البحوث

هل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل..؟!

هل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟!

 

بقلم:

عصام تليمة

 


 حازت قضية شهادة المرأة، وأنها نصف شهادة الرجل، نقاشا كبيرا، وجدلا لا ينتهي، ومحاولة للتبرير من الدعاة والمشايخ، وفي هذه الكلمات المختصرة وقفة مع هذه القضية، قضية شهادة المرأة، وهل هي نصف شهادة الرجل، وهي قضية تثار بين الحين والآخر، سواء على الجانب السياسي أو الاجتماعي، أو الثقافي الشرعي، فعند الحديث عن مكانة المرأة، أو دورها السياسي، من حيث الإدلاء بصوتها، أو الترشح، تثار عدة نصوص شرعية للحد من دور المرأة السياسي، أو الاجتماعي، أو الثقافي، وكلها نصوص تشير إلى عدم تساوي عقل المرأة بالرجل.

من أبرز النصوص وأهما وأكثرها إشكالا في قضية شهادة المرأة في القديم والحديث، هي آية سورة البقرة، وذلك في معرض حديث القرآن الكريم عن كتابة الديون، وتوثيقها، يقول تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) البقرة: 282.

هنا عدة نقاط مهمة ينبغي أن نعيد التفكير في هذه القضية في ضوئها، وهي:

أولاً: هناك فرق بين (الشهادة) و(الإشهاد) فالآية هنا تتحدث عن الإشهاد على العقود، وهو أمر اختياري، وأمر توثيقي مقصود به إثبات حقوق الناس، وأن المرأة بحكم أنه يعتريها الدورة الدموية الشهرية، قد يؤثر ذلك مزاجيا عليها، فهو احتياط وليس شرطا، فلو أن إنسانا جاء بامرأتين تشهدان فقط، فلا حرج عليه، أما (الشهادة) في القضاء والمحاكم وسائر الأمور فهي تتساوى فيه مع الرجل.

والإشهاد الإنسان مخير فيه في اختيار الشهود، فقد يختار زيدا ولا يختار عمرًا، وقد يختار فاطمة ولا يختار أخرى، مثلا، لكن في الشهادة فليس من حق الجاني أو المجني عليه، أن يختار الشهود، أو أن يرفض شاهدا لعلة جنسه، أو لعلة أخرى، إلا لعلة الشهادة الزور، أو الظلم والتجني، وهي قضايا لا علاقة لها بالجنس أو الدين أو الإقليم، وهذا الفرق هو ما يقع فيه كثير ممن يتناول هذه القضايا، وينسى أن الآية تتحدث عن (الإشهاد) على العقود، وليس عن (الشهادة) في القضايا والأمور الحياتية، والدينية، والسياسية.

ثانياً: الأمر في الآية هنا ليس على الوجوب، بل هو للاسترشاد، فتوثيق العقود اتفق الفقهاء على أنه مندوب، ومستحب لعدم ضياع الحقوق، ولذا عقب الله تعالى في القرآن الكريم على طلب توثيق الديون هنا بقوله: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه) البقرة: 283، وذهب ابن حزم لوجوبه، لكن بعد أن خربت الذمم الآن، فصار التوثيق ضرورة مهمة، اتجه الفقهاء إلى القول بوجوبه لحفظ حقوق الناس.

ثالثاً: ينسى الذين يستشهدون هنا بهذا النص، للاحتجاج بأن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، أن هناك نصوصا أخرى في مجال الشهادة، ساوى فيها القرآن بين شهادة الرجل والمرأة، ومن ذلك ما ورد في شأن (اللعان)، وهو إذا اتهم رجل زوجته بالزنى، وليس لديه أربعة شهداء عليها، حيث يشهد الرجل خمس شهادات، والمرأة كذلك، وهذا يدل على المساواة في الشهادة في سائر الأمور، يقول تعالى في هذه القضية: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) النور: 7،6 ويقابل شهادة الرجل هنا، شهادة بنفس الدرجة هي شهادة المرأة (الزوجة) يقول تعالى: (ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) النور: 9،8.

