البحوث

فقه المآلات

فقه المآلات

 

بقلم:

أ.د. يوسف القرضاوي

رئيس الإتحاد العالمى لعلماء المسلمين

رئيس المجلس الأوروبى للإفتاء والبحوث

بحث مقدم للدورة الثانية والعشرين للمجلس الأوروبي

 06 – 10شعبان 1433هـ الموافق من 26 -30 يونيو/ 2012


مقدمة

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه، وبعد…

فهذه بعض الإشارات عن (فقه المآلات)، أقدمها للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث في دورته الثانية والعشرين، والتي خصصها لبحث هذا الموضوع المهم، لا سيما فيما يتعلق بالأقليات المسلمة في الغرب.

و(فقه المآلات) باب مهم من أبواب أصول الفقه، تندرج تحته مسائل كبرى في أصول الفقه، وتبنى عليه كثير من الأحكام في شتى أبواب الفقه، ولا يزال ما كتبه علامة الأندلس أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله، عمدة الباحثين والكاتبين في فقه المآلات.

ولعل في تخصيص هذه الدورة لموضوع (فقه المآلات)، ما يدفع بعض إخواننا البحثين إلى إفراده بالبحث، وتقديم نظرية متكاملة لهذا الفقه الذي نحتاج إليه في عصرنا أيما احتياج.

والحمد لله رب العالمين…

                                                                                  الفقير إليه تعالى

                                                                                 يوسف القرضاوي

                                                                              24 شعبان 1433هـ – يونيو 2012م

 

فقه المآلات

 

حاجتنا إلى فقه جديد:

الحق أننا في حاجة إلى فقه جديد، نستحقُّ به أن نكون ممَّن وصفهم الله بأنهم (قوم يفقهون).

فليس مرادنا بالفقه: العلم المعروف الذي اصطلح على تسميته (فقهًا)، والذي يعني: معرفة الأحكام الشرعية الجزئية من أدلَّتها التفصيلية. من مثل أحكام الطهارة والنجاسة والعبادات والمعاملات وأحكام الزواج والطلاق والرضاع وغيرها.

فهذا العلم – على أهميته – ليس هو مرادنا بالفقه, وليس هو المراد بكلمة (الفقه) حيث وردت في القرآن والحديث، وإنما هي مما بُدِّل من الأسامي والمفاهيم, كما بيَّن ذلك الإمام الغزالي في كتاب (العلم) من موسوعته المعروفة (إحياء علوم الدين)[1].

إن القرآن ذكر مادة (ف ق هـ) في سوره المكية قبل أن تنزل الأوامر والنواهي التشريعية التفصيلية, وقبل أن تُفرض الفرائض, وتُحد الحدود, وتُفصَّل الأحكام، اقرأ قوله تعالى في سورة الأنعام, ومكية: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام:65]، واقرأ في السورة نفسها: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [الأنعام:98]. والفقه في الآيتين معناه: المعرفة البصيرة بسنن الله في الأنفس والآفاق، وسنن الله في خلقه, وعقوباته لمَن انحرف عن صراطه.

واقرأ في سورة الأعراف – وهي مكية – قوله تعالى في ذمِّ قوم جعلهم حطب جهنم، فكان من وصفه لهم بأنهم {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا}، ثم قال عنهم: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179].

واقرأ في أكثر من سورة موقف المشركين من القرآن, وقد عبَّر الله عنه بقوله: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الأنعام:25، والإسراء:46].

أما في القرآن المدني، فقد تكرَّرت المادة في عدد من السور، كلها تنفي (الفقه) عن المشركين والمنافقين؛ ففي سورة الأنفال يخاطب الله رسوله والمؤمنين بقوله: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأنفال:65]، فنفي الفقه عن المشركين المحاربين هنا, يُراد به الفقه في سنن الله في النصر والهزيمة, ومداولة الأيام بين الناس.

وفي سورة التوبة ذمَّ الله المنافقين بقوله: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة:87]، فالفقه المنفي هنا هو الفقه في ضرورة الجهاد والبذل لحماية الدين والنفس والعرض, وكيان الجماعة, وأنه مقدَّم على أيَّة مصلحة فردية عاجلة أخرى.

وفي نفس السورة وصف لهذا الصنف بقوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة:127]، فقد غاب عن هؤلاء المطموسين أن الله يراهم قبل رؤية الناس, ولكنهم فقدوا الفقه والفَهم حقًّا.

وفي سورة الحشر يتحدَّث عن المنافقين مخاطبًا المؤمنين: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الحشر:13].

وفي سورة المنافقين قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقين:3]، وفي السورة نفسها: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقين:3]، وفي السورة نفسها: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقين:7].

وبهذا كان لأهل النفاق حصَّة الأسد من هذا الوصف القرآني بأنهم: {لَا يَفْقَهُونَ}؛ ذلك لأن المنافقين يتوهَّمون أنهم أذكياء، وأنهم استطاعوا أن يلعبوا على الحبلين، ويعيشوا بوجهين، وأنهم خادعوا الله والذين آمنوا، {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة:14].

ولكن الله تعالى هتك سترهم, وفضح ذبذبتهم, وكشف خداعهم في آيات كثيرة: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة:9]، {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء:143]، وفي الحديث الصحيح: “مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، ولا تدري أيتهما تتبع”[2].

المهم أنهم فُضحوا عند الله وعند الناس، وخسروا الدنيا والآخرة, وحقَّ عليهم أنهم في الدرك الأسفل من النار، فأيُّ غباء أكبر من هذا الغباء؟ ولا ريب أن مَن كان هذا وصفه ليس عنده شيء من الفقه.

الخلاصة: أن الفقه في لغة القرآن ليس هو الفقه الاصطلاحي، بل هو فقه في آيات الله، وفي سننه في الكون والحياة والمجتمع.

حتى التفقُّه في الدين الذي ورد في سورة التوبة: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122]، لا يُقصد به الفقه التقليدي، فإن الفقه الرسمي لا يُثمر إنذارًا يترتَّب عليه حذر أو خشية، بل هو أبعد شيء عن أداء هذه الوظيفة، التي هي وظيفة الدعوة.

ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: “ومَن يُرِد الله به خيرًا يفقِّهه في الدين”[3]. والمعنى أن ينير الله بصيرته فيتعمَّق في فَهم حقائق الدين وأسراره ومقاصده، ولا يقف عند ألفاظه وظواهره.

وقد تحدَّثت في مناسبات سابقة عن أنوع الفقه الذي ننشده أو بعضها … وذكرتُ أن أنوع الفقه المطلوبة خمسة)[4]، وهي فقه المقاصد، وفقه الأولويات، فقه السنن، وفقه الموازنات، وفقه الاختلاف، وأضفت إليها في مكان آخر: فقه المآلات.

فقه المآلات:

والمآلات: النتائج والآثار التي تترتَّب على الحكم أو التكليف، فقد ينتهي ذلك إلى المنع من أمر مباح، لما قد يؤدِّي إليه من مفسدة.

كما يشير إليه قوله: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:108].

ولم يأخذ فقه المآلات حظه من المؤلفين والكتاب المسلمين، بإفراده بالتأليف، وإن أفردت المباحث الأصولية المتعلقة به بالتأليف، مثل: الذرائع، والحيل، والاستحسان وغيرها. الأمر الذي يجعلنا ندعو إلى الاهتمام بهذا النوع من الفقه، وإفراده بالتأليف، وربط المباحث الأصولية والفقهية المتعلقة به، بحيث نخرج بنظرية متكاملة عن فقه المآلات.

اعتبار المآلات في الشريعة:

يقول الإمام الشاطبي: (النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلِّفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعا لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربَّما أدَّى استجلاب المصلحة فيه إلى المفسدة، تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم مشروعية، ربَّما أدَّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصحُّ إطلاق القول بعدم المشروعية).

ويعلق الشيخ عبد الله دراز على هذه المسألة فيقول: (هذه المسألة لها ارتباط تام بالمسألة الرابعة في الأسباب حيث يقول: (وضع الأسباب يستلزم قصد الواضع إلى المسببات)، أي فالشارع إنما شرع الأسباب لأجل المسببات، أي لتحصل المصلحة المسببة، أو تدرأ المفسدة المسببة.

وقوله: (موافقة أو مخالفة) أي مأذونا فيها، أو منهيا عنها، وهذا غير ما سبق في المسألة الثالثة في الأسباب حيث يقول: (يلزم من تعاطي الأسباب من جهة المكلَّف الالتفات إلى المسببات، والقصد إليها، بل المقصود الجريان تحت الأحكام الموضوعة)، فلكل منها مقام، وهو ما يشير إليها هنا بقوله بعد: (ومر الجمع بين المطلبين)، إلا أنه زاد هنا تعارض المصلحة والمفسدة في العمل الواحد، ورتب عليه قوله: (وهو مجال للمجتهد) وقال بعد: (وهذا مما فيه اعتبار المآل على الجملة. وأما في المسألة على الخصوص فكثير) ويؤخذ منه أن هذا الخصوص هو مقصود المسألة. فاستدل على الإجمال واعتبار المآل في ذاته، ثم انتقل لفرضه من اعتبار الراجح عند التعارض بالأدلة الآتية).

صعوبة فقه المآلات عن كثير من علماء الشرع:

ويقول الإمام الشاطبي: (وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة).

ومما نأسف له: أن هذا الفقه بسبب صعوبته التي أشار إليها الشاطبي، غاب عن بعض إخواننا من أهل العلم الشرعي، فليس كل منتسب إلى الفقه يلتفت إليه، ويبني اجتهاده وفتواه عليه.

تحطيم تماثيل بوذا والتهيئة لضرب أفغانستان:

وعلى سبيل المثال: حينما ذهبتُ مع وفد من العلماء والدعاة إلى دولة أفغانستان لمقابلة علماء (طالبان)؛ لنقنعهم بترك تماثيل بوذا، التي صمَّموا على هدمها وإزالتها.

وكان هدفنا: الدفاع عنهم قبل كلِّ شيء. لا الدفاع عن التماثيل والأصنام، كما اتَّهمنا مَن اتَّهمنا بأننا جئنا لنحمي الأصنام، ولندافع عنها.

ونحن لم يكن همُّنا إلا الدفاع عن إخواننا، الذين عاداهم أهل الغرب، فأردنا إلا يستعدوا عليهم أهل الشرق، من أتباع بوذا، وهم بمئات الملايين.

ولا سيما أن هذه الأصنام كانت موجودة عند الفتح الإسلامي وبعده بقرون، فلم يفكِّر أحد من الفاتحين ولا مَن بعدهم من المسلمين في إزالتها، أو تشويهها، ويسعنا ما وسعهم.

وقد اقترح بعض الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم: أن يقتل رأس النفاق في المدينة: عبد الله بن أُبَي ومن معه، ويستريح من شرهم وكيدهم، فكان جوابه: “أخشى أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه!!”[5].

أي أنه خشي من حملة إعلامية يقودها خصومه، تشوه ما فعله الرسول، وتصوِّره بصورة سيئة تخوِّف الناس من محمد الذي لا يأمن أحد على نفسه عنده حتى أصحابه.

إنكار أمر مختلف فيه أدى إلى توقف مشروع كبير:

ومما يشابه هذه القضية ما حدث لنا أثناء زيارتنا أوزبكستان، وأقام لنا محافظ سمرقند: حفل عشاء، تكريما للعلماء الذين قدموا من بلاد العرب والإسلام، ودعا إليه عددا من الشخصيات العامة وذوي الوجاهة في المدينة. وقدموا لنا في هذا الحفل ما لذ وطاب من أطعمتهم وأشربتهم، التي عرفوا بها.

وكان مما قدموه لتكريمنا والاحتفاء بنا: فرقة من فرقهم من الرجال، تقدم بعض الألحان والأغاني المحلية، مصحوبة ببعض الموسيقى!

وما إن سمع بعض المشايخ هذه الموسيقى، حتى ثارت ثائرتهم، وهاج هائجهم، وهمس بعضهم في أذن بعض، وسرعان ما تحول الهمس إلى جهر: اللهم إن هذا منكر لا يرضيك، وأقبل بعضهم إلي يقول: كيف ترضى يا شيخ يوسف أن تجلس في حفل فيه منكر؟ قلت: يا جماعة، لا بد أن يكون العالم حكيما، لا بد أن يراعي الظروف، هذه البلاد حكمتها الشيوعية الملحدة سبعين عاما، وهي لم تتحرر منها تماما، لا يزال حكامها القدامى يمسكون بزمامها، وأنتم تعلمون أنه يجوز السكوت على المنكر مخافة منكر أكبر منه، وهذا منكر صغير، بل أمر الموسيقى مختلف فيه.

والمختلف فيه يجوز السكوت عليه. وقد علمت أن هؤلاء يغنون بمدائح نبوية، لا بد أن تصبروا وتسكتوا على هذا حتى لا يخفق مشروعنا.

قلت هذا أو قريبا منه بصوت خافت، وبدون أن تحدث ضجة. وكنت أجلس عن يمين الشيخ أبي الحسن الندوي الذي يجلس عن يمين المحافظ الداعي إلى العشاء. وأبلغت الشيخ أبا الحسن، فأبدى أسفه، وقال: لا حيلة أمامنا إلا السكوت.

ولكن إخواننا – سامحهم الله – لم يقدروا الأمر قدره، وأرادوا أن يعاملوا هذا البلد كأنه بلد إسلامي، يحاسب على الكبيرة والصغيرة والشبهة.

وكان أشدهم في ذلك شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والدكتور محمود الطحان العالم السوري وأستاذ الحديث بالكويت، وبعض من نسيت اسمه، ثم لم يكتفوا بالقول، فترك جماعة منهم مائدة العشاء، وخرجوا تباعا، مما جعل المحافظ يسأل: ما الأمر؟ فأخبروه: أن المشايخ يعترضون على وجود الفرقة الموسيقية! قال: إنما أردنا تكريمهم! ثم أمر بإخراج الفرقة من المكان. وهنا عاد الشيوخ الغاضبون، وهدأت ثائرتهم. ولكن الذي ثار باطنه على الجميع هو المحافظ الذي أنهى العشاء، وقد بدا عليه التأثر والغضب، وإن لم يقل شيئا، وصافحنا وانصرف.

وفي اليوم التالي، طلب من الجميع أن يعودوا إلى طشقند في المساء، بعد أن كان سمح لهم بالبقاء ثلاثة أيام في سمرقند، ومن أراد البقاء أكثر فلا حرج عليه.

وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل إن المشروع قد توقف بعد ذلك، ولم يسر إلى الأمام خطوة واحدة، وأظنه انتهى إلى الإخفاق.

وهنا يقف المرء وقفة نقد وتحليل لما حدث. هل كان الأمر يستحق هذه الغضبة المُضَرية من المشايخ العلماء؟ ألم يكن هناك من الأعذار والمخففات ما يستوجب موقفا أخف وأيسر من موقف الإنكار الشديد؟

إن الأمر الذي أنكره المشايخ ليس منكرا مجمعا عليه، بل هو منكر مختلف فيه قديما وحديثا، وحسبنا أن رجلا مثل الإمام ابن حزم يتمسك بظاهر النصوص وحرفيتها، لم يجد عنده نصا من قرآن ولا سنة يحرم الغناء والآلات (الموسيقى).

ويكفي أن نقرأ كتابا مثل (نيل الأوطار) للإمام الشوكاني، لنرى الخلاف منتشرا بين الأئمة والفقهاء في سائر العصور.

ومن القواعد المتفق عليها: أن لا إنكار في المسائل المُختلَف فيها. وقد ألَّفتُ في الموضوع كتاب (فقه الغناء والموسيقى)، رجحَّت فيه أنه لا يوجد نصٌّ صحيح الثبوت، صريح الدلالة، على حرمة الموسيقى.

ومن ناحية أخرى: كان يمكن السكوت على هذا المنكر – لو سلمنا بمنكريته – لجملة أسباب، منها ظروف البلد الذي يستضيفنا، وأنه خارج من شيوعية سافرة حكمته نحو سبعين عاما، وأننا ضيوف على هذا البلد، وأننا نحاول إقامة مشروع نرجو له النجاح، وأن الرفق في معالجة الموقف أولى من العنف، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.

ثم هذا أمر عمت به البلوى في داخل بلاد المسلمين التي نعيش فيها، ولا نستطيع أن نمنعه، وعموم البلوى من أسباب التخفيف والتيسير فيه.

تأصيل فقه المآلات:

يقول الإمام الشاطبي في فقه المآلات: (والدليل على صحته أمور):

  1. أحدها: أن التكاليف مشروعة لمصالح العباد، ومصالح العباد إما دنيوية وإما أخروية، أما الأخروية، فراجعة إلى مآل المكلف في الآخرة، ليكون من أهل النعيم لا من أهل الجحيم. وأما الدنيوية، فإن الأعمال – إذا تأملتها – مقدمات لنتائج المصالح، فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب، فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب: وهو معنى النظر في المآلات.
  2. والثاني: أن مآلات الأعمال إنما أن تكون معتبرة شرعا أو غير معتبرة، فإن اعتُبرت فهو المطلوب، وإن لم تُعتبر أمكن أن يكون للأعمال مآلات مضادَّة لمقصود تلك الأعمال، وذلك غير صحيح، لما تقدم من أن التكاليف لمصالح العباد، ولا مصلحة تتوقَّع مطلقا مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد.

وأيضا، فإن ذلك يؤدِّي إلى أن لا نتطلَّب مصلحة بفعل مشروع، ولا نتوقَّع مفسدة بفعل ممنوع، وهو خلاف وضع الشريعة.

  1. والثالث الأدلة الشرعية والاستقراء التام أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:21]، وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]، وقوله: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:188]، وقوله: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:108]، وقوله: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} الآية [النساء:165]، وقوله: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} [الأحزاب:37]، وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} الآية [البقرة:216]، وقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة:179]. وهذا مما فيه اعتبار المآل على الجملة

وأما في المسألة على الخصوص، فكثير، فقد قال في الحديث حين أشير عليه بقتل من ظهر نفاقه: “أخاف أن يتحدَّث الناس أن محمدا يقتل أصحابه”[6]، وقوله: “لولا قومك حديث عدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم”[7]، بمقتضى هذا أفتى مالكٌ الأميرَ حين أراد أن يردَّ البيت على قواعد إبراهيم، فقال له: لا تفعل لئلا يتلاعب الناس ببيت الله. هذا معنى الكلام دون لفظه.

وفي حديث الأعرابي الذي بال في المسجد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتركه حتى يُتمَّ بوله وقال: “لا تزرموه”[8].

وحديث النهي عن التشديد على النفس في العبادة خوفا من الانقطاع[9].

  1. وجميع ما مرَّ في تحقيق المناط الخاص مما فيه هذا المعنى، حيث يكون العمل في الأصل مشروعا لكن ينهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة، أو ممنوعا لكن يُترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة.
  2. وكذلك الأدلة الدالة على سدِّ الذرائع كلِّها، فإن غالبها تذرُّع بفعل جائز إلى عمل غير جائز، فالأصل على المشروعية، لكن مآله غير مشروع.
  3. والأدلة الدالة على التوسعة ورفع الحرج كلِّها، فإن غالبها سماح في عمل غير مشروع في الأصل لما يؤول إليه من الرفق المشروع.

ولا معنى للإطناب بذكرها لكثرتها واشتهارها.

قال ابن العربي حين أخذ في تقرير هذه المسألة: اختلف الناس بزعمهم فيها، وهي متَّفق عليها بين العلماء، فافهموها وادَّخروها”)[10].

ولو نظرنا إلى الأدلة التي اعتمد عليها الشاطبي نجدها هكذا: دليلان عقليان، ودليل نقلي،

أما الأول: فهو ما اتفق عليه الجمهور الأعظم من علماء الأمة، وهو أن أحكام الشريعة في مجموعها معللَّة، وأن وراء ظواهرها مقاصد هدف الشرع إلى تحقيقها. فان من أسماء الله تعالى(الحكيم)، الذي تكرَّر في القرآن بضعًا وتسعين مرَّة، والحكيم لا يشرع شيئاً عبثًا ولا اعتباطًا، كما لا يخلق شيئاً باطلاً سبحانه.

فالتكاليف إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد، في المعاش والمعاد، وقد اختلفت عبارات المحققين من العلماء للتعبير عن هذه القضية، ولعل فيما ذكره الإمام ابن القيم كفاية عن الاستطراد في هذا المقام، يقول: (هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل)[11].

أما الدليل الثاني الذي ذكره الشاطبي فهو يعتمد على الدليل الأول، ويذكر فيه الاحتمالات العقلية الواردة في قضية اعتبار المآلات، فهي إما أن تكون معتبرة، وهو المراد، وإما أن لا يكون لها اعتبار، وهو ما أثبتنا ضده في الدليل الأول.

أما الدليل الثالث فهو ما صرَّحت به النصوص الشرعية من ذكر الحكمة من التكاليف، حتى التعبديات كالصلاة والصيام والحج، فضلا عن غيرها من التكاليف، وقد بدأ بذكر الأدلة العامة، ثم الخاصة في المسألة.

وقد توسع بعض الإخوة الباحثين باستقراء الآيات والأحاديث واجتهادات الصحابة، التي فيها اعتبار لمآلات الأفعال[12]، وهو ما يمكن أن يكون موضوعا لدراسة استقرائية مستوعبة تجمع النصوص التي فيها اعتبار لمآلات التكاليف والأفعال.

ثم أشار الشاطبي إلى غالب الأدلة التي يستدل بها على تحقيق المناط، وسد الذرائع، والتوسعة ورفع الحرج، لاعتبارها بصورة ما أدلة لاعتبار المآلات.

اعتبار أمير المؤمنين عمر لفقه المآلات في تصرفاته:

وحين فتحت العراق والشام في عهد عمر، لم يستجب لمن سأله أن يقسم الأرض على الفاتحين، كما تقسم بينهم غنيمة العسكر، فأبى عمر عليهم وتلا عليهم آيات سورة الحشر: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:6-10].

قال عمر: قد أشرك الله الذين يأتون من بعدكم في هذا الفى، فلو قسمتُه لم يبقَ لمن بعدكم شيء، ولئن بقيتُ ليبلغنَّ الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء، ودمه في وجهه[13].

وقد نبهت الآية الكريمة على حكمة توزيع هذا الفيء على الطبقات الضعيفة المحتاجة بهذه الكلمة الرائعة: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}، فسبق بهذا المبدأ ما نادى به – بعد قرون طويلة – دعاة العدالة الاجتماعية وأنصار الاشتراكية.

وقررت الآيات توزيع عائد الفيء توزيعًا عادلاً، لا زال غرة في جبين الإنسانية، فجعلت نصيبًا فيه للجيل الحاضر من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وصودرت ملكياتهم بغير حقٍّ، إلا أن يقولوا: ربنا الله.

ومن الأنصار الذين فتحوا صدورهم ودورهم لإخوانهم المهاجرين فآووا ونصروا، وآثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

وأشركت مع هذا الجيل الذي بذل وضحَّى أجيالاً أخرى، عبَّر عنهم القرآن بقوله: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر:10].

وبهذا علمتنا الآيات الكريمة أن الأمة كلها وحدة متكاملة على اختلاف الأمكنة، وامتداد الأزمنة، وأنها – على مر العصور – حلقات متماسكة، يعمل أولها لخير آخرها، ويغرس سلفها ليجنى خلفها، ثم يأتي الآخر فيكمل ما بدأه الأول، ويفخر الأحفاد بما فعله الأجداد، ويستغفر اللاحق للسابق، ولا يلعن آخر الأمة أولها.

وبهذا التوزيع العادل تفادى الإسلام خطأ الرأسمالية التي تؤثر مصلحة الجيل الحاضر ومنفعته، مغفلة – في الغالب – ما وراءه من الأجيال، كما تجنَّب خطأ الشيوعية التي تتطرَّف كثيرًا إلى حدِّ التضحية بجيل أو أجيال قائمة، في سبيل أجيال لم تطرق بعد أبواب الحياة.

ولهذا قال الفقيه الجليل معاذ بن جبل لأمير المؤمنين عمر، حين همَّ بقسمة الأرض أول الأمر على الفاتحين: والله، إذن ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد والمرأة!! ثم يأتي بعدهم قوم يسدون من الإسلام سدًّا، وهم لا يجدون شيئًا، فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم. قال: فصار عمر إلى قول معاذ[14].

ومن هنا قال عمر لبلال وغيره ممن عارض وقف الأرض على الأمة كلها: تريدون أن يأتي آخر الناس ليس لهم شيء[15]؟!

قال في (المغنى): ولم نعلم شيئًا مما فتح عنوة قسم بين المسلمين إلا خيبر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قسم نصفها فصار ذلك لأهله (يعنى مُلاَّكه) لا خراج عليه، وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر بن الخطاب رضى الله عنه ومن بعده كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها، لم يقسم منه شيء[16] اهـ.

ما يبنى على اعتبار المآلات:

حين يطالع الباحث في الشريعة القواعد التي بنيت على مآلات الأفعال وأهميتها في أصول الفقه، يدرك مدى أهمية هذا الأصل من أصول الاجتهاد، فقاعدة الذرائع، والحيل، ومراعاة الخلاف، والاستحسان، وإقامة المصالح الشرعية وإن عرض في طريقها بعض المناكر، كل هذه القواعد كما قال الشاطبي تنبني أصل النظر في المآلات.

هذا علاوة على ما أشرنا إليه في الأدلة من تعلق بتحقيق المناط، والتيسير ورفع الحرج.

ومما يسترعي الانتباه، أن هذه المباحث الفقهية بحثت بصورة مُرْضية قديما وحديثا، وأفردت بالبحث كذلك، ولكن لم يحظ فقه المآلات بالعناية الكافية، ولا بالبحث المستوفي حتى الآن.

  1. قاعدة الذرائع:

(قاعدة الذرائع … وحقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة)[17].

ومن المبادىء التي قرَّرها الإسلام أنه إذا حرم شيئا حرم ما يفضي إليه من وسائل، وسد الذرائع الموصلة إليه، فما أدى إلى الحرام فهو حرام.

فإذا حرَّم الزنى – مثلا – حرم كلَّ مقدِّماته ودواعيه، من تبرُّج جاهلي، وخلوة آثمة، واختلاط عابث، وصورة عارية، وأدب مكشوف، وغناء ماجن … إلخ.

ومن هنا قرَّر الفقهاء هذه القاعدة: (ما أدَّى إلى الحرام فهو حرام).

ويشبه هذا ما قرَّره الإسلام من أن إثم الحرام لا يقتصر على فاعله المباشر وحده، بل يوسِّع الدائرة، فتشمل كلَّ مَن شارك فيه بجهد مادي أو أدبي، كلٌّ يناله من الإثم على قدر مشاركته. ففي الخمر يلعن النبي عليه السلام شاربها وعاصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها.

وفي الربا يلعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه.

وهكذا كلُّ ما أعان على الحرام فهو حرام، وكلُّ مَن أعان على محرَّم فهو شريك في الإثم.

وسد الذريعة يقصد به منع شيء مباح، خشية أن يوصل إلى الحرام، وهو أمر اختلف فيه الفقهاء ما بين مانع ومجوِّز، وموسع ومضيق، وأقام ابن القيم في (إعلام الموقعين) تسعة وتسعين دليلاً على مشروعيته.

ولكن من المقرر لدى المحققين من علماء الفقه والأصول: أن المبالغة في سد الذرائع كالمبالغة في فتحها، فكما أن المبالغة في فتح الذرائع قد تأتي بمفاسد كثيرة تضر الناس في دينهم ودنياهم، فإن المبالغة في سدها قد تضيع على الناس مصالح كثيرة أيضًا في معاشهم ومعادهم.

وإذا فتح الشارع شيئًا بنصوصه وقواعده، فلا ينبغي لنا أن نسده بآرائنا وتخوفاتنا فنحل بذلك ما حرم الله، أو نشرع ما لم يأذن به الله.

وقد تشدد المسلمون في العصور الماضية تحت عنوان “سد الذريعة إلى الفتنة” فمنعوا المرأة من الذهاب إلى المسجد، وحرموها بذلك خيرًا كثيرًا، ولم يستطع أبواها ولا زوجها أن يعوضها ما يمنحها المسجد من علم ينفعها أو عظة تردعها، وكانت النتيجة أن كان كثير من النساء المسلمات يعشن ويمتن، ولم يركعن لله ركعة واحدة!.

هذا مع أن الحديث الصحيح الصريح يقول: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله”[18]! ، وفي رواية: “وإذا استأذنكم نساؤكم إلى المساجد فأذنوا لهن”[19]، وفي آخر: “لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل”[20].

وفي وقت من الأوقات دارت معارك جدلية بين بعض المسلمين وبعض حول جواز تعلم المرأة، وذهابها إلى المدارس والجامعات. وكانت حجة المانعين سد الذريعة، فالمرأة المتعلمة أقدر على المغازلة والمشاغلة بالمكاتبة والمراسلة، إلخ، ثم انتهت المعركة بإقرار الجميع بأن تتعلم المرأة كل علم ينفعها، وينفع أسرتها ومجتمعاتها، من علوم الدين أو الدنيا، وأصبح هذا أمرًا سائدًا في جميع بلاد المسلمين، من غير نكير من أحد منهم، إلا ما كان من خروج على آداب الإسلام وأحكامه.

ويكفينا الأحكام والآداب التي قررها الشرع، لتسد الذرائع إلى الفساد والفتن، من فرض اللباس الشرعي، ومنع التبرج، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وإيجاب الجد والوقار في الكلام والمشي والحركة. مع وجوب غض البصر من المؤمنين والمؤمنات، وفي هذا ما يغنينا عن التفكير في موانع أخرى من عند أنفسنا.

  1. قاعدة الحيل:

(الحيل … حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر. فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع … ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية)[21].

التحايل على الحرام حرام، فكما حرَّم الإسلام كلَّ ما يفضي إلى المحرَّمات من وسائل ظاهرة، حرَّم التحايل على ارتكابها بالوسائل الخفية، والحيل الشيطانية.

وقد نعى على اليهود ما صنعوه من استباحة ما حرَّم الله بالحيل، وقال عليه السلام: “لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود وتستحلُّوا محارم الله بأدنى الحيل”[22].

وذلك أن اليهود حرَّم الله عليهم الصيد في السبت، فاحتالوا على هذا المحرَّم، بأن حفروا الخنادق يوم الجمعة، لتقع فيها الحيتان يوم السبت، فيأخذوها يوم الأحد.

وهذا عند المحتالين جائز، وعند فقهاء الإسلام حرام؛ لأن المقصود الكفَّ عما يُنال به الصيد بطريق التسبُّب أو المباشرة.

ومن الحيل الآثمة: تسمية الشيء بغير اسمه، وتغيير صورته مع بقاء حقيقته. ولا ريب أنه لا عبرة بتغيير الاسم إذا بقي المسمَّى، ولا بتغيير الصورة إذا بقيت الحقيقة.

فإذا اخترع الناس صورا يتحايلون بها على أكل الربا الخبيث، أو استحدثوا أسماء للخمر يستحلُّون بها شربها، فإن الإثم في الربا أو الخمر باقٍ لازم، وفي الحديث:

“ليستحلن طائفة من أمتي الخمر يسمُّونها بغير اسمها”[23].

“يأتي على الناس زمان يستحلون الربا باسم البيع”[24].

ومن غرائب عصرنا أن يسمَّى الرقص الخليع (فنًّا)، والربا (فائدة)، والخمور (مشروبات رُوحية)، وهكذا.

  1. قاعدة مراعاة الخلاف:

ومما ذكره الإمام الشاطبي في موافقاته هنا من القواعد: قاعدة مراعاة الخلاف، (وذلك أن الممنوعات في الشرع إذا وقعت، فلا يكون إيقاعها من المكلَّف سببا في الحيف عليه بزائد على ما شرع له من الزواجر أو غيرها، كالغصب مثلا إذا وقع، فإن المغصوب منه لا بدَّ أن يوفَّى حقَّه، لكن على وجه لا يؤدِّي إلى إضرار الغاصب فوق ما يليق به في العدل والإنصاف، فإذا طولب الغاصب بأداء ما غصب أو قيمته أو مثله، وكان ذلك من غير زيادة، صحَّ، فلو قصد فيه حمل على الغاصب، لم يلزم؛ لأن العدل هو المطلوب، ويصحُّ إقامة العدل مع عدم الزيادة … إلى غير ذلك من الأمثلة الدالة على منع التعدي أخذا من قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة:194] … ونحو ذلك.

وإذا ثبت هذا، فمَن واقع منهيًّا عنه، فقد يكون فيما يترتَّب عليه من الأحكام زائد على ما ينبغي بحكم التبعية لا بحكم الأصالة، أو مؤدٍّ إلى أمر أشد عليه من مقتضى النهي، فيترك وما فعل من ذلك، أو نجيز ما وقع من الفساد على وجه يليق بالعدل، نظرا إلى أن ذلك الواقع وافق المكلف فيه دليلا على الجملة، وإن كان مرجوحا، فهو راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه؛ لأن ذلك أولى من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل أشد من مقتضى النهي، فيرجع الأمر إلى أن النهي كان دليله أقوى قبل الوقوع، ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع، لما اقترن [به] من القرائن المرجحة، كما وقع التنبيه عليه في حديث تأسيس البيت على قواعد إبراهيم، وحديث قتل المنافقين، وحديث البائل في المسجد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتركه حتى يُتمَّ بوله؛ لأنه لو قطع بوله لنجست ثيابه، ولحدث عليه من ذلك داء في بدنه، فترجح جانب تركه على ما فعل من المنهي عنه على قطعه بما يدخل عليه من الضرر، وبأنه ينجس موضعين، وإذا ترك فالذي ينجسه موضع واحد.

وفي الحديث: “أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل باطل باطل”، ثم قال: “فإن دخل بها، فلها المهر بما استحل منها”[25].

وهذا تصحيح للمنهي عنه من وجه، ولذلك يقع فيه الميراث ويثبت النسب للولد، وإجراؤهم النكاح الفاسد مجرى الصحيح في هذه الأحكام وفي حرمة المصاهرة وغير ذلك دليل على الحكم بصحته على الجملة، وإلا كان في حكم الزنى، وليس في حكمه باتفاق فالنكاح المختلف فيه قد يراعى فيه الخلاف فلا تقع فيه الفرقة إذا عثر عليه بعد الدخول، مراعاة لما يقترن بالدخول من الأمور التي ترجح جانب التصحيح.

وهذا كله نظر إلى ما يؤول إليه ترتب الحكم بالنقض والإبطال من إفضائه إلى مفسدة توازي مفسدة [مقتضى] النهي أو تزيد)[26].

  1. قاعدة الاستحسان:

قد يؤدي اطراد القياس أحيانا إلى نتائج تأباها مقاصد الشريعة ويسرها واعتدالها، فيدع المجتهد القياس مطلقا، أو يدع القياس الجلي إلى قياس خفي، أو يدع الحكم الكلي فيستثني منه أمرا جزئيا؛ لدفع مفسدة، أو تحقيق معدلة، فهذا ما يسمى (الاستحسان). ويروى عن مالك أنه قال: تسعة أعشار العلم الاستحسان[27].

وقال أصبغ: إن المغرق في القياس يكاد يفارق السنة، وإن الاستحسان عماد العلم.

وقالوا عن أبي حنيفة: أنه إذا قبح القياس استحسن. وكان إذا قاس نازعه أصحابه المقاييس، فإذا قال: أستحسن. لم يلحق به أحد.

فالاستحسان ليس معناه الأخذ بمجرد التشهي والهوى، دون الاستناد إلى أصل، وإنما معناه ما ذكرنا من تقديم مصلحة جزئية معتبرة على قياس كلي، أو تقديم قياس خفيت علته، ولكنها قوية التأثير على قياس ظاهر العلة، ولكنها ضعيفة التأثير، أو تخصيص عموم بدليل معتبر، أو نحو ذلك.

وفي هذا يقول الإمام الشاطبي المالكي: (الاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين، فالعموم إذا استمر، والقياس إذا اطرد، فإن مالكا وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل كان، والاستثناء من القياس بأي دليل كان)[28].

وليس في أي تعريف من تعريفات الاستحسان – على كثرتها – ما يفيد أنه بمجرد التشهي دون الاعتماد على دليل.

وقد ذكر الإمام الشوكاني جملة من هذه التعريفات فقال: اختلف في حقيقته:

فقيل: هو دليل ينقدح في نفس المجتهد، ويعسر عيه التعبير عنه.

وقيل: هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى.

وقيل: هو العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس.

وقيل: هو تخصيص قياس بأقوى منه.

وقيل: هو استعمال مصلحة جزئية في مقابل قياس كلي)[29].

وفي هذه التعريفات كلها لا نرى أثرا للحكم بالتشهي أو الهوى أو الرأي المجرد، بل لا بد من دليل شرعي خاص، ويستند إليه المجتهد في عدوله بحكم المسألة عن نظرائها، أو عن مقتضى الدليل الكلي.

ولهذا قسموا الاستحسان باعتبار سنده فقالوا: منه ما سنده العرف، مثل عقد (الاستصناع) مع أنه عقد على معدوم صح استحسانا؛ لأن العرف جرى به من غير نكير، وكذلك وقف المنقول الذي لم يرد بوقفه نص، ولكن تعورف على وقفه، مثل وقف الكتب ونحوها.

ومنه: ما سنده الضرورة، كالعفو عن رشاش البول، واغتفار الغبن اليسير، وطهارة الآبار ونحوها.

ومنه: ما سنده المصلحة، كتضمين الأجير المشترك إذا هلك المال في يده.

ومنه: ما سنده رفع الحرج، كالغبن اليسير في المعاملات[30].

ومن أمثلة الاستحسان: ما يعرف بـ(المسألة المشتركة) في الميراث أو (المسالة الحمارية)، وهي ما إذا ماتت المرأة وتركت زوجا وأما وإخوة لأم وإخوة أشقاء أي لأب وأم معا. فالقياس هنا يوجب أن يكون للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة من الأم الثلث.

أما الإخوة الأشقاء فلا يأخذون شيئا، لأنهم عصبة يأخذون ما بقي بعد أصحاب الفروض، ولم يبقَ هنا شيء.

وقد عرضت مسألة كهذه على عمر رضي الله عنه، فلم يجعل للأشقاء شيئا في التركة، فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين، هب أن أبانا كان (حمارا)، ألسنا من أم واحدة؟ فرجع عمر عن قسمته الأولى وشرك بينهم بالسوية.

ويقال: إن بعض الصحابة قال له: هب أن أباهم كان حمارا، فما زادهم ذلك إلا قربا. فلهذا سميت (المشتركة) أو (الحمارية).

هذا ما جاء عن عمر وعثمان وزيد بن ثابت، وخالفهم علي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، قال العنبري: القياس ما قال علي، والاستحسان ما قال عمر.

قال الخبري: وهذه وساطة مليحة وعبارة صحيحة[31].

وبذلك سن عمر سنة الاستحسان، الذي يقيم العدل، ويدفع الحرج، كما قال الشيخ أبو زهرة[32].

ومن صور الاستحسان: إباحة الاطلاع على العورات للعلاج الطبي، استثناء من القاعدة العامة في تحريم رؤيتها، وذلك للحاجة إلى دفع ضرر المرضى.

ومنها: عدم اعتبار ربا الفضل في المقادير القليلة لتفاهتها، فأجيز التفاضل القليل.

ومنها: الإفتاء بقبول الشاهد غير العدل، في بلد لا يوجد به عدول[33].

ومنها: دخول الحمام من غير تقدير أجرة، ولا مدة اللبث، ولا تقدير الماء المستعمل، وإن كان الأصل في هذا المنع.

وجوز مالك استئجار الأجير الأجير بطعامه، وإن كان لا ينضبط مقدار أكله، ليسارة أمره، وخفَّة خطبه، وعدم المشاحة فيه، وأباح يسير الغرر في الأجل دون الثمن، لأن العرف جار بالمسامحة في الأجل والمضايقة في الثمن، فقد يسامح البائع في التغاضي عن الأيام، ولا يسامح في مقدار الثمن على أي حال[34].

  1. إقامة المصالح الشرعية وإن عرض لها بعض المناكر:

قال الإمام الشاطبي: (ومن هذا الأصل أيضا تُستمدُّ قاعدة أخرى، وهي أن الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية أو التكميلية إذا اكتنفتها من خارج أمور لا تُرضى شرعا، فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفُّظ بحسب الاستطاعة من غير حرج، كالنكاح الذي يلزمه طلب قوت العيال، مع ضيق طرق الحلال، واتساع أوجه الحرام والشبهات، وكثيرا ما يُلجئ إلى الدخول في الاكتساب لهم بما لا يجوز، ولكنه غير مانع لما يؤول إليه التحرُّز من المفسدة المربية على توقُّع مفسدة التعرُّض، ولو اعتبر مثل هذا في النكاح في مثل زماننا، لأدَّى إلى إبطال أصله، وذلك غير صحيح.

وكذلك طلب العلم إذا كان في طريقه مناكر يسمعها ويراها، وشهود الجنائز وإقامة وظائف شرعية، إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يُرتضى، فلا يخرج هذا العارض تلك الأمور عن أصولها؛ لأنها أصول الدين وقواعد المصالح، وهو المفهوم من مقاصد الشارع فيجب فهمهما حق الفهم، فإنها مثار اختلاف وتنازع.

وما ينقل عن السلف الصالح مما يخالف ذلك قضايا أعيان لا حجَّة في مجرَّدها حتى يعقل معناها، فتصير إلى موافقة ما تقرَّر إن شاء الله، والحاصل أنه مبني على اعتبار مآلات الأعمال، فاعتبارها لازم في كلِّ حكم على الإطلاق)[35].

قواعد أصولية مبنية على المآلات:

وهناك كثير من القواعد الأصولية التي بنيت على اعتبار مآلات الأفعال، وفرعت على أساسها فروع ومسائل كثيرة في كتب الفقه، من هذه القواعد:

  1. المباح المفضي إلى الحرام حرام.
  2. المباح المفضي إلى المكروه مكروه.
  3. ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
  4. المباح المفضي إلى المندوب مندوب.
  5. الضرورات تبيح المحظورات.
  6. من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه.
  7. سد الذريعة وفتحها منوط بالمصلحة.
  8. ما حرم استعماله حرم اتخاذه.
  9. ما حرم أخذه حرم إعطاؤه.
  10. ما حرم فعله حرم طلبه.
  11. الوسائل تعطى أحكام المقاصد.
  12. المشقة تجلب التيسير.
  13. العبرة في العقود المقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني.
  14. ما لا يمكن الاحتراز عنه فهو عفو.
  15. كلما سقط اعتبار المقثد سقط اعتبار الوسيلة.
  16. مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل.
  17. الحريم له حكم ما هو حريم له.
  18. الرخص لا تناط بالمعاصي.
  19. يقدم عند التزاحم خير الخيرين، ويدفع شرُّ الشَّرين.
  20. إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قُدِّم أرجحهما.
  21. ما حرم لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة.
  22. كل حيلة تضمنت إسقاط حق أو استحلال محرم فهي محرمة.
  23. كل لفظ بغير قصد من المتكلم لا يترتب عليه حكم.
  24. إذا حرّم الله الانتفاع بشيء حرم الاعتياض عن تلك المنفعة.

اعتبار فقه المآلات في فتاواي وآرائي:

وقد أخذت بعين الاعتبار فقه المآلات، في كثير من اجتهاداتي وفتاوي، من ذلك:

الرد على فتوى إسقاط الزكاة عن أموال التجارة:

فقد نقل عن الشيخ ناصر الألباني إسقاط الزكاة في أموال التجارة، وقد كنت أستبعد أن تصدر عنه مثل هذه الفتوى، حتى وجدتها مكتوبة في بعض كتبه، فرددت عليه، فكان مما قلته: (ليت شعري لو أخذت المدن التجارية الكبرى في عالمنا الإسلامي بفتوى الشيخ، فماذا يكون للفقراء والغارمين وفي سبيل الله وسائر المصارف.

ليس على تجار جدة والرياض والكويت ودبي وأبي ظبي والدوحة والمنامة وعمان وبيروت والقاهرة ودمشق وغيرها من زكاة، إلا ما نض من البضائع – أي ما سُيِّل منها – وحال عليه الحول، أو ما طابت به أنفسهم من قليل أو كثير.

وقد تمر سنوات، ولا يسيل من هذه العروض شيء، لأن بضاعة تذهب وأخرى تجيء، وهكذا داوليك، والمحروم هو الفقراء والمستحقون، والمظلوم هو الإٍسلام!!

… أما الشيخ فيرى الأصل براءة الذمة من كل تكليف في المال، وإن بلغ الملايين، وأن أموال الأغنياء محرمة مصونة لا يجوز المساس بها، أو إيجاب أي حق عليها، وليمت الفقراء جوعا، وليهلك الضعفاء تشردا، إلا أن يجود عليهم التجار بما تطيب به أنفسهم من الفتات!

ويعزى بعد ذلك كله إلى الكتاب والسنة المفترى عليهما.

إن الإسلام قد يضار أحيانا من أصدقائه الطيبين، أكثر مما يضار من أعدائه الخبيثين الكائدين)[36].

أحكام فقهية مبنية على فقه المآلات:

وقد بنى الفقهاء كثيرا من الأحكام على فقه المآلات، منها حرمة بيع العنب لمن يتخذه خمرا لما تفضي إليه من العداوة والبغضاء، أو بيع السلاح في الفتنة، أو إنكار المنكر إذا ترتب عليه منكر أكبر منه، ونهي القاضي عن القضاء وهو في غير حالته الطبيعية، وتعليل تحريم الزواج من المحارم لما يفضي إليه من قطع الرحم، وتعليل النهي عن إقامة الحد في الغزو خوفا من اللحاق بالعدو، وغير ذلك من الأحكام التي لا تخفى على طلاب العلم.

 


[1]– إحياء علوم الدين (1/32، 33).

[2]– رواه مسلم في صفات المنافقين (2784)، عن ابن عمر رضي الله عنه.

[3]– متفق عليه: رواه البخاري في العلم (71)، ومسلم في الزكاة (1037)، عن معاوية بن أبي سفيان.

[4]– أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة صـ21-25، نشر مكتبة وهبة القاهرة، الطبعة السادسة 1426هـ 2006م.

[5]– متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (4905)، ومسلم في البر والصلة (2584)، عن جابر بن عبد الله.

[6] – متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (4907)، ومسلم في البر والصلة (2584)، عن جابر.

[7] – متفق عليه: رواه البخاري (1583)، ومسلم (1583)، كلاهما في الحج، عن عائشة.

[8] – متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (6025)، ومسلم في الطهارة (284)، عن أنس.

[9] – إشارة إلى الحديث المتفق عليه: ” يا أيها الناس، خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل “، رواه البخاري اللباس (5861)، ومسلم في صلاة المسافرين (785)، عن عائشة.

[10]– الموافقات (4/195- 198).

[11]– إعلام الموقعين (3/11).

[12]– نظرية الاعتبار في في العلوم الإسلامية للأستاذ عبد الكريم عكيوي، نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى 1429هـ 2008م.

[13]– (الخراج لأبى يوسف صـ23 – 24).

[14]– (الأموال ص 59).

[15]– (الأموال ص58).

[16]– (المغنى: 2/716).

[17]– الموافقات (4/198- 199).

[18]–  متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (900)، ومسلم في الصلاة (442)، عن ابن عمر.

[19]–  رواه مسلم في الصلاة (442) رواية رقم (137).

[20]–  متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (865).

[21]–  الموافقات (4/201).

[22]– رواه ابن بطة في الحيل صـ46، وجود إسناده ابن كثير في التفسير (1/293)، عن أبي هريرة.

[23]– رواه أحمد (22709) وقال مخرجوه: صحيح، وابن ماجه في الأشربة (3385)، وصححه الألباني في الصحيحة (90)، وجود إسناده الحافظ في الفتح (10/51)،عن عبادة بن الصامت.

[24]– رواه الخطابي في غريب الحديث (1/ 218)، وضعفه الألباني في غاية المرام (13)، وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (3/132): هذا الحديث وإن كان مرسلا فإنه صالح للاعتضاد به بالاتفاق، وإن لم يكن عليه وحده الاعتماد. عن الأوزاعي.

[25]– رواه أحمد (24372) وقال مخرجوه: صحيح، وأبو داود (2083)، والترمذي (1102) وقال: حسن، وابن ماجه (1879)، ثلاثتهم في النكاح، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1817)، عن عائشة.

[26]– الموافقات (4/202-205 ).

[27]–  البيان والتحصيل لابن رشد (4/156).

[28]–  الموافقات (4/208- 209).

[29]– إرشاد الفحول للشوكاني صـ223، 224، طبعة السعادة، وهو ما استظهره ابن الأنباري من مذهب مالك في القول بالاستحسان مع ما ذكر.

[30]– مصادر التشريع فيما لا نص فيه للشيخ عبد الوهاب خلاف صـ70، طبعة دار القلم، الكويت.

[31]– المغني لا بن قدامة (6/238، 239)، طبعة الإمام.

[32]– مالك للإمام محمد أبو زهرة صـ378.

[33]– مالك صـ386.

[34]– الاعتصام للشاطبي (2/143)، طبعة مطابع شركة الإعلانات الشرقية، القاهرة.

[35]– الموافقات (4/210- 211).

[36]– المرجعية العليا للقرآن والسنة صـ256، نشر مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الثانية 1422هـ 2001م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق