البحوث

مقاصد الشريعة المتعلقة بالمال

مقاصد الشريعة المتعلقة بالمال

 

إعداد:

الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي

 

بحث مقدم

للدورة الثامنة عشرة للمجلس – دبلن

جمادى الثانية – رجب 1429 هـ / يوليو 2008 م

 


 

 

مقدمة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلِّمنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتَّبع هداه.. (أما بعد)،،

فقد كلَّفتني الأمانة العامة للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث: أن أعدَّ بحثا حول (مقاصد الشريعة الإسلامية المتعلقة بالمال) ليُلقى في الندوة العلمية التي سيعقدها المجلس خاصة بالمعاملات المالية في الشريعة، في دورة المجمع الثامنة عشرة التي ستنعقد في أول شهر تموز (يوليو) 2008م في مدينة دبلن.

وأمانة المجلس تقصد بذلك ترسيخ مفهوم (مقاصد الشريعة) في كلِّ البحوث التي يقوم بها المجلس، وهذا من مظاهر التجديد للفقه وللدين نفسه. وذلك بالربط أبدا بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية. ولا يمكن أن يتمَّ تجديد أو تطوير أو إصلاح في فقهنا الإسلامي، أيًّا كان موضوعه ومجاله، في الاقتصاد أو في السياسة أو الإدارة أو الجنايات والعقوبات أو الجهاد والعَلاقات الدولية، إلا بإعمال هذا المبدأ وإبرازه والتركيز عليه، وهو فَهم النصوص في إطار مقاصدها وأهدافها.

أما النظرة الحرفية والظاهرية التي تتشبَّث بها بعض المدارس، فهي لا تصوِّر الإسلام الحقيقي، ومثلها الذي يغفل النصوص الجزئية الواردة في محكمات القرآن وصحيح السنة، بدعوى الاعتماد على رُوح الإسلام أو مجرَّد المصلحة أو نحو ذلك. فهذا شرود عن فَهم حقيقة الإسلام، وإعراض عن حكم الله ورسوله باتباع الهوى، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا} [الأحزاب:36]، {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور:51].

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: “مَن يرد الله به خيرا يفقِّهه في الدين” متفق عليه.

اللهم ارزقنا الفقه في دينك، والفَهم عنك وعن رسولك، حتى لا نحيد عن غايتنا، أو نميل عن صراطنا. اللهم {اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7،6].

                                                                        الفقير إليه تعالى:

                                                                       يوسف القرضاوي

                                                                        الدوحة في: جمادي الآخرة 1429هـ – يونيو 2008م

 


 

مقاصد الشريعة المتعلقة بالمال:

اتَّفق جميع الفقهاء والأصوليين منذ عصر الإمام الغزالي (ت505هـ) على أن المحافظة على المال من المقاصد أو المصالح الكلية الضرورية الخمس للشريعة، مثل الدين والنفس والنسل والعقل. وهذا لا ريب فيه.

ولكن من المهم أن يُعلَم أن الشريعة الإسلامية في شأن كليَّة المال نفسها: مقاصد متعدِّدة ومتنوِّعة:

منها: ما يتعلَّق بقيمته ومنزلته.

ومنها: ما يتعلَّق بربطه بالإيمان والأخلاق.

ومنها: ما يتعلَّق بإنتاجه.

ومنها: ما يتعلَّق باستهلاكه.

ومنها: ما يتعلَّق بتداوله.

ومنها: ما يتعلَّق بتوزيعه.

وسنتحدَّث عن هذه الأمور وما حولها بإجمال أو بتفصيل يليق بالمقام.

 


 

(1)

مقاصد الشريعة المتعلقة بقيمة المال ومنزلته

 

  • بيان منزلة المال وأهميته في الإسلام:

للمال في الإسلام مكانة مهمَّة في حياة الفرد والجماعة، وله تأثيره الكبير في الدنيا والآخرة. ويتَّضح ذلك بالمقارنة بين تعاليم المسيحية وتعاليم الإسلام في هذا الجانب: يقول المسيح فيما ترويه عنه الأناجيل المعتمدة: (ما أعسر دخول ملكوت الله على ذوي المال، فلأن يدخل الجمل في ثقب الإبرة أيسر من أن يدخل الغني ملكوت الله)[1]. وجاء رجل يريد أن يتبع المسيح ويسير معه، فقال: اذهب فبع مالك ثم اتبعني[2]!

أما الإسلام فينظر إلى المال نظرة أخرى، إنه يعتبره وسيلة هامَّة لتحقيق مقاصد شرعية دنيوية وأخروية، فردية واجتماعية. فلا يستطيع المرء أن يحافظ على حياته المادية إلا بالمال، فبه يأكل، وبه يشرب، وبه يلبس، وبه يبني مسكنه، وبه يصنع سلاحه الذي يدافع به عن نفسه وحرماته، وبه يطوِّر حياته ويرقِّيها.

وبه يستطيع أن يزكِّي ويتصدَّق ويعتق الرقاب، ويسهم في الخيرات، كما قال تعالى:

{فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد:11-17].

ولهذا اعتبر القرآن المال {قِيَاماً} أو (قواما) لحياة الناس، أيْ أنه – كما يقولون في عصرنا – عَصَب الحياة، قال تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} [النساء:5].

وقد وصف كثيرا من الأنبياء بالغنى والمال، كالأنبياء الذين آتاهم الله الملك، مثل يوسف عليه السلام، الذي مكَّن الله له في أرض مصر يتبوَّأ منها حيث يشاء، وداود عليه السلام، الذي آتاه الملك والحكمة، وسليمان عليه السلام، الذي آتاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده.

ولقد ذكر القرآن أن المال ليس نقمة ولا شرًّا على الإنسان في ذاته، كما يعتقد بعض أصحاب الأديان والفلسفات التي تقوم على الحرمان من الطيبات، وعلى تعذيب الجسد حتى تسمو الروح، مثل: البرهمة في الهند، والبوذية في فارس، والرواقية في اليونان، والنصرانية وبخاصة الرهبانية فيها.

بل رأينا القرآن يسمِّي المال (خيرا) في عدد من آياته، كما في قوله تعالى عن الإنسان: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات:8]، وقال: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة:215]، وقال عزَّ وجلَّ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة:180].

كما اعتبر القرآن في كثير من آياته: المال وسَعَة الرزق من مثوبة الله العاجلة لعباده الصالحين في الدنيا.

كما قال تعالى على لسان نوح: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} [نوح:10-12].

وقال تعالى عن أتباع الأنبياء الصادقين: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:148].

وقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف:96].

وقال عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2، 3].

وقال عن أهل الكتاب: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة:66].

وامتنَّ الله تعالى على خاتم رسله محمد، فقال: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} [الضحى:8].

وامتنَّ على الصحابة بعد الهجرة، فقال: {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال:26].

وقال لعمرو بن العاص: “نعم المال الصالح للمرء الصالح”[3].

ومن أدعيته المأثورة: “اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى”[4].

وروى عنه سعد بن أبي وقاص أنه قال: “إن الله يحبُّ العبد التقي الغني الخفي”[5]. وقال في حديث الوصية المشهور حين أراد أن يوصي بماله كلِّه أو نصفه أو ثلثه في سبيل الخيرات: “الثلث والثلث كثير”[6]. ودعا لخادمه أنس بن مالك: أن يكثِّر الله ماله[7]. وقال: “ما نفعني مال كمال أبي بكر”[8].

ومن المقرَّر عند أهل العلم في الإسلام: تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر. كما يدلُّ عليه حديث: “ذهب أهل الدثور بالأجور”[9].

وكذلك تفضيل (اليد العليا) وهي اليد التي تعطي على (اليد السفلى)، وهي اليد التي تأخذ، وفيها ورد الحديث الصحيح: “اليد العليا خير من اليد السفلى”[10].

  • إيجاب المحافظة على المال:

ولأهمِّية المال في نظر الإسلام، جاءت الأوامر والتوجيهات القرآنية والنبوية بالمحافظة عليه، كما جاء النهي عن إضاعة المال، والنهي عن الإسراف والتبذير فيه، وإنكار ما كان في الجاهلية بشأن الحرث والأنعام.

ومثل ذلك: الحجر على السفهاء، {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5]، وهو حجر لصالح المجتمع، وكذلك الحجر على الصغار والمجانين، وهو حجر لصالح المحجور عليهم.

وحسبنا هنا: أن أطول آية في القرآن: نزلت في تنظيم شأن من شؤون المال (كتابة الدَّين)، وتسمَّى (آية المداينة). وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة:282].

  • التحذير من الافتتان بالمال والطغيان بسببه:

ومع ما للمال من قيمة ومنزلة في الإسلام، نرى الإسلام يحذِّر من الافتتان به، والطغيان بسببه، قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن:15]، وقال: {كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق:6، 7]، علق القآن طغيان الإنسان برؤيته نفسه مستغنيا عن غيره، وربما مستغنيا عن ربه. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون:9]، فالخطر ليس في وجود الأموال والأولاد، ولكن في إلهائها أصحابها عن ذكر الله.

وأثنى الله تعالى على رواد المساجد فقال: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:37،36]، فهم ليسوا دراويش ولا متبطِّلين، بل هم رجال أعمال، ولكن لا تشغلهم عن ذكر الله وأداء الواجبات.

ولا غرو أن نقرأ حملة القرآن على طغاة الأغنياء، مثل قارون: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ …} [القصص:76] الآيات، التي انتهت بأن الله خسف به وبداره الأرض. وصاحب الجنتين في سورة الكهف، وعاد، وثمود. قال تعالى في عاد: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء:129،128]، {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الشعراء:132-134]، وقال تعالى في ثمود: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} [الشعراء:146-148].

{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} [الهمزة:1-9]، {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} [المسد:1-5]، {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} [القلم:14].

 


 

(2)

ربط المال والاقتصاد بالإيمان والأخلاق

من مقاصد الشريعة الأساسية – فيما يتعلَّق بالمال أو بالاقتصاد – ربطه بأصلين كبيرين:

أولهما: ربطه بالإيمان بالله وبالمعاني الربانية، وبهذا تمتزج المادة بالرُّوح، والدنيا بالآخرة، والخلق بالخالق.

وثانيهما: ربطه بالقيم والأخلاق، حتى لا يسير الاقتصاد سائبا، يتَّبع الهوى، ويسعى وراء المنفعة، وإن كان وراءها شرٌّ خطير، وإثم كبير على الناس.

 

أولاً: ربط المال والاقتصاد بالإيمان والربانية:

من أهم وأبرز مقاصد الشريعة المتعلِّقة بالمال والثروة، أو بالاقتصاد: ربطه بالإيمان بالله تعالى، وبالمعاني الربانية، من معرفته تعالى ومحبَّته وذكره وشكره وحسن عبادته، والرجاء في رحمته، والخشية من عقابه، والتوكُّل عليه، إلى آخر هذه المعاني، التي تؤسِّس (الجانب الرباني) في حياة المسلم. مستمدا من القرآن والسنة.

ولهذا أساس معرفي واضح أصيل، يتمثَّل فيما يلي:

  1. إن الله تعالى خلق هذا الكون علويَّه وسفليَّه، ليعرفه الناس ويعبدوه، ويقوموا له بحقِّه، باعتباره الخالق العظيم، والرب الأعلى، والمنعم بجلائل النعم، وحسبنا أنه واهب الحياة، ومانح العقل والإرادة للإنسان، ومسخِّر ما في السماوات وما في الأرض لمنفعة الإنسان.

قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} [الطلاق:12]، أي إن الله تعالى خلق السماوات والأرض لنعرفه، بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، ولا سيما صفتي القدرة المطلقة والعلم المحيط.

ومن مقتضيات هذا العلم: أن نخصَّه ونفرده بالعبادة، فهي المهمَّة الأولى لنا، وهي الغاية القصوى من خلقنا، كما قال عزَّ وجلَّ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذريات:56-58].

  1. إن الإنسان ليس هو هذا الغلاف الظاهر من الجسد، بأجهزته وأعضائه وخلاياه، أي ليس هو هذا الهيكل العظمي، الذي كساه الله وكمَّله باللحم والأعصاب والدماء، بل حقيقة الإنسان هو الجزء الذي لا يُرى فيه، إنه الرُّوح أو القلب أو الفؤاد أو النفس الناطقة، أو سمِّه ما تسمِّيه، فهو حقيقة الإنسان، الذي به يُخاطب ويكلَّف، ويؤمر ويُنهى، ويُثاب ويعاقَب.

كما أشار القرآن إلى ذلك في قصة خلق آدم الذي خلقه الله من تراب أو طين، أو من صلصال من حمأ مسنون، ثم سوَّاه ونفخ فيه من رُوحه، وبهذه النفخة الإلهية استحقَّ أن يكرَّم وتسجد له الملائكة، ولهذا قال للملائكة: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر:29].

فإذا كان المال معنيًّا بغذاء الإنسان الماديِّ وحاجاته المادية، من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، فإنه لا ينبغي أن يُنسى أن الإنسان الحقيقي له مطالب أخرى، يجب تلبيتها وتوفيرها، إن أردنا أن يكون إنسانا، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، كما في الإنجيل[11].

  1. أن المالك الحقيقي للمال ليس هو الإنسان، وإنما هو الله سبحانه، خالق المال، وخالق الإنسان، ولهذا رسخت في الإسلام هذه الفكرة الأصيلة: أن المال مال الله، والإنسان مستخلَف فيه. كما قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7]. ومعنى أن الإنسان مستخلف في المال: أنه موكَّل به من قِبَل مالكه، نائب عنه، مؤتمن عليه، مثل أمين الصندوق، أو الخازن، ليس حرَّ التصرُّف فيه كما يشاء، بل هو مقيَّد بأوامر مالك الصندوق وتوجيهاته.

وفي مقام آخر يقول القرآن عن المستحقِّين: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33]، فالغني المسلم ينظر إلى المال الذي يحوزه وينسب إليه ملكه، ويسجَّل باسمه: أنه وديعة من الله لديه، وفضل من الله عليه، لا يجوز أن ينفقه في غير حقِّه، أو يبخل به عن حقِّه، فيستحقُّ ذمَّ الله تعالى، كما قال: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} [آل عمران: 180].

سئل أعرابي مسلم يرعى الغنم: لمَن هذه الغنم، يا أعرابي؟ فقال: هي لله عندي! فما أبلغ هذا الجواب وأصدقه.

والحقيقة: أن مَن يتأمَّل كيف ينشأ المال: يجد أن يد الله تبارك وتعالى هي التي تعمل في خلقه وإنشائه وإبرازه، وحتى جهد الإنسان في ذلك هو من إمداد الله تعالى وتوفيقه.

انظر إلى الزرع وثمره: مَن الذي خلق التربة التي تُنبت الزرع والشجر؟

ومَن وضع فيها من الخصائص والمكونات، ما يجعلها صالحة لإمداد النبات بما يحتاج إليه؟

ومَن الذي أمدَّها بالغذاء والهواء والضياء الذي تحتاجه؟

ومَن الذي خلق البذرة التي هي أصل النبات؟

ومَن الذي أمدَّها بالماء الذي ينزل من المطر أو يجري من النهر؟

ومَن الذي وضع السنن التي يجري عليها نظام الإنبات؟

إنه الله جلَّ جلاله. كما قال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ} [يـس:33-35]. وهكذا يأكلون من ثمره وما عملته أيديهم، بل عملته يد الله سبحانه، كما قال في نفس السورة: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} [يـس:71].

وصاحب المال الحقيقي هو الذي يأمر مالك المال الاسمي أن يُخرِج منه الحقوق الواجبة لأصحابها، وأولها: الزكاة المفروضة، وهي الركن الثالث من الأركان العملية للإسلام، وأن يتعبَّد الله بذلك. كما يأمره بإخراج غيرها من الحقوق.

وهو الذي أمره إلا يكسب المال إلا من حِلِّه، ولا ينميه إلا بطريق مشروع، وألا يبخل به عن حقٍّ، وألا ينفقه في أمر يبغضه الله تعالى، كالخمر والميسر، وأن يلزم حدود الاعتدال في إنفاقه … إلخ، وألا يتعدَّى الحلال إلى الحرام في أيِّ تصرُّف ماليٍّ من تصرفاته.

والمستخلف في المال، عليه أن يطيع صاحب المال، ويأتمر بأمره، ويسير في تنميته وإنفاقه وتداوله حسب توجيهه.

المال عون على طاعة الله:

ثم هناك جانب رباني آخر في المال، وهو: أنه عون على طاعة الله تعالى، فهو الذي يمكِّن المسلم من الصدقة العادية والجارية، أي الدائمة المتمثِّلة في الوقف الخيري، وهو الذي يعينيه على الإسهام في مشروعات الخير، من كفالة الأيتام، ورعاية المساكين وابن السبيل، وإقامة مؤسَّسات الخير والإغاثة الإنسانية.

كما يعين المال صاحبه على أداء الحج والعمرة، وعلى النفقة في سبيل الله، وعلى نشر الإسلام، وإمداد دعاته وتجهيزهم بما يحتاجون إليه، ولهذا قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “نعم المال الصالح للرجل الصالح”[12].

ثانياً: ربط المال والاقتصاد بالأخلاق والمثل الإنسانية:

وكما إن من مقاصد الشريعة: ربط المال والاقتصاد بالإيمان والمعاني الربانية: فكذلك من مقاصدها ربطه أيضا بالأخلاق والمُثل الإنسانية.

فإذا كان الاقتصاد الغربي مفصولا عن الأخلاق، كما هو مفصول عن الدين والإيمان، فإن الاقتصاد الإسلامي مربوط ربطا مُحكَما بالإيمان والأخلاق.

ذلك أن الحياة في نظر الإسلام حلقة متشابكة، موصولة بعضها ببعض، ومن الخير لها ألا تنفصل عن الأخلاق والمُثل العليا في أيِّ ناحية من نواحيها. وفصلها عنها بمثابة فصل الجسد عن الروح، أو فصل الآلة عن ضوابطها وكوابحها التي لا تستغني عنها.

لقد فصل الغربيون العلم عن الأخلاق، وفصلوا العمل عن الأخلاق، وفصلوا السياسة عن الأخلاق، وفصلوا الحرب عن الأخلاق، وفصلوا كذلك الاقتصاد عن الأخلاق.

والانفصال عن الأخلاق يعني: الانطلاق كما تريد الأهواء والشهوات، أو كما تُملي المصالح الذاتية والمادية والآنية للإنسان، دون أدنى تفكير فيما قد يصيب غيره من أضرار أو آفات، فكلُّ امرئ يقول: نفسي نفسي. وفي هذا الانطلاق اللاأخلاقي خطر على المجموع في النهاية.

يجب على مَن بيديه مال: أن يلزم الفضائل والمُثل في استخدام المال، بل عليه أن يلزم هذه المُثل قبل ذلك في اكتسابه إذا اكتسبه، فلا يكسبه بطريق الظلم أو الغش، أو ما سمَّاه القرآن {الْبَاطِلِ}، وهو يشمل كلَّ طريق غير مشروع لاكتساب المال أو تنميته، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29].

وقال تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:188].

والمتأمِّل في سياق الأحكام والتوجهات الإسلامية المتعلقة بالمال، سيجد بوضوح: أن الإسلام يفرض الأخلاق والمُثل في كلِّ جانب من جوانب المال: في إنتاجه إذا أُنتج، وفي استهلاكه إذا استُهلك، وفي توزيعه إذا وُزِّع، وفي تداوله إذا تُدوول، ولا يقبل بحال أن تسير أيَّ ناحية من هذه النواحي بمعزل عن الأخلاق[13].

فلا يقبل إنتاج ما يحرم أو ما يضرُّ الناس من المسكرات أو المخدرات، أو حتى التبغ (التدخين). ولا يقبل إنتاج المواد الفنية والأعمال الدرامية التي تنشر الخلاعة والميوعة، وتُشيع التبرُّج، وأخطر منها: ما يُشيع العلمانية في الفكر، والنظرة الإباحية في السلوك، أو الشكَّ في العقيدة.

وكما لا يقبل إنتاج هذه المواد وتسويقها، لا يقبل شراءها واستهلاكها.

بل لا يقبل الإسلام استهلاك الحلال إلا في حدود الاعتدال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:31].

كما يرفض الترف وأهله، ويعلن الحرب عليه، لما وراءه من دفع الأمة إلى الفساد والهلاك: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} [الاسراء:16].

ومثل ذلك في التداول: حرَّم الربا والاحتكار والتدليس والغشَّ وبخس الناس أشياءهم، والتطفيف في الكيل والميزان، {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:1-6].

تنويه بعض الأجانب بأخلاقية الاقتصاد الإسلامي:

وقد لاحظ بعض الدارسين الأجانب هذه الميزة في الاقتصاد الإسلامي، وكيف مزج بين الاقتصاد والأخلاق، على حين فرَّقها الاقتصاد الوضعي، يستوي في ذلك الاقتصاد الرأسمالي، والاقتصاد الشيوعي.

يقول الكاتب الفرنسي (جاك أوستروي) في كتابه (الإسلام والتنمية الاقتصادية): (الإسلام هو نظام الحياة التطبيقية والأخلاق المثالية الرفيعة معا، وهاتان الوجهتان مترابطتان لا تنفصلان أبدا، ومن هنا يمكن القول: إن المسلمين لا يقبلون اقتصادا (علمانيا)، والاقتصاد الذي يستمدُّ قوَّته من وحي القرآن يصبح – بالضرورة – اقتصادا أخلاقيا.

وهذه الأخلاق تقدر أن تعطيَ معنى جديدا لمفهوم (القيمة)، وتملأ الفراغ الفكري الذي يوشك أن يظهر من نتيجة (آلية التصنيع).

لقد استنكر (بركس) النتائج المؤذية لنمو حضارة (الجنس) في الغرب، ويقلق الاقتصاد اليوم من سيطرة قِيَم الرغبات على القِيَم الحقيقية.

والآن بدأ الغرب يعي بالنتائج المؤذية من جرَّاء مفاوضات عالمية لعالم غير مستقرٍّ … فلقد وجد الرجل نفسه مفصولا عن عمله، فالآلة أصبحت السيِّد، وجاء التطرُّف في وسائل الراحة كالسيارات وغيرها … والاهتمام بالتوافه، ولم يهتم الغرب أبدا بتخفيف عداء (الآلة) للإنسان، وهي تشكِّل أفقا لقسم هامٍّ من الإنسانية.

ولم يغِب عن الإسلام الواعي هذا الدرس في متناقضات الغرب، ولكي يقف في مواجهة الغرب، محقِّقا في الوقت نفسه وجهته الاقتصادية، عمد الإسلام لإدخال قيمه الأخلاقية في الاقتصاد…

وهكذا يُخضع العناصر الماديَّة في الاقتصاد لمتطلبات العدل.

وهذا اللقاء بين الأخلاق والاقتصاد، الذي يلحُّ عليه (ج. برث) لم يوجد صدفة في الإسلام الذي لا يعرف الانقسام بين الماديَّات والرُّوحيَّات.

وإذا كان اقتران البروتستانية مع الوثبة الصناعية مزوَّرا، وإذا كانت الصلة بينهما موضع نقاش، فهذا غير كائن في الإسلام، لأن عالمية تشريعه الإلهي تمنع كلَّ تنمية اقتصادية لا تقوم عليها.

وعلى النقل التقليدي السريع لتجربة الغرب: أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله. يجب ألا يخفى استحالة هذا التمييز في الإسلام. وفصل الدين عن الدولة، الذي أدخل الفاعلية الماديَّة في الغرب، لا معنى له في الإسلام، حيث لا تولد الفاعلية الماديَّة في المجال الفكري وخارجه، بل باستلهام من قوَّة الإسلام ومن الوحي المنزَّل)[14] اهـ.

وإذا استقرأنا الواقع التطبيقي، وجدنا أثر هذا الاقتران بين الاقتصاد والأخلاق، واضحا عميقا في تاريخ المسلمين، وخاصَّة يوم كان الإسلام هو المؤثِّر الأول في حياتهم، والموجِّه الأول لنشاطهم وسلوكهم.

المشكلة الأساسية في الاقتصاد الوضعي:

يرى رجال الاقتصاد الوضعي: أن المشكلة الأولى عندهم: ما يسمُّونه (الندرة) ويعنون بها أن الموارد التي يحتاج إليها الناس محدودة، ولذا يتنافس عليها المتنافسون، بل يتقاتل عليها المتقاتلون.

على حين يرى رجال الاقتصاد الإسلامي: أن الأصل هو (الوفرة) وأن الله تعالى هيَّأ للناس أرزاقهم في هذه الأرض: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود:6]، وأن الله حين خلق الأرض: {بَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} [فصلت:10].

وقال تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} [الأعراف:10]، {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان:20]، إلى غيرها من الآيات الكثيرة التي يمنُّ الله فيها بنعمه الوفيرة على الإنسان: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [النحل:18].

ويرى الاقتصاد الإسلامي: أن مشكلة الاقتصاد هي (الإنسان)، كما قال تعالى بعد أن عدَّد على الإنسان مظاهر نِعَمه الكبرى في السموات والأرض، ثم قال: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:34]، فأشار إلى أن المشكلة تكمن في الإنسان قبل كلِّ شيء، في ظلمه لنفسه، وظلمه لغيره، وتجاوزه لمهمَّته، وكذلك في كفرانه بنعمته تعالى التي أنعم بها عليه. وهذا هو أصل البلاء كلِّه.

 

(3)

مقاصد الشريعة فيما يتعلق بإنتاج المال

 

للشريعة الإسلامية مقاصد متعدِّدة فيما يتعلَّق بإنتاج المال وكسبه وتنميته.

من هذه المقاصد:

  • الحث على إنتاج المال وكسبه من طرقه المشروعة:

مادة المال الذي يحتاج إليه الإنسان مبثوثة في هذا الكون، ولكن جرت سنة الله أن إنتاجها بحيث تصبح صالحة لاستخدام الإنسان، وتلبية حاجاته، وتوفية مطالبه، لا بد له من عمل وكسب يقوم به الإنسان، فالأرض خلقها الله للأنام، وجعلها ذلولا، وجعل تربتها صالحة للإنبات، ولكنها تحتاج إلى مَن يضع البذرة في الأرض في وقت معين، بطريقة معينة، ويهيِّئ لها من الماء العذب الذي خلقه الله ما يرويها، وأن يبعد عنها من الشوائب والآفات ما يعوق نموها، وأن يمدَّها بالسماد الطبيعي بما تحتاج إليه … إلخ ما يعرفه أهل الزراعة من خدمة للأرض، ورعاية للنبات حتى يؤتي ثمرته وفق سنة الله. يقول تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ} [يس:33-35].

والإسلام حريص على أن يدفع المسلمين ليعملوا ويكدحوا في إطار السنن الكونية، لإنتاج المال وكسبه وتنميته، ولا يتوانوا عن ذلك، ويدعوا غيرهم من الأمم يأخذون زمام المبادرة منهم، بل عليهم أن يتقرَّبوا إلى الله بالعمل في عمارة أرضه، ويعتبروا ذلك من العبادة التي خلقهم الله لها، كما قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، وهو أيضا جزء من مهمَّة الخلافة التي اختارهم الله للقيام بها، حين قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30]. وكانت عمارة الأرض ضمن هذه الخلافة، ولذا كان رسل الله يذكِّرون بها أقوامهم، كما وجدنا صالحا يقول لقومه ثمود: {يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61]، ومعنى {اسْتَعْمَرَكُمْ}، أي طلب منكم أن تعمروها. فبعد أن طالبهم بالتوحيد، طالبهم بعمارة الأرض.

ومن هنا جاء الإسلام يطالب المسلمين بالعمل والمشي في مناكب الأرض، ليأكلوا من رزق الله، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15].

ولا يقبل منهم أن يتقاعسوا عن ذلك بدعوى الزهد في الدنيا، فالزهد في الدنيا: أن تملكها ولا تملكك، أن تجعلها في يدك ولا تسكنها قلبك، أن تستمتع بطيباتها وتتَّجه بإرادتك إلى الآخرة، ولذلك علَّق القرآن أمر الدنيا والآخرة على الإرادة، فقال: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى:20].

كما لا يقبل منهم أن يقعدوا عن السعي على المعيشة، بدعوى التوكُّل على الله، فإن التوكُّل لا يعني اطِّراح الأسباب، بل يجب مراعاة الأسباب، وترك النتائج إلى الله، كما قال عمر: لا يقعدنُّ أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني. وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، أما قرأتم قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10][15].

إن الإسلام يضفي على العمل المعيشي الدنيوي قدسية ترتفع به إلى منزلة العبادة، أو إلى مقام الجهاد في سبيل الله.

وذلك بشروط وقيود لا بد من مراعاتها:

أولاً: أن يكون العمل في دائرة الحلال، بعيدا عن الحرام، بل عن الشبهات ما استطاع. وأن الحرام لا خير فيه.

ثانياً: أن يؤدِّيه بإتقان، يؤتيه حقَّه من الإجادة، فإن الله كتب الإحسان على كل شيء. وأن الله يحبُّ من العامل إذا عمل عملا أن يتقنه، تخلُّقا بأخلاق الله: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة:7].

ثالثاً: ألا يلهيه عن واجبه نحو ربِّه، ونحو أهله ومجتمعه، كما وصف الله روَّاد بيوته ومساجده بقوله: {رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:37].

رابعاً: ألا يعتدي فيه على حقِّ إنسان أو مخلوق آخر. والإسلام يريد من المسلم أن يكون متوازنا في رعاية الحقوق كلِّها، حتى حقَّ الله تعالى نفسه لا ينبغي أن يطغى على الحقوق الأخرى، وإذا فعل قيل له: “إن لبدنك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولزُورِك (زوَّارك) عليك حقًّا”[16].

الإنتاج الزراعي:

أول ما يُعنَى به التشريع من أنواع الإنتاج: الإنتاج الزراعي، أي إنتاج الأقوات والحبوب التي يأكلها الناس، ويعيشون عليها من القمح والأرز والأذرة والشعير وغيرها، ومثلها ما يكمِّلها من الخضروات والفواكه التي امتنَّ الله بها على عباده. كما قال تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ} [يس:33-35].

وقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام:141].

وقال تعالى: {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [عبس:24-32].

وقد جاءت الأحاديث النبوية الصحيحة تحثُّ على الإنتاج الزراعي بكلِّ صنوفه، وتعِد على ذلك بأعظم الأجر عند الله.

إقرأ هذه الأحاديث:

“ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة”[17].

ومما يدخل في هذا المقام: ما جاء من الحديث في (إحياء الموات) كما في قوله عليه الصلاة والسلام: “مَن أحيا أرضا ميتة فهي له”[18].

فسمَّى هذا العمل في إصلاح التربة، وتهيئتها للزرع والغرس، وسوق الماء إليها، ونحو ذلك: (إحياء)، كما سمَّى الأرض التي لم تهيَّأ للزراعة (ميتة)، وفي هذه التسمية ما فيها من الثناء على هذا العمل، كما أنه كافأه على هذا الجهد بتمليكه ثمرة عمله، ليتنافس الناس على هذا العمل الخيِّر النافع، الذي لا يثمر إلا الخير والبركة والنماء للمجتمع.

ومن الأحاديث الرائعة هنا: ما رواه أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم (أي الساعة) حتى يغرسها فليغرسها”[19]. وفي ذلك إشارة إلى أن المسلم يظلُّ عاملا منتجا إلى أن تلفظ الحياة آخر أنفاسها!

الإنتاج الصناعي:

ومن المعلوم: أن الزراعة وحدها لا تحقِّق كلَّ ما يحتاج إليه البشر، لهذا كان الناس في حاجة دائما إلى الصناعات التي بها تقوى الأمم اقتصاديا وعسكريا.

وقد جاءت بعض الأحاديث تحذِّر من (الاكتفاء بالزرع) واتِّباع أذناب البقر، بحيث تقتصر الأمة على الزرع، وتَدَع الصناعة لغيرها، وفي هذا ما فيه من خطر.

وحسبنا أن القرآن نوَّه بقيمة معدن (الحديد) وأهميَّته في الصناعات المدنية والحربية، وأنزل في ذلك سورة تسمَّى (سورة الحديد) وفيها قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد:25]، فقوله: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} إشارة إلى الصناعات الحربية، وقوله: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} إشارة إلى الصناعات المدنية.

كما أثنى القرآن على داود عليه السلام، بإتقانه صناعة الدروع التي تلبس في الحروب، كما قال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80].

وقال سبحانه: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [سبأ11،10].

وفي السنة النبوية تجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، في سياق الحثِّ على العمل الصناعي والحرفي، ينوِّه بفضل داود عليه السلام، ويعدَّه نموذجا يحتذيه المؤمنون، فيقول: “ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده”[20]، فرغم ما آتى الله داود من الملك، وما مكَّن له في الأرض كما قال تعالى: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء} [البقرة:251]، لم يأكل عن طريق الملك، بل كان يأكل من عمل يده، أي من صناعة الدروع الحربية الواقية من سهام العدو ورماحه: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ11،10].

ومما ينبغي التنبيه عليه هنا: ما ذكره القرآن في صناعة السدود والأسوار الحصينة، التي تحمي الأمم من غزو جيرانها أو غيرهم من الطامعين في أرضهم وخيراتها. أعني هنا: ما حكاه القرآن عن ذي القرنين في بنائه السد الحاجز بين يأجوج ومأجوج وجيرانهم والقريبيين منهم من الأقوام الذين يخافون إغارتهم عليهم، حيث يفسدون في الأرض ويهلكون الحرث والنسل: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} [الكهف:94-97].

فلم يستجب ذو القرنين لطلبهم أن يأخذ منهم خرجا ويتولَّى الدفاع عنهم، بل أشركهم في الأمر وبنى لهم السدَّ، مما عندهم من زبر الحديد، فلما أوقد عليه النار وذاب الحديد أفرغ عليه القطر وهو النحاس المذاب، ليزداد صلابة على صلابة، وقوَّة على قوَّة، ثم ردَّ الفضل إلى الله في ذلك كلِّه: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف:97].

ومما ذكره القرآن هنا: أن نوحا شيخ المرسلين عليه السلام، كان يجيد صناعة السفن، كما قال تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود:37]. وقال: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود:38].

كما ذكر لنا القرآن أن إبراهيم خليل الرحمن وابنه إسماعيل كانا يتقنان صناعة البناء، وهما اللذان بنيا الكعبة البيت الحرام، كما قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127].

كما أن سيدنا الخضر عليه السلام، لما ذهب إلى القرية – ومعه موسى – واستطعما أهلها، فأبَوا أن يضيِّفوهما، وقد رأى فيها جدارا يريد أن ينقضَّ (أي آيلا للسقوط) فأقامه، أي رمَّمه وشيَّده، حتى قال له موسى: {لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف:77]، أي إنه عمل كعمل المحترف المتقن الذي يستحقُّ الأجر.

وقد رأينا داود يجيد صناعة الدروع الحربية، وفيه يقول القرآن: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80].

ومما يذكر هنا كذلك: ما قام به الجن من صناعات في خدمة سليمان عليه السلام، فكانوا {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} [سبأ:13]، وفي سورة أخرى ذكر تسخير الشياطين له، فقال: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ} [ص:37].

ومن الصناعات التي أشار إليها القرآن: الصناعات الغذائية، التي تعمل فيما تنتجه الأرض من حبوب وفواكه لتحويلها إلى مواد غذائية حلوة قابلة للتخزين، كما قال تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل:67].

ومن الصناعات التي أشار إليها القرآن: صناعة تربية النحل، وهي داخلة ضمن قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ} [النحل،69،68].

ومن الصناعات التي أشار إليها القرآن: صناعة الصيد، سواء صيد السمك، أم صيد اللؤلؤ والمرجان، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [النحل:14].

كما أشار القرآن إلى الحلية التي تتَّخذ من المعادن كالذهب والفضة، وهي التي تستخدم فيها النار لتصفيتها وصقلها، كما قال تعالى: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ} [الرعد:17].

ومما يدخل في هذا الباب: الصيد البري، بكل أنواعه، وبكل آلاته، من السهام والرماح، ومن الصيد بالجوارح سواء كانت كلابا معلمة، أم طيورا مدربة كالصقور ونحوها، وفي هذا يقول القرآ،: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة:4].

وقد أباح الله هذا الصيد إلا في أرض الحرم، وفي حالة الإحرام، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} [المائدة:95]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة:94].

وقد قرَّر المحقِّقون من علماء الأمة: كالغزالي والقرافي والشاطبي وغيرهم: أن كلَّ صناعة يحتاج إليها المسلمون، فإن تعلُّمها وإتقانها وتوافرها: فرض كفاية على ألأمة. على معنى: أن يوجد في الأمة عدد كافٍ لتلبية حاجاتها. وإلا أثمت الأمة كلُّها.

وكذلك العلوم، مثل علم الطب والتشريح والهندسة والفلك والكيمياء الفيزياء والبيولوجيا والجيولوجيا وغيرها.

وسواء كانت الأمة تحتاج إليه في المجال المدني أم في المجال العسكري، حتى تحمي دارها وأهلها من أعدائها، وحتى تكون في مأمن من خطرهم وشرِّهم.

ويربِّي الإسلام المسلم على احترام العمل، ولو كان مدخوله قليلا، أو كان الناس ينظرون إليه نظرة استهانة، أو كان شاقًّا على النفس، لكنه يعفُّ المسلم عن مدِّ يده للآخرين، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: “لأن يأخذ أحدكم حبله على ظهره فيأتي بحزمة من الحطب فيبيعها، فيكفَّ الله بها وجهه: خير له من أن يسأل الناس: أعطوه أم منعوه”[21].

التجارة:

كما حثَّ القرآن على الزراعة والصناعة ورغَّب فيهما، نراه أيضا لم يغفل التجارة، بل أشار القرآن إليها، وتحدَّث عنها في مناسبات كثيرة، منها: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [النساء:29].

وفي آية المداينة: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} [البقرة:282].

وفي وصف روَّاد المساجد: {رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ } [النور:37].

ومدح القرآن الضرب في الأرض للتجارة، كما قال في صلاة الجمعة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة10]، فهو يضفي على التجارة هذا الوصف الجميل (الابتغاء من فضل الله). وقد تكرَّر ذكره في القرآن، كما في سورة المزمل: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل:20].

حتى ورد عن سيدنا عمر قوله: ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله، أحبُّ إليَّ من أن يأتيني وأنا بين شعبتي رَحْلي، ألتمس من فضل الله. ثم تلا هذه الآية: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل:20][22].

وفي الحديث: “التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء”[23]. والصدوق هو: المبالغ في الصدق الملتزم به، فلا يكذب ولا يغشُّ ولا يخون في بيع ولا شراء ولا وساطة.

وسئل إبراهيم النَّخَعي عن التاجر الصدوق: أهو أحبُّ إليك أم المتفرِّغ للعبادة؟ قال: التاجر الصدوق أحبُّ إليَّ؛ لأنه في جهاد، يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان (أي التطفيف)، ومن قِبَل الأخذ والعطاء، فيجاهده[24].

وقد تاجر النبي صلى الله عليه وسلم، قبل البعثة في مال خديجة مضاربة، هي برأس المال وهو بالجهد والعمل.

وكان كثير من الصحابة تجَّارا، منهم أبو بكر، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم.

ولقد شرع الإسلام التجارة حتى في موسم الحجِّ، حين قال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة:198].

كلُّ ما يحرص عليه الإسلام هنا: ألا تُلهي التجارة عن واجب مطلوب نحو الله ورسوله وكتابه، فإذا وقع التعارض كان إيثار ما عند الله هو الواجب الذي لا شكَّ فيه، يقول تعالى في شأن الجمعة: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } [الجمعة:11].

  • تحريم الكسب الخبيث:

المهم في كسب المال: أن يكون حلالا، لا يتطرَّق إليه إثم أو شبهة. فإن الله سائل كلَّ مكلَّف يوم القيامة عن أسئلة أربعة رئيسية، منها: “عن ماله: من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟”[25].

وفي الصحيحين، حديث النعمان بن بشير المشهور: “إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما كثير من المشتبهات لا يعلمهنَّ كثير من الناس، فمَن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه”[26].

وفي صحيح البخاري: “يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ: أمن حلال أم من حرام”[27].

ومن هنا نتبيَّن أنه كما أن من مقاصد الشريعة اكتساب المال من حِلِّه: فكذلك من مقاصدها: تحريم المكاسب الخبيثة أيًّا كان اسمها أو وصفها. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]، {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:188].

ومن أكل أموال الناس بالباطل: الغصب، والسرقة، والقمار، وبيع المحرَّمات، والربا، والاحتكار، والغش. وخصوصا إذا قامت بذلك شركات كبرى، وتعاونت على ذلك مؤسَّسات عالمية عابرة للقارات.

ومن أهمِّ ما يميِّز المذهب الإسلامي عن المذهب الرأسمالي: أن الإسلام يحرِّم الربا والاحتكار، وهما الساقان اللتان يقوم عليهما المذهب الرأسمالي. أما الربا فهو من الكبائر الموبقة في الإسلام، كما في الحديث المتفق عليه: “اجتنبوا السبع الموبقات – وعدَّ منها – وأكل الربا”[28]، كما آذن القرآن آكل الربا بحرب من الله ورسوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [278،279]، وقد حرَّم الإسلام قليله وكثيره، ولعن رسول الإسلام: آكله ومؤكله، وكاتبه وشاهديه[29].

وأما الاحتكار، ففي الحديث: “لا يحتكر إلا خاطئ”[30]، والخاطئ الآثم، كما قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص:8]، أي آثمين.

  • اكتساب المال من الحرام لا تطهره الصدقة:

ومن المبادئ المهمَّة التي أرساها الإسلام هنا: أن المال إذا اكتُسب من حرام، فلا يطهِّره عند الله أن يتصدَّق صاحبه بجزء منه على الفقراء والأيتام، أو على جهة من جهات الخير، بل لا يقبل منه إلا أن يخرجه كلَّه عن ملكيته، ويردَّه إلى أهله إن كانوا أحياء أو إلى ورثتهم إن كانوا موتى، أو يتنازل عنه إلى جهات البرِّ والخير، إذا لم يُعرف أصحابه.

فالمال الخبيث في مكسبه لا يُقبل صدقة عند الله تعالى، كما في الحديث الصحيح: “لا يقبل الله صدقة من غُلول”[31]. والغلول: الخيانة من المال العام، مثل مال الغنائم في الجيش قبل أن توزَّع.

وفي الحديث الصحيح: “إن الله طيِّب لا يقبل إلا طيِّبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة:172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء: يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمة حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذِّي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك؟”[32].

فرغم طول السفر ومشقَّته، بدليل شعثه وغبرته، ولعله سفر حجٍّ أو عمرة، ورغم أنه يمدُّ يده إلى السماء مناديا يا رب، يا رب، وكلُّ هذه المظاهر من مقرِّبات الإجابة، لا يستجاب له. وأنَّى يستجاب له، وهو منغمس في الحرام مأكلا ومشربا وملبسا وغذاء؟!

وعن ابن مسعود موقوفا عليه: والذي نفسي بيده، لا يكسب عبد مالا من حرام، فيتصدَّق به فيُقبل منه، أو ينفق منه فيُبارَك له فيه، أو يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار. إن الله تعالى لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث[33].

ومن ظنَّ من رجال المال والأعمال أنه يجمع الملايين من حلال وحرام، ثم يبني مسجدا للعبادة، أو مدرسة للأيتام، أو دارا لتحفيظ القرآن، أو يطبع مصحفا، أو ينشر كتابا دينيا، أو نحو ذلك، مما يعدُّه الناس في أعمال الخير، فهذا كلُّه مرفوض في نظر الشرع، لا وزن له عند الله سبحانه. فإن الإسلام يشترط طهر الوسائل، كما يشترط شرف المقاصد والغايات. ولا يقبل الوصول إلى الحقِّ بطريق الباطل. إن القاعدة المكينة هنا: “إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا”[34]!

  • إيجاب تنمية المال بالطرق المشروعة:

بعد اكتساب المال من حِلِّه، ينبغي أن يسعى مالكه في تنميته، حتى لا يُستهلك بمرور الزمن، بسبب أمرين لازمين:

أولهما: نفقة الشخص وعائلته، وهذا أمر دائم. والمال إذا كان يؤخذ منه باستمرار دون أن يُنمَّى: جدير بأن يُهدَّد بالفناء بطول الزمن، وإن كان المأخوذ قليلا. وهنا يقول الناس في أمثالهم: خذ من التلِّ يختلّ.

وثانيهما: الزكاة الواجبة في المال في كلِّ حَول، فهي كفيلة أن تُنقص المال إن لم ينمِّه المسؤول عنه. ومن هنا جاءت الوصية النبوية بالاتِّجار في أموال اليتامى حتى لا تأكلها الصدقة، يعني: الزكاة، فقد روى الترمذي في سننه، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: “مَن ولي يتيما فليتَّجر له في ماله، حتى لا تأكله الصدقة”[35].

وإنما أمر ولي اليتيم بتثمير ماله، لأن الإنسان قد يتهاون في مال غيره، أما مال نفسه فبحكم غريزة الملكية وحبِّ المال، سيسعى بطبيعته في تنميته.

وقال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام:152]، أي بأحسن الطرق التي تؤدِّي إلى إصلاح المال وتنميته وتثميره في أحسن المجالات فرصة، وأقلِّها مخاطرة، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه، كما قال الإمام القرطبي[36].

والمطلوب أن يكون ذلك في نطاق المعاملات المشروعة، بعيدا عن الحرام، وإن كان يجلب الأرباح بالملايين، فالكسب الحرام لا خير فيه، ولا بركة فيه.

  • تحريم إنتاج ما يضر:

ومن مقاصد الشريعة في مجال الإنتاج: التشديد في تحريم إنتاج كل ما يضر بالناس، في دينهم، أو في أنفسهم، أو في نسلهم وذرياتهم، أو في عقولهم وأفكارهم، أو في قيمهم وأخلاقهم، أو في أي جانب من جوانب حياتهم.

ولذا يحرِّم الإسلام إنتاج المخدرات بكلِّ أنواعها، ويحرِّم زراعة النباتات التي تؤخذ منها المخدِّرات، ويحرِّم كذلك تصنيعها وتسويقها، ويلعن في ذلك كلَّ مَن لعنهم في الخمر، بل الواقع أن الخمر ما خامر العقل، وكلُّ هذه المخدرات خمر، لأنها تخامر العقل، وتخرجه عن طبيعته المميزة الحاكمة. بل هي – كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية – أشدُّ إثما من الخمر المعروفة، لأن أضرارها أشدُّ من أضرار الخمر على الفرد والأسرة والمجتمع.

ومن الإنتاج المحظور: إنتاج (التبغ) أو (الدخان) الذي يتناوله الناس بطرق شتَّى، بالتنفس، وبالمضغ، وبالسعوط[37]، وبغير ذلك من الوسائل، وقد أثبتت الدراسات العلمية، والواقع العملي أضراره الصحية، وخصوصا على الرئتين والجهاز التنفسي، وأنه من أعظم المسببات لسرطان الرئة، ومن المسببات الشهيرة لوفيات كثيرة، فضلا عن تأثيره على الصحة العامة.

هذا بالإضافة إلى أضراره النفسية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية، بل والدينية أيضا.

ولهذا تعتبر زراعته من المحظورات، وتصنيعه من المحظورات، وترويجه من المحظورات.

ومثل ذلك: الإنتاج الحربي، الذي يهلك الحرث والنسل، ويقتل العباد ويخرب البلاد، كما في أسلحة الدمار الشامل: البيولوجية والكيماوية والنووية. وعلى المسلمين أن يقودوا حملة كبرى لتحريم هذه الأسلحة، وتدمير ما أنتج منها. وأن يتفق البشر على ذلك، وأن يتساووا فيه، ولا يجوز أن يكون ذلك حلالا لبعض الدول، حراما على غيرهم.

وقد أجزت في كتابي (فقه الجهاد)[38] للمسلمين أن يمتلكوا ما لا بد منه من هذه الأسلحة إذا كان غيرهم يملكها، ويهددهم بها، ولكن لا يستخدمونها قط إلا في حالة الضرورة القصوى، معاملة بالمثل، حين لا يجدي غيرها، دفاعا عن النفس.

ومثل ذلك: الإنتاج الفني، من الأعمال الدرامية والإعلامية، من مسرحيات وتمثيليات وأفلام ومسلسلات، وغيرها من البرامج المتنوعة، مما يفسد الدين، أو يضلل العقل، أو يلوث السلوك، أو يضر بالأخلاق والقيم العليا، التي توراثتها البشرية خلال العصور.

وهذا الإنتاج – وإن كان فنيا وإعلاميا – هو من وجه ما اقتصادي أيضا؛ لأنه يباع ويسوق إقليميا، وربما عالميا، وله مردود اقتصادي يقل أو يكثر، ربما يقدر بالمليارات. وحسبنا هنا إنتاج (هوليود) الأمريكي المعروف، وما وراءه من مكاسب اقتصادية يعرفها الخبراء، بجوار الغزو الفني والفكري والأدبي.

مقصدان شرعيان مهمان للإنتاج:

ومن مقاصد الشريعة في إنتاج المال: مقصدان مهمَّان:

أولهما: تحقيق الكفاية التامَّة للفرد في حياته المعيشية.

وثانيهما: تحقيق الاكتفاء الذاتي للأمة، بحيث تستطيع الاستغناء عن غيرها من الأمم، وخصوصا في فترات الأزمات والصراعات.

المقصد الأول: تحقيق تمام الكفاية للفرد:

أما مقصد تحقيق الكفاية للفرد، فنعني به الكفاية التامَّة، والمقصود أن تتحقَّق له ولمَن يعوله في أسرته: الكفاية التامَّة في المأكل والمشرب والملبس والمسكن وكلِّ ما لا بد له منه، على ما يليق بحاله، بغير إسراف ولا تقتير. كما قال الإمام النووي[39].

وكلمة (كلُّ ما لا بد له منه) كلمة مرنة قابلة لأن يدخل فيها كلُّ المطالب التي تطرأ للإنسان، وكلُّ الحاجات التي تعرض لحياته، وإن لم تكن في حياة من قبله. فإن الحاجات تتطوَّر بتطوُّر الزمان والإنسان، مثل كثير من الحاجات في عصرنا، من الأدوات الكهربائية والإلكترونية، في التبريد والتسخين، والنقل والحركة والسرعة، كالهواتف والكمبيوترات ونحو ذلك، فقد أمست حاجات أساسية للإنسان.

وكلمة (على ما يليق بحاله) تعني: أن الأفراد يختلفون من حيث مستوياتهم، فما يليق بحال الرجل في المدينة غير ما يليق بحاله في القرية أو البادية، وما يليق بحال الطبيب غير ما يليق بحال (التومرجي) وما يليق بحال أستاذ الجامعة غير ما يليق بحال الحارس أو الناطور، وما يليق بحال الرجل ذي العيال غير ما يليق بحال الرجل العزب، أو المتزوِّج غير المنجب، وما يليق بالرجل ذي الأمراض المختلفة غير ما يليق بالرجل السليم الذي عافاه الله من بلاء المرض ولا يشكو من شيء. وينبغي أن نضيف هنا إلى ما ذكره النووي أيضا: ما يليق بزمانه وبيئته، كما أشرنا إلى ذلك.

وكلمة (بلا إسراف ولا تقتير) تعني: أن المطلوب هو الحدُّ الوسط في هذه المتطلَّبات كلِّها، بلا طغيان ولا إخسار، ولا وكس ولا شطط. ومن هذه الأشياء ما يمكن تحديده باليوم، وما يمكن تحديده بالشهر، وما يمكن تحديده بالسنة.

ولكن الغذاء لا يحدِّده إلا المختصُّون في التغذية، والذين يعرفون ما حاجة الجسم من البروتينات والكربوهيدرات والأملاح والفيتامينات وغيرها، محدَّدا بمقدار يومي تقريبي.

ذلك أن للمعيشة الإنسانية – في المجال الاقتصادي – مستويات أربعة، بعضها فوق بعض.

هناك (مستوى الضرورة)، وهي الحالة التي يعيش فيها الإنسان على ما يمسك الرمق، ويُبقي عليه أصل الحياة، ويدفع عنه الهلاك أو الموت.

وهي حالات الذين يعيشون في أتون المجاعات، ونرى صورهم في التلفاز أحيانا كأنهم هياكل عظمية، أو أشباح هاربة من القبور.

وبقاء مثل هؤلاء بهذه الصورة البائسة بين البشر، نقطة سوداء في جبين الإنسانية، التي تنفق عشرات ومئات المليارات على التسليح بكلِّ أنواعه.

وهناك مستوى أحسن من هذا وهو (مستوى الكفاف)، وهو الذي يمثِّل الحدَّ الأدنى للمعيشة دون زياة ولا نقصان، فلا مجال فيه للون من السَّعة والترفُّه.

وهناك مستوى أفضل من هذا، وهو الذي يسمِّيه الفقهاء (تمام الكفاية) للإنسان. فليس المقصود إذن مجرَّد الكفاية، بل الكفاية التامَّة بكلِّ عناصرها ومقوِّماتها، وهذا هو المستوى الذي يريده الإسلام لأبنائه، بل لكلِّ مَن يعيش في ظلِّه، مسلما أو غير مسلم. حتى قالوا في باب الزكاة: إذا كان الفقير يملك بعض الكفاية أو أكثرها، فيجب أن يُعطى من الزكاة ما يكمِّل كفايته، فلو كان يكسب سبعة أو ثمانية ولكن كفايته لا تتمُّ إلا بعشرة، يجب أن يُعطى له بقية العشرة، حتى يكون له “قوام من عيش، أو سداد من عيش”، كما ذكر الحديث الصحيح[40].

وهناك فوق ذلك: مستوى الترف، وهو مرفوض إسلاميا، فلا يتصوَّر أن تقصد الشريعة إليه.

تفصيلات في مستوى تمام الكفاية:

فالإسلام لا يرضى لأبنائه المستوى الدون من المعيشة، بل لا بد أن يكون هذا المستوى على نسبة معقولة من الارتفاع، بحيث يتوافر فيها العناصر التالية:

  1. قدر من الغذاء الكافي، لإمداد الجسم بالطاقة التي تلزمه للقيام بواجبه: نحو ربه كالصلوات الخمس، وواجبه نحو نفسه وأسرته ومجتمعه، والرسول يقرر أن للبدن حقا لا بد أن يعطاه: “إن لبدنك عليك حقا”[41]. وينبغي أن يكون هذا الغذاء متكاملا، بحيث يشتمل على المواد التي يتطلبها الجسم (من بروتين ونشا وسكر ودهن وأملاح وفيتامين وغيرها)، ولا عجب إذا امتن القرآن بذكر لحوم الأنعام والأسماك واللبن والعسل والفاكهة وغيرها … ويكفي أن نقرأ سورة كسورة النحل، لنلمح فيها صورة للحياة التي يريد الله لعباده أن يتنعموا بطيباتها.
  2. قدر من الماء يكفيه للشرب والري، ويعينه على النظافة العامة التي هي من آداب الإسلام، وعلى الطهارة الخاصة التي هي من شروط صحة الصلاة، كالوضوء من الحدث، والغسل من الجنابة، فضلا عن الاغتسال الأسبوعي الذي جاءت به السنة: “غسل الجمعة واجب على كلِّ محتلم”[42]، أي بالغ، “حقٌّ على كلِّ مسلم في كلِّ سبعة أيام يوم يغسل فيه رأسه وجسده”[43].
  3. لباس يحقِّق ستر العورة، والوقاية من حرِّ الصيف وبرد الشتاء، وحسن المظهر أمام الناس، كما قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف:26]، والريش ما يحقِّق الزينة والجمال، وقال: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل:5]، وقال: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81]، أي البرد.

وهذا يستلزم أن يتوافر لكلِّ فرد – كحد أدنى – ملبس مناسب للشتاء، وملبس مناسب للصيف، وهذا ما أوجبه ابن حزم لكلِّ مسلم أو ذمِّي في ظلِّ نظام الإسلام، وأجاز له أن يقاتل للحصول عليه.

وفوق هذا الحدِّ الأدنى ينبغي أن يتهيَّأ للمسلم ما يتجمَّل به في المناسبات كالجُمَع والأعياد، وذلك مطلوب من المسلم لئلا يؤذي الآخرين بلباس مهنته. وقد كان الحسن إذا ذهب إلى المسجد، تجمَّل وتطيَّب ونظر في المرآة، فلما سئل عن ذلك، قال: أتزيَّن لربي! ثم تلا: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31].

  1. مسكن صحي يحقِّق:
    • معنى السكون الذي امتنَّ الله به حين قال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل:80].
    • وعنصر السَّعة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من مقوِّمات السعادة الدنيوية، فقال: “ثلاث خصال من سعادة المرء المسلم في الدنيا: الجار الصالح، والمسكن الواسع، المركب الهنيء”[44].
    • وعنصر الوقاية من أخطار الطبيعة كالمطر والشمس والعواصف ونحوها.
    • وعنصر الاستقلال، بحيث لا تتكشف عوراته للناظرين من الغادين والرائحين، هذا الاستقلال الذي تدلُّ عليه الآية الكريمة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27].

 وهذا ما نصَّ عليه ابن حزم أيضا فيما افترض توافره لكلِّ فرد بحيث قال: (ومسكن يقيهم الشمس والمطر وعيون المارة)[45].

والأصل أو الظاهر – حسبما نصَّ عليه فقهاء الإسلام – أن يكون هذا المسكن ملكا للإنسان، لا مستأجرا … وهذا مستوى لا يزال كثير من الدول الغنية دون الوصول إليه.

ومما يلزم لهذا المسكن الذي ينشده الإسلام: أن يكون من السَّعة ووفرة الأثاث بحيث يضمن معه تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بالتفريق بين الأولاد في المضاجع، إذا بلغوا عشر سنوات من عمرهم[46].

كما ينبغي أن تكون فيه حجرة للضيف يطرأ على أهل البيت من أقاربهم أو من غيرهم، وهو ما كان يسمِّيه الناس (حجرة المسافرين)، وفي هذا روى مسلم في صحيحه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “فراش للرجل، وفراش لامرأته، وفراش للضيف، والرابع للشيطان”[47].

  1. قدر من المال يدَّخره ليتزوَّج به ويكوِّن الأسرة المسلمة، إذ لا رهبانية في الإسلام، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم من التبتُّل (أي الانقطاع عن الزواج للعبادة)، وأعلن أن الزواج من سنته ثم قال: “مَن رغب عن سنتي فليس مني”[48]، وخاطب الشباب فقال: “يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج”[49]، وقال: “الدنيا كلُّها متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة”[50].

 وقد ذكر الفقهاء في أبواب النفقات، وفي أبواب الزكاة من كتب الفقه: أن الزواج من تمام الكفاية، وخصوصا إذا كان المرء تائقا له، ومحتاجا إليه، ويخاف على نفسه العنت[51].

  1. قدر من المال يعينه على طلب العلم الواجب تعلُّمه عليه وتوفيره لأبنائه وبناته: “طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم”[52]، ويهيِّئ لكلِّ ذي فنٍّ كُتبه التي يحتاج إليها في فنِّه.

والعلم الواجب طلبه وتعلُّمه قد يكون علما دينيا، وهو ما يصحِّح به عقيدته وعبادته، ويجعله على بيِّنة من ربه، وبصيرة من أمره، وما يضبط به سلوكه وفقا للمعايير الشرعية في الحلال والحرام.

وقد يكون علما دنيويا، يتغيَّر بتغيُّر العصر والبيئة، وهو درجات ومستويات، أدناها الحدُّ الذي تُلزم به الدول أبناءها، وأعلاها لا حدَّ له، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

  1. العلاج إذا مرض، استجابة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا عباد الله، تداووا؛ فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء”[53]، والأصل في مثل هذا الأمر أن يكون للوجوب، وإن كان الفقهاء قديما جعلوا التداوي من باب المباحات، وهو ما يجب أن نناقشهم فيه على ضوء معطيات عصرنا، ولا سيما إذا كان المرض يؤلم الإنسان إيلاما شديدا، مثل مغص الكُلى، ووجع الضرس، وصداع الرأس، وغيرها، وكان من الميسور إزالة هذه الآلام بالأدوية المعروفة: لا يشكُّ الفقيه أنه واجب.

 كذلك التداوي من الأمراض التي عُرف بالتجربة دواؤها وعلاجها، ولا سيما في عصرنا هذا، الذي تقدَّم فيه علم الطب تقدُّما ملموسا تحقَّق به قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما أنزل الله داء، إلا أنزل له دواء”[54]، ” لكلِّ داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء بريء بإذن الله”[55].

 وقد خدم الطب تقدُّم العلوم الأخرى من التشريح ووظائف الأعضاء والأحياء (البيولوجيا) والكيمياء والفيزياء، والإلكترونيات، وغيرها.

وقد يستغنى الفرد عن المال الذي يحتاج إليه لتعليم أولاده، أو علاجهم وعلاج نفسه، إذا كان العلم والعلاج مبذولين وميسَّرين من جهة الدولة لكافَّة الناس. وهو ما ينبغي أن تحرص عليه دولة تتَّخذ الإسلام منهجا ونظاما. وهذا ما سار عليه المسلمون أيام ازدهار حضارتهم فكانت المستشفيات للجميع مجانا، وكذلك العلم في المدارس للجميع بلا أجر، هذه تقدِّم غذاء العقول، وتلك تقدم دواء الأبدان. وفي زمننا نرى الدول المتقدِّمة تؤمِّن العلاج الطبي والرعاية الصحية للجميع في كلِّ مراحل العمر من الأطفال والشباب والشيوخ من الذكور والإناث، وخصوصا رعاية الأمومة والطفولة.

  1. فضل من مال يدَّخره أيضا؛ ليحج به بيت الله الحرام، ويؤدِّي به فريضة العمر، ويُحيي مع إخوانه المسلمين هذا الركن العظيم من أركان الإسلام: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران:97].

صحيح أنه ليس فرضا على المسلم أن يطلب المال ليحقِّق به الاستطاعة التي جعلها الله شرطا لوجوب الحجِّ، ولكن المسلمين بوصفهم جماعة: فُرض عليهم أن تظلَّ هذه الشعيرة قائمة، وأن يظلَّ هذا الموسم عامرا دافقا بالمؤمنين الآتين من كلِّ فجٍّ عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله.

كما أن المسلم بمقتضى إيمانه وحنينه إلى الأرض المقدَّسة، وشوقه إلى إقامة هذه الشعيرة العظيمة، يظلُّ معلَّق القلب ببيت الله العتيق، راغبا في الطواف به مع الطائفين والقائمين والركع السجود، وساعيا في تحقيق هذه الرغبة بكلِّ ما يستطيع، فهو بهذا حاجة نفسية من الحاجات التي يسعى المسلم لإشباعها.

وقد أدَّت هذه الأشواق والرغبات الفردية في الحجِّ في بعض البلاد الإسلامية – مثل ماليزيا – إلى إقامة مؤسسة للحجِّ تجمع من المسلمين الراغبين في أداء الفريضة، مدَّخرات سنوية وتنمِّيها لحسابهم، وقد نمت هذه المؤسسة واتَّسعت حتى غدت تملك عمارات شاهقة، وطاقات اقتصادية كبيرة، تقدَّر بالمليارات

هذا ما يجب أن يتوفَّر في ظلِّ نظام الإسلام لأوساط الناس، حتى يستطيعوا أن يؤدُّوا واجبهم ويشعروا بنعمة ربهم عليهم.

سورة النحل تعطينا صورة لما ينبغي أن تكون عليه الحياة الإسلامية:

وحسبنا أن نقرأ بعض الآيات من سورة النحل – التي سمَّاها بعض السلف (سورة النعم) – لنرى فيها صورة لما يجب أن تكون عليه حياة الإنسان في الأرض، حتى يشكر نعمة الله، ويفهم خطابه في كتابه:

قال تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل:5].

{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:11،10].

{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [النحل:14].

{وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:66-69].

{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} [النحل:72].

{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل:80].

{وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} [النحل:81].

هذه حياة الإنسان كما تصوِّرها هذه الآيات: مطاعم من لحوم الأنعام، ومن سمك البحر، ومن الزيتون والنخيل والأعناب ومن كلِّ الثمرات، ومن اللبن الخالص السائغ للشاربين، ومن المربيات وغيرها مما يتَّخذ من ثمرات النخيل والأعناب من سكر ورزق حسن، ومن عسل النحل من مصادره المتنوِّعة من الجبال والشجر ومما يعرشون، يخرج من بطونها شرابا مختلفا ألوانه فيه شفاء للناس، وغيرها مما رزق الله وامتنَّ به من الطيبات.

وملابس تقي الحرَّ، وبالتالي تقي البرد، من صوف الأغنام ونحوها: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ}، ودروع تقي البأس وشدة الحرب: {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ}.

وبيوت جعلها الله سكنا لا سجنا، وزواج يجد الإنسان فيه السكينة والإنس، كما يجد فيه الذرية والنسل: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ}.

المقصد الثاني: تحقيق الاكتفاء الذاتي للأمة:

والهدف الآخر للإنتاج هو: تحقيق (الاكتفاء الذاتي) للأمة، بمعنى أنها يجب أن يكون لديها من الإمكانات والقدرات، والخبرات، والوسائل، ما يمكِّنها من الوفاء بحاجاتها المادية والمعنوية، ويسدُّ الثغرات المدنية والعسكرية، عن طريق ما يسمِّيه الفقهاء: (فروض الكفاية) وهى تشمل كلَّ علم أو عمل أو صناعة أو مهارة يقوم بها أمر الناس في دينهم أو دنياهم، فالواجب عليهم حينئذ تعلُّمها وإتقانها حتى لا يكون المسلمون عالة على غيرهم ولا يتحكَّم فيهم سواهم من الأمم الأخرى.

وبغير هذا الاستغناء والاكتفاء لن يتحقَّق لهم العزَّة التي كتب الله لهم في كتابه: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8].

وبغيره لن يتحقَّق لهم الاستقلال والسيادة الحقيقة وهو ما ذكره القرآن بقوله: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء:141].

ولن يتحقَّق لهم مكان الأستاذية والشهادة على الأمم، وهو المذكور في قوله سبحانه {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143].

 فلا عزَّة لأمة يكون سلاحها من صنع غيرها، يبيعها منه ما يشاء، متى يشاء، بالشروط التي يشاء، ويكفُّ يده عنها أنَّى شاء، وكيف شاء.

ولا سيادة حقيقة لأمة تعتمد على خبراء أجانب عنها في أخصِّ أمورها، وأدقِّ شئونها، وأخطر أسرارها.

ولا استقلال لأمة لا تملك زراعة قوتها في أرضها، ولا تجد الدواء لمرضاها من مصانعها، ولا تقدر على النهوض بصناعه ثقيلة، إلا باستيراد الآلة والخبرة من غيرها.

 ولا أستاذية لأمة، لا تستطيع أن تبلِّغ دعوتها عن طريق الكلمة المقروءة أو المسموعة، أو المصوَّرة المرئية، إلا بشرائها من أهلها القادرين عليها، ما دامت لا تصنع مطبعة، ولا محطَّة إذاعية، ولا تلفازا، ولا أقمارًا صناعية!

 لهذا كان من مقصد الشريعة: أن تكون الأمة المسلمة – بمجموع شعوبها وبتكاتفها وتعاونها فيما بينه – قادرة على أن تقوم بمهمَّتها في الحياة المالية والاقتصادية، دون عوائق تحول بينها وبين تحقيق رسالتها، ومنها فقرها الشديد في بعض النواحي التي تجعلها عاجزة عن إقامة البناء والتقدم العمراني والحضاري على أساس مكين، كما تعجز أيضا عن الدفاع عن سيادتها وأرضها وحُرُماتها.

ولكي تستكمل الأمة قدراتها، وتتفادى العجز الذي يمكن أن تسقط فيه، فيشلُّ حركتها، لا بد لها من وسائل وآليات تتَّخذها، ومن ذلك:

  • ضرورة التخطيط:

لا بد من التخطيط القائم على رؤية المستقبل، واستشراف للغد، كما يقوم الأرقام الحقيقية للواقع، والمعرفة اللازمة بالحاجات المطلوبة، ومراتبها ومدى أهمّيتها، والإمكانات الموجودة، ومدى القدرة على تنميتها، والوسائل العملية الميسورة، والمعينة  على تلبية الحاجات، والتطلُّع إلى الطموحات.

وقد ذكر لنا القرآن الكريم نموذجا من التخطيط امتدَّ لخمسة عشر عاما، قام به رسول كريم من رسل الله، هو يوسف الصدِّيق عليه السلام. وبهذا التخطيط – الذي شمل الإنتاج والادِّخار والاستهلاك والتوزيع – واجه أزمة المجاعة، والسنوات العجاف، التي حلَّت بمصر، وما حولها، كما قصَّ ذلك علينا القران الكريم في سورة يوسف: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [47-49].

  • استخدام الإحصاء:

ومن الوسائل المهمَّة هنا: اللجوء إلى الإحصاء ولغة الأرقام التي أمست من سمات عصرنا.

ومن المعلوم لدى المسلمين: أن من أسماء الله الحسنى: اسم (المحصي) الذي أحصى كلَّ شيء عددا.

وعلماء السلوك يطلبون من المسلم أن يكون له حظٌّ من أسمائه تعالى، فيستمد القوة من اسم (القوي)، ويستمد الرحمة من اس