فهن شهادة الزوجة (المرأة) تقابل شهادة الزوج (الرجل) وتتساوى معه، ولو كانت شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، لوجب أن تشهد ثمان شهادات، ويكون القسم في التاسعة والعاشرة أن غضب الله عليها، إن كان من الصادقين، وكما نرى في قضية الرق، فالإماء والعبيد، في أحكامهم نصف الحر، من حيث العقوبة، فمثلا يجلد الحر مائة جلدة عند الزنى، ويجلد العبد و الأمة خمسون جلدة، وهكذا في بقية الأحكام في العقوبات، فلو كانت شهادة المرأة نصف شهادة الرجل بإطلاق، لوجب في حد اللعان التنصيف، ولكنها شهادة مكتملة هنا بلا شك.

رابعاً: في رواية الأحاديث، وتلاوة القرآن، وتدوينه، وهي شهادة هنا أشد من الشهادة على الناس في عقد زواج، أو قطعة أرض غلا ثمنها أو رخص، فلو جاءت امرأة برواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أي أمر من أمور الدنيا، وصحت فيها شروط الصحة، تقبل روايتها كاملة، بل إن المحدثين قالوا: لم يثبت في كتب الجرح والتعديل امرأة كاذبة، أو وضاعة للأحاديث، بينما وجد رجال كاذبون في الرواة. فلم يأت راو من الرواة ليقول إن راوية هذا الحديث السيدة عائشة رضي الله عنها، امرأة، وشهادتها نصف شهادة الرجل، فكي نقبل روايتها للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، علينا أن نضم لها امرأة أخرى، كي تقبل روايتها!!

كما أنه لا يوجد مانع شرعي، ولا نص ديني، يمنع المرأة من الفتوى وتحملها، والفتوى هي إخبار عن الله ورسوله، ووجد من نساء النبوة من تفتي كالسيدة عائشة، وغيرهن من النساء على مدار التاريخ الإسلامي.

بل رأينا فقيها من أهم فقهاء المذهب الحنفي، وهو علاء الدين السمرقندي، صاحب كتاب (تحفة الفقهاء) وهو من المراجع المهمة في الفقه الحنفي، وقد كان له ابنة فقيهة تسمى (فاطمة) تزوجها تلميذ له اسمه علاء الدين الكاساني، وقد شرح تحفته، فقال الفقهاء من باب الدعابة والفكاهة: شرح تحفته، وتزوج ابنته، الشاهد هنا: أن السمرقندي الفقيه الكبير، كانت تخرج الفتوى بتوقيعه باسمه، وتحت اسمه اسم ابنته فاطمة، وهي فقيهة كبيرة أيضا، فلما تزوجها علاء الدين الكاساني، كانت تخرج الفتوى بتوقيع أبيها وتوقيعها وتوقيع زوجها، وكلهم من أهم فقهاء المذهب الحنفي، والفتوى هي رواية عن الله ورسوله كما ذكرت، وهي أهم وأخطر من الرواية عن البشر، على أمر من حطام الدنيا، بل هي هنا شهادة على الدين.

خامساً: علل الإمام محمد عبده أن شهادة المرأة في العقود نصف الرجل، بأن ذلك كان لعلة الزمن وقتها، فالمرأة لا تخرج للشهود على عقود، ولا للمعاملات التجارية، فخبرتها ضعيفة، ولذا احتاجت إلى امرأة مثلها تقوي ضعف خبرتها، وقد تغير الزمن الآن فلا حاجة للتعميم إذن. وقد أيده في ذلك العلامة الشيخ محمود شلتوت رحمه الله.

سادساً: أن القضاء لا يعتمد في القضايا على الشهادة فقط، بل هناك القرائن، والبصمات، والأدلة، والشهود لا يمثلون هنا إلا خمس العملية القضائية، هذا من حيث القضاء، أما في المجال السياسي، فالعبرة هنا بسداد الرأي، وليس بجنس قائله.

سابعاً: وهو متمم لسادسا، لقد ذكر القرآن الكريم أن الرأي في السياسة والقضاء والحياة بوجه عام، لا يعتمد بشكل أساسي على الجنس، بل قد نرى امرأة تفضل كثيرا من الرجال في الرأي، فقد رأينا نموذجا قصه القرآن علينا، اتضحت فيه رجاحة عقل امرأة، في حين افتضح فساد رأي ثلة من الرجال، وهو ما قصه القرآن الكريم في قصة ملكة سبأ، يقول تعالى: (يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون. قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين. قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون. وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) النمل: 32-35.

فالآيات هنا توضح أن المرأة ذات عقل راجح، أرادت غرس مبدأ الشورى، وإرساءه، فأخذت رأي رجالها، فكانت إجابتهم دالة على عدم الفطنة، وعدم رجحان الرأي والعقل، فبعد أن بينوا أنهم أصحاب قوة، قالوا: والأمر إليك، ألغوا إرادتهم، ورفضوا ما حبتهم به الملكة من إسداء الرأي، والنصح والشورى، وإلزام الحاكم بها، فاتضح رجحان عقلها، بقولها: (إني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون)، كي تعرف هل نبي الله سليمان، ملك صاحب مبدأ ورسالة، أو أنه ملك يطمح في خيرات الشعوب، شأن الملوك وسيرهم في التاريخ، وقد أكد القرآن على رأيها، حين قالت: (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) الآية إلى هنا رأي ملكة سبأ، أما قوله تعالى: (وكذلك يفعلون) فهو تأكيد من الله على قولها، تأييدا لرأيها، وهو رأي دل على رجحان العقل.

ولما أيد “أبو الأعلى المودودي” رحمه الله أمير الجماعة الإسلامية في باكستان (فاطمة خان) وكان يقابلها مرشح آخر معروف بالفساد السياسي، وقد عرفت المرشحة بالصلاح السياسي والخلقي، فلام عليه المتشددون، مستشهدين بقوله صلى الله عليه وسلم: “لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”، فعقب على ذلك القرضاوي: وهل يفلح قوم ولوا أمرهم طاغية؟! سخرية منه من تقديمهم لفاسد سياسي، بناء على نص مرتبط بحادثة معينة، وله فهم خاص، مقابل أن يخسروا مرشحة صالحة، تفيد الوطن والمجتمع.

ثامناً: شهادة المرأة والرجل لها عدة مستويات، ففي معظم القضايا تتساوى مع الرجل، عدا القضية المذكورة (الإشهاد)، وهو أمر مستحب وليس ضروريا كما ذكرنا، ومع ذلك فهناك قضايا تقبل شهادة المرأة فقط، ولا تقبل شهادة الرجل بحال من الأحوال فيها، حتى لو كان صادقا، مثل قضايا (البكارة)، فلو أن فتاة اتهمت أنها ليست بكرا، المخول بالكشف عليها هنا، ونقبل شهادتها، هي امرأة طبيبة، أو امرأة خبيرة بشؤون البكارة، لأن غالبا العورات لا تكشف على النساء في مثل هذه الحالات الحرجة.

وهو ما دونه الفقهاء في كتب الفقه الإسلامي. ومسائل (الرضاع)، فلو أن رجلا عقد على امرأة، وقبل الدخول، قالت أم أحد الزوجين، لقد أرضعتكما، هنا يشهد على ذلك امرأة، ولا يشهد رجل، لأن الغالب في مثل هذه الأمور، أن يراها نساء لا رجال، فلن تكشف المرأة صدرها لإرضاع طفل إلا أمام نساء، ولو تقدم رجل وامرأة للشهادة هنا تقدم غالبا شهادة المرأة، لأنها المخولة بالإطلاع على هذه الأمور الخاصة، وهكذا بقية القضايا الخاصة بالنساء، فقد خص الفقهاء النساء بها دون الرجال، فيما تختص فيه النساء، فهي إذن عملية إجرائية قصد بها الشرع حفظ حقوق الناس، وليس إهانة المرأة.

كما فضل الإسلام أن ينزه المرأة عن الشهادة فيما يسبب لها حرجا بالغا، مثل الشهادة على الزنى، فهنا تقدم شهادة الرجل ليس تفضلا له، بل لأنه أقدر على النظر والتدقيق في مثل هذه الأوضاع الحرجة، إذ إن المرأة تستحي أن ترى، ويكون معها بقية الشهداء الأربعة، ويمنعها الحياء من وصف ما رأت، وصفا دقيقا، كما فصل الإسلام في شروط إقامة هذا الحد في الشهادة.

هذه نظرات في قضية تثار بين الحين والآخر، بغية الانتقاص من نصف المجتمع (المرأة أو للتلويح بها في قضايا انتخابية بغية صرف الناس عن التصويت لمرشح امرأة، بحجة نصوص لم تفهم على وجهها الصحيح، وهي نظرة تضع المرأة في وضعها اللائق بها، وفق منظومة الإسلام العظيمة تحت قاعدة قوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) وقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما النساء شقائق الرجال”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق