطي الأكثر فيتعاملون معه.

الجواب والحل:

أ ـ الجواب عن ذلك هو أن هذه القضية هي القضية الجوهرية في الاقتصاد الاسلامي الذي يقوم على حرمة الربا، فالمسألة حسمت عقدياً بالنصوص القاطعة التي حرمت الربا الذي يشمل الفوائد البنكية باعتراف المجامع الفقهية السائدة في عصرنا الحاضر، ولذلك نرى القرآن الكريم يرد على الذين فضلوا الربا على البيع و ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾(البقرة/275) يرد عليهم بهذا الجانب العقدي أولاً، وهو أن الله هو الذي أباح البيع وحرم الربا، فقال تعالى ﴿š إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾(النور/51)..

وثانياً: أن الربا هو ظلم واختلال في ميزان المعاملات، لأنه اجتمعت في كفة المرابي المقرض كل الجوانب الايجابية، فماله مضمون، وفائدته مضمونة أيضاً دون تحمل أية مخاطر، فقد ولدت نقوده نقداً دون عناء وعمل، في حين أن المقترض قد اجتمعت في كفته كل السلبيات، حيث عليه الضمان الكامل لما اقترضه، وعليه زيادة مضمونة يجب عليه دفعهما في وقته، وإلاّ فتتضاعف عليه الفوائد مع مرور السنين، فلم يطبق عليه    ( الغنم بالغرم ) ولا ( الخراج بالضمان ) بل الغرم عليه والضمان عليه، في حين أن المقرض له الغنم والخراج، بل قد لا يتحقق لهذا القرض أي خراج مع المقترض ملتزم بدفعه .

فالاقتصاد الإسلامي هو اقتصاد الملكية، واقتصاد المشاركة، واقتصاد قائم على الإنتاج، وبالتالي المشاركة في الناتج الزائد عن التكلفة في حين ان الفائدة هي تكلفة اقراض النقود، أو تكلفة تأجير النقود إلى أجل، فهي تكلفة موجودة دائماً على النقد المقترض فتصبح عبئاً على المقرض في حالة استهلاكه، أو عليه، وعلى المستهلكين إن كان قرضاً انتاجياً .

فمبدأ المشاركة والربحية يحفز على الادخار وعلى الانتاج حيث يرتبط مقدار الربح بنجاح المشروع الاستثماري، ومن ثم فهو دخل يرتبط ارتباطاً مباشراً بالنشاط الإنتاجي، وبدراسة الجدوى، وبالجهود الكبيرة المبذولة في سبيل انجاح المشروع وتطويره، وببيئته الجيدة[13]

فمبدأ المشاركة من أكبر الحوافز لمزيد من التفكير والجهود لمزيد من الإنتاج، وبالتالي جذب مدخرات المستثمرين لمثل هذه المشروعات الناجحة، حيث ينظر هؤلاء إلى العائد المتوقع، حتى الاقتصاد الوضعي يؤكد أن الأرباح المحققة ( أو معلات الربح ) هي التي تحفز على الادخار لأجل الاستثمار « حيث أثبتت تجارب الأسواق المالية في بلدان العام المختلفة أن الشركات المساهمة الناجحة بمؤشرات الربحية الموزعة تتمكن عن طريق اصدار الأسهم جذب ما تريد من مدخرات الأفراد لتغطية احتياجاتها »[14]

بل إن هذا المبدأ يرتبط ارتباطاً مباشراً بنظرية الكفاءة الجدية للاستثمار، فالمشروعات الأكثر عائداً تصبح الأكثر قدرة على جذب المدخرات واستثمارها، وبالتالي يزداد التنافس على الانتاج وكثرة الربح لصالح الجميع ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾(المطففين/26).

ومن جانب آخر فإن عدم تحديد الفائدة يحسب لصالح البنوك الإسلامية، وذلك لأن البنوك التقليدية تتخير عملاءها في المقام الأول وفقاً لمعيار الملاءة المالية، لأن الأولوية لديها هي ضمان استرداد قروضها مع فوائدها، ولذلك لا تعباً كثيراً بمن يحقق العوائد الأعلى أو الأقل[15]، بل لا تولي العناية بكون القرض انتاجياً أو استهلاكياً، وإنما المهم الضمانات الكافية لاسترداد القرض وفوائده.

أما البنك الإسلامي فحينما يدفع للعميل على أساس المشاركة أو المضاربة يهمه الأمران معاً الحفاظ على رأس المال بقدر الإمكان، والتعامل مع المستثمرين الناجحين الذي يحققون أعلى مستويات الأرباح، لأنه مشارك في الربح معهم، وبالتالي فهو أقرب ما يكون من استخدام الموارد النقدية الاستخدام الأمثل.

وكذلك فإن البنك الإسلامي حينما يأخذ من العملاء أموالهم للاستثمار على أساس المضاربة أو المشاركة لا يتحمل ضماناً للفائدة، ولا مخاطر رأس المال ما دام لم يتعد أو لم يقصر ولم يخالف الشروط، وبالتالي فالمال ليس عبئاً عليه ولا فائدته، فإن تحقق الربح فهو مشارك فيه، وإلاّ فلم يخسر شيئاً سوى جهده، في حين أن البنك الربوي يتحمل رد رأس المال وفوائده .

ومن الجانب العملي فإن الدراسات الاقتصادية وتقارير البنك الدولي بينت أن سياسات ادارة أسعار الفائدة والائتمان في العقود الأخيرة من الستينيات وما بعدها كان لها تأثير سيء على المدخرين والمستثمرين ( المقرضين والمقترضين ) واساءة استخدام الموارد المالية وأدت إلى مزيد من التحيز في توزيع الائتمان لصالح كبار العملاء، وإلى خفض كفاءة الاستثمار، وزيادة معدلات التضخم[16].

وقد نشرت الصحف أن برازيل ـ حينما عجزت عن السداد ـ عرضت على الدول الدائنة فكرة المشاركة أو المضاربة كحل لمشكلة الديون، وذلك لأن آليات المشاركة لا تحمل المسؤوليات كلها على عاتق المدين ( الشريك )، ومن هنا فإن الصيرفة الاسلامية تفتح باباً جديداً لتوزيع الموارد التمويلية على جميع المستثمرين ما داموا يعملون وفق الأصول .

الاشكالية الكبرى :

الإشكالية الكبرى تأتي حينما تطبق بعض البنوك الاسلامية آليات المشاركة بعقلية نظام الفائدة، حيث حينما تتعامل بأسلوبي المشاركة أو المضاربة لا تسير معهما إلى النهاية من حيث المشاركة الحقيقية التي تجلب لها أرباحاً كبيرة، وإنما تقطع هذه المشاركة من حيث المآلات، وذلك بالاعتماد في ربحها على فائدة لايبور ( زائد كذا ) وأن ما زاد عن ذلك يكون للمضارب أو المدير تحت اسم الحافز أو نحو ذلك، وكذلك الأمر لو كان البنك هو المضارب، أو المشارك المدير فإنه يتنازل للطرف الآخر عما زاد عن نسبة كذا.

هنا يتحمل البنك الاسلامي مخاطر رأس المال في غير حالات التعدي والتقصير ومخالفة الشروط، وهذا أمر جيد، ولكنه لا يمضي في هذه المشاركة الحقيقية إلى آخر المطاف فلا يشارك في الربح بنسبة مشاركته ولا بالنسبة التي تم الاتفاق عليها، وهنا يحدث الخلل، لأن الفقه الاسلامي عوض هذه المخاطر باحتمالية الأرباح الكبيرة، فحينما يحرم منها البنك الاسلامي، ويتساوى في الوقت نفسه مع البنك الربوي في نسبة الربح من خلال آلية التنازل يختل التوازن بينما لو مضى في مشاركاته ومضارباته حسب الآلية الاسلامية الصحيحة فإن الأرباح الكبيرة في بعض المشاريع تعوضه عن بعض الخسائر إذا وجدت في بعض مشاريع أخرى.

ب ـ الحل:

إن الحل لدرء المخاوف في الدخول في عقود المشاركة والمضاربة ونحوها، يكمن في حل جذري، وحل عملي:

ـ أما الحل الجذري فيكمن في توعية الناس بالاقتصاد الاسلامي وأهدافه، وحقيقته، وخصوصياته، حتى يصل الجميع إلى التطبيق الصحيح له عقيدة ومنهج حياة، وبالتالي يتقبلون الخسارة إن وجدت ما دامت ناتجة عن ظروف خارجة عن إرادة المضارب، كما أنهم يقبلون الأرباح الناتجة، وحينئذ تعقد عقود المشاركة على أساس المشاركة الحقيقية في الغرم والغنم، وليست على أساس الربط بلايبور ؟

ـ الحل العملي، لتشجيع الناس والمؤسسات المالية الإسلامية في الدخول في المشاركات والمضاربات

فهناك بعض الحلول تخفف من شدة هذه المسألة، وبدائل جيدة تعطي كثيراً من الاطمئنان للمستثمرين في معرفة الأرباح المتوقعة بشكل لا بأس به، وهي:

1ـ دراسات الجدوى الدقيقة المعتمدة التي تتوافر فيها جميع الشروط المطلوبة، ودراسة جميع الاحتمالات ( السيناريوهات ) والتي ومع ذلك تصل إلى أن الربح المتوقع كذا.

فهذه الدراسات للجدوى الاقتصادية التي يقدمها العميل أو المؤسسة للخوض في عقود المشاركة يمكن الاعتماد عليها في جعل ما ذكر فيها هو الأصل، وبالتالي حينما يدعي الخسارة، أو عدم تحقيق الربح المذكور، أو ربح المثل، فعليه إثبات ذلك بالأدلة المعتبرة حسب العرف التجاري .

وهذه خطوة جيدة تحول العميل أو المؤسسة المالية ( المضارب، أو الشريك ) إلى المدعى الذي يحتاج إلى بينة، وليس العكس أي أن يطلب من البنك اثبات عدم تحقيق ذلك، وإذا لم يستطع إثبات ذلك فإنه يتحمل رأس المال مع ربح المثل.

وقد صدرت أخيراً فتوى من المؤتمر الفقهي الثالث الذي عقد في الكويت في الفترة، ونصها:

أولاً:

  • الأصل قبول قول المضارب وكذا الوكيل بالاستثمار، والأخذ به في نفي الضمان عن نفسه في حالة هلاك شيء من الأموال التي يستثمرها أو خسارته بمجرد ادعائه أن ذلك إنما وقع من غير تعدّ منه أو تقصير، دون مطالبته ببينة على صدق دعواه (باعتباره مدعى عليه، فلا يطالب بالبينة، إذ البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه). فإن أقام رب المال –وهو المدعي- البينة على تعدي المضارب أو الوكيل بالاستثمار، صار ضامنا.
  • غير أن استصحاب هذا الأصل إنما يسوغ الأخذ به والتعويل عليه في النظر الفقهي إذا غلب في الناس الصدق والأمانة والتورع عن أكل مال الغير بالباطل. فإذا تغيرت الحال، فإن دلالة الحال –وهي الأمارة الظاهرة التي تدل على صورة الحال- مقدمة على الأصل عند تعارضهما، لأنها قرائن قوية، وشواهد قائمة تنبئ بحدوث أمر يغير حالة الأصل، فتكون بمثابة دليل على عدم صدق من يتمسك بذلك الأصل. ولهذا يترجح في الحكم جانب من شهدت له من المتداعيين – وهو صاحب المال- على من شهد له استصحاب الأصل، ويكون القول قوله في ذلك، ما لم يقم أولئك الأمناء(المضارب/الوكيل بالاستثمار) البينة على صدق ادعائهم، إذ « العلم الحاصل اعتمادا على القرائن والأمارات الظاهرة أقوى من الظن الحاصل باستصحاب الأصل».
  • كما أن العمل بهذا الأصل مقيد بأن لا يكون مخالفا للعرف، فإذا جرى عرف الناس بعدم قبول قوله (المضارب/الوكيل بالاستثمار) حتى يقيم البينة على صدق ادعائه عدم التعدي أو التقصير، فإن وصفه وحكمه الشرعي ينقلب من مدعى عليه إلى مدع أمرا خلاف الأصل، فلا يقبل قوله إلا إذا أقام البينة على صدقه، لأن «دلالة العرف أقوى وأظهر من استصحاب أصل براءة ذمة الأمين (المضارب/الوكيل بالاستثمار) عند تعارضهما»
  • كما أن العمل بهذا الأصل مقيد بانتفاء التهمة عن الأمين – والمراد بالتهمة رجحان الظن بعدم صدق الأمين (المضارب/الوكيل بالاستثمار) في ادعائه عدم التعدي أو التقصير – إذ التهمة موجب شرعي لنقل عبء الإثبات من أرباب المال إلى الأمين الحائز إذا ادعى أن ذلك إنما وقع بغير فعله أو تسببه، وهي متحققة في هذه القضية، إذ إن من المفترض في المضارب والوكيل بالاستثمار والمتوقع منه بحسب المعهود والدلالات  العرفية الظاهرة حفظ رؤوس الأموال المستثمرة من الخسارة، وتحقيق الأرباح والمكاسب لهم، و«قول المتهم ليس بحجة» كما هو مقرر في القواعد الفقهية.
  • وأيضا فإن المصلحة موجب شرعي لنقل عبء الإثبات إلى هؤلاء الأمناء، وذلك لحماية أموال المستثمرين من التوى والخسارة عند ادعاء المضارب أو الوكيل بالاستثمار هلاك أموال المستثمرين أو خسارتها إذا علموا أنهم مصدقون في نفي الضمان عن أنفسهم بمجرد ادعائهم ذلك ، من غير تكليفهم إقامة البينة على صدق ادعائهم.

ثانياً:

 إن نقل عبء الإثبات المنوه به يختلف تماما عن القول بتضمين المضارب أو الوكيل بالاستثمار، الذي يقتضي تحميله تبعة الهلاك والخسارة مطلقا، أو تحميله ضمان فوات الربح المتوقع، فذلك محظور قطعا، لأنه يتنافى مع قاعدة الغنم بالغرم.

ثالثاً:

يرجع في تحديد وقوع التعدي والتقصير إلى أهل الخبرة في تنمية الأموال واستثمارها، فهم الذين يعهد إليهم بالنظر في الموضوع، وتقرير وقوع ذلك أو عدمه، ثم تقرير ما يترتب من تبعات وضمانات على الأمناء المتعدين أو المفرطين بحسب العرف التجاري السائد.

رابعاً:

يوصي المؤتمر المؤسسات المالية الإسلامية أن تضمن عقودها شرط التحكيم فيما ينشأ من نزاع في هذا الأمرمع عامة عملائها، وتعيين المركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم في عقودها الدولية، إذ يتوافر في هيئة التحكيم الأهلية الشرعية والخبرة والدراية و الموضوعية العملية في مجال النزاع في هذا الأمر.] .

2ـ الاعتماد في المشاركة، أو المضاربة على المشروعات الناجحة، والإداريين الناجحين الثقات المؤتمنين الذين تكونت لهم خبرات ونجاحات متكررة من خلال دراسات دقيقة، فهذا بلا شك سوف يوسع دائرة المؤسسات المالية الإسلامية، وتحقق لها أرباحاً جيدة بإذن الله تعالى تعوضها عن بعض الاخفاقات لو وجدت وهذا يقتضي أن تكون دائرة الائتمان في البنوك.

3ـ الوكالة بالاستثمار عن طريق المرابحة بنسبة معينة، كأن يقول البنك: أعطيك مبلغ كذا على أن تستثمر لي في المرابحات التي نسبة أرباحها 7.5% فهذا الشرط صحيح، وبالتالي يجب على العميل أن يلتزم به، وإذا لم يجد عميلاً بهذه النسبة للمرابحة لا يقدم على اتمام الصفقة، وإذا أقدم فيمكن ان يحمّل بمثن المثل

4ـ الإجارة مع الوعد بالتمليك، حيث أنها تؤدي إلى معرفة الربح إلى حد كبير .

ثانياً: صعوبات تتعلق بعدم ضمان رأس المال:

إن عدم ضمان رأس المال يعد مشكلة في ظل النظام الربوي الذي تربى عليه الناس منذ عقود، بل قرون عدة، فالذين تعودوا التعامل مع البنوك التقليدية يريدون ضمان أموالهم عندما يدعونها لدى البنوك الإسلامية، وكذلك يسعى بعض المسؤولين عن بعض البنوك الاسلامية لضمان أموالها.

ولكن ما ذكرناه لا يعني عدم البحث عن الضمانات المتاحة شرعاً.

الجواب عن ذلك:

  إن عدم ضمان رأس المال في الاستثمارات يعتبر من أهم المبادئ التي يقوم عليها الاقتصاد الاسلامي في الاستثمارات حيث لا يضمن المضارب، أو الشريك إلاّ في حالات التعدي أو التقصير ، أو مخالفة الشروط.

بعض البدائل المحققة:

مع أهمية الحفاظ على المبدأ السابق فهناك بعض الاجراءات إذا اتخذت يمكن أن تؤدي إلى تخفيف حدّة المخاطر، وتوفير نوع من جوّ الأمان والاطمئنان، وهي بإيجاز شديد كالآتي:

  • الدراسات، والمعلومات، والضمانات الكافية لحالات التعدي، أو التقصير، أو مخالفة الشروط
  • ضمان طرف ثالث ـ كما صدر بذلك قرار رقم 30(3/4) من مجمع الفقه الإسلامي الدولي حيث نص على أنه: (9. ليس هناك ما يمنع شرعاً من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين، على أن يكون التزاماً مستقلاً عن عقد المضاربة، بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطاً في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به، بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد»[17].
  • الاستفادة من التأمين التكافلي في التأمين على الديون، والمخاطر، ونحوهما.
  • السعي لإنشاء صندوق للضمانات تشترك فيه جميع البنوك الإسلامية على أساس أسس التكافل.
  • الوكالة بالاستثمار مع تحديد جهة التعامل وطريقته، مع حق البيع على النفس في فترة وجيزة، فهذه الطريقة لا تؤدي إلى الضمان، ولكن تقلل فترة تحمل المخاطر.
  • دراسات الجدوى الاقتصادية ـ كما سبق ـ فهي ليست ضماناً، ولكنها قرينة قوية تجعل العميل المدعى للخسارة، أو لعدم تحقيق الربح المتوقع حسب الدراسة في محل الشك والريبة، وحينئذ يكون عليه الاثبات لما يدعيه بالبينة، إلاّ إذا كانت هناك أسباب ظاهرة واضحة تدل على تحقيق الخسارة ، أو عدم تحقيق الربح
  • التحوط من تقلب أسعار العملات، فالنقود الورقية السائدة اليوم أصبحت عرضة لتذبذب كبير، ولا سيما بعد تحريرها من الغطاء الذهبي، حتى أصبحت التقلبات في الأسعار احدى السمات البارزة في الاقتصاديات المعاصرة .

لذلك تحتاج المؤسسات المالية الاسلامية إلى نوع من التحوط ولا سيما في العقود التي تترتب عليها أثمان آجلة، حيث يهدف التحوط إلى السيطرة على التقلبات غير المرغوب فيها في الأسعار بصورة عامة، وفي النقود بصورة خاصة[18] .

حكم التحوط:

التحوط بالنسبة للسلع، أو الأسهم جاز حيث يمكن تحقيقه عن طريق عقود آجلة موازنة، سواء عن طريق البيع الآجل، أو السلم، أو عقد الاستصناع.

وإنما الإشكالية في النقود، جيث لا يجوز بيع جنس واحد ( ريال قطري مثلاً ) بجنسه إلاّ يداً بيد، وسواء بسواء دون زيادة، وإذا اختلف الجنسان ( ريال بدولار ) فلا بدّ من تحقق شرط القبض في المجلس، كما صدرت بذلك قرارات المجامع الفقهية[19] ، تعطى لهذه النقود الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث الربا، والزكاة ونحوها، ومن هنا فالتحوط الذي يجري في المؤسسات المالية التقليدية هو مواعدة ملزمة من الطرفين يحددان فيها كل ما يريدانه دون تحقيق القبض في المجلس للبدلين، وبالتالي فهو غيرجائز في النقود بالاتفاق .

والحل هو: أن يتم عن طريق وعد واعد من طرف واحد، أو عن طريق عقود آجلة موازية من حيث الزمن والكمية للسلع بنفس العملات التي يحتاج إليها البنك.

ثالثاً ـ مشكلة المتأخرات مع عدم فرض الغرامات:

مما لا شك فيه أن التأخر في سداد الديون يشكل عبئاً كبيراً على المؤسسات المالية الاسلامية، مهما كان سببه، سواءاً كان سببه المماطلة، أم التعثر في السداد بسبب المعسرة، فالنتيجة واحدة، وهي أن المؤسسات المالية الاسلامية تخسر جزءاً من الأرباح بسبب هذه المتأخرات.

وهي مشكلة كبيرة يزيدها تعقيداً ما يأتي:

  • عدم جواز أخذ فوائد التأخير.
  • عدم جواز جدولة الديون بالزيادة .
  • عدم المتاجرة في الديون إلاّ ما يخص بيع الدين بالعين.
  • عدم تصكيك الديون .

وهذه المشكلة قد نوقشت كثيراً، وكتبت فيها بحوث، وعقدت لها ندوات ومؤتمرات، وقد ساهمت فيها ببحث أضع خلاصته أمام الباحثين الكرام، وهو:

الخلاصة والبدائل:

لقد توصل البحث[20] إلى ما يأتي:

1 ـ إن مطل الغني ظلم وحرام يستوجب عقوبات حددها الفقهاء العظام.

2 ـ غرامة التأخير عقوبة يكون ناتجها لخزينة الدولة، وبالتالي تستبعد عن الحل والبديل إلاّ من باب دفع المدين إلى دفع دينه.

3 ـ أن الشرط الجزائي في الديون غير جائز، وأنه يؤدي إلى ربا النسيئة المحرم شرعاً.

4 ـ أن اشتراط التعويض المالي عن التأخير في سداد الدين غير جائز سواء كان التعويض حدد بنسبة من الدين، أو بمبلغ محدد أو لم يحدد وإنما أحيل تحديده إلى القضاء أو التحكيم، أو إلى معيار يحدد نسبة من الربح الذي يتحقق لبنك من خلال فترة التأخير عن السداد.

5 ـ أن حصول البنك الدائن على مبلغ من المال بسبب تأخير المدين عن أداء دينه غير جائز حتى ولو كان صادراً من المحكمة، أو التحكيم.

6 ـ لا يجوز للبنك الدائن الاستتفادة من غرامة التأخير، أو الشرط الجزائي، وإنما يجب صرفها في وجوه الخير.

7 ـ أن حصول البنك الدائن على جميع مصاريفه الفعلية وما تكبده من غرامات بسبب تأخير الدين يجوز تحميل المدين لها.

8 ـ يجوز تضمين المدين ما نقص من قيمة العملة بسبب التضخم.

9 ـ أن حلول الأقساط بسبب التأخير عن سداد قسط أو قسطين جائز كما صدر قرار المجمع الفقهي الدولي رقم 64(2/7)

البدائل المشروعة هي ما يأتي:

1 ـ تعاون البنوك الإسلامية فيما بينها في المعلومات المتوافرة عن المستثمرين، والاتفاق على جعل المدين المماطل في القائمة السوداء.

2 ـ إشهار اسم المماطل في وسائل الإعلام.

3 ـ الأخذ بالوسائل الفنية للجدوى الاقتصادية للمشروعات الممولة .

4 ـ أخذ ضمانات كافية من الكفالة والرهن ونحوهما ومنها ربط الدين بكل ما لدى المدين من حقوق في البنك.

5 ـ الدخول مع المدين في شركة الملك عن طريق جعل الدين ثمناً لنسبة من عقار، أو مصنع يملكه المدين.

6 ـ شراء عقار، أو مصنع أو نحوهما من المدين بدينه، وهذا جائز فهو بيع الدين للمدين بعين.

7 ـ الاستفادة من بعض صور بيع الدين الجائزة.

8 ـ الاستفادة من التأمين على الدين سواء كان في البداية، أو في وقت آخر عن طريق شركات التأمين الإسلامي، حيث إن ذلك جائز وتحمى للبنوك الإسلامية في حالات كثيرة [21]

9 ـ إيجاد صندوق مشترك بين البنوك الإسلامية المتعاونة يكون خاصاً للديون المتعثرة، أو المشكوك فيها

10 ـ شراء العقار أو المصنع أو نحوهما من المدين بالدين، ثم تأخيره تأخيراً منتهياً بالتمليك.

11 ـ الدخول في مرابحات جديدة أو عقود آجلة أخرى مثل الاستصناع ونحوه، وبالتالي يلاحظ البنك الإسلامي الدائن في نسبة مربحة، أو مرابحته ما فاته من أرباح في الدين السابق دون الربط بينهما

12 ـ الاستفادة من القروض المتبادلة، حيث يشترط البنك أن يقوم المدين بإيداع مبلغ مناسب في الجاري بحسب الزمن المطلوب، وقد صدرت فتاوى من ندوة البركة الثامنة للاقتصاد الإسلامي بجواز القروض المتبادلة (الفتوى رقم 8/10).

13 ـ زيادة نسبة الربح بالنسبة لمن يشك في مماطلته، ثم إذا وفى بدينه يلزم برد ما دفعه من باب التنازل استئناساً بمسألة « ضع وتعجل »

14 ـ الخروج عن عالم المرابحات، والأوراق إلى الدخول في عالم التجارة والاستثمار والأسواق.

وأخيراً فإذا التزم البنك بالقواعد الفنية والإجرائية والوقائية فن التعرض لمخاطر التأجيل والمماطلة تكون قليلة ومعقولاً ومقبولاً لا يؤثر في الأرباح ولا يشكل نسبة خطيرة مع علمنا بأن التجارة لا تخلو من مخاطر كما أن لها أرباحاً . (فالغرم بالغنم) .

وهناك بديل آخر اهتدت إليه الهيئات الشرعية، وهو تعهد المدين بدفع مبلغ مقطوع أو نسبة من الدين إذا تأخر في سداد أي قسط، أو في كل شهر، على أن تصرف هذه النسبة في وجوه الخير، وقد يكون المبلغ الملتزم به مبلغاً كبيراً، أو نسبة كبيرة من ربح البنك.

وحاصل هذا التعهد هو أنه دافع للمدين بالدفع، وان كانت المؤسسة المالية الاسلامية لا تستفيد شيئاً من المبلغ المحصل شيئاً، لكنه أثبت فعاليته، لن المدين قبل ذلك كان في مأمن من أخذ أية زيادة عليه بسبب مماطلته، ولكنه في ظل هذا الشرط سيؤخذ منه مبالغ أكبر مما تأخذه منه البنوك الربوية .

وقد أجازت بعض الهيئات أن تأخذ البنوك الاسلامية الرسوم الادارية الفعلية على التأخير، وهذه المسألة تحتاج إلى دقة وضبط حتى لا يختلط الربا بالرسوم .

ونذكر هنا قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي 133(7/14) حيث جاء فيه:

(ثانياً: الديون المتأخر سدادها: أ‌- بخصوص الشرط الجزائي في العقود: يؤكد المجلس قراراته السابقة بالنسبة للشرط الجزائي الواردة في قراره في السلم رقم 85 (2/9) ونصه: «لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه؛ لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير”، وقراره في الشرط الجزائي رقم 109 (4/12) ونصه: «يجوز أن يكون الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها ديناً، فإن هذا من الربا الصريح، وبناء على هذا لا يجوز الشرط الجزائي – مثلا – في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية سواء كان بسبب الإعسار، أو المماطلة، ولا يجوز في عقد الاستصناع بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء ما عليه».

ب‌- يؤكد المجمع على قراره السابق في موضوع البيع بالتقسيط رقم 51 (2/6) في فقراته الآتية:

ثالثاً: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق، أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرم.

رابعاً: يحرم على المدين المليئ أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعا اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء.

خامساً: يجوز شرعاً أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها ما دام المدين قد رضى بهذا الشرط عند التعاقد.

سادساً: لا يحق للبائع الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة.

ضرورة اعتناء المصارف الإسلامية بمعالجة أسباب تأخير سداد الديون كالاهتمام بالمرابحات والعقود الآجلة، ومن عدم الأخذ بالوسائل الفنية للتمويل ( كدراسة الجدوى ) وعدم الأخذ بالضمانات الكافية.

ثالثاً: يوصي المجلس بما يأتي:

أ‌- أن تلتزم المصارف الإسلامية في مسيرتها بالمنهج الاقتصادي الإسلامي وضوابطه، وأن تقوم بالإصلاحات الفنية والإدارية اللازمة لتحقيق المزيد من التقدم من خلال الاستثمارات المباشرة والمشاركات لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وهي من أهم غايات وأهداف المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية.

ب‌- أن يتم البحث عن آليات بديلة لمشكلة المتأخرات في المؤسسات المالية الإسلامية وتقديم دراسة فيها لعرضها على المجلس في دورة لاحقة.

رابعاً ـ مشكلة الفتاوى المتضاربة سواء كانت داخل الهيئات الشرعية، أومن خارجها، وعدم وجود مرجعية عامة لهذه الهيئات، حتى القرارات الصادرة من المجامع الفقهية، والمعايير التي صدرت من هيئة المعايير التي صدرت بمملكة البحرين

وهذه الفتاوى إذا قمنا برصدها نجدها تتجه نحو ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: اتجاه التشدد.

الاتجاه الثاني: الترخيص، بل والتفلت .

الاتجاه الثالث: المعتدل القائم على التأصيل الشرعي والتحليل.

فهذه مشكلة تحتاج إلى حل، ولا أجافي الحقيقة أنني أخاف أن تذبح هذه التجربة الاسلامية بهذه الفتاوى غير المنضبطة تشدداً أو تفلتاً .

والمنهج الوسطي الصحيح للفتوى ـ اضافة إلى شروطها المعروفة ـ هو أن يقوم على الأسس والمبادئ الآتية:

  • المبادئ العامة في الإسلام، مثل مبدأ العدل، والتوازن، والمساواة في الحقوق والواجبات، ونحوها.
  • المقاصد الكلية مع ملاحظة الأدلة الجزئية ودمجهما في منظومة واحدة على أساس التوفيق والنظرة الشمولية القائمة على النظرة الزوجية وليست النظرة الاحادية .
  • النظر في مآلات الفتاوى الجزئية، وأثرها على مستقبل الاقتصاد الاسلامي والمؤسسات المالية الإسلامية.
  • رعاية فقه الواقع، وفقه التنزيل، وفقه الميزان، والأوزان، والتوازن.
  • رعاية منهج التيسير، ولكنه يختلف عن تتبع رخص الفقهاء، أو ما يسمى بالمخارج والحيل، وهي غير الرخص التي وردت بشأنها أدلة شرعية فهذه جائزة بلا شك، يقول الشاطبي: «.. وعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفتيا باطلاق مضاداً للمشي على التوسط، كما أن الميل إلى التشدد مضاد أيضاً، وربما فهم بعض الناس أن ترك الترخص تشديد، فلا يجعل بينهما وسطاً، وهذا غلط، والوسط هو معظم الشريعة وأم الكتاب …. »[22] .

ومن هذه الأمثلة ما يأتي:

  • التورق المصرفي المنتظم الذي يختلف في جوهره عن المبادئ والأسس للاقتصاد الإسلامي، ولمقاصد الشريعة، ولفقه المآلات، يقول العلامة ابن القيم: « و كان شيخنا رحمه الله يمنع من مسألة التورق، وروجع فيها مراراً وأنا حاضر، فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة، وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه »[23].
  • صكوك الاستثمار بشرط ضمان أصل الاستثمار وعوائده ( ليس من جهة ثالثة).
  • الإجارة المنتهية بالتمليك مع اشتراط دفع الأقساط ( الأجرة ) حتى لو هلكت العين المستأجرة.
  • المرابحة في الأوراق، وليست في الأسواق.

الفتاوى المتضاربة والمتساهلة ودورها في عدم التطوير:

 إن من طبائع الإنسان إذا وجد السهل الميسور الذي يقال له لا حرج فيه دينا فلن يتجه نحو غيره، ولا نحو التطوير في الغالب، وحتى البنوك الإسلامية لم تظهر إلاّ بعد حسم الفتاوى في مجمع البحوث بالأزهر الشريف عام 1964 بالحرمة القاطعة لفوائد البنوك، ولذلك اتجه الملتزمون نحو إنشاء البنوك الإسلامية، فكان أول بنك في مصر عام 1965 ولكن لم يكتب له البقاء، ثم جاءت المحاولة الثانية الناجحة في دبي عام 1975، ولذلك تأخر إنشاء شركات التأمين الإسلامي بسبب الاختلاف وعدم حسم الفتوى بحرمة التأمين التجاري في هذا المجمع في 1964، ثم حسمت الفتوى في هيئة كبار العلماء والمجامع الفقهية.

واليوم كذلك فإذا استمرت الفتاوى الخاصة بالتورق المصرفي المنظم ( غير المنضبط ) والمرابحة العكسية والتورق المقلوب والعكس، فلن تتجه المؤسسات المالية الإسلامية نحو التطوير، ومنتجات المشاركة والمضاربة ونحوهما من منتجات الاقتصاد الفعلي، والتنمية الشاملة.

فلذلك نتحمل جميعاً مسؤولية عدم تطوير المؤسسات المالية الإسلامية بسبب فتاوانا المرخصة.

ضبط الفتاوى، والرقابة الشرعية:

وقد صدر معيار شرعي خاص بضبط الفتاوى، والرقابة الشرعية، وهو معيار رقم كما صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته التاسعة عشرة بالشارقة حول دور الرقابة الشرعية في ضبط أعمال البنوك الإسلامية، وأهميتها، وشروطها، وطريقة عملها، وهو قرار رقم 177 (3/19) ، ونصه: «( إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته التاسعة عشرة في إمارة الشارقة (دولة الإمارات العربية المتحدة) من 1 إلى 5 جمادى الأولى 1430هـ، الموافق 26 – 30 نيسان (إبريل) 2009م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع دور الرقابة الشرعية في ضبط أعمال البنوك الإسلامية: أهميتها، شروطها، طريقة عملها، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،

قرر ما يأتي:

أولاً: يقصد بالرقابة الشرعية إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية المتعلقة بنشاط المؤسسة المالية ومتابعة تنفيذها، والتأكد من سلامة تطبيقها.

ثانياً: تتكون الرقابة الشرعية من ثلاثة مكونات رئيسة هي:

(1) هيئة الرقابة الشرعية:

وهي مجموعة من العلماء المتخصصين في الفقه الإسلامي وبخاصة فقه المعاملات لا يقل عددهم عن ثلاثة، ممن تتحقق فيهم الأهلية العلمية والدراية بالواقع العملي، تقوم بإصدار الفتاوى والمراجعة للتأكد من أن جميع معاملات المؤسسة متوافقة مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، وتقديم تقرير بذلك للجمعية العامة، وتكون قراراتها ملزمة.

1/1 يجب أن تكون هيئة الرقابة الشرعية مستقلة، ولتحقيق ذلك يراعى ما يأتي:

(‌أ)  يكون تعيين أعضاء الهيئات الشرعية وإعفاؤهم وتحديد مكافآتهم من قبل الجمعية العامة للمؤسسة، وتتم المصادقة على ذلك من الرقابة الشرعية المركزية، أو ما يقوم مقامها.

(‌ب) أن لا يكون العضو مديراً تنفيذياً في المؤسسة، أو موظفاً فيها، أو يقدم إليها أعمالاً خلافاً لعمله في الهيئة.

(‌ج)  ألا يكون مساهماً في البنك أو المؤسسة المعنية.

1/2 ضوابط الاجتهاد والفتوى في الهيئات الشرعية:

(‌أ)  الالتزام بقرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، مع مراعاة قرارات المجامع وهيئات الاجتهاد الجماعي الأخرى، بما لا يتعارض مع قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي.

(‌ب)  تجنب الأقوال الشاذة، وتتبع الرخص أو التلفيق الممنوع وفق ما صدر في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 70(1/8).

(‌ج)  مراعاة مقاصد الشريعة ومآلات الأفعال عند بيان الحكم الشرعي.

(‌د)  مراعاة ما صدر عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن ضوابط الفتوى في قراره رقم 153 (2/17).

(2) إدارة الرقابة الشرعية الداخلية:

وهي الإدارة التي تطبق الإجراءات اللازمة لضمان سلامة تطبيق قرارات الهيئة الشرعية في جميع المعاملات التي تنفذها المؤسسة، وتشتمل على العناصر الآتية:

(‌أ)  مراجعة الأدلة والإجراءات للتأكد من تنفيذ العمليات وفق فتاوى هيئة الرقابة الشرعية.

(‌ب)  تأهيل العاملين في المؤسسة بما يمكّنهم من أداء أعمالهم بشكل صحيح من الناحية الشرعية والمهنية .

(‌ج)  تكوين فريق للتدقيق الشرعي الداخلي يتمتع بالتأهيل العلمي والعملي ويكون مستقلاً، ويتبع جهة عليا داخل الهيكل التنظيمي للمؤسسة مثل لجنة المراجعة أو مجلس الإدارة، ويكون تعيينه وإعفاؤه بالتنسيق مع هيئة الرقابة الشرعية.

(3) الرقابة الشرعية المركزية:

وهي هيئة للرقابة الشرعية على مستوى السلطات الإشرافية في الدولة، وتضطلع بمهمتين رئيستين هما:

(‌أ)الإشراف على عمليات السلطة الإشرافية التابعة لها.

(‌ب) التأكد من فاعلية الرقابة الشرعية على مستوى المؤسسات، وذلك من خلال التدقيق على أعمال هيئات الرقابة الشرعية والرقابة الشرعية الداخلية، مع وضع لوائح ومعايير تنظم أعمال الرقابة الشرعية بما في ذلك آلية تعيين الأعضاء وإعفائهم وأهليتهم وعددهم وعملهم في المؤسسة التي هم أعضاء في هيئتها.

ويوصي بما يلي:

(‌أ)  تبني السلطات الإشرافية في كل دولة إصدار تشريعات وقوانين لتنظيم أعمال الرقابة الشرعية، واتخاذ ما يلزم من إجراءات لتحويلها إلى جهة مستقلة.

(‌ب)  يوصي وكالات التصنيف الإسلامية بعدم تصنيف المنتجات التي نص المجمع على منعها.

والله أعلم..

ونقترح الاستفادة من جميع المؤتمرات والندوات الفقهية والاقتصادية الخاصة بالمنتجات المالية الإسلامية، ونرى الالتزام بجميع القرارات الصادرة من المجامع الفقهية، وبخاصة قرارات مجمع الفقه الدولي البالغ عددها (73) قراراً، كما صرح بذلك الأمين العام للمجمع[24]، والمعايير الشريعة للوصول إلى ما هو قريب من الكمال بإذن الله تعالى

خامساً ـ عدم الالتزام بمنهج الاقتصاد الإسلامي ومقاصده:

وأخيراً فإن عدم التزام المؤسسات المالية الاسلامية بالمنهج الصحيح للاقتصاد الاسلامي هو أكبر التحديات الشرعية، وأخطرها على الإطلاق، حيث يفقدها المرجعية، والمصداقية، وعدم التمايز، وعدم القدرة على التنافس مع البنوك الربوية

إن مقاصد الشريعة في الاقتصاد الإسلامي وبخاصة في المعاملات المالية الإسلامية هي بإيجاز:

  • تعمير الكون بمنهج سليم ينفع ولا يضر الإنسان، والحيوان والبيئة، قال تعالى: ﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾(هود/61)، وقال تعالى:﴿  وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ   إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ   وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ  ﴾ (الأنبياء/105، 107)
  • التنمية الشاملة للإنسان وما يتعلق به علمياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ….. فالإنسان في الإسلام هو المخاطب وحده، وهو الأساس والركن الركين في الخطاب القرآني
  • تحقيق التبادل بين الأعيان والمنافع والخدمات.
  • تسهيل تداول المال بين الناس بسهولة وبيسر عن طريق العقود ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾(الحشر/7).
  • حقيق الربح والمنافع عن طريق التعامل.
  • تحقيق الميزان الدقيق لكل عقد حتى تصبح العقود والمعاملات متوازنة، متزنة لتحقيق مجتمع متوازن، موزون، وهذا يقتضي:

أ – العدالة المطلقة

ب – المساواة بين العاقدين

ج – البيان والشفافية

د – تحقيق المشاركة الحقيقية على أساس قاعدة ( الخراج بالضمان )

هـ – رعاية سد الذرائع وفقه المآلات

  • المساهمة في التنمية الاجتماعية وإزالة أو تخفيف آثار الفقر والجهل والأمية والمرض في مجتمعاتنا الإسلامية من خلال برامج اجتماعية وعلمية وتدريبية بالاضافة إلى المساهمة في إنشاء مؤسسات التعليم والبحث والتدريب.
  • مطلوب من العمل المصرفي أن يراعي مقاصد الشريعة في الأموال، ولهذا يُطلب من العمل المصرفي الإسلامي:

– أن يهتم أكثر بتحقيق مقاصد الشريعة في التنمية الحقيقية،

– ولا بد من البعد عن الصورية في المعاملات، فالالتزام الحقيقي بالشريعة التزام بنصوصها ومقاصدها معا.

– لا بد من عدم إغراق الناس في الديون خاصة إذا كانت فوق طاقتهم المالية.

لذلك على المؤسسات المالية الإسلامية السعي الحثيث للتعامل مع المنتجات التي تحقق هذه المقاصد الأساسية للاقتصاد، والتعامل في الإسلام .

المحور الثاني: التحدي الذي يتعلق بالبيئة القانونية والرقابية والاشرافية التي تعيش في ظلها المؤسسات المالية الإسلامية، أو المنتجات الإسلامية .

إن القوانين المطبقة في معظم عالمنا الإسلامي ناهيك عن العالم الآخر لا زالت تطبق النظام الربوي، والاقتصاد الرأسمالي، والاشتراكي، ومن المعلوم أن من شروط نجاح أي مشروع، أو مؤسسة توفير البيئة القانونية والتشريعية المناسبة، فكيف بالبيئة المتعارضة

لذلك فإن من أولى الواجبات الملقاة على عاتق المؤسسات المالية الإسلامية السعي الحثيث لتوفير بيئة تشريعية وقانونية مناسبة لها من خلال القوانين المدنية والتجارية، واللوائح والتنظيمات التي تصدرها الدولة، أو البنوك المركزية.

كما أن من واجبات الأمة والمجتمع السعي الجاد الهادف لتغيير جميع المواد القانونية التي تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، علماً بأن دساتير الدول الإسلامية تساعد على هذا السعي إذ أنها تنص على أن دين الدولة الإسلام.

ومن جانب آخر فإن المؤسسات المالية الإسلامية تحتاج أيضاً إلى جهات رقابية واشرافية لها الضوابط المناسبة مع المنتجات الإسلامية.

المحور الثالث: التحدي الذي يتعلق بعدم وعي الجماهير بالمنتجات المالية الإسلامية، بل بالمؤسسات المالية الإسلامية.

ولا شك أن هذا يعتبر من التحديات الكبيرة، حيث لا يزال السواد الأعظم لا يفرقون بين البنوك الإسلامية، والبنوك الربوية، وبين المرابحة والقرض بفائدة، وبين الصكوك، والسندات، بل بين بقية المنتجات الإسلامية، والمنتجات التقليدية.

ولذلك ينبغي للمؤسسات المالية الإسلامية ان تبذل كل جهدها لتحقيق هذا الوعي من خلال تخصيص نسبة من الأرباح لهذه التوعية بالوسائل الآتية:

  • نشر كتب، وكتيبات الخاصة بالتعريف بالمؤسسات المالية الإسلامية، ومنتجاتها بصورة جميلة وشيقة وجذابة.
  • نشر مطويات صغيرة بكل منتج بأسلوب إعلامي مميز.
  • الإعلانات الجذابة المؤثرة المعرفة بهذه المنتجات.
  • تخصيص برامج خاصة في الإذاعات والقنوات الفضائية والانترنيت بالمؤسسات المالية الإسلامية ، أو بمنتجاتها بصورة مخدومة .
  • دعم البرامج التوعوية الموجودة في جميع وسائل الإعلام، مثل برنامج : المال في الإسلام، وبرنامج دين ودينار في نقاة (CNBC) .
  • إحداث برامج خاصة بمنتجات ومصطلحات خاصة، مثل برنامج الجزيرة في أواخر رمضان وبداية شوال.
  • وباختصار شديد الاستفادة من جميع وسائل الإعلام المرئية، والمقروءة، والمكتوبة بصورة مهنية وحرفية ممتازة.

المحور الرابع: التحدي الذي يتعلق بعدم وجود مراكز البحث والتدريب، والجامعات:

وهذه حقيقة يجب عدم إهمالها، فإن النمو الكبير للمؤسسات المالية الإسلامية يفرض عليها السعي الجاد لمزيد من الدراسات المتنوعة حول أي منتج حتى يكون ناجحاً، وهذا يتطلب وجود مراكز للبحث والتدريب والتطوير، بل إلى الكليات والجامعات.

ومع الأسف الشديد لم تستمر الكلية أو المعهد الذي أنشأ في قبرص مع بداية إنشاء النوك الإسلامية، وبدل أن تتطور إلى جامعة أغلقت بسبب عدم توافر الدعم المادي المطلوب، والعالم المتقدم لم يتقدم إلاّ بالدعم السخي لمراكز البحث والتطوير.

ولذلك أكرر طلبي بإلحاح منذ عدة سنوات بتخصيص نسبة من أرباح كل مؤسسة مالية إسلامية لمراكز البحث والتطوير، وابتكار كليات الاقتصاد، أو الجامعات الخاصة به.

المحور الخامس: التحدي الخاص بعدم تحقيق الوحدة أو التنسيق المناسب بين المؤسسات المالية الإسلامية على الرغم من وجود اتحاد لها في السابق، ومجلس لها في الوقت الحاضر.

 وهذا يتطلب بذل الجهد الكبير لتحقيق الوحدة أو الاندماج بالنسبة للبعض، أو التنسيق الكامل فيما بينها وذلك يعود بالنفع الكبير على الجميع، وعلى التكامل وتوزيع الأدوار، ويكون التعدد حينئذ تعدد تنوع، وليس تعدد تضاد.

وبذلك يمكن تفادي مشاكل السيولة، أو عدم إمكانية استثمار بعض الأموال، وتوزيع الأدوار بشكل مؤثر مفيد للجميع فالتعاون خير كله، والوحدة في الأهداف والغايات رحمة كلها …

المحور السادس: عدم وجود مؤسسات إسلامية كبرى خاصة بالمحاسبة والتدقيق الخارجي، كما هو الحال لدى المؤسسات التقليدية.

وهذا يتطلب أيضاً السعي الجاد لتحقيق هذا الهدف المنشود الذي يؤدي إلى مأسسة العمل المحاسبي، وهذا لا يعني الاستغناء عن التدقيق الشرعي الداخلي، أو الهيئة الشرعية .

المحور السابع: تنافس المؤسسات والمنتجات التقليدية، من خلال ضمان الأموال، والفائدة، حيث إن بعض الناس يحبذون ذلك.

وقد أجبنا عن ذلك من خلال المحور الأول.

المحور الثامن: الخلل الموجود في بعض المنتجات الحالية، وعدم قدرتها بصورتها الحالية على الاستجابة لجميع متطلبات السوق.

ولا شك أن المنتجات الاسلامية على الرغم من نجاحها بعض الشيء، لكنها يلاحظ عليها ما يأتي:

  • عدم قدرتها لجميع متطلبات السوق بسبب عدم شموليتها، وعدم الجرأة في تحمل بعض المخاطر، والدوران حول الحيل والمخارج، فهذه المشكلة تحل بإيجاز من خلال وجود مراكز البحث والدراسات الجادة حول المنتجات، ومن خلال إنشاء شركات تابعة للبنوك الاسلامية تعمل في مجالات الاستثمار المباشر، أو إنشاء محافظ استثمارية مدروسة .
  • الفجوة الكبيرة بين التنظير والواقع، وبين الوسائل والعقود، وبين المقاصد.
  • المحاكاة للمنتجات التقليدية، وعدم الإبداع والابتكار .

المنتجات المالية الإسلامية تحتاج اليوم للتطوير ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ (المدثر/37) إلى ما يأتي:

  • توافر الشروط الشرعية والقانونية والفنية والمهنية ـ كما سبق ـ.
  • إنشاء مراكز البحوث والدراسات الجادة من خلال تخصيص جزء من الأرباح للصرف عليها بسخاء .
  • مراكز التدريب والتطوير والتنمية البشرية
  • العناية القصوى بالإداريين بداية ونهاية ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴾(الأنفال/62)
  • الابتعاد عن الصورية والشكلية والحيل والمخارج المتعارضة مع مقاصد الشريعة .
  • الالتزام بقرارات المجامع، والمعايير الشرعية.
  • توحيد الفتاوى في القضايا الأساسية، مع فتح المجال للاختلاف في الجزئيات .
  • الابداع وإحياء سنة الأحسن والإحسان، بل الفريضة الغائبة ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور﴾(الملك/2).
  • العناية القصوى الرقابة، والتدقيق الشرعي الداخلي ليشمل كل التطبيقات العملية من البداية إلى النهاية.
  • إنشاء شركات كبيرة كبيرة محترمة للتدقيق المحاسبي الخارجي تلتزم بالمعايير المحاسبية والشرعية بالاضافة إلى المعايير الدولية، على غرار شركات التدقيق الخارجي العالمية

والله الموفق وهو أعلم بالصواب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،،


([1]) سورة البقرة / الآية 201-202

([2])لسان لسان العرب، والقاموس المحيط، والمعجم الوسيط مادة ( حدا ).

([3])  أخرجه البخاري، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم، وأخرجه مسلم، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير غير أن مسلم استعمل لفظ «سكنوا» عوض «بشّروا»

[4] الموطأ رواية محمد بن الحسن، باب المسافر يدخل المصر أو غيره متى

([5]) أ.د. عبدالسلام العبادي : ورقته المقدمة إلى المؤتمر الرابع لعلماء الشريعة حول المالية الإسلامية / كوالالمبور في الفترة 18-20 نوفمبر 2009

([6]) يراجع : المرجع السابق ، وموقع مجمع الفقه الإسلامي الدولي على شبكة الانترنيت www.fiqhacademy.org.sa

([7]) بحثنا المنشور في مجلة مركز بحوث السنة والسيرة، العدد الثامن 1415هـ، جامعة قطر، بعنوان: أحاديث النهي عن صفقتين في صفقة واحدة، ص295-340

([8]) القبس في شرح الموطأ لابن العربي، تحقيق الدكتور محمد عبدالله ولد كريم ط.دار الغرب الإسلامي 1992 (2/843)

([9]) الفروق للقرافي ط. دار المعرفة / بيروت (3/142) فالجيم للجعالة، والصاد للصرف، والميم للمساقاة، والشين للشركة، والنون للنكاح، والقاف للقراض

([10]) المصدر السابق نفسه، وتهذيب الفروق بهامش الفروق (3/178)

([11])  أ.د. نزيه حماد: اجتماع العقود المتعددة في صفقة واحدة، المطبوع ضمن كتابع : قضايا فقهية معاصرة ص 206 ط. دار القلم / دمشق 1421هـ، وأ.د. عبداله العمراني: العقود المركبة ط. كنوز اشبيليا / الرياض 1427هـ ص 184 – 185

([12])وقد فصلنا القول في هذا الموضوع في رسالتنا: الدكتوراه: مبدأ الرضا في العقود، دراسة مقارنة ط. دار البشائر الإسلامية / بيروت 1985 (2/1148 – 1216) حيث أثبتنا أن جمهور الفقهاء على هذه الحرية في العقود والشروط ما دامت لا تتعارض مع الشريعة

([13]) د. عبدالرحمن يسري : البنوك الاسلامية ـ الأسس وآليات العمل، وضروريات التطور، بحث مقدم إلى ندوة الصناعة المالية بالاسكندرية 18-21 رجب 1421هـ ص 9

([14]) المرجع السابق

([15]) د. عبدالرحمن يسري : المرجع السابق ص 11

([16]) World Development Report, World Bank, Staff Report No 410, April1987, pp 715-V16 

([17]) مجلة المجمع / العدد 4  ج3 ص 1809

([18]) يراجع : د. عبدالرحيم الساعاتي: المشتقات المالية الإسلامية، بحث مقدم إلى ندوة البركة للاقتصاد الاسلامي في شهر رمضان 1420هـ ص 11

([19]) يراجع : قرار رقم 21 (9/3)، قرار رقم 42 (4/5)، ويراجع مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي: ع3  ج3  ص1650 ، ع5  ج3  ص 1609

([20]بحثي الموسوم : مشكلة الديون المتأخرات وكيفية ضمانها في البنوك الإسلامية ـ دراسة فقهية لغرامات التأخير والبدائل ـ المنشور في مجلة مجمع الفقه الاسلامي ع 14  ج4  ص453-520

([21]) يراجع : د. علي القره داغي : بحثه عن التأمين على الحياة المقدم إلىالندوة الثالثة لبيت التمويل الكويتي عام 1993

([22]) الموافقات ( 4/ 258- 261)

([23]) اعلام الموقعين ( 3/ 83 )

([24]) المرجع السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق