البحوث

حكم صرف الزكاة والصدقات والتبرعات لغير المسلمين

حكم صرف الزكاة والصدقات والتبرعات لغير المسلمين

كتبه:
د. عبدالله بن يوسف الجديع

 


 

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ النَّبِيُّ الصَّادِقُ الْأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا دَائِمًا بَاقِيًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ..

فَقَضِيَّةُ هَذَا الْبَحْثِ تَتَنَاوَلُ بَيَانَ حُكْمِ الْإِعْطَاءِ مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَلْ يَسْتَغْرِقُهُمْ نَصُّ آيَةِ الْمَصَارِفِ الثَّمَانِيَةِ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُمْكِنُ شُمُولُهُمْ بِمَا شَرَعَ الْإِسْلَامُ فِي أَمْوَالِ سَائِرِ الصَّدَقَاتِ سِوَى الزَّكَاةِ؟

تَوْطِئَةٌ:

نُصُوصُ الْأَمْرِ بِالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ بِالْإِنْفَاقِ هِيَ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم تَفُوقُ الْحَصْرَ، فَقَدْ شُرِعَتْ بِاسْمِ الْحَقِّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الْمَعَارِج: 24-25]، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الرُّوم: 38]، وَبِاسْمِ الْإِنْفَاقِ، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} [الْبَقَرَة: 254]، وَبِاسْمِ الزَّكَاةِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي مَوَاضِعَ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، وَبِاسْمِ الصَّدَقَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التَّوْبَة: 60].

وَهَلْ فُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِمَكَّةَ، أَوْ بِالْمَدِينَةِ؟ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، وَالرَّاجِحُ الْأَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَ فَرْضِهَا بِمَكَّةَ، وَأَنَّ تَفَاصِيلَ أَكْثَرِ أَحْكَامِهَا وَمَا يَتَّصِلُ بِإِدَارَتِهَا شُرِعَ بِالْمَدِينَةِ.

وَالْمُلَاحَظُ أَنَّ جَمِيعَ مَا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ الْقُرآنِيَّةِ فِي فَرْضِ الصَّدَقَةِ تَحْتَ جَمِيعِ الْمُسَمَّيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ نُصُوصِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، لَمْ تَشْتَرِطْ فِي الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ دِينُهُمُ الْإِسْلَامَ، وَكُلُّهَا فِي مَقَامِ الْبَيَانِ، فَاشْتِرَاطُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ مُسْلِمًا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ يُبَيِّنُ كَوْنَهُ الْمَعْنِيَّ بِتِلْكَ النُّصُوصِ، وَبِخَاصَّةٍ مَعَ مُرُاعَاةِ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ، فَهِيَ الْمُفَسِّرُ لِلْقُرْآنِ، وَذَلِكَ مَا سَنَنْظُرُ فِيهِ فِيمَا يَأْتِي.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِينَ أَصْنَافٌ يُوجَدُونَ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَلِلتَّقْرِيبِ فِي بَحْثِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ:

الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: الْكَافِرُ الْمُسَالِمُ، وَكَانَ قَدِيمًا تُعْرَفُ مُسَالَمَتُهُ فِي الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِالذِّمَّةِ، وَالَّتِي تَعْنِي حَقَّ الْمُوَاطَنَةِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ تَحْتَ سُلْطَانِ الْحُكُومَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ بِالْعَهْدِ كَالصُّلْحِ الَّذِي تُجْرِيهِ الْحُكُومَةُ الْمُسْلِمَةُ مَعَ دَوْلَةٍ أُخْرَى أَوْ مَجْمُوعَةٍ، أَوْ بِالْجِوَارِ، وَهُوَ حَقٌّ مَمْنُوحٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

وَالْيَوْمَ قَامَ مَقَامَ ذَلِكَ: مَا الْتَزَمَتْهُ عَامَّةُ دُوَلِ الْعَالَمِ مُسْلِمُهَا وَغَيْرُ مُسْلِمِهَا مِنَ الْمُعَاهَدَاتِ وَالْمَوَاثِيقِ الَّتِي تَحْفَظُ السِّلْمَ فِي الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ النَّاسِ.

وَهَذَا الصِّنْفُ هُوَ مِحْوَرُ الْبَحْثِ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ انْدِرَاجِهِ أَوْ عَدَمِهِ فِي عُمُومَاتِ الْأَلْفَاظِ الْآمِرَةِ بِالصَّدَقَةِ، وَبِخَاصَّةٍ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ الْآنِفَةِ الذِّكْرِ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ.

الصِّنْفُ الثَّانِي: الْكَافِرُ الْمُحَارِبُ الْمُقَاتِلُ لِلدَّوْلَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ كِيَانٌ وَلَيْسَ فَرْدًا، وَإِنَّمَا الْفَرْدُ هُوَ مَنْ يَنْتَمِي إِلَى ذَلِكَ الْكِيَانِ الْمُحَارِبِ، فَهَذَا الصِّنْفُ قَطَعَتِ الشَّرِيعَةُ كُلَّ صُوَرِ الصَّدَاقَةِ مَعَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ؛ لِمُعَادَاتِهِ وَعَدَمِ أَمْنِهِ، مَا لَمْ يَجْنَحْ لِلسِّلْمِ وَيُعَاهِدْ عَلَيْهِ.

وَهَذِهِ الصِّيَغَةُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَا وُجُودَ لَهَا الْيَوْمَ؛ وَذَلِكَ نَظَرًا لِمَا اسْتَجَدَّ لِلنَّاسِ مِنْ صِيَغٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً مِنْ قَبْلُ فِي الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الدُّوَلِ وَبَيْنَ الْأَفْرَادِ، وَمَا يَجْرِي الْيَوْمَ مِنَ الْحُرُوبِ وَالْمُنَازَعَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَخْضَعُ إِلَى تِلْكَ الْخَلْفِيَّةِ الْفِكْرِيَّةِ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى تَكْيِيفِهِ عَلَى نَحْوٍ مُخْتَلِفٍ، وَلَيْسَ مِنْ مَوْضُوعِ هَذَا الْبَحْثِ.

لَكِنْ يُوجَدُ فِي الْأُمَمِ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ أَفْرَادٌ نَاقِمُونَ أَوْ أَنْظِمَةٌ حَاكِمَةٌ ظَالِمَةٌ يَلْحَقُونَ بِهَذَا الصِّنْفِ؛ إِذْ لَا يَفْتَأُونَ يُحَارِبُونَ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ، شَأْنُهُمْ مَفْضُوحٌ، وَشَرُّهُمْ وَعُدْوَانُهُمْ ظَاهِرٌ، فَهَذَا الصِّنْفُ لَا يَحِلُّ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إِلَيْهِ وَلَا كَرَامَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الْمُمْتَحَنَة: 9]. وَبِرُّهُمْ بِالتَّبَرُّعَاتِ مِنَ الْوَلَاءِ الْبَاطِلِ وَالْمَوَدَّةِ الْمُحَرَّمَةِ لَهُمْ، وَمِنَ الْإِعَانَةِ لَهُمْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الْمَائِدَة: 2].

وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ: الْمُرْتَدُّ، وَهُوَ نَمُوذَجٌ يَغْلِبُ أَنْ يَكُونَ فَرْدِيًّا، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ وَقَعَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جَمَاعِيًّا، لَكِنْ ذَلِكَ نَمُوذَجٌ لَمْ يَتَكَرَّرْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ.

وَالنَّمُوذَجُ الْفَرْدِيُّ لِلرِّدَّةِ يُوجَدُ دَائِمًا، وَهُوَ يُمَثِّلُ خُرُوجًا مَقْصُودًا عَنِ الْإِسْلَامِ وَانْتِفَاءً مِنْهُ، فَصَاحِبُهُ غَيْرُ مَعْدُودٍ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ وَلَاءَ الْمُسْلِمِينَ الظَّاهِرَ وَعَوْنَهُمْ، وَإِنْ كَانَ مُسَالِمًا.

لَكِنْ مَعَ التَّنِبِيهِ إِلَى حَاجَةِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ إِلَى تَأْصِيلٍ تَغْلِبُ عَلَيْهِ صِفَةُ الدَّعْوَةِ لَا صِفَةُ قَوَانِينِ الْفُقَهَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فِي عَامَّةِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ كَقَضِيَّةٍ جِنَائِيَّةٍ، فَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ لَا تُسَاعِدُ الْبَتَّةَ عَلَى احْتِوَاءِ مَنْ يَتْرُكُ الْإِسْلَامَ إِلَى دِينٍ مُعَيَّنٍ آخَرَ أَوْ إِلَى لَا دِينٍ، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ إِعَادَتِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ بِالْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ وَإِبْطَالِ الشُّبْهَةِ الَّتِي سَبَّبَتْ تَرْكَ الْإِسْلَامِ، وَمَا أَكْثَرَ الشُّبُهَاتِ فِي زَمَانِنَا وَالَّتِي تَصُدُّ عَنْ دِينِ الْحَقِّ وَتُزَيِّنُ الْبَاطِلَ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا مِنْ صُنْعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسِهِمْ.

وَالْعَمَلُ عَلَى احْتِوَاءِ مَنْ أَضَلَّتْهُ الشُّبُهَاتُ وَصَرَفَهُ الْجَهْلُ عَنْ دِينِهِ، يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ إِلَى هَذَا الصِّنْفِ فِي مَوْضُوعِ الْبَحْثِ أَنَّهُ كَالصِّنْفِ الْأَوَّلِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى؛ رَغْبَةً فِي عَوْدَتِهِ إِلَى وَاحَةِ الْإِيمَانِ وَدَائِرَةِ الْإِسْلَامِ، مَا لَمْ يُظْهِرِ الْعَدَاوَةَ وَالْحَرْبَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِفِكْرِهِ وَرَأْيِهِ.

وَكَمْ رَأَيْنَا مِنْ خَلَائِقَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَبَنَّوا الْمَذَاهِبَ الْإِلْحَادِيَّةَ الْكُفْرِيَّةَ مِنْ بَعْدِ مُنْتَصَفِ الْقَرْنِ الْمِيلَادِيِّ الْمُنْصَرِمِ، قَدِ انْتَهَى الْحَالُ بِكَثِيرٍ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدُ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى دِينِهِمْ، بَلْ رَأَيْنَا بَعْضَهُمْ أَصْبَحَ مِنْ أَشَدِّ الْمُعْتَصِمِينَ بِهِ وَالْمُنَافِحِينَ عَنْهُ.

وَعَلَيْهِ، فَهَذَا النَّمُوذَجُ يَنْبَغِي أَنْ يَنْدَرِجَ فِي قَضِيَّةِ الْبَحْثِ؛ وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ احْتِوَاءِ هَؤُلَاءِ الْهَارِبِينَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَسَنَنْظُرُ إِنْ كَانَتِ الزَّكَاةُ سَيَكُونُ لَهَا دَوْرٌ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟

مَنْهَجُ الْبَحْثِ:

أَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ فِي خَمْسَةِ مَبَاحِثَ، بَادِئًا بِالْإِبَانَةِ عَنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْإِعْطَاءِ مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ، وَهَلْ هِيَ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ، أَوِ اخْتِلَافٍ؟ وَمُتْبِعًا ذَلِكَ بِالْمُنَاقَشَةِ، ثُمَّ أُلْحِقُ صُوَرًا مِنَ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ مُبَيِّنًا مَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنَ الرَّأْيِ الْفِقْهِيِّ، وَهِيَ: الْإِعْطَاءُ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَالْأُضْحِيَةِ، مَعَ الْإبَانَةِ عَنِ الرَّاجِحِ فِي كُلِّ صُورَةٍ، ثُمَّ أَفْرَدْتُ مَبْحَثًا فِي إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ سَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ، خَاتِمًا تِلْكَ الْمَبَاحِثَ بِخُلَاصَةٍ بِنَتَائِجِ الْبَحْثِ وَالتَّوْصِيَاتِ بِخُصُوصِهِ.

 

 المبحث الأول

بَيَانُ رَأْيِ الْأَغْلَبِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يُعْطَى غَيْرُ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّكَاةِ

أَقْدَمُ مَنْ صَحَّ عَنْهُ الْقَوْلُ بِهِ: عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَعَنْهُ قَالَ: “لَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ مُشْرِكٌ”. وَفِي لَفْظٍ: “لا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الإِسْلامِ”. وَجَاءَ ذَلِكَ عَنْهُ عِنْدَمَا سَأَلَهُ رَجُلٌ: أُعْطِي زَكَاةَ مَالِي أَهْلَ الذِّمَّةِ؟ قَالَ: “لَا يُعْطَى مِنْهَا غَيْرُ مُسْلِمٍ”([1]).

وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ، إِلَيْكَ بَيَانَ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ:

1 – صَحَّ عَنِ الْحَسَنِ (وَهُوَ الْبَصْرِيُّ)، قَالَ: “لَيْسَ فِي الْوَاجِبِ حَقٌّ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَلَا زَكَاةٍ، إِلَّا أَنْ يُتَطَوَّعَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا الْوَاجِبُ لِمَسَاكِينِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ”([2]).

كَمَا قَالَ أَيْضًا: “لَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ نَصْرَانِيُّ، وَلَا يَهُودِيُّ، وَلَا مَجُوسِيُّ”([3]). وَفِي رِوَايَةٍ فِيهَا ضَعْفٌ قَالَ: “لَا يُعْطَى الْمُشْرِكُونَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ”([4]).

2 – وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ عَطَاءٍ (هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ) فِي الْمُشْرِكِ يَسْتَطْعِمُ، قَالَ: “أَطْعِمِ الْمُشْرِكَ، وَلَا تَجْعَلْهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِكَ”([5]).

3 – وَعَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: “لَا تَصَدَّقْ عَلَى الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ بِنَفَقَةٍ”. وَفِي رِوَايَةٍ: “أَطْعِمْهُ، وَلَا تُعْطِهِ نَفَقَةً”. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: “لَا تَصَدَّقْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَعْطِهِمْ”([6]). قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: أَحْسَبُهُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ([7]).

4 – وَعَنْ قَتَادَةَ (هُوَ السَّدُوسِيُّ)، قَالَ: “إِذَا كَانَ شَيْئًا وَاجِبًا فَلَا تُعْطِ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا”([8]).

5 – وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: “لَا يُعْطَى الْمُشْرِكُونَ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا”([9]).

وَعَنْهُ، قَالَ: “لَا يُعْطَى الْيَهُودِيُّ، وَلَا النَّصْرَانِيُّ مِنَ الزَّكَاةِ، يُعْطَوْنَ مِنَ التَّطَوُّعِ”([10]).

وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: “أَمَّا الزَّكَاةُ فَلَا، وَأَمَّا إِنْ شَاءَ رَجُلٌ أَنْ يَتَصَدَّقَ فَلَا بَأْسَ”([11]).

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: إِنَّ لَنَا أَظْآرًا([12]) مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَفَأَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: “أَمَّا مِنَ الزَّكَاةِ فَلَا”([13]).

وَهَكَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ بَعْدِ التَّابِعِينَ إِلَى مَنْعِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ.

فَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، قَالَ: “لَا تُعْطِيهَا فِي الْيَهُودِ وَلَا النَّصَارَى”([14]). وَقَالَ: “لَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، وَلَا مَجُوسِيٌّ”([15]).

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ كَافِرٌ([16]).

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: “لَا يُعْطَى أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا”([17]).

وَقَالَ: “وَلَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ مَجُوسِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا عَبْدٌ، وَكَمَا لَا يُعْتَقُ فِي الْكَفَّارَاتِ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ فَكَذَلِكَ لَا يُطْعَمُ مِنْهَا غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَمَا لَا يُعْتَقُ فِي الزَّكَاةِ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ فَكَذَلِكَ لَا يُعْطَى مِنْهَا غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ… وَقَالَ نَافِعٌ وَرَبِيعَةُ: لَا يُطْعَمُ مِنَ الزَّكَاةِ نَصْرَانِيٌّ وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا عَبْدٌ، إِلَّا أَنَّ نَافِعًا لَمْ يَذْكُرِ الْيَهُودِيَّ وَلَا الْعَبْدَ”([18]).

وَعَلَى هَذَا أَصْحَابُهُ الْمَالِكِيَّةُ، قَالُوا: لَا يُعْطَى مِنْهَا كَافِرٌ فَقِيرٌ([19]).

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى كَافِرٍ([20]).

قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: “وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَمَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ. وَأَمَّا صَدَقَةُ الْفَرْضِ فَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ”([21]).

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: “لَا يَجُوزُ دَفْعُ شَيْءٍ مِنَ الزَّكَوَاتِ إِلَى كَافِرٍ، سَوَاءٌ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَزَكَاةُ الْمَالِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا”([22]).

وَالرِّوَايَاتُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: لَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ وَلَا مَجُوسِيٌّ وَلَا مُشْرِكٌ، وَلَا يُعْطَى مِنْهَا إِلَّا الْمُسْلِمُونَ([23]).

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللهِ سُئِلَ: أَيُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ؟ قَالَ: “لَا يُعْطَوْنَ مِنَ الْوَاجِبِ”. ثُمَّ قَالَ: “لَا يُعْطَى مِنَ الْوَاجِبِ أَهْلُ الذِّمَّةِ”. قِيلَ لَهُ: فَمِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: “لَا يُعْجِبُنِي”([24]).

وَقَالَ أَحْمَدُ: “فَأَمَّا مَا يَكُونُ مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ زَكَاةٍ، فَلَا يُعْطَى مِنْهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَمَا كَانَ مِنْ تَطَوُّعٍ أَوْ صِلَةٍ فَأَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَصِلَ بِهِ فَعَلَ، وَلَا يُعْطِي مِنَ الْوَاجِبِ لِذِمِّيٍّ شَيْئًا”([25]).

كَذَلِكَ قَالَ بِمَنْعِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّكَاةِ: إِسْحَاقُ بْنُ رَاهُوَيْهِ([26]).

وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ: “وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا: أَنَّهُ لَا يُعْطِي مِنَ الزَّكَاةِ، وَلَا مِنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَلَا مِنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَلَا مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَلَا مِنَ الْفِدْيَةِ، وَلَا مِنْ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ، أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ، وَلَا بَأْسَ أَنْ تُوصَلَ أَرْحَامُهُمْ، وَيُتَطَوَّعَ عَلَيْهِمْ، وَيُوصَى لَهُمْ مِنْ غَيْرِ الْوَاجِبِ”([27]).

حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ:

مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنِ الْفُقَهَاءِ يَدُلُّ عَلَى اشْتِهَارِ مَذْهَبِ مَنْعِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ، لَكِنِ ادَّعَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ.

فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: “أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لَا يُجْزِئَ أَنْ يُعْطَى مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ”([28]).

وَقَالَ صَاحِبُ “نَوَادِرِ الْفُقَهَاءِ”: “وَأَجْمَعُوا أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُعْطَى مِنْ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ، وَلَا مِنْ عُشُورِ الْأَرَضِينَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ، إِلَّا عُبَيْدَاللهِ بْنَ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيَّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ أَجَازَ إِعْطَاءَهُ مِنْهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِ الْمُعْطِي مُسْلِمٌ”([29]).

وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: “قَالَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ: لَا حَظَّ فِي الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ لِكَافِرٍ”([30]).

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: “لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ لَا تُعْطَى”، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ، وَقَالَ: “فَخَصَّهُمْ بِصَرْفِهَا إِلَى فُقَرَائِهِمْ، كَمَا خَصَّهُمْ بِوُجُوبِهَا عَلَى أَغْنِيَائِهِمْ”([31]).

وَقَالَ الْمِنْهَاجِيُّ: “وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى كَافِرٍ”([32]).

 رَأْيٌ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ:

لَوْ صَحَّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ دَعْوَى الاتِّفَاقِ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ الَّذِي لَا يُلْزِمُ الْمُخَالِفَ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي الاحْتِجَاجِ بِهِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَصِحُّ عَلَى أَيِّ حَالٍ، كَمَا يَأْتِي، وَالَّذِي يَبْدُو أَنَّ مَنِ ادَّعَاهُ أَجْرَاهُ عَلَى اعِتِبَارِ عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْمُخَالِفِ، وَغَايَةُ مَنْ ذَكَرُوا خِلَافَهُ هُوَ عُبَيْدُاللهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ([33]).

وَقَدْ قَالَ أَبُو الْحَارِثِ (أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ): سُئِلَ أَبُو عَبْدِاللهِ (يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ) عَنِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ: يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: “النَّاسُ فِيهَا مُخْتَلِفُونَ”([34]).

وَهَذَا نَصٌّ مِنْ إِمَامٍ كَبِيرٍ، يُثْبِتُ وُجُودَ الْخِلَافِ.

وَسَنُلَاحِظُ مِمَّا يَأْتِي بَعْدُ مَدَى صِحَّةِ إِطْلَاقِ الْإِجْمَاعِ هُنَا.

دَلِيلُ الْمَانِعِينَ:

وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ الْمَانِعِينَ مِنْ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّكَاةِ تَتَحَرَّرُ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلًا: الاسْتِدْلَالُ بِقِصَّةِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ أَرْسَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ.

فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: “إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ”([35]).

وَفِي سِيَاقٍ: “فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ”([36]).

وَبِمَعْنَاهُ حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، (فَسَاقَ قِصَّةَ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَسُؤَالِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَفِيهِ): قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ نَعَمْ”([37]).

حَدِيثُ مُعَاذٍ الْمَذْكُورُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ عِنْدَ عَامَّةِ الْقَائِلِينَ بِقَصْرِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ صَرَّحَ جَمِيعُ مَنِ اجْتَهَدَ مِنْهُمْ فِي الْإِبَانَةِ عَنْ دَلِيلِ التَّخْصِيصِ لِعُمُومَاتِ أَلْفَاظِ آيَةِ الصَّدَقَةِ، بِذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، حُجَّةً لِذَلِكَ، فَمِنْ عِبَارَاتِ بَعْضِهِمْ فِيهِ مَا يَلِي:

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: “وَإِنَّمَا كَرِهَتِ الْعُلَمَاءُ إِعْطَاءَهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ خَاصَّةً فِيمَا نَرَى لِسُنَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ ذَكَرَ صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ. فَجَعَلَهَا صلى الله عليه وسلم وَاجِبَةً لَهُمْ دُونَ سَائِرِ الْمِلَلِ، فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ وَلَهُ”([38]).

وَقَالَ السَّرْخَسِيُّ الْحَنَفِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ: “فَذَلِكَ تَنْصِيصٌ عَلَى الدَّفْعِ إِلَى فُقَرَاءِ مَنْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ”([39]).

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ: “وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ لَا تَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ”([40]).

وَقَالَ الْعِمْرَانِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي الْحَدِيثِ: “وَهَذَا خِطَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ”([41]).

ثَانِيًا: عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ هِلَالٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: كِدْتُ أُقْتَلُ بَعْدَكَ فِي عَنَاقٍ أَوْ شَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: “لَوْلَا أَنَّهَا تُعْطَى فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ مَا أَخَذْتُهَا”([42]).

وَجْهُ الاسْتِدْلَالِ بِهِ: ذِكْرُ “الْمُهَاجِرِينَ”، فَهَذا اسْمٌ لَمْ يَقَعْ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَلَى مُسْلِمِينَ.

وَيُمْكِنُ الاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِمَفْهُومِ لَقَبٍ، وَهُوَ ضَعِيفٍ، فَلَيْسَ مِنْ لَازِمِهِ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ الزَّكَاةَ إِلَّا مُهَاجِرٌ، حَتَّى فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ.

وَعَلَى أَيِّ تَقْدِيرٍ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِالْمَنْعِ لَمْ يُعَوِّلُوا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ؛ مِنْ أَجْلِ مَا ذَكَرْتُ، وَمِنْ أَجْلِ عَدَمِ صِحَّةِ إِسْنَادِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ تَبَعًا فِي السِّيَاقِ.

ثَالِثًا: قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: “الْآيَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى مَصَارِفِ الزَّكَاةِ خَاصَّةٌ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا كَافِرٌ؛ فَلَمْ تُشْرَعِ الصَّدَقَةُ إِلَّا لِمُوَاسَاةِ مَنِ اتَّصَفَ بِوَصْفٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَا لِمُوَاسَاةِ أَهْلِ الْكُفْرِ، فَإِنَّا مَأْمُورُونَ بِمُقَاتَلَتِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، وَمُتَعَبَّدُونَ بِالْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ وَعَدَمِ مُوَالَاتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ، وَهَكَذَا مَنْ فِي حُكْمِهِمْ مِنَ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ هُمْ فِي دَارِ الْكُفْرِ”([43]).

وَأَقُولُ: هَذَا الاسْتِدْلَالُ لَمْ أَقِفْ عَلَى مِثْلِهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ الشَّوْكَانِيِّ سَبَقَهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ قَصْرُ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِ الْمُوَاسَاةِ، وَمَنْعِ غَيْرِهِمْ مِنِ اسْتِحْقَاقِ هَذِهِ الْمُوَاسَاةِ لِمُجَرَّدِ الْكُفْرِ، وَأَنَّا أُمِرْنَا تَعَبُّدًا بِالْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ، وَبِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُونَا الْجِزْيَةَ، فَهَذَا إِطْلَاقٌ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ عَجِيبٌ أَنْ يَصْدُرَ مِثْلُهُ عَنْ مِثْلِ الشَّوْكَانِيِّ مَعَ تَجَرُّدِهِ لِلدَّلِيلِ.

وَفِي كَلَامِهِ نَفْسِهِ اسْتِثْنَاءُ أَهْلِ الْجِزْيَةِ، أَفَلَا جَعَلَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْمُوَاسَاةِ؟

ثُمَّ إِنَّ الْقُرْآنَ فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ يَسْتَحِقُّ قَطْعَ الْصِّلَةِ بِهِ مِنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَيْنَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الْمُمْتَحَنَة: 8-9]، وَهَذَا نَصٌّ مَدَنِيٌّ صَرِيحٌ مُحْكَمٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَدُوِّ وَغَيْرِ الْعَدُوِّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.

وَلِلشَّوْكَانِيِّ نَصٌّ آخَرُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْبِرِّ مُوَافِقٌ لِلصَّوَابِ الَّذِي لَا يَجُوزُ سِوَاهُ، يَأْتِي فِي الْمَبْحَثِ الْخَامِسِ، وَفِيهِ إِبْطَالٌ لِمَا أَطْلَقَهُ هُنَا.

المبحث الثاني

رَأْيُ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّكَاةِ

فِي مُقَابَلَةِ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا وَرَأْيِ الْجُمْهُورِ، يُذْكَرُ رَأْيٌ آخَرُ يُجيزُ إِعْطَاءَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّكَاةِ، وَهَذَا الرَّأْيُ وَإِنْ عُدَّ الْقَائِلُونَ بِهِ عَدًّا، لَكِنَّهُ يُؤَكِّدُ مَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ عِبَارَةُ أَحْمَدَ أَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ:

فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ عِنْدَ مَقْدَمِهِ الْجَابِيَةَ مِنْ أَرْضِ دِمَشْقَ، مَرَّ بِقَوْمٍ مُجَذَّمِينَ([44]) مِنَ النَّصَارَى، فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَوْا مِنَ الصَّدَقَاتِ، وَأَنْ يُجْرَى عَلَيْهِمُ الْقُوتُ([45]).

وَهَذَا لَمْ يَصِحَّ إِسْنَادُهُ، وَلَوْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ فَإِنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى جَوَازِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ لَفْظِ (الصَّدَقَاتِ) عَلَى إِرَادَةِ الزَّكَاةِ هِيَ الْأَصْلُ؛ رِعَايَةً لِاسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ، وَإِطْلَاقِ اسْمِ الصَّدَقَاتِ عَلَى الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ([46])، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} الْآيَةَ [التَّوْبَة: 60]، وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَمَنِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِالصَّدَقَةِ صَدَقَةُ النَّفْلِ إِذَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْقَرِينَةُ لَفْظًا أَو سِيَاقًا أَوْ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ.

وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عُمَرَ، مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْعَبْسِيِّ، قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِبَابِ قَوْمٍ وَعَلَيْهِ سَائِلٌ يَسْأَلُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَضَرَبَ عَضُدَهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَقَالَ: مِنْ أَيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْتَ؟ فَقَالَ: يَهُودِيٌّ. قَالَ: فَمَا أَلْجَأَكَ إِلَى مَا أَرَى؟ قَالَ: أَسْأَلُ الْجِزْيَةَ، وَالْحَاجَةُ وَالسِّنُّ. قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ، وَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَرَضَخَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَنْزِلِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَازِنِ بَيْتِ الْمَالِ فَقَالَ: انْظُرْ هَذَا وَضُرَبَاءَهُ؛ فَوَاللَّهِ مَا أَنْصَفْنَاهُ أَنْ أَكَلْنَا شَبِيبَتَهُ ثُمَّ نَخْذُلُهُ عِنْدَ الْهَرَمِ {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ}، وَالْفُقَرَاءُ هُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَهَذَا مِنَ الْمَسَاكِينِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَوَضَعَ عَنْهُ الْجِزْيَةَ وَعَنْ ضُرَبَائِهِ. قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا شَهِدْتُ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ ذَلِكَ الشَّيْخَ.

وَرَوَاهُ الْعَبْسِيُّ عَنْ عُمَرَ مُخْتَصَرًا: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} قَالَ: هُمْ زَمْنَى أَهْلِ الْكِتَابِ.

وَهَذَا لَمْ يَصِحَّ إِسْنَادُهُ إِلَى عُمَرَ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَدِيدِ الضَّعْفِ([47])، وَهُوَ يَأْتِي فِي مَعْنَى مَا قَبْلَهُ.

وَحَدَّثَ جَسْرُ بْنُ فَرْقَدٍ أَبُو جَعْفَرٍ الْقَصَّابُ، قَالَ: شَهِدْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ، قُرِئَ عَلَيْنَا بِالْبَصْرَةِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَمَرَ أَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ رَغِبَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَاخْتَارَ الْكُفْرَ عِتِيًّا وَخُسْرَانًا مُبِينًا، فَضَعِ الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ أَطَاقَ حَمْلَهَا وَخَلِّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عِمَارَةِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِمَعَاشِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّةً عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَانْظُرْ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَدْ كَبِرَتْ سِنُّهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَوَلَّتْ عَنْهُ الْمَكَاسِبُ، فَأَجْرِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُصْلِحُهُ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لَهُ مَمْلُوكٌ كَبِرَتْ سِنُّهُ وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ وَوَلَّتْ عَنْهُ الْمَكَاسِبُ كَانَ مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُوتَهُ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ عِتْقٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ مَرَّ بِشَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَسْأَلُ عَلَى أَبْوَابِ النَّاسِ، فَقَالَ: مَا أَنْصَفْنَاكَ، أَنْ كُنَّا أَخَذْنَا مِنْكَ الْجِزْيَةَ فِي شَبِيبَتِكَ ثُمَّ ضَيَّعْنَاكَ فِي كِبَرِكَ”، قَالَ: ثُمَّ أَجْرَى عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يُصْلِحُهُ([48]).

وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُعْطِيَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَلَكِنْ بِالنَّظَرِ إِلَى تَنَوُّعِ مَوَارِدِ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَانَتِ الزَّكَاةُ تُمَثِّلُ أَحَدَ تِلْكَ الْمَوَارِدِ، فَفِيهِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي يَخْضَعُ إِلَى إِدَارَةِ الدَّوْلَةِ فَأَصْحَابُ الْحَاجَاتِ فِيهِ شُرَكَاءُ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يُقَرِّرُهُ النَّظَرُ إِلَى حَالِ الْمُحْتَاجِ، وَمِنْ ثَمَّ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَالُ قَدْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ مَالِ الزَّكَاةِ غَيْرِ الْمُتَمَيِّزِ، كَالَّذِي يَجْرِي الْيَوْمَ فِيمَا تُزَاوِلُهُ هَيْئَاتُ الْإِغَاثَةِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَرِدُهَا مِنَ الْأَمْوَالِ لَا يَتَحَدَّدُ لَهَا أَنَّهُ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ، فَيُدْرَجُ فِي جُمْلَةِ مَوَارِدِهَا، فَهَذَا لَوْ أُعْطِيَ مِنْهُ صَاحِبُ حَاجَةٍ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ، لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَائِغًا فِي جَمِيعِ الْآرَاءِ الْفِقْهِيَّةِ، بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ.

وَعَنْ مُجَاهِدٍ الْمَكِّيِّ، قَالَ: “لَا تَصَدَّقْ عَلَى الْيَهُودِيِّ وَلَا النَّصْرَانِيِّ، إِلَّا أَنْ لَا تَجِدَ مُسْلِمًا”، وَهَذَا مَعَ ضَعْفِ إِسْنَادِهِ([49])، لَكِنْ لَهُ مَا يُقَوِّيهِ عَنْ مُجَاهِدٍ نَفْسِهِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا قُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، وَلِي عَلَيْهِ مَالٌ، فَأَدَعُهُ لَهُ؟ قَالَ: “نَعَمْ، وَصِلْهُ”([50]).

وَمُجَاهِدٌ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ، وَمِنْ أَبْرَزِ تَلَامِذَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ أَعْلَمِهِمْ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّكَاةِ، وَلَكِنْ يُبْدَأُ بِالْمُسْلِمِ، وَفِي ذَلِكَ اعْتِبَارُ الْأَوْلَوِيَّاتِ فِي إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ مَا هُوَ قَاطِعٌ فِي مَنْعِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّكَاةِ، لَمَا صَحَّ هَذَا الاعْتِبَارُ.

فَإِنْ قِيلَ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فِي التَّطَوُّعِ. قِيلَ: هَذَا مُحْتَمَلٌ، وَبِخَاصَّةٍ فِي جَوَابِهِ السَّائِلَ، وَلَكِنَّهُ يَبْعُدُ جِدًّا فِي النَّصِّ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ مِثْلِهِ فِي التَّطَوُّعِ لَا تَخْفَى عَلَى مُجَاهِدٍ، وُجِدَ الْمُسْلِمُ أَوْ فُقِدَ.

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سُئِلَ عَنِ الصَّدَقَةِ فِيمَنْ تُوضَعُ؟ فَقَالَ: “فِي أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلِ ذِمَّتِهِمْ”، وَقَالَ: “وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْخُمُسِ”([51]).

وَجَابِرٌ هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ، مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ، تَرَاهُ يُجِيزُ أَنْ يُعْطَى مَسَاكِينُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ الزَّكَاةِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ، وَهَذَا الرَّأْيُ عَنْهُ هُوَ الْمَحْفُوظُ([52]).

وَنَسَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ بِجَوَازِ إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ إِلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ، إِلَى ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ وَعَبْدِاللهِ بْنِ شُبْرُمَةَ، فَعَنْهُمَا: “يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ”([53]).

وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ.

قَالَ السَّرْخَسِيُّ: “وَلَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ كَافِرٌ إِلَّا عِنْدَ زُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ دَفْعَهَا إِلَى الذِّمِّيِّ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِغْنَاءُ الْفَقِيرِ الْمُحْتَاجِ عَلَى طَرِيقِ التَّقَرُّبِ، وَقَدْ حَصَلَ”. ثُمَّ رَدَّهُ بِاسْتِدْلَالِ الْجُمْهُورِ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ([54]).

المبحث الثالث

تَحْلِيلُ وَمُنَاقَشَةُ الرَّأْيَيْنِ فِي حُكْمِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّكَاةِ

رَأْيُ الْمُجِيزِينَ يَسْتَنِدُ إِلَى الاسْتِدْلَالِ بِعُمُومِ أَلْفَاظِ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ وَالتَّصَدُّقِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَمِنْ ذَلِكَ عُمُومَاتُ الْأَلْفَاظِ فِي آيَةِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ الثَّمَانِيَةِ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التَّوْبَة: 60].

وَلَا شَكَّ أَنَّ الاسْتِدْلَالَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي خِطَابِ الشَّارِعِ حَتَّى يَرِدَ التَّخْصِيصُ، جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ.

كَذَلِكَ يُؤَيِّدُ رَأْيَهُمْ مَا أَوْرَدْتُهُ قَرِيبًا عَنِ السَّرْخَسِيِّ فِي اسْتِدْلَالِهِ لِرَأْيِ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ الْقَائِلِ بِالْجَوَازِ، أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ، هُوَ أَيْضًا جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ.

وَرَأْيُ الْمَانِعِينَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعُمُومِ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ ابْتِدَاءً، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هُوَ مَخْصُوصٌ، وَمُخَصِّصُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ وَمَا فِي مَعْنَاهَا: “أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ”([55]).

وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُمْ لِلاسْتِدْلَالِ، بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ فَرْضَ الصَّدَقَةِ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ هُمُ الْمُكَلَّفُونَ بِهَا؛ لِتُوضَعُ فِي فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَهِيَ لِمُوَاسَاةِ إِخْوَانِهِمْ، وَهَذَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ تَقَابُلُ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ.

مُنَاقَشَةُ اسْتِدْلَالِ الْجُمْهُورِ:

نِسْبَةُ الْوُضُوحِ فِي هَذَا الدَّلِيلِ عَلَى اسْتِبْعَادِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّكَاةِ مَحَلُّ نَظَرٍ؛ فَالنَّصُّ لَيْسَ بِقَاطِعٍ فِي ذَلِكَ، بَلْ إِنَّ الظَّنِّيَّةَ وَارِدَةٌ عَلَى دَلَالَتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ وُرُودِهَا عَلَى دَلَالَةِ عُمُومَاتِ الْأَلْفَاظِ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:

أَوَّلُهَا: أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَذْكُرْ سِوَى صِنْفِ الْفُقَرَاءِ، فَلَوْ رُوعِيَتْ حَرْفِيَّتُهُ لَأَبْطَلْنَا الْقِسْمَةَ الثُّمَانِيَةَ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ، وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ.

ثَانِيهَا: مَا يَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ الْفُقَهَاءَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِعُمُومِ الْمَنْعِ تَنَازَعُوا فِي إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ فِي مَصَارِفَ عِدَّةٍ، وَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ حَاسِمًا فِي إِرَادَةِ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً فِي الْمَصَارِفِ لَمَا تَنَازَعُوا.

ثَالِثُهَا: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ أَبْرَزُ مَا يُذْكَرُ حُجَّةً لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَصْرِ صَرْفِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ عَلَى بَلَدِ الْمُزَكِّي، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، وَجَعَلَ الْجُمْهُورُ عَدَمَ النَّقْلِ عَلَى وَجْهِ الاسْتِحْبَابِ، وَلَمْ يَمْنَعُوهُ، وَبِخَاصَّةٍ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي([56])، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِعَدَمِ قَطْعِيَّةِ اللَّفْظِ فِي الْحَدِيثِ، مِمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَنَازَعَةَ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى إِرَادَةِ الْفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً هِيَ كَذَلِكَ فِي الظَّنِّيَةِ، بَلْ هِيَ أَبْرَزُ فِيهَا مِنْ مَسْأَلَةِ نَقْلِ الزَّكَاةِ.

وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْقَصْدَ فِي اللَّفْظِ إِلَى إِرَادَةِ أَهْلِ الْبُقْعَةِ بِعُمُومِهِمْ هُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ فُقَرَاءَ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ يَنَالُهُمْ حَظُّهُمْ مِنْ أَمْوَالِ أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِخَاصَّةٍ مَعَ اسْتِحْضَارِ أَنَّ مُعَاذًا الَّذِي بَعَثَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَمَنِ بَعثَهُ إِلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْحَدِيثِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَمَا نَصْنَعُ بِحِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْمَنْعِ؟

قِيلَ: تَبَيَّنَ آنِفًا مَا فِي هَذِهِ الدَّعْوَى، وَأَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَلَوْ صَحَّتْ فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ الْإِجْمَاعِ الَّذِي يَعْنِي عَدَمَ الْعِلْمِ بِالْمُخَالِفِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ مُلْزِمَةٍ، فَكَيْفَ وَقَدْ قَامَتِ الدَّلَائِلُ عَلَى وُجُودِ الْخِلَافِ؟!

وَإِنَّمَا الصَّوَابُ هُنَا أَنْ يُقَالَ: الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الاجْتِهَادِ. وَعَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الْقَوَاعِدِ تَخْصِيصُ عُمُومِ النَّصِّ بِرَأْيِ الْجُمْهُورِ.

قَوَادِحُ فِي اسْتِدْلَالِ الْجُمْهُورِ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ وَمَا فِي مَعْنَاهُ:

جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى مَنْعِ إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ لِغَيْرِ مُسْلِمٍ، لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ إِنَّهُمْ أَجَازُوا دَفْعَهَا لَهُ فِي أَمْثِلَةٍ عِدَّةٍ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ قَطْعِيَّةِ الْحُكْمِ عِنْدَهُمْ، وَتِلْكَ الْأَمْثِلَةُ قَوَادِحُ فِي أَصْلِ اسْتِدْلَالِهِمْ، وَتَقْرِيبُهَا فِيمَا يَلِي:

الْقَادِحُ الْأَوَّلُ: تَنَازَعُوَا فِيمَا لَوْ تَحَرَّى صَاحِبُ الزَّكَاةِ، فَدَفَعَهَا إِلَى غَيْرِ مُسْلِمٍ، فَذَلِكَ يُبَرِّئُ عُهْدَتَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، بَيْنَمَا ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَأَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْأَشْهَرِ عِنْدَهُمْ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، إِلَى أَنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ([57]).

فَلَوْ كَانَ اسْتِدْلَالُهُمْ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ حَاكِمًا عَلَى عُمُومِ الْقُرْآنِ، لَأَلْزَمُوهُ جَمِيعًا بِأَنْ يُعِيدَ دَفْعَ الزَّكَاةِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، كَمَنْ تَحَرَّى فِي الطَّهَارَةِ فَصَلَّى، فَلَمَّا فَرَغَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا، فَإِنَّهُ يَتَطَهَّرُ وَيُعِيدُ، وَبِذَلِكَ اسْتُدِلَّ لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ([58]).

الْقَادِحُ الثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ أَنْ يُعْطَى الْجَاسُوسُ غَيْرُ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّكَاةِ([59]).

وَهَذَا مَبْنِيٌّ عِنْدَهُمْ عَلَى اعْتِبَارِ مَنْفَعَةِ الْجَاسُوسِ يَتَجَسَّسُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مِثَالٌ مُتَصَوَّرٌ فِي إِطَارِ الدَّوْلَةِ.

الْقَادِحُ الثَّالِثُ: مَصْرِفُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَتَنَازَعُوا فِيهِ مِنْ جِهَتَيْنِ:

الْجِهَةُ الْأُولَى: فِي بَقَاءِ هَذَا الْمَصْرِفِ، أَوْ تَوَقُّفِهِ.

فَمِمَّنْ جَاءَتْ عَنْهُمُ الْمَقَالَةُ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ بِانْقِطَاعِ هَذَا الْمَصْرِفِ، أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ.

فَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ، فقَدْ جَاءَتْ مِنْ وُجُوهٍ، أَحْسَنُهَا إِسْنَادًا مَعَ ضَعْفِهِ، مَا حَدَّثَ بِهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، قَالَ: جَاءَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدَنَا أَرْضًا سَبِخَةً لَيْسَ فِيهَا كَلَأٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُقْطِعَنَاهَا لَعَلَّنَا نَحْرُثُهَا وَنَزْرَعُهَا فَلَعَلَّ اللَّهَ يَنْفَعُ بِهَا بَعْدَ الْيَوْمِ. قَالَ: فَأَقْطَعَهُمَا إِيَّاهَا، وَكَتَبَ لَهُمَا كِتَابًا وَأَشْهَدَ، وَعُمَرُ لَيْسَ فِي الْقَوْمِ، فَانْطَلَقَا إِلَى عُمَرَ (فسَاقَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا قَوْلُ عُمَرَ لَهُمَا): “إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَأَلَّفُكُمَا وَالْإِسْلَامُ يَوْمَئِذٍ ذَلِيلٌ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ فَاذْهَبَا فَاجْهَدَا عَهْدَكُمَا”([60]).

وَهَذَا لَوْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ، فَلَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ مِنْهُ بِانْقِطَاعِ هَذَا السَّهْمِ، وَإِنَّمَا رَآهُ مِمَّا يُرَاعَى فِيهِ الظَّرْفُ، وَهَذَا مَا حُكِيَ عَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مِنَ الْفُقَهَاءِ.

وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْقِصَّةُ هُوَ مَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ الْمَقَالَةُ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ: “لَمْ يَبْقَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ أَحَدٌ، إِنَّمَا كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ انْقَطَعَتِ الرِّشَا”. لَكِنْ هَذَا لَمْ يَصِحَّ إِسْنَادُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ([61]).

وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ فِي تَفْسِيرِ الْمُؤَلَّفَةِ، قَالَ: “كَانَ أُنَاسٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ يَجْتَمِعُونَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ وَيَتَعَاهَدُهُمْ، فَيَقُولُونَ: أَهْلُ هَذَا الدِّينِ أَحْسَنُ صَنِيعًا إِلَى أَهْلِ دِينِهِمْ مِنْ قَوْمِنَا”، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: “الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ ذَهَبَ سَهْمُهُمْ”([62]). كَمَا جَاءَ عَنْهُ قَالَ: “أَمَا الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ فَلَيْسَ الْيَوْمَ”([63]).

وَهَكَذَا قَالَ بِتَوَقُّفِ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، فَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهُوَيْهِ([64]).

وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ مَالِكٍ([65])، وَالْحَنَابِلَةُ يَذْكُرُونَهُ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ([66]).

وَأَهْلُ الْكُوفَةِ فِي قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ هُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ([67]).

قَالَ الْجَصَّاصُ: “قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّمَا كَانُوا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فِي حَالِ قِلَّةِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وَقَدْ أَعَزَّ اللَّه الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ وَاسْتَغْنَى بِهِمْ عَنْ تَأَلُّفِ الْكُفَّارِ، فَإِنِ احْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِتَرْكِهِمُ الْجِهَادَ، وَمَتَى اجْتَمَعُوا وَتَعَاضَدُوا لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى تَأَلُّفِ غَيْرِهِمْ بِمَالٍ يُعْطَوْنَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ”([68]).

وَذَكَر ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ مَالِكٍ: “لَا حَاجَةَ إِلَى الْمُؤَلَّفَةِ الْآنَ؛ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ”، وَقَالَ: “وَهَذَا الْتِفَاتٌ مِنْهُ إِلَى الْمَصَالِحِ”([69]).

وَمِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَنْ رَجَّحَ انْقِطَاعَ هَذَا الْحُكْمِ فِي تَرْغِيبِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ فِي الْإِسْلَامِ، لَكِنْ سَلَّمَ جَمِيعُهُمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ مُحْكَمٌ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ؛ لِأَجْلِ تَمْكِينِ الْإِسْلَامِ مِنْهُمْ([70]).

وَالَّذِي يُلَاحَظُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ تَوَقُّفَ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فِي نَظَرِ مَنْ قَالَ بِهِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ الاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى التَّأْليفِ.

وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا مِنْ أَحَدٍ بِنَسْخِ الْحُكْمِ، بَلْ هُوَ تَعْلِيقٌ لِتَنْفِيذِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، فَإِذَا وُجِدَتِ فُعِّلَ هَذَا الْمَصْرِفُ لِأَدَاءِ وَظِيفَتِهِ، فَهُوَ حُكْمٌ مُحْكَمٌ يَدُورُ مَعَ سَبَبِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَمَا هُوَ فِي هَذَا الْمَعْنَى إِلَّا كَسَائِرِ الْمَصَارِفِ وُجُودًا وَعَدَمًا.

مَنْ قَالَ بِاسْتِمْرَارِ مَصْرِفِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ:

وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُمُ الْقَوْلُ بِاسْتِمْرَارِ هَذَا الْمَصْرِفِ: أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ([71])، وَابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ.

فَعَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الْآيَةَ؟ فَقَالَ: “لَا نَعْلَمُهُ نُسِخَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، الصَّدَقَاتُ بَيْنَ مَنْ سَمَّى اللَّهُ، فَأَسْعَدُهُمْ بِهَا أَكْثَرُهُمْ عَدَدًا أَوْ أَشَدُّهُمْ حَاجَةً”([72]).

وَبالْمُحَصَّلَةِ، فَزَعْمُ انْقِطَاعِ هَذَا الْمَصْرِفِ مُطْلَقًا يَعْنِي ادِّعَاءَ النَّسْخِ، وَالنَّسْخُ لَا يُدَّعَى بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ قَرَّرَ كَثِيرٌ مِنْ مُحَقِّقِي الْعُلَمَاءِ مَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ أَنَّ مَصْرِفَ الْمُؤَلَّفَةِ مُحْكَمٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ.

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: “وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ، لَا نَعْلَمُ لَهَا نَاسِخًا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ. فَإِذَا كَانَ قَوْمٌ هَذِهِ حَالُهُمْ، لَا رَغْبَةَ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا لِلنَّيْلِ([73])، وَكَانَ فِي رِدَّتِهِمْ وَمُحَارَبَتِهِمْ إِنِ ارْتَدُّوا ضَرَرٌ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِزِّ وَالْأَنَفَةِ، فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَرْضَخَ لَهُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِخِلَالٍ ثَلَاثٍ: إِحْدَاهُنَّ: الْأَخْذُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالثَّانِيَةُ: الْبُقْيَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِيَائِسٍ مِنْهُمْ إِنْ تَمَادَى بِهِمُ الْإِسْلَامُ أَنْ يَفْقَهُوهُ، وَتَحْسُنَ فِيهِ رَغْبَتُهُمْ”([74]).

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: “وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الصَّدَقَةَ فِي مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا سَدُّ خَلَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْآخَرُ مَعُونَةُ الْإِسْلَامِ وَتَقْوِيَتُهُ، فَمَا كَانَ فِي مَعُونَةِ الْإِسْلَامِ وَتَقْوِيَةِ أَسْبَابِهِ فَإِنَّهُ يُعْطَاهُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْطَاهُ مَنْ يُعْطَاهُ بِالْحَاجَةِ مِنْهُ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يُعْطَاهُ مَعُونَةً لِلدِّينِ، وَذَلِكَ كَمَا يُعْطَى الَّذِي يُعْطَاهُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُعْطَى ذَلِكَ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا لِلْغَزْوِ لَا لِسَدِّ خَلَّتِهِ. وَكَذَلِكَ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ يُعْطَوْنَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ؛ اسْتِصْلَاحًا بِإِعْطَائِهِمُوهُ أَمْرَ الْإِسْلَامِ وَطَلَبَ تَقْوِيَتِهِ وَتَأْيِيدِهِ. وَقَدْ أَعْطَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ أَعْطَى مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، بَعْدَ أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ وَفَشَا الْإِسْلَامُ وَعَزَّ أَهْلُهُ، فَلَا حُجَّةَ لِمُحْتَجٍّ بِأَنْ يَقُولَ: لَا يُتَأَلَّفُ الْيَوْمَ عَلَى الْإِسْلَامِ أَحَدٌ لِامْتِنَاعِ أَهْلِهِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ مِمَّنْ أَرَادَهُمْ، وَقَدْ أَعْطَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ أَعْطَى مِنْهُمْ فِي الْحَالِ الَّتِي وَصَفْتُ”([75]).

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ بَعْدَ أَنِ اسْتَدَلَّ بِالْعَمَلِ النَّبَوِيِّ بِهَذَا الْمَصْرِفِ: “وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ إِلَّا بِنَسْخٍ، وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالاحْتِمَالِ. ثُمَّ إِنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لِأَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ بِنَصٍّ، وَلَا يَكُونُ النَّصُّ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَانْقِرَاضِ زَمَنِ الْوَحْيِ”.

وَجَوَابًا عَنْ تَعْلِيقِ هَذَا الْمَصْرِفِ بِزَوَالِ الْعِلَّةِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: “عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمَعْنَى لَا خِلَافَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّ الْغِنَى عَنْهُمْ لَا يُوجِبُ رَفْعَ حُكْمِهِمْ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ عَطِيَّتَهُمْ حَالَ الْغِنَى عَنْهُمْ، فَمَتَى دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى إِعْطَائِهِمْ أُعْطُوا، فَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَصْنَافِ، إِذَا عُدِمَ مِنْهُمْ صِنْفٌ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ، سَقَطَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ خَاصَّةً، فَإِذَا وُجِدَ عَادَ حُكْمُهُ، كَذَا هُنَا”([76]).

وَهَكَذَا صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ إِعْطَاءَ الْمُؤَلَّفَةِ مِنَ الزَّكَاةِ حُكْمٌ مُحْكَمٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ؛ تَرْغِيبًا لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ فِي الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: لِتَثْبِيتِ حَدِيثِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ هَذَا الرَّأْيَ بِاسْتِمْرَارِ الْمَصْرِفِ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ([77]).

وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا بِبَقَاءِ هَذَا الْمَصْرِفِ، وَلَكِنْ قَصَرُوهُ عَلَى تَأْلِيفِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُجِيزُوهُ لِغَيِرِهِمْ([78]).

وَالْحَنَابِلَةُ يَرَوْنَ مَصْرِفَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مُحْكَمًا بَاقِيًا مُسْتَعْمَلًا مَا وُجِدَ الدَّاعِي لَهُ([79]).

وَذَلِكَ لِلْمُسْلِمِ وَغَيْرِهِ، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: “وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ نَوْعَانِ: كَافِرٌ وَمُسْلِمٌ. فَالْكَافِرُ: إِمَّا أَنْ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ مَنْفَعَةٌ: كَإِسْلَامِهِ؛ أَوْ دَفْعُ مَضَرَّتِهِ إِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِذَلِكَ. وَالْمُسْلِمُ الْمُطَاعُ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ الْمَنْفَعَةُ أَيْضًا كَحُسْنِ إِسْلَامِهِ، أَوْ إِسْلَامِ نَظِيرِهِ، أَوْ جِبَايَةِ الْمَالِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهِ إِلَّا لِخَوْفِ، أَوْ النِّكَايَةِ فِي الْعَدُوِّ، أَوْ كَفِّ ضَرَرِهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا لَمْ يَنْكَفَّ إِلَّا بِذَلِكَ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْعَطَاءِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ إِعْطَاءَ الرُّؤَسَاءِ وَتَرْكَ الضُّعَفَاءِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُلُوكُ؛ فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، فَإِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ كَانَ مِنْ جِنْسِ عَطَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَخُلَفَائِهِ”([80]).

وَبِالْجُمْلَةِ، فَالْجَمِيعُ يَتَّفِقُونَ أَنَّ الْغَايَةَ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ هِيَ تَحْقِيقُ مَصْلَحَةِ الْإِسْلَامِ وَالْأُمَّةِ.

فَهَؤُلَاءِ الْحَنَفَيَّةُ، وَهُمْ أَبْرَزُ الْقَائِلِينَ بِانْقِطَاعِ هَذَا السَّهْمِ، يَتَّفِقُونَ مَعَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، فَيَقُولُ السَّرْخَسِيُّ مُفَسِّرًا صَنِيعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْمَصْرِفِ: “فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّهُ يَصْرِفُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ كُفَّارٌ؟ قُلْنَا: الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْأَغْنِيَاءِ لِدَفْعِ شَرِّ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ يَدْفَعُ إِلَيْهِمْ جُزْءًا مِنْ مَالِ الْفُقَرَاءِ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ، وَذَلِكَ قَائِمٌ مَقَامَ الْجِهَادِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، ثُمَّ سَقَطَ ذَلِكَ السَّهْمُ بِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم”([81]).

فَجَمِيعُ هَذَا يَأْتِي – كَمَا تَقَدَّمَ – فِي سِيَاقِ دَوَرَانِ الْحُكْمِ مَعَ سَبَبِهِ، وَلَا قَوْلَ بِالنَّسْخِ يَرِدُ فِي ذَلِكَ، وَحَيْثُ يَرْجِعُ اسْتِعْمَالُ هَذَا الْمَصْرِفِ إِلَى السَّبَبِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ، فَالْجَمِيعُ إِذَنْ يُقِرُّ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ.

وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ مِمَّا تَنَازَعُوا فِيهِ: فِي اخْتِصَاصِ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ بِالْمُسْلِمِينَ، أَوْ شُمُولِهِ لِغَيْرِهِمْ.

ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ هُمْ مُسْلِمُونَ لَا كُفَّارٌ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ، كَذَلِكَ قَالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ([82]):

فَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ}، قَالَ: “الَّذِينَ يَدْخُلُونَ فِي الْإِسْلَامِ”([83]).

وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِاللهِ الْجَزَرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ؟ قَالَ: “هُوَ مَنْ أَسْلَمَ: يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ”. قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا؟ قَالَ: “وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا”([84]).

وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: “هُمْ مَنْ يُفْرَضُ لَهُ مِنْ أَمْدَادِ النَّاسِ مِنْ أَوَّلِ عَطَاءٍ يُعْطَوْنَهُ، وَمَنْ يَغْزُو مُشْتَرِطًا الْإِعَطَاءَ لَهُ وَهُمْ فُقَرَاءُ، وَلَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ”([85]).

وَهَذَا الْقَوْلُ بِاخْتِصَاصِ هَذَا الْمَصْرِفِ بِالْمُسْلِمِينَ، مُسْتَنَدُهُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ مَا رَأَوْهُ فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي رُؤَسَاءَ النَّاسِ مِمَّنْ حُمِلُوا حَمْلًا عَلَى الْإِسْلَامِ، كَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ الْجُمَحِيِّ، وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ قَصَصُهُمْ مَشْهُورَةٌ فِي السُّنَنِ وَالسِّيرَةِ.

وَهَذَا الْقَوْلُ يَرُدُّهُ صَنِيعُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ تَأْلِيفُ الْقُلُوبِ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ:

فَأَمَّا فِي الْمُسْلِمِينَ، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا([86])، إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، وَزَيْدِ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: أَتُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَتَدَعُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَتَأَلَّفَهُمْ”. الْحَدِيثَ([87]).

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي أُعْطِي قُرَيْشًا أَتَأَلَّفُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ”([88]).

وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: “مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ”. قَالَ: “فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ”([89]).

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ (فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلْأَنْصَارِ): “أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ([90]) مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟”([91]).

فَهَؤُلَاءِ يُعْطَوْنَ مِنْ أَجْلِ تَرْغِيبِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، كَمَا يَحْصُلُ بذَلِكَ الْعَطَاءِ تَحْقِيقُ مَصْلَحَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ.

وَصَحَّ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: “وَأَمَّا الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، فَأُنَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، كَانَ نَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم يَتَأَلَّفُهُمْ بِالْعَطِيَّةِ كَيْمَا يُؤْمِنُوا”([92]).

وَالْقَوْلُ بِهَذَا هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ.

قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: “يُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنَ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَلَا يُعْطَى كَافِرٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَاسُوسًا، أَوْ مُؤَلَّفًا”([93]).

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: “وَلَا يُعْطَى الْكَافِرُ مِنَ الزَّكَاةِ، إِلَّا لِكَوْنِهِ مُؤَلَّفًا”([94])، وَهَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ([95]).

الْقَادِحُ الرَّابِعُ: أَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ الْكَافِرُ لِمَصْلَحَةِ الزَّكَاةِ، وَيُعْطَى مِنْ مَصْرِفِ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا، لَكِنْ قَالُوا: عَلَى أَنَّهَا أُجْرَةٌ لَا زَكَاةٌ([96]).

فَهَذَا مَصْرِفُ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا لَا يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَكْيِيفِ الْإِعْطَاءِ.

وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ، تَبَعًا لِرِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ:

الْأُولَى: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ كَافِرًا.

وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: “لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}، وَهَذَا لَفْظٌ عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ عَامِلٍ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ؛ وَلِأَنَّ مَا يَأْخُذُ عَلَى الْعِمَالَةِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَخْذِهِ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ”([97]).

فَاسَتَدَّلَ لَهُ بِالْعُمُومِ، وَالَّذِي هُوَ وَارِدٌ فِي جَمِيعِ الْأَصْنَافِ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ.

وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ([98]).

وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى([99]).

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: “لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْعَامِلِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا، وَالْكُفْرُ يُنَافِي الْأَمَانَةَ”([100]).

أَقُولُ: وَهَذَا وَصْفٌ لَا يُسَلَّمُ إِطْلَاقُهُ، فَإِنَّ الْكَافِرَ قَدْ يَكُونُ أَمِينًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عِمْرَانَ: 75]. وَإِذَا عُلِّقَتِ الْمَشْرُوعِيَّةُ عَلَى الْأَمَانَةِ، فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْكَافِرِ الْأَمِينِ عَلَى الزَّكَاةِ، بِنَاءً عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ، فَتُصْبِحُ هَذَهِ الرِّوَايَةُ كَالْمُفَسِّرَةِ لِلْأُولَى.

وَمِنَ الْحَنَابِلَةِ مَنْ خَرَّجَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى تَكْيِيفِ مَا يُعْطَاهُ الْعَامِلُ، فَإِنْ كَانَ أُجْرَةً لَمْ يُشْتَرَطِ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ زَكَاةً اشْتُرِطَ الْإِسْلَامُ([101]).

وَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ هُوَ أَيْضًا قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ، قَالُوا: “الْكَافِرُ لَا يُسْتَعْمَلُ عَلَى جِبَايَةِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِقَتِهَا”([102]).

لَكِنْ لَوْ وَقَعَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الزَّكَاةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ إِمْضَاءَ ذَلِكَ، وَقَوَّوْهُ بِرَأْيِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِجَوَازِ إِعْطَاءِ الْجَاسُوسِ النَّصْرَانِيِّ مِنَ الزَّكَاةِ([103]).

أَمَّا مَا صَحَّ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ: نَدْفَعُ صَدَقَاتِ أَمْوَالِنَا إِلَى عُمَّالِنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: إِنَّ عُمَّالَنَا كُفَّارٌ. قَالَ: وَكَانَ زِيَادٌ يَسْتَعْمِلُ الْكُفَّارَ. فَقَالَ: لَا تَدْفَعُوا صَدَقَاتِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ([104]).

فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَا يَرَى أَنْ يُسْتَعْمَلَ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّدَقَاتِ، لَكِنْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْأَمَانَةِ، كَدَلَالَةِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ نَفْسِ الْكُفْرِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ عُلِمَتْ أَمَانَةُ الْعَامِلِ لَمْ يَضُرَّ اسْتِعْمَالُهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَيِّ مِلَّةٍ كَانَ عَلَيْهَا.

الْقَادِحُ الْخَامِسُ: تَوَسَّعَ الْحَنَابِلَةُ فِي جَوَازِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنْ عِدَّةِ مَصَارِفَ مِنَ الثَّمَانِيَةِ.

فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ الْكَلُوذَانِيُّ: “وكُلُّ مَنْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِ الزَّكَاةَ مِنْ ذَوِي القُرْبَى([105]) وغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا؛ لِكَوْنِهِ غَازِيًا أَوْ عَامِلًا أَوْ مُؤَلَّفًا أَوْ لإِصْلاَحِ ذَاتِ البَيْنِ([106])([107]).

وَكَذَا قَالَ السَّامَرِّيُّ صَاحِبُ “الْمُسْتَوْعِبِ” مِنَ أَئِمَّتِهِمْ: “لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى كَافِرٍ ذِمِّيٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَامِلًا أَوْ مُؤَلَّفًا أَوْ غَارِمًا لِذَاتِ الْبَيْنِ أَوْ غَازِيًا، وَكُلُّ مَنْ حَرَّمْنَا الزَّكَاةَ عَلَيْهِ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَغَيْرِهِمْ إِذَا كَانَ أَحَدَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ جَازَ لَهُ أَخْذُهَا”([108]).

فَهَذَا فِيهِ جَوَازُ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَرْبَعَةِ مَصَارِفَ: الْعَامِلِينَ، وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَالْغَارِمِينَ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ عِنْدَمَا يُشَارِكُ فِي الْغَزْوِ.

وَالْقَادِحُ السَّادِسُ: اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِمَصْرِفِ الرِّقَابِ وَمَصْرِفِ فِي سَبِيلِ اللهِ، اخْتِلَافًا لَا يُحْتَاجُ إِلَى الدُّخُولِ فِي تَفَاصِيلِهِ([109])، وَلَكِنْ فِي وُقُوعِهِ دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِ تَحْدِيدِ مَا يَسْتَغْرِقُهُ كُلُّ مَصْرِفٍ مِنَ الثَّمَانِيَةِ إِلَى الاجْتِهَادَ، وَمَا عَادَ إِلَى ذَلِكَ اسْتَمَرَّتْ مَشْرُوعِيَّةُ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، مَا دَامَ فِي سِيَاقِ دَلَالَةِ النَّصِّ وَرِعَايَةِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.

التَّرْجِيحُ:

مِنْ خِلَالِ مُنَاقَشَةِ دَلِيلِ الْجُمْهُورِ، وَمَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوَادِحِ مِنْ نَفْسِ آرَائِهِمْ، وَمَا تَبَيَّنَ مِنْ كَوْنِهِ رَأْيًا بُنِيَ عَلَى الاجْتِهَادِ فِي سِيَاقِ ظَنِّيَّةِ الدَّلِيلِ الَّذِي اعْتُمِدَ عَلَيْهِ فِي التَّخْصِيصِ، وَهُوَ حَدِيثُ مُعَاذٍ، وَمَعَ رِعَايَةِ الْأُصُولِ الْمَعْرُوفَةِ الْمُسَلَّمَةِ، تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِم الَّذِي أَذِنَتِ الشَّرِيعَةُ بِبِرِّهِ وَالْإِحِسَانِ إِلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ، هُوَ الْأَظْهَرُ، فَالْأَصْلُ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ اسْتِغْرَاقُهُ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ بِأَصْلِ وَضْعِهِ، وَالْآيَةُ عَلَّقَتِ اسْتِحْقَاقَ الصَّدَقَةِ بِصِفَاتٍ لَمْ يَكُنِ الدِّينُ قَيْدًا فِيهَا، بَلْ بَعْضُهَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ وَلَوْ جُزْءٌ مِنْهُ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ بِأَصْلِ دَلَالَةِ الْخِطَابِ، وَهُوَ مَصْرِفُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ.

وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يَجُوزُ عَلَيهِ التَّخْصِيصُ، وَلَكِنْ لَا يُخَصُّ النَّصُّ إِلَّا بِنَصٍّ أَوْ مَعْنَاهُ، وَلَمَّا وَجَدْنَاهُ صَرِيحًا بِتَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، بَنَيْنَا الْعَامَّ عَلَى الْخَاصِّ، فَاسْتَثْنَيْنَاهُ مِنَ الْآيَةِ، وَلَمَا رَأَيْنَا فَرْضَ النَّفَقَةِ مِنْ حُرِّ الْمَالِ وَاجِبًا لِلزَّوْجَةِ بِالنَّصِّ، اسْتَثْنَيْنَاهُ مِنْ عُمُومَاتِ آيَةِ الصَّدَقَاتِ، وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ سِوَى مَا ظُنَّ دَلَالَةُ حَدِيثِ مُعَاذٍ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مَا فِي تِلْكَ الدَّلَالَةِ مِنَ الضَّعْفِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعَهُ أَنْ تُقَاوِمَ دَلَالَةَ الْعُمُومِ، وَلَا مَا أَمَرَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ فِي نُصُوصٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَالْإِحْسَانِ وَالصَّدَقَةِ.

وَهَذَا الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، يُبِينُ عَنْ صِحَّةِ اتِّبَاعِ هَذَا الْأَصْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَيَقُولُ: “قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} فَاقْتَضَى ظَاهِرُهُ جَوَازَ إِعْطَائِهَا لِمَنْ شَمِلَهُ الِاسْمُ مِنْهُمْ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا لَوْلَا قِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى مَنْعِ إِعْطَاءِ بَعْضِ الْأَقْرِبَاءِ”([110])، وَذَكَرَ دَلِيلَ اسْتِثْنَاءِ الصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ تَجِبُ النَّفَقَةُ لَهُمْ، كَالْأَوْلَادِ وَالزَّوْجَةِ.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْجَصَّاصُ هُوَ مَا تُوجِبُهُ الْقَوَاعِدُ فِي دَلَالَةِ آيَةِ الصَّدَقَاتِ عَلَى صِحَّةِ شُمُولِ اللَّفْظِ لِكُلِّ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، مَا لَمْ يُخَصَّصْ.

وَيَتَأَيَّدُ هَذَا بَأَنَّهُ لَمْ يَخْتِلفِ الْعُلَمَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْ أَمْوَالِ التَّبَرُّعَاتِ غَيْرِ الزَّكَاةِ، وَذَلِكَ لِمَعْنَى الْحَاجَةِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَهُوَ الْمَعْنَى ذَاتُهُ الَّذِي شُرِعَتِ الزَّكَاةُ لِأَجْلِهِ، وَلَيْسَتِ الزَّكَاةُ عِبَادَةً مَحْضَةً لَا يُدْرَكُ وَجْهُهَا وَلَا يُفْهَمُ سِرُّهَا، وَعَلَيْهِ فَفِي قَصْرِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَرْضًا تَفْرِيقٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُتَّحِدَيْنِ فِي الْمَعْنَى: أَمْوَالِ الزَّكَاةِ، وَأَمْوَالِ سَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ.

وَحِينَ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذَّارِيَات: 19]، كَانَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ فِي فُقَرَائِكُمْ خَاصَّةً، وَكَانُوا أَحْوَجَ إِلَى الْقَصْرِ عَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ مِنْهُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، بَلْ دَخَلَ فِي الْخِطَابِ كُلُّ سَائِلٍ وَكُلُّ مَحْرُومٍ.

وَهَكَذَا حِينَ قَصَّ عَلَيْهِمْ بِمَكَّةَ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، وَقَوْلَهُمْ: {أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ} [الْقَلَم: 24]، لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ أَنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي مَنَعُوهُ حَقَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَلَا ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ الَّذِي سَبَّبَ لِلْمُجْرِمِينَ سَلُوكَ سَقَرَ إِذْ قَالُوا: {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [الْمُدَّثِر: 44].

وَقَدْ قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} [يُوسُف: 88]، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ اعْتِبَارُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ.

المبحث الرابع

حُكْمُ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَالْأُضْحِيَةِ

يَتْبَعُ الْبَيَانَ لِحُكْمِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ حُكْمُ إِعْطَائِهِ مِنْ صَدَقَاتٍ أُخْرَى وَاجِبَةٍ أَيْضًا هِيَ غَيْرُ الزَّكَاةِ. وَقَدْ سَبَقَ مِنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْمَانِعِينَ أَنْ عَمَّمُوا قَوْلَهُمْ بِالْمَنْعِ فِي كُلِّ مَا هُوَ مِنَ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ، كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَغْلَبُ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ يَرْجِعُ إِلَى حَدِيثِ مُعَاذٍ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ زَادَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ تِلْكَ الصَّدَقَاتِ اسْتِدْلَالًا آخَرَ، كَمَا أَنَّ خِلَافَهُمْ فِيهَا أَبْرَزُ مِنْ خِلَافِهِمْ فِي الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلًا: زَكَاةُ الْفِطْرِ:

جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ كَالْحُكْمِ فِي زَكَاةِ الْمَالِ، وَنَصُّوا عَلَى ذَلِكَ:

فَذَهَبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، وَالشَّافِعِيُّ، إِلَى أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يُعْطَوْنَ مِنْ زَكَاةِ الْفِطِرِ([111]).

قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: “لَا يُعْطَى أَهْلُ الذِّمَّةِ وَلَا الْعَبِيدُ مِنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ شَيْئًا”([112]).

وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي بَيَانِ الْمَذْهَبِ: “وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى كَافِرٍ”([113]). وَقَالَ النَّوَوِيُّ: “لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْفِطْرَةِ إِلَى كَافِرٍ عِنْدَنَا”([114]).

وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: “لَا أُحِبُّ ذَلِكَ”([115]).

وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَأْيَ أَبِي مَيْسَرَةَ الْآتِي قَرِيبًا فِي إِعْطَاءِ الرُّهْبَانِ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَقَالَ: “لَا يُعْجِبُنِي هَذَا”([116]).

وَسُئِلَ فِي رِوَايَةٍ: يُعْطَى الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ مِنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: “لَا يُعْجِبُنِي؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ. فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ وَاجِبًا”([117]).

فَأَحْمَدُ يَسْتَدِلُّ عَلَى الْمَنْعِ بِأَنَّ دَلَالَةَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ تُفِيدُ وُجُوبَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَالزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ لَا تُصْرَفُ إِلَّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ.

وَاسْتَدَلَّ الْمَاوَرْدِيُّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ وَمَا وَرَدَ بِمَعْنَاهُ فِي صَدَقَةِ الْمَالِ لِزَكَاةِ الْفِطْرِ، فَقَالَ: “فَجَعَلَ مَنْ تُدْفَعُ الصَّدَقَةُ إِلَيْهِ فَقِيرًا، أَوْ مَنْ تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْهُ غَنِيًّا، فَلَمَّا لَمْ تُؤْخَذِ الصَّدَقَةُ إِلَّا مِنْ غَنِيٍّ مُسْلِمٍ وَجَبَ أَنْ لَا تُدْفَعَ الصَّدَقَةُ إِلَّا إِلَى فَقِيرٍ مُسْلِمٍ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ إِخْرَاجُهُ لِلطُّهْرَةِ، فَلَمْ يُجْزِهِ دَفْعُهُ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كَزَكَاةِ الْمَالِ”([118]).

لَكِنْ ذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ إِلَى جَوَازِ إِطْعَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْهَا، أَوْ اخْتِصَاصِ الرُّهْبَانِ مِنْهُمْ دُونَ سَائِرِهِمْ، فَقَدْ صَحَّ الْأَثَرُ فِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلٍ، وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُعْطُونَ الرُّهْبَانَ مِنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ([119]).

وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ هُوَ الْأَوْدِيُّ، أَدْرَكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَلْقَهُ، وَابْنُ شُرَحْبِيلٍ هُوَ أَبُو مَيْسَرَةَ الْهَمْدَانِيُّ، وَمُرَّةُ هُوَ ابْنُ شَرَاحِيلَ، يُعْرَفُ بِمُرَّةَ الطَّيِّبِ. وَالثَّلَاثَةُ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ.

وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلٍ يَجْمَعُ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ، ثُمَّ يُفَرِّقُهَا بَيْنَ الرُّهْبَانِ([120]).

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: “وَإِنَّمَا نَرَاهُمْ تَرَخَّصُوا فِي هَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الزَّكَاةِ، إِنَّمَا هُوَ مِنَ السُّنَّةِ”([121]).

أَقُولُ: وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، لَكِنْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِمْ، وَبِخَاصَّةٍ وَأَنَّ مُعْظَمَ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ عَلَى وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ.

وَمِنْ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبُهُ مُحَمَّدُ إِلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ دَفْعِ زَكَاةِ الْفِطْرِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ([122]).

وَقَالَ النَّحَّاسُ: “وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الرَّأْيِ فَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّكَاةِ فَلَمْ يُجِيزُوا فِي الزَّكَاةِ إِلَّا دَفْعَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَجَازُوا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُدْفَعَ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ”([123]).

وَيَرِدُ عَلَى اسْتِدْلَالِ الْجُمْهُورِ مَا سَبَقَ فِي حُكْمِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ، وَالْإِبَانَةُ عَنْ مَصْرِفِ زَكَاةِ الْفِطْرِ تَسْتَغْرِقُ بِعُمُومِ الصِّيغَةِ مَنْ فِي الْمُجْتَمَعِ مِنَ الْمَسَاكِينِ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الكَاسَانِيُّ لِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بِجَوَازِ إِعْطَاءِ الذِّمِّيِّ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ، بِمَا يَلِي([124]):

1 – عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ}، قَالَ الْكَاسَانِيُّ: “مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ فَقِيرٍ وَفَقِيرٍ، وَعُمُومُ هَذَا النَّصِّ يَقْتَضِي جَوَازَ صَرْفِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ، إِلَّا أَنَّهُ خُصَّ مِنْهُ الزَّكَاةُ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ”.

2 – عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْكَفَّارَاتِ: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مِسْكِينٍ وَمِسْكِينٍ.

وَأَرَادَ أَنَّ الْمَعْنَى فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ هُوَ ذَاتُهُ فِي الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ.

3 – قَالَ الْكَاسَانِيُّ: “وَلِأَنَّ صَرْفَ الصَّدَقَةِ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ بَابِ إِيصَالِ الْبِرِّ إِلَيْهِمْ، وَمَا نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، وَظَاهِرُ هَذَا النَّصِّ يَقْتَضِي جَوَازَ صَرْفِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ بِرٌّ بِهِمْ، إِلَّا أَنَّ الْبِرَّ بِطَرِيقِ الزَّكَاةِ غَيْرُ مُرَادٍ، عَرَفْنَا ذَلِكَ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى الْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِعَانَةً لَهُمْ عَلَى قِتَالِنَا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجَدْ فِي الذِّمِّيِّ”([125]).

وَلَا تَخْفَى قُوَّةُ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ، وَلَوْلَا حَدِيثُ مُعَاذٍ، لَكَانَتْ مُتَعَدِّيَةً أَيْضًا فِي رَأْيِ الْكَاسَانِيِّ إِلَى عُمُومِ الزَّكَاةِ.

وَيَعْتَضِدُ مَا ذَكَرَهُ بِدَلِيلٍ رَابِعٍ يُبَيِّنُ مَصْرِفَ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: “فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ؛ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ” الْحَدِيثَ([126]).

فَعُمُومُ لَفْظِ (الْمَسَاكِينِ) يَسْتَغْرِقُ الْمُسْلِمَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ.

أَمَّا التَّعَلُّقُ بِحَدِيثِ “أَغْنُوهُمْ عَنِ السُّؤَالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ”، فَهَذَا لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَصْرِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هُوَ فِي كَفِّ السَّائِلِ يَوْمَ الْعِيدِ عَنِ السُّؤَالِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ. عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَصِحُّ([127]).

فَحَاصِلُ مَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ صَحِيحٌ رَاجِحٌ.

ثَانِيًا: الْكَفَّارَاتُ:

وَالْمَقْصُودُ بِهَا كَفَّارَاتُ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْوِقَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَيَلْحَقُ بِهَا فِدْيَةُ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ.

وَقَدْ نَصَّ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَنْعِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَفَّارَاتِ:

فَثَبَتَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: “لَا يُطْعَمُ نَصْرَانِيٌّ فِي كَفَّارَةِ يَمِينٍ”([128]).

وَقَالَ رَبِيعَةُ الرَّأْيِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: “إِنَّهُ لَا يُعْطَى مِنْهَا يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ وَلَا عَبْدٌ شَيْئًا”، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ([129]).

وَرُوِيَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالَ: “لَا يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ، لَا يُجْزِئُ إِلَّا مَسَاكِينُ مُسْلِمُونَ”([130]).

وَقَالَ سُحْنُونٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَهْلَ الذِّمَّةِ أَنُطْعِمُهُمْ فِي الْكَفَّارَةِ؟ قَالَ: “لَا تُطْعِمْهُمْ مِنْهَا شَيْئًا وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ”([131]).

وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ، وَإِطْلَاقِ الْمَنْعِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَالِ الْوَاجِبِ.

وَرُوِيَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَسَاكِينُ مُسْلِمُونَ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ([132]).

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: “وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى كَافِرٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي إِعْطَائِهِمْ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ فِي إِعْتَاقِهِمْ([133]). وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} وَأَطْلَقَ، فَيَدْخُلُونَ فِي الْإِطْلَاقِ. وَلَنَا أَنَّهُ كَافِرٌ، فَلَمْ يَجُزِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، كَمَسَاكِينِ أَهْلِ الْحَرْبِ”([134]).

وَقَالَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: “وَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى كَافِرٍ، ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا. وَبِذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى الذِّمِّيِّ؛ لِدُخُولِهِ فِي اسْمِ الْمَسَاكِينِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ مِسْكِينٌ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَجْزَأَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ، كَالْمُسْلِمِ. وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنِ الشَّعْبِيِّ. وَخَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ؛ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إِعْتَاقِهِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُعْطِيهِمْ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمْ. وَلَنَا: إِنَّهُمْ كُفَّارٌ، فَلَمْ يَجُزْ إِعْطَاؤُهُمْ، كَمُسْتَأْمَنِي أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِهَذَا، فَنَقِيسُ”([135]).

وَالْمُجِيزُونُ اسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَخُلُوِّهِ مِنَ الْقَيْدِ، كَمَا ذَكَرَهُ لَهُمُ ابْنُ قُدَامَةَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [الْمَائِدَة: 89]، وَفِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [الْمُجَادِلَة: 4]. وَبِالنَّظَرِ إِلَى رِعَايَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ الَّذِي لَم يُصْرَفْ بِدَلِيلٍ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَلَا خُصَّ بِهِ مُسْلِمٌ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَا أُلْحِقَ فِيهِ وَصْفُ (مِسْكِينٍ) أَوْ (مَسَاكِينَ) بِقَيْدٍ يَمْنَعُ إِرَادَةَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّ هَذَا الاسْتِدْلَالَ لِلْقَائِلِينَ بِهِ مِنْ أَبْرَزِ مَا يَجْرِي عَلَى الْقَوَاعِدِ.

وَمِثْلُهُ مَا جَاءَ فِي فِدْيَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [الْبَقَرَة: 184].

فَكُلُّ ذَلِكَ إِذَنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ وَغَيْرِ الْمُسْلِمِ.

ثَالِثًا: الْأُضْحِيَةُ:

وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ تَبَعًا لِاخْتِلَافِهِمْ فِي جَوَازِ أَوْ مَنْعِ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْوَاجِبِ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْيَيْنِ:

الْأَوَّلُ: رَأْيُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَنْعُ إِطْعَامِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْأُضْحِيَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِ الْمُسْلِمِينَ.

وَالثَّانِي: جَوَازُ إِطْعَامِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْأُضْحِيَةِ.

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: “وَيَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا كَافِرًا. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ: غَيْرُهُمْ أَحَبُّ إِلَيْنَا. وَكَرِهَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ إِعْطَاءَ النَّصْرَانِيِّ جِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ”.

وَاسْتَدَلَّ لِلْجَوَازِ، فَقَالَ: “وَلَنَا: أَنَّهُ طَعَامٌ لَهُ أَكْلُهُ؛ فَجَازَ إِطْعَامُهُ لِلذِّمِّيِّ، كَسَائِرِ طَعَامِهِ، وَلِأَنَّهُ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ، فَجَازَ إِطْعَامُهَا الذِّمِّيَّ وَالْأَسِيرَ، كَسَائِرِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. فَأَمَّا الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ مِنْهَا، فَلَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا إِلَى كَافِرٍ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ، فَأَشْبَهَتِ الزَّكَاةَ، وَكَفَّارَةَ الْيَمِينِ”([136]).

وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَائِشَةَ عِنْدَ تَفْرِيقِ لَحْمِ الْأُضْحِيَةِ: “ابْدَئِي بِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ”، لَكِنْ هَذَا حَدِيثٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا صَحَّ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّهَا أُضْحِيَةٌ([137]).

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُضْحِيَةَ نُسُكٌ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ فِي لَحْمِ النُّسُكِ جَوَازُ إِطْعَامِ كُلِّ فَقِيرٍ مِنْهُ، دُونَ اعْتِبَارِ مِلَّتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الْحَجّ: 28]، وَقَالَ: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الْحَجّ: 36].

وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي لُحُومِ الْأَضَاحِي: “كُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا”([138]).

فَأَطْلَقَ الصَّدَقَةَ مِنْهَا، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مُسْلِمًا وَغَيْرَ مُسْلِمٍ.

المبحث الخامس

التَّبَرُّعَاتُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ كُلُّهَا مَشْرُوعَةٌ، وَهِيَ مِنَ الْمَعْرُوفِ

وَهِيَ نَوْعَانِ:

النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ:

وَذَلِكَ كَالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَلَوْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لُقْمَان: 15].

وَمِثْلُ صِلَةِ الْأَرْحَامِ؛ لِعُمُومَاتِ النُّصُوصِ فِي فَرْضِ تِلْكَ الصِّلَةِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ قَطْعِيَّةٌ، وَهِيَ عَامَّةٌ فِي الْأَرْحَامِ، وَبِخُصُوصِ صِلَةِ الْمُشْرِكِ بِالصَّدَقَةِ يَأْتِي حَدِيثُ أَسْمَاءَ وَعُمَرَ قَرِيبًا.

فَبِرُّ هَؤُلَاءِ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمْ مِنْ قَبِيلِ الصِّلَةِ الَّتِي لَا يَحِلُّ أَنْ تُقْطَعَ إِلَّا أَنْ يُحَارِبَ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ.

وَقَدْ يَكُونُ غَيْرُ الْمُسْلِمِ جَارًا وَصَاحِبًا وَمَا فِي مَعْنَاهُ، فَيُوصَلُ بِالنَّفَقَةِ لِحَقِّ الْجِوَارِ أَوِ الصُّحْبَةِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي دَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [النِّسَاء: 36]: “الْوَصَاةُ بِالْجَارِ مَأْمُورٌ بِهَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَالْإِحْسَانُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمُوَاسَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَكَفِّ الْأَذَى وَالْمُحَامَاةِ دُونَهُ”([139]).

وَالنُّصُوصُ فِي السُّنَّةِ فِي شَأْنِ حَقِّ الْجَارِ وَصِلَتِهِ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِالْمُسْلِمِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: “قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْأَحَادِيثُ فِي إِكْرَامِ الْجَارِ جَاءَتْ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ حَتَّى الْكَافِرِ”([140]).

وَكَذَا حَقُّ الضَّيْفِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هُوَ فَرْضٌ لِلْمُسْلِم وَغَيْرِ الْمُسْلِمِ، إِذْ لَمْ تُفَرِّقْ فِي ذَلِكَ النُّصُوصُ، كَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ”([141]).

وَالنَّوْعُ الثَّانِي: صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ:

وَلَا خِلَافَ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: “فَأَمَّا غَيْرُ الْفَرِيضَةِ فَقَدْ نَزَلَ الْكِتَابُ بِالرُّخْصَةِ فِيهَا، وَجَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ”([142]).

وَحُكْمُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ، فَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ الصَّحِيحَةِ، وتَلْخِيصُ طَرَفٍ مِنْ أَدِلَّتِهِ فِيمَا يَلِي:

1 – قَالَ تَعَالَى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الْمُمْتَحَنَة: 8].

قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي الْآيَةِ: “تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْهَدِيَّةِ لِلْكَافِرِ مُطْلَقًا مِنَ الْقَرِيبِ وَغَيْرِهِ، وَلَا مُنَافَاةَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الْآيَةُ [الْمُجَادِلَة: 22]، فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِي حَقِّ مَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ خَاصَّةٌ بِمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَأَيْضًا الْبِرُّ وَالصِّلَةُ وَالْإِحْسَانُ لَا تَسْتَلْزِمُ التَّحَابَّ وَالتَّوَادَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ”([143]).

وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدَهُمْ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ (وَفِي لَفْظٍ: رَاغِمَةٌ)([144])، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: “نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ”([145]). وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ}([146]).

قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: “وَالصِّلَةُ: الْعَطِيَّةُ، أَرَادَتْ أَنَّ أُمَّهَا لَمَّا جَاءَتْ تَطْلُبُ صِلَتَهَا كَانَتْ مُشْرِكَةً، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّدَقَةِ عَلَيْهَا مَعَ الشِّرْكِ”([147]).

وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذا الْحَدِيثِ، وَقَالَ: “وَلَا بَأْسَ أَنْ يُتَصَدَّقَ عَلَى الْمُشْرِكِ مِنَ النَّافِلَةِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْفَرِيضَةِ مِنَ الصَّدَقَةِ حَقٌّ”([148]).

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: “بَابُ الهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}”، وَسَاقَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي قَرِيبًا فِي إِهْدَاءِ عُمَرَ لِأَخِيهِ الْمُشْرِكِ، وَحَدِيثَ أَسْمَاءَ فِي شَأْنِ أُمِّهَا([149]).

كَمَا قَالَ أَيْضًا: “بَابُ صِلَةِ الْوَالِدِ الْمُشْرِكِ”، وَسَاقَ إِحْدَى رِوَايَاتِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ([150]).

2 – عُمُومُ الْآيَاتِ فِي الْحَثِّ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَالصَّدَقَةِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، تَقَدَّمَ قَبْلُ ذِكْرُ طَائِفَةٍ مِنْهَا.

وَقَدْ صَحَّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ نَاسٌ لَهُمْ أَنْسِبَاءُ وَقَرَابَةٌ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، وَكَانُوا يَتَّقُونَ أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَيُرِيدُونَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَنَزَلَتْ: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الْبَقَرَة: 272]. وَفِي سِيَاقٍ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَرْضَخُوا لِأَنْسِبَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسَأَلُوا، فَرُخِّصَ لَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَذَكَرَهَا)([151]).

وَفِي سِيَاقٍ آخَرَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِأَنْ لَا يُصَّدَّقَ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}، إِلَى آخِرِهَا، فَأَمَرَ بِالصَّدَقَةِ بَعْدَهَا عَلَى كُلِّ مَنْ سَأَلَكَ، مِنْ كُلِّ دِينٍ([152]).

وَجَدِيرٌ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ هُنَا: أَنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هَذَا فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِإِرَادَةِ عُمُومِ الصَّدَقَةِ وَاجِبِهَا وَمَنْدُوبِهَا، كُلُّ ذَلِكَ يَحِلُّ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِخَاصَّةٍ مَعَ رِعَايَةِ الْآيَةِ فِي سِيَاقِهَا مِنَ السُّورَةِ، فَالْآيَاتُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا بَيَّنَتْ أَحْكَامًا تَتَّصِلُ بِالصَّدَقَاتِ بِعُمُومِهَا، وَفِيهَا مَا اسْتُخْرِجَ مِنْهُ بَعْضُ فَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ، كَاسْتِخْرَاجِ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى الْوَارِدِ فِي نَفْسِ السِّيَاقِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [الْبَقَرَة: 267].

3 – وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ عِبَادِهِ الْأَبْرَارِ: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الْإِنْسَان: 8-9].

عَنْ أَبِي رَزِينٍ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، فَمَرَّ عَلَيْهِ أُسَارَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}([153]).

وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي الْآيَةِ، قَالَ: “الْأَسْرَى مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ”([154]).

وَعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: “لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْأُسَرَاءِ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَإِنَّ أَسْرَاهُمْ يَوْمَئِذٍ لَأَهْلُ الشِّرْكِ”([155]).

وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِيهَا، قَالَ: “لَمْ يَكُنِ الْأَسِيرُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا مِنَ الْمُشْرِكِينَ”([156]).

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: “يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ حَمِدَ عَلَى إِطْعَامِ الْمُشْرِكِينَ”([157]).

وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَا فِي الْأَسِيرِ فِي الْآيَةِ: “مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهِمْ”([158]).

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: “وَكُلُّ مَنْ حُرِمَ صَدَقَةَ الْفَرْضِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَقَرَابَةِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْكَافِرِ وَغَيْرِهِمْ، يَجُوزُ دَفْعُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ أَخْذُهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}. وَلَمْ يَكُنْ الْأَسِيرُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا كَافِرًا”([159]).

4 – صِحَّةُ السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّبَرُّعِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ، فَمِنْهَا غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا يَلِي:

عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ، فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ”، ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا”، فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا([160]).

وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُتَبَرَّعُ لَهُ غَيْرَ مُسْلِمٍ، ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ مِنَ الْأَقْرَبِينَ يَجُوزُ بِرُّهُ بِالصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي بِلَادِ الْمُحَارِبِينَ، مَا لَمْ يَكُنْ هُوَ بِنَفْسِهِ حَرْبًا لِلْإِسْلَامِ أَوْ نَصِيرًا لِمَنْ يُحَارِبُهُ.

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَصَدَّقَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْيَهُودِ بِصَدَقَةٍ، فَهِيَ تَجْرِي عَلَيْهِمْ([161]).

وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَقْفِ لِمَصْلَحَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.

5 – وَعَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُ ذَبَحَ شَاةً فَقَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِي الْيَهُودِيِّ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ”.

وَفِي سِيَاقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَغُلَامُهُ يَسْلَخُ شَاةً، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، إِذَا فَرَغْتَ فَابْدَأْ بِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: آلْيَهُودِيَّ! أَصْلَحَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُوصِي بِالْجَارِ، حَتَّى خَشِينَا – أَوْ رُئِينَا – أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ([162]).

وَصَحَّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: “لَيْسَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْوَاجِبِ حَقٌّ، وَلَكِنْ إِنْ شَاءَ الرَّجُلُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ”. وَفِي رِوَايَةٍ: “لَا يُعْطَى غَيْرُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا، وَيُعْطَوْنَ مِنَ التَّطَوُّعِ”([163]).

وَسُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ عَنِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ: يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: “مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ يُعْطَوْنَ”([164]).

فَبِالْجُمْلَةِ، فَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْتُ، وَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ سِوَاهَا، وَهُوَ كَثِيرٌ، كُلُّهُ يَدُلُّ دَلَالَةً بَيِّنَةً عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ سِيَاقٍ فِيهِ تَحْقِيقٌ لِمَعْنَى الْإِحْسَانِ وَالْعَوْنِ، أَوِ حُسْنِ الْعَلَاقَةِ وَالصِّلَاتِ بَيْنَ النَّاسِ، مِنْ أَقَارِبَ وَأَصْدِقَاءَ وَمَعَارِفَ.

وَيَعْظُمُ قَدْرُ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ مِنَ الْمُسْلِمِ بِقَصْدِ تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِظْهَارِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَالتَّوَدُّدِ إِلَى النَّاسِ رَغْبَةً فِي الْخَيْرِ لَهُمْ، وَحِرْصًا عَلَى نَفْعِهِمْ.

وَلَا يَقْتَصِرُ كُلُّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْأَفْرَادِ، بَلِ الْمُؤَسَّسَاتُ وَالْهَيْئَاتُ الَّتِي تَقُومُ عَلَى النَّفْعِ الْعَامِّ أَوْلَى بِهَذَا، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ نَشَاطُهَا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى دِينٍ آخَرَ، وَذَلِكَ كَالْمُؤَسَّسَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَمَرَاكِزِ الْبَحْثِ، وَمُؤَسَّسَاتِ الْمُجْتَمَعِ الْمَدَنِيِّ، كَمُؤَسَّسَاتِ الرِّعَايَةِ الصِّحِّيَّةِ، وَخِدْمَةِ الضُّعَفَاءِ وَالْمُعَوَّقِينَ، وَمُؤَسَّسَاتِ الْحِفَاظِ عَلَى الْبِيئَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا يَضْعُفُ فِيهِ دَوْرُ الْمُسْلِمِينَ، وَبِخَاصَّةٍ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ ذَاتِ الْأَغْلَبِيَّةِ غَيْرِ الْمُسْلِمَةِ.

 


خلاصة ونتائج

 

وَفِي آخِرِ هَذَا الْبَحْثِ آتِي عَلَى ذِكْرِ أَبْرَزِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ مُلَخَّصًا فِيمَا يَلِي:

1 – دَلَالَةُ آيَةِ الصَّدَقَاتِ الْعُمُومُ، تَسْتَغْرِقُ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ كُلَّ مَا يَصْلُحُ لَهُ كُلُّ وَصْفٍ فِيهَا.

2 – مَا الْتَزَمَهُ الْمَانِعُونَ مِنْ إِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مِنَ الزَّكَاةِ اسْتِنَادًا إِلَى حَدِيثِ مُعَاذٍ وَشِبْهِهِ فِي دَلَالَتِهِ مِنَ السُّنَّةِ، هُوَ اسْتِدْلَالٌ بِظَاهِرٍ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّأْوِيلُ.

وَوَجْهُهُ: تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَاءِ الْبَلَدِ مِمَّن وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ وَتُوضَعُ فِي مَحَاوِيجِهِمْ مُطْلَقًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ مُسْلِمُهُمْ وَغَيْرُ مُسْلِمِهِمْ.

3 – مَصْرِفُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ شَرِيعَةٌ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَهُوَ يَسْتَغْرِقُ الْمُسْلِمَ لِتَثْبِيتِهِ، وَغَيْرَ الْمُسْلِمِ لِتَحْبِيبِهِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ دِينُ رَحْمَةٍ وَإِنْسَانِيَّةٍ، وَحَرِيٌّ أَنْ يُفَعَّلَ هَذَا الْمَصْرِفُ فِي الْوَاقِعِ الْمُعَاصِرِ؛ لِيُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ النَّظْرَةِ السَّلْبِيَّةِ إِلَى هَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ وَأَهْلِهِ، وَيُشَوِّقَ إِلَى الذَّبِّ عَنْهُ وَاعْتِنَاقِهِ، وَهِيَ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ جِدًّا، وَيَنْبَغِي أَنْ تَتَخَرَّجَ مَشْرُوعِيَّتُهَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، فَإِنَّ جَمِيعَ الْفُقَهَاءِ حَتَّى مَنْ ذَهَبَ مِنْهُمْ إِلَى تَوَقُّفِ هَذَا الْمَصْرِفِ، فَسَّرُوا وَجْهَهُ بِالْمَصْلَحَةِ.

3 – مَا تَفُوتُ تَغْطِيَتُهُ مِنْ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ لِإِبْرَازِ مُشَارَكَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي نَفْعِ الْخَلْقِ، فَإِنَّ فِي عُمُومِ الصَّدَقَاتِ وَالتَّبَرُّعَاتِ مَا يَسْتَوْعِبُهُ.

 


التوصيات

كَمَا أَخْتِمُ بِالتَّوْصِيَاتِ التَّالِيَةِ:

أَوَّلًا: ضَرُورَةُ الْخُرُوجِ مِنَ الانْغِلَاقِ فِي تَفْسِيرِ النَّصِّ الشَّرْعِيِّ بِقَصْرِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَفَاهِيمِ الاجْتِهَادِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ، وَالَّتِي خَضَعَتْ لِمُؤَثِّرَاتِ زَمَانِهَا وَبِيئَتِهَا، وَتَفْسِيرِهِ بِرِعَايَةِ مَقَاصِدِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي جَاءَتْ كُلُّهَا فِي سِيَاقِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ التَّحَوُّطِ بِالتَّقْلِيدِ وَالْمَذْهَبِيَّةِ إِلَى التَّحَوُّطِ بِرِعَايَةِ الْقَوَاعِدِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْأُصُولِيَّةِ.

ثَانِيًا: صِفَةُ الْإِحْسَانِ وَالْإِقْسَاطِ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَحَضَّهُمْ عَلَيْهِ، وَهُمْ أَوْلَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَعَلَيْهِمْ إِبْرَازُهَا كَطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ التَّرْغِيبِ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُنَا تَأْتِي ضَرُورَةُ تَفْعِيلِ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، بِمَعُونَةِ الْمُحْتَاجِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَفْرَادٍ أَوْ مُؤَسَّسَاتٍ تُقَدِّمُ الْخِدْمَةَ فِي سِيَاقِ حِفْظِ الضَّرُورِيِّ، كَالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْعَقْلِ وَالنَّسْلِ، لِعُمُومِ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، فَيَبْرُزُ بِتِلْكَ الْمُشَارَكَةِ جَمَالُ الْإِسْلَامِ. كَذَلِكَ،

ثَالِثًا: لَا يُخْتَلَفُ أَنَّ الْجِهَادَ مِنْ سَبِيلِ اللهِ، وَأَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْحَقِّ مِنْ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْجِهَادِ، فَلْيُفَعَّلْ سَهْمُ (فِي سَبِيلِ اللهِ) فِي سِيَاقِ الدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ وَتَبْصِيرِهِمْ بمَا فِي هَذَا الدِّينِ مِنَ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ بِالْخَلْقِ، وَإِبْطَالِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تُثَارُ حَوْلَهُ، وَإِبْرَازِ كَوْنِ الْمُسْلِمِينَ شُرَكَاءَ لِمَنْ يُعَايِشُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ فِي تَحَمُّلِ مَسْئُولِيَّةِ الْحِفَاظِ عَلَى ضَرُورَاتِ الْحَيَاةِ، بَلْ لَهُمُ التَّمَيُّزُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِمْ بِسَبَبِ تَوْجِيهَاتِ دِينِهِمْ.

وَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الْإِسْرَاء: 9].

هَذَا مَا تَيَسَّرَ وَتَحَرَّرَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْمُهِمَّةِ، فَاللهَ أَسْأَلُ أَنْ يَكُونَ نَافِعًا لِلنَّاسِ، دَالًّا لَهُمْ عَلَى الْهُدَى الْمَقْصُودِ بِخِطَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِعِبَادِهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ سُبْحَانَهُ مَنْ زَلَّةِ فِكْرٍ أَوْ شَطْحَةِ بَنَانٍ، وَهُوَ وَحْدَهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

                                                                         مَدِينَة لِيدْزِ – الْمَمْلَكَة الْمُتَّحِدَة

                                                                          يَوْم الاثْنَينِ 21 ذُو الْحَجَّةِ 1436هـ

                                                                         الْمُوَافِق 5 أكتوبر 2015م


مسرد المراجع

 

  • الإجماع، لأبي بكر بن المنذر. تحقيق: صغير أحمد حنيف. نشر: مكتبة الفرقان، عجمان / مكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة، الطبعة الثانية (1420هـ – 1999م).
  • الآحاد والمثاني، لأبي بكر بن أبي عاصم. تحقيق: باسم فيصل الجوابرة. نشر: دار الراية، الرياض، الطبعة الأولى (1411هـ – 1991م).
  • الأحاديث المختارة، لضياء الدين المقدسي. تحقيق: عبدالملك بن دهيش. نشر: دار خضر، بيروت، الطبعة الثالثة (1420هـ – 2000م).
  • أحكام القرآن، لأبي بكر الجصاص الرازي. تحقيق: محمد صادق قمحاوي. نشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت (1412هـ – 1992م).
  • أحكام القرآن، لأبي جعفر الطحاوي. تحقيق: سعد الدين أونال. نشر: مركز البحوث الإسلامية التابِع لوقف الديانة التركي، إستانبول، الطبعة الأولى (1416هـ – 1995م).
  • أحكام أهل الملل (من كتاب: الجامع)، لأبي بكر الخلال. تحقيق: إبراهيم بن حمد بن سلطان. نشر: مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى (1416هـ – 1996م).
  • أخبار القضاة، لوكيع: محمد بن خلف بن حيان. مصورة: عالم الكتب، بيروت (دون تاريخ).
  • الأدب المفرد، للبخاري. تحقيق: سمير بن أمين الزهيري. نشر: مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى (1419هـ – 1998م).
  • الإشراف على مذاهب العلماء، لأبي بكر بن المنذر. تحقيق: صغير أحمد الأنصاري. نشر: مكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة، الطبعة الأولى (1425هـ – 2004م).
  • الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني. تحقيق: طه محمد الزيني. نشر: مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة (1969م).
  • الإقناع في مسائل الإجماع؛ لابن القطان الفاسي. تحقيق: حسن فوزي الصعيدي. نشر: الفاروق الحديثة، القاهرة (1424هـ – 2004م).
  • الأم، لأبي عبدالله الشافعي. تحقيق: رفعت فوزي عبدالمطلب. نشر: دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الأولى (1422هـ – 2001م).
  • الأمالي، لأبي القاسم بن بشران. تحقيق: عادل بن يوسف العزازي. نشر: دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى (1418هـ – 1997م).
  • الأموال، لحميد بن زنجويه. تحقيق: شاكر ذيب فياض. نشر: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات، الرياض، الطبعة الأولى (1406هـ – 1986م).
  • الأموال، لأبي عبيد القاسم بن سلَّام الهروي. تحقيق: محمد خليل هراس. مكتبة الكليات الأزهرية / دار الفكر، القاهرة، الطبعة الثالثة (1401هـ – 1981م).
  • الأوسط، لأبي بكر بن المنذر. تحقيق: صغير أحمد حنيف. نشر: دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى (1405هـ – 1985م).
  • بداية المجتهد، لابن رشد الحفيد. تحقيق: ماجد الحموي. نشر: دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى (1416هـ – 1995م).
  • البداية والنهاية، لابن كثير. تحقيق: عبدالله التركي. نشر: دار هجر، القاهرة، الطبعة الأولى (1418هـ – 1997م).
  • بدائع الصنائع، للكاساني. نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية (1406 هـ – 1986م).
  • البدر المنير، لابن الملقن. تحقيق: مجموعة. نشر: دار الهجرة، الرياض، الطبعة الأولى (1425هـ – 2004م).
  • بلوغ المرام من أدلة الأحكام، لابن حجر العسقلاني. تحقيق: ماهر ياسين الفحل. نشر: دار القبس، الرياض، الطبعة الأولى (1435هـ – 2014م).
  • البيان في مذهب الإمام الشافعي، تأليف: أبي الحسين يحيى بن أبي الخير العمراني. تحقيق: قاسم محمد النوري. نشر: دار المنهاج، جدة، الطبعة الأولى (1421هـ – 2000م).
  • التاريخ الكبير، للبخاري. تحقيق: عبدالرحمن بن يحيى المعلمي. مصورة: دار الكتب العلمية، بيروت، عن طبعة حيدر آباد، الهند.
  • تاريخ دمشق، لأبي القاسم بن عساكر. تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي. نشر: دار الفكر، بيروت (1415هـ – 1995م).
  • تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، لفخر الدين الزيلعي. نشر: المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، القاهرة، الطبعة الأولى (1313هـ).
  • تحفة المحتاج في شرح المنهاج، لابن حجر الهيتمي. نشر: المكتبة التجارية الكبرى بمصر، (1357هـ – 1938م).
  • تصحيح الفروع، للمرداوي (بهامش: الفروع، لابن مفلح). تحقيق: عبدالله التركي. نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى (1424هـ – 2003م).
  • التفريع، لأبي القاسم ابن الجلاب. تحقيق: حسين بن سالم الدهماني. نشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى (1408هـ – 1987).
  • تفسير القرآن العظيم، لابن أبي حاتم الرازي. تحقيق: أسعد محمد الطيب. نشر: مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، الطبعة الأولى (1417هـ – 1997م).
  • تهذيب الكمال، للمزي. تحقيق: بشار عواد معروف. نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى (1400هـ – 1980م وبعدها).
  • التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب، لخليل بن إسحاق المالكي. تحقيق: أحمد بن عبدالكريم نجيب. نشر: مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، الطبعة الأولى (1429هـ – 2008م).
  • جامع البيان عن تأويل آي القرآن (أو: تفسير الطبري)، لابن جرير الطبري. تحقيق: عبدالله التركي. نشر: دار هجر، القاهرة، الطبعة الأولى (1422هـ – 2001م).
  • الجامع، (أو: السنن)، للترمذي. تحقيق: بشار عواد معروف. نشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى (1996م).
  • الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبدالله القرطبي. تحقيق: عبدالله التركي وغيره. نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى (1427هـ – 2006م).
  • الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي. تحقيق: محمود الطحان. نشر: مكتبة المعارف، الرياض (1403هـ – 1983م).
  • الجعديات (أو: مسند ابن الجعد)، لأبي القاسم البغوي. تحقيق: عبدالمهدي بن عبدالقادر بن عبدالهادي. نشر: مكتبة الفلاح، الكويت، الطبعة الأولى (1405هـ – 1985م).
  • جواهر العقود ومعين القضاة والموقعين والشهود، لشمس الدين المنهاجي. نشر: محمد سرور الصبان، الطبعة الثانية (دون تاريخ).
  • حاشية الدسوقي على الشرح الكبير. نشر: دار إحياء الكتب العربية، لعيسى البابي الحلبي، القاهرة (دون تاريخ).
  • الحاوي الكبير، لأبي الحسن الماوردي. تحقيق: علي معوض، وعادل عبدالموجود. نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (1419هـ -1999م).
  • الخراج، لأبي يوسف القاضي. مصورة: دار المعرفة، بيروت (1399هـ – 1979م).
  • دلائل النبوة، لأبي بكر البيهقي. تحقيق: عبدالمعطي قلعجي. نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة (1429هـ – 2008م).
  • سنن ابن ماجة، لابن ماجة القزويني. تحقيق: بشار عواد معروف. نشر: دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى (1418هـ – 1998م).
  • سنن أبي داود، لأبي داود السجستاني. تحقيق: عزت عبيد الدعاس، وعادل السيد. نشر: دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى (1418هـ – 1997م).
  • السنن الكبرى، للنسائي. تحقيق: حسن عبدالمنعم شلبي، بإشراف: شعيب الأرنؤوط. نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى (1421هـ – 2001م).
  • السنن الكبرى، لأبي بكر البيهقي. نشر: دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الطبعة الأولى (1344هـ).
  • سنن النسائي، لأبي عبدالرحمن النسائي. اعتناء: عبدالفتاح أبو غدة. نشر: مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب (1414هـ -1994م).
  • سنن سعيد بن منصور (قسم التفسير)، لسعيد بن منصور. تحقيق: سعد الحميد. نشر: دار الصميعي، الرياض، الطبعة الأولى (1414هـ – 1993م).
  • السيرة النبوية، لابن هشام. تحقيق: مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبدالحفيظ شلبي. مصورة: دار إحياء التراث العربي، بيروت (دون تاريخ).
  • السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، للشوكاني. تحقيق: محمود إبراهيم زايد. نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، عن طبعة وزارة الأوقاف المصرية (1408هـ – 1988م).
  • الشافي في شرح مسند الشافعي، لمجد الدين أبي السعادات ابن الأثير. تحقيق: أحمد بن سليمان، وياسر بن إبراهيم. نشر: مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى (1426هـ 2005م).
  • شرح الخرشي على مختصر خليل. نشر: المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، مصر، الطبعة الثانية (1327هـ).
  • صحيح البخاري، لأبي عبدالله البخاري. اعتناء: محمد زهير الناصر. نشر: دار طوق النجاة، عن الطبعة السلطانية.
  • صحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج النيسابوري. تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي. نشر: دار إحياء الكتب العربية، القاهرة (دون تاريخ).
  • علل الحديث، لعبدالله بن يوسف الجديع (غير منشور).
  • فتح العزيز شرح الوجيز، لأبي القاسم الرافعي. تحقيق: علي معوض، وعادل عبدالموجود. نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (1417هـ – 1997م).
  • فتوح البلدان، للبلاذري. تحقيق: صلاح الدين المنجد. نشر: مكتبة النهضة المصرة (دون تاريخ).
  • الفروع، لشمس الدين محمد بن مفلح المقدسي. تحقيق: عبدالله التركي. نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى (1424هـ – 2003م).
  • الكافي في فقه أهل المدينة، لأبي عمر بن عبدالبر. تحقيق: محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني. نشر: مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، الطبعة الأولى (1398هـ – 1978م).
  • الكامل في الضعفاء، لأبي أحمد بن عدي. تحقيق: عادل عبدالموجود، وعلي معوض، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (1418هـ – 1997م).
  • المبسوط، لشمس الأئمة السرخسي. نشر: دار المعرفة، بيروت (1409هـ – 1989م) عن طبعة: مطبعة السعادة، مصر (1331هـ).
  • مجموع الفتاوى، لابن تيمية. جمع وترتيب: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم. نشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة (1416هـ – 1995م).
  • المجموع شرح المهذب، للنووي. نشر: إدارة الطباعة المنيرية، القاهرة (1344هـ).
  • المحلى، لابن حزم الأندلسي. تحقيق: أحمد محمد شاكر. نشر: إدارة الطباعة المنيرية، القاهرة، الطبعة الأولى (1348هـ).
  • المدونة الكبرى، لسحنون بن سعيد التنوخي. نشر: مطبعة السعادة، مصر (1323هـ).
  • مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، رواية إسحاق بن منصور. تحقيق: محمد الزاحم وآخرين. نشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى (1425هـ – 2004م).
  • مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبدالله. تحقيق: زهير الشاويش. نشر: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى (1401هـ – 1981م).
  • مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود السجستاني. تحقيق: طارق بن عوض الله. نشر: مكتبة ابن تيمية، القاهرة (1420هـ – 1999م).
  • المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري. تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا. نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية (1422هـ – 2002).
  • مسند ابن أبي شيبة، لأبي بكر بن أبي شيبة. تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، وأحمد فريد المزيدي. نشر: دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى (1418هـ – 1997م).
  • مسند أبي يعلى، لأبي يعلى الموصلي. تحقيق: حسين سليم أسد. نشر: دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة الثانية (1410هـ – 1990م).
  • مسند الإمام أحمد، لأحمد بن حنبل. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين. نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى (ابتداء من 1416هـ – 1995م حتى 1421هـ – 2001م).
  • مصنف ابن أبي شيبة، لأبي بكر بن أبي شيبة. تحقيق: محمد عوامة. نشر: دار القبلة، جدة، الطبعة الأولى (1427هـ – 2006م).
  • مصنف عبدالرزاق، لعبدالرزاق الصنعاني. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. نشر: المجلس العلمي في جنوب إفريقيا وباكستان والهند، توزيع: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى (1390هـ – 1970م)، والطبعة الثانية (1403هـ – 1983م).
  • معالم التنزيل، لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي. تحقيق: محمد النمر، وعثمان ضميرية، وسليمان الحرش. نشر: دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى (1409هـ – 1989م).
  • معالم السنن (شرح سنن أبي داود)، لأبي سليمان الخطابي. تحقيق: محمد راغب الطباخ. نشر: المطبعة العلمية، حلب، الطبعة الأولى (1352هـ – 1933م).
  • المعجم الكبير، لأبي القاسم الطبراني. تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي. نشر: مكتبة ابن تيمية، القاهرة (دون تاريخ).
  • المغني، لابن قدامة. تصوير: دار الكتاب العربي، بيروت، عن طبعة: دار المنار، القاهرة، الطبعة الثانية (1347هـ).
  • منح الجليل على مختصر خليل، لمحمد عليش. نشر: دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى (1404هـ – 1984م).
  • الناسخ والمنسوخ، لأبي جعفر النحاس. تحقيق: سليمان بن إبراهيم اللاحم. نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى (1412هـ – 1991م).
  • نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، لشمس الدين الرملي. نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة (1424هـ – 2003م).
  • النهاية في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات ابن الأثير. تحقيق: طاهر الزاوي، ومحمود الطناحي. نشر: المكتبة الإسلامية، (1383هـ – 1963م).
  • نوادر الفقهاء، لمحمد بن الحسن الجوهري. تحقيق: محمد فضل المراد. نشر: دار القلم، دمشق / الدار الشامية، بيروت، الطبعة الأولى (1414هـ – 1993م).
  • نيل الأوطار، لمحمد بن علي الشوكاني. تحقيق: طارق بن عوض الله. نشر: دار ابن القيم، الرياض / دار ابن عفان، القاهرة، الطبعة الأولى (1426هـ – 2005م).
  • الهداية، لأبي الخطاب الكلوذاني. تحقيق: عبداللطيف هميم، وماهر ياسين الفحل. نشر: مؤسسة غراس، الكويت، الطبعة الأولى (1425هـ – 2004م).
                                                                        آخره…

 


([1])  أَخْرَجَهُ ابْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي “الْأَمْوَالِ” (رقم: 2280) بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَالْخَلَّالُ فِي “أَحْكَامِ أَهْلِ الْمِلَلِ” (رقم: 163) بِاللَّفْظَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([2])  أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي “الْأَمْوَالِ” (رقم: 1989)؛ وَابْنُ زَنْجَوَيْهِ (رقم: 2286) وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([3])  أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1986)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([4])  أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10515) بِهَذَا؛ وَعَبْدُالرَّزَّاقِ (رقم: 7167)؛ وَابْنُ زَنْجَوَيْهِ (رقم: 2283) بِبَعْضِهِ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. فِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ.

([5])  أَخْرَجَهُ ابْنُ زَنْجَوَيْهِ (رقم: 2287)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([6])  أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10505)، بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَ(رقم: 10503) بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ؛ وَأَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1988) بِالرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ، والْأَسَانِيدُ بِهَا كُلُّهَا جَيِّدَةٌ.

([7])  ذَكَرَهُ عَقِبَ رِوَايَتِهِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ فِي التَّعْلِيقِ السَّابِقِ فِي كِتَابِ “الْأَمْوَالِ”.

([8])  أَخْرَجَهُ ابْنُ زَنْجَوَيْهِ (رقم: 2288)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([9])  أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10513)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([10])  أَخْرَجَهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ (رقم: 7166)؛ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10512)؛ وَابْنُ زَنْجَوَيْهِ (رقم: 2282)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

([11])  أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10511)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

([12])  أظْآرًا: جَمْعُ ظِئْرٍ، وَالأَصْلُ أَنَّ الظِّئْرَ الْمُرْضِعَةُ، وَالْمَعْنَى: لَنَا قَرَابَاتٌ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعِ.

([13])  أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1987)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

([14])  أَخْرَجَهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ (رقم: 7170) عَنِ الثَّوْرِيِّ.

([15])  أَخْرَجَهُ الْخَلَّالُ فِي “أَحْكَام أَهْلِ الْمِلَلِ” (رقم: 155)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([16])  انْظُرْ: أَحْكَامَ الْقُرْآنِ، لِلْجَصَّاصِ (4/339)؛ الْمَبْسُوطَ، لِلسَّرْخَسِيِّ (2/202)؛ بَدَائِعَ الصَّنَائِعِ، لِلْكَاسَانِيِّ (2/49).

([17])  الْمُدَوَّنَة، لِسُحْنُونٍ (2/298).

([18])  الْمُدَوَّنَة، لِسُحْنُونٍ (2/300).

([19])  انْظُرْ: الْكَافِيَ، لِابْنِ عَبْدِالْبَرِّ (1/327)؛ التَّفْرِيعَ، لِابْنِ الْجَلَّابِ (1/298).

([20])  انْظُرْ: الْبَيَانَ، لِلْعِمْرَانِيِّ (3/441).

([21])  الشَّافِي فِي شَرْحِ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ، لِابْنِ الْأَثِيرِ (3/157).

([22])  الْمَجْمُوع، لِلنَّوَوِيِّ (6/228).

([23])  انْظُر: مَسَائِلَ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، رِوَايَة إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ (رقم: 656)؛ أَحْكَامَ أَهْلِ الْمِلَلِ، لِلْخَلَّالِ (رقم: 155-159).

([24])  أَحْكَام أَهْلِ الْمِلَلِ، لِلْخَلَّالِ (رقم: 161).

([25])  أَحْكَام أَهْلِ الْمِلَلِ، لِلْخَلَّالِ (رقم: 165).

([26])  انْظُرْ: مَسَائِلَ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، رِوَايَة إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ (رقم: 656).

([27])  الْأَمْوَال، لِابْنِ زَنْجَوَيْهِ (رقم: 2289).

([28])  الْإِشْرَاف، لِابْنِ الْمُنْذِرِ (3/80)، وَبِنَحْوِهِ فِي: الْإِجْمَاعِ، لَهُ (رقم: 136، 140)؛ الْإِقْنَاع فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ؛ لِابْنِ الْقَطَّانِ (1/224).

([29])  نَوَادِر الْفُقَهَاءِ، لِلْجَوْهَرِيِّ (ص: 48)، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي “الْإِقْنَاع فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ” (1/224). وَانْظُرْ أَيْضًا: أَحْكَامَ الْقُرْآنِ، لِلْجَصَّاصِ (4/340).

([30])  الْإِقْنَاع فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ، لِابْنِ الْقَطَّانِ (1/224).

([31])  الْمُغْنِي، لِابْنِ قُدَامَةَ (2/517).

([32])  جَوَاهِر الْعُقُودِ، لِلْمِنْهَاجِيِّ (1/496).

([33])  وَهُوَ قَاضِي الْبَصْرَةِ، كَانَ مِنَ الفُقَهَاءِ الثِّقَاتِ الْأَذْكِيَاءِ، وُلِدَ سَنَةَ (100)، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ (168)، وَلَهُ فِي الْفِقْهِ اخْتِيَارَاتٌ. انْظُرْ لِتَرْجَمَتِهِ: أَخْبَارَ الْقُضَاةِ، لِوَكِيعٍ (2/88-123)؛ تَهْذِيبَ الْكَمَالِ، لِلْمِزِّيِّ (19/23).

([34])  أَحْكَام أَهْلِ الْمِلَلِ، لِلْخَلَّالِ (رقم: 154).

([35])  مُتَفَّقٌ عَلَيْهِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: 1395، 1496، 4347)؛ وَمُسْلِمٌ (رقم: 19).

([36])  مُتَفَّقٌ عَلَيْهِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: 1458، 7372)؛ وَمُسْلِمٌ (ص: 51).

([37])  أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: 63). وَفِي الْمَعْنَى أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (رقم: 649) وَغَيْرُهُ، وَقَالَ: “حَدِيثٌ حَسَنُ”. وَهُوَ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ، ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ لِذَاتِهِ، فِيهِ أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ.

([38])  الْأَمْوَال، لِأَبِي عُبَيْدٍ (ص: 542).

([39])  الْمَبْسُوط، لِلسَّرْخَسِيِّ (2/202).

([40])  بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ، لِابْنِ رُشْدٍ (2/554).

([41])  الْبَيَان، لِلْعِمْرَانِيِّ (3/441).

([42])  أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي “مُسْنَدِهِ” (رقم: 692) – وَعَنْهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي “الْآحَادِ وَالْمَثَانِي” (رقم: 1608) -؛ وَأَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1990)؛ وَالْبُخَارِيُّ فِي “التَّارِيخِ” (5/26)؛ وَالنَّسَائِيُّ (رقم: 2466)؛ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي “الْكُبْرَى” (7/7)؛ وَالْمِزِّيُّ فِي “التَّهْذِيبِ” (16/252)، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، ابْنُ هِلَالٍ الثَّقَفِيُّ لَمْ تَثْبُتْ صُحْبَتُهُ، فَهَذَا إِرْسَالٌ، وَالرَّاوِي عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الْأَسْوَدِ، مَجْهُولُ الْحَالِ.

([43])  السَّيْل الْجَرَّار، لِلشَّوْكَانِيِّ (2/63).

([44])  هَكَذَا وَقَعَتِ الْعِبَارَةُ فِي الْمَصْدَرِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ مِنَ الْجُذَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

([45])  أَخْرَجَهُ الْبَلَاذُرِيُّ فِي “فُتُوحِ الْبُلْدَانِ” (رقم: 353)، قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ الْمَشَايِخَ يَذْكُرُونَ أَنَّ عُمَرَ. وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، بَيْنَ هِشَامٍ وَعُمَرَ فِي إِسْنَادِهِ مَجَاهِيلُ يَزِيدُونَ عَلَى طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ، إِذْ بَيْنَهُمَا مَفَاوِزُ شَاسِعَةٌ، فَهُوَ إِسْنَادٌ مُعْضَلٌ.

([46])  وَانْظُرْ لِهَذَا الْمَعْنَى فِي إِطْلَاقِ كُلٍّ مِنَ الاسْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ: الْأُمَّ، لِلشَّافِعِيِّ (3/206).

([47])  أَخْرَجَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي “الْخَرَاجِ” (ص: 126)؛ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (رقم: 10350). وَبِاللَّفْظِ الْمُخْتَصَرِ: سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي “التَّفْسِيرِ” مِنْ “سُنَنِهِ” (رقم: 1024)؛ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10507)، وَفِي إِسْنَادِهِ جَهَالَةُ الْعَبْسِيِّ وَضَعْفُ الرَّاوِي عَنْهُ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ الثَّقَفِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ مِنْ قَوْلِهِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ كَقَوْلِ عُمَرَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ (11/513-514)، لَكِنْ إِسْنَادُهُ وَاهٍ جِدًّا، وَلَا حَاجَةَ لَهُ.

([48])  أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 119)، وَإِسْنَادُهُ صَالِحٌ إِلَى جَسْرِ بْنِ فَرْقَدٍ، وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، وَلَكِنَّهُ حَدَّثَ عَمَّا شَهِدَ، وَلَمْ يَكُنْ سَاقِطَ الرِّوَايَةِ، فَيُحْتَمَلُ مِنْهُ.

([49])  أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10501)؛ وَأَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1985)، وَفِيهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ حِفْظِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10508) مِنْ طَرِيقِ لَيْثٍ أَيْضًا، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَطَاوُسٍ، أَنَّهُمَا كَرِهَا الصَّدَقَةَ عَلَى النَّصْرَانِيِّ.

([50])  أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1994)؛ وَابْنُ زَنْجَوَيْهِ (رقم: 2292)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَابْنُ مَرْوَانَ هُوَ الْخُزَاعِيُّ، ثِقَةٌ.

([51])  أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10510)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ مُرْسَلٌ.

([52])  أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10514) عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: “لَا تُعْطِ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ مِنَ الزَّكَاةِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ تَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ”، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، يَرْوِيهِ رَجُلٌ لَم يُسَمَّ.

([53])  انْظُرْ: الشَّافِيَ فِي شَرْحِ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ، لِابْنِ الْأَثِيرِ (3/157). وَتَحَرَّفَ (شُبْرُمَة) فِي بَعْضِ الْمَرَاجِعِ إِلَى (سِيرِينَ)، مِنْهَا: الْبَيَان، لِلْعِمْرَانِيِّ (3/441).

([54])  الْمَبْسُوط، لِلسَّرْخَسِيِّ (2/202).

([55])  مُتَفَّقٌ عَلَيْهِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: 1395، 1496، 4347)؛ وَمُسْلِمٌ (رقم: 19).

([56])  انْظُرْ: الْإِشْرَافَ؛ لِابْنِ الْمُنْذِرِ (3/105)؛ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ، لِلْجَصَّاصِ (4/341)؛ الْمُغْنِيَ، لِابْنِ قُدَامَةَ (2/531).

([57])  انْظُرْ: تَبْيِينَ الْحَقَائِقِ، لِلزَّيْلَعِيِّ (1/304)؛ فَتْحَ الْعَزِيزِ، لِلرَّافِعِيِّ (7/423)؛ الْمُغْنِيَ، لِابْنِ قُدَامَةَ (2/528)؛ الْفُرُوعَ، لِابْنِ مُفْلِحٍ (4/292).

([58])  انْظُرْ: تَبْيِينَ الْحَقَائِقِ، لِلزَّيْلَعِيِّ (1/304).

([59])  شَرْح الْخَرْشِيِّ عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ (2/213، 216).

([60])  أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي “الْكُبْرَى” (7/20)؛ وَالْخَطِيبُ فِي “الْجَامِعِ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي” (رقم: 1623)؛ وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي “تَارِيخِ دِمَشْقَ” (9/195)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلَى عَبِيدَةَ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَلَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَمَنِ الْقِصَّةِ، وَبِذَلِكَ أَعَلَّهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي “الْإِصَابَةِ” (1/92).

([61])  أَخْرَجَهُ سُحْنُونٌ فِي “الْمُدَوَّنَةِ” (2/297)؛ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10864)؛ وَابْنُ جَرِيرٍ (11/522)؛ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (رقم: 10378)، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، يَرْوِيهِ جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ لَيْسَ بِثِقَةٍ.

وَمُفْرَدَةُ “الرِّشَا” جَمْعُ رِشْوَةٍ، وَاسْتِعْمَالُهَا هُنَا لَا تَلِيقُ نِسْبَتُهُ إِلَى الشَّرِيعَةِ الْحَكِيمَةِ، وَفِيهِ اسْتِبْعَادٌ لِمَفْهُومٍ جَلِيلٍ غَايَتُهُ سَامِيَةٌ هِيَ تَحْقِيقُ صِفَةِ الْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ، وَدَفْعُ الزَّكَاةِ مِنْ أَجْلِ اتِّقَاءِ شَرِّ بَعْضِ النَّاسِ مَفْهُومٌ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّهُ بَعْضُ الْمَعْنَى، وَمِنَ الْمَعْنَى إِعْطَاءٌ مِنْ أَجْلِ أَسْرِ الْمُقَابِلِ بِالْإِحْسَانِ حَتَّى يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ لِلْإِسْلَامِ، كَمَا قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَكَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ: “وَاللهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَعْطَانِي، وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ”، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (رقم: 2313).

([62])  أَخْرَجَهُ ابْنُ زَنْجَوَيْهِ (رقم: 2043)، وَفِي إِسْنَادِهِ مَجْهُولٌ.

([63])  أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ (11/522) مِنْ وَجْهَيْنِ ضَعِيفَيْنِ عَنِ الْحَسَنِ، يُقَوِّي أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَهُوَ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

([64])  الْجَامِع، لِلتِّرْمِذِيِّ (بعد رقم: 666).

([65])  انْظُرْ: بِدَايَةَ الْمُجْتَهِدِ، لِابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ (2/541).

([66])  انْظُرْ: الْهِدَايَةَ، لِلْكَلُوذَانِيِّ (ص: 149).

([67])  انْظُرْ: الْإِشْرَافَ، لِابْنِ الْمُنْذِرِ (3/91)؛ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ، لِلطَّحَاوِيِّ (1/365)؛ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ، لِلْجَصَّاصِ (4/325-326).

([68])  أَحْكَام الْقُرْآنِ، لِلْجَصَّاصِ (4/325).

([69])  بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ، لِابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ (2/542).

([70])  انْظُرْ: مِنَحَ الْجَلِيلِ، لِعُلَيْشٍ (2/88).

([71])  أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10865)؛ وَابْنُ جَرِيرٍ (11/523)؛ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (رقم: 10382)، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِكَوْنِهِ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَقَدْ حَكَى الْجَصَّاصُ الرِّوَايَةَ بِنَفْسِ الْإِسْنَادِ، لَكِنْ بِلَفْظٍ مُعَاكِسٍ، قَالَ: “لَيْسَ الْيَوْمَ مُؤَلَّفَةٌ قُلُوبُهُمْ” (انْظُرْ: أَحْكَامَ الْقُرْآنِ، لَهُ 4/326).

([72])  أَخْرَجَهُ سُحْنُونٌ فِي “الْمُدَوَّنَةِ” (2/297).

([73])  أَيْ لِنَيْلِ الْعَطَاءِ مِنَ الْمَالِ.

([74])  الْأَمْوَال، لِأَبِي عُبَيْدٍ (ص: 537).

([75])  جَامِع الْبَيَان، لِابْنِ جَرِيرٍ (11/523).

([76])  الْمُغْنِي، لِابْنِ قُدَامَةَ (2/527).

([77])  انْظُرْ: التَّوْضِيحَ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ، لِخَلِيلِ بْنِ إِسْحَاقَ (2/349)؛ شَرْحَ الْخَرْشِيِّ عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيلِ (2/216)، حَاشِيَةَ الدُّسُوقِيِّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ (1/495)؛ الْفُرُوعَ، لِابْنِ مُفْلِحٍ (4/329-330).

([78])  انْظُرْ: الْأُمَّ، لِلشَّافِعِيِّ (3/183، 190)؛ فَتْحَ الْعَزِيزِ، لِلرَّافِعِيِّ (7/384)؛ الْمَجْمُوعَ، لِلنَّوَوِيِّ (6/198-199).

([79])  انْظُرْ: الْهِدَايَةَ، لِلْكَلُوذَانِيِّ (ص: 149)؛ الْمُغْنِيَ، لِابْنِ قُدَامَةَ (2/527)؛ الْفُرُوعَ، لِابْنِ مُفْلِحٍ (4/329-330).

([80])  مَجْمُوع الْفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (28/290).

([81])  الْمَبْسُوط، لِلسَّرْخَسِيِّ (3/9).

([82])  وَانْظُرْ: الْإِشْرَافَ، لِابْنِ الْمُنْذِرِ (3/91)؛ مَعَالِمَ التَّنْزِيلِ، لِلْبَغَوِيِّ (4/64).

([83])  أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10866)؛ وَأَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1959)؛ وَابْنُ جَرِيرٍ (11/521)؛ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (رقم: 10381)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([84])  أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10867)؛ وَابْنُ جَرِيرٍ (11/521)؛ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (رقم: 10383)، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.

([85])  أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1961)، وَإِسْنَادُهُ صَالِحٌ.

([86])  أَيْ بِذَهَبٍ تِبْرٍ غَيْرِ مَصُوغٍ.

([87])  مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: 3344، 4351، 4667، 7432)؛ وَمُسْلِمٌ (رقم: 1064).

([88])  مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: 3146، 4331، 4334)؛ وَمُسْلِمٌ (رقم: 1059).

([89])  أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (رقم: 2312).

([90])  لُعَاعَةٍ: شَيْءٍ يَسِيرٍ قَلِيلٍ.

([91])  أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبيِ شَيْبَةَ (رقم: 38152)؛ وَأَحْمَدُ (رقم: 11730)؛ وَابْنُ الْمُنْذِرِ فِي “الْأَوْسَطِ” (رقم: 6530)؛ وَابْنُ هِشَامٍ فِي
“السِّيرَةِ” (4/141)؛ وَابْنُ بِشْرَانَ فِي “الْأَمَالِي” (رقم: 783)؛ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي “دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ” (5/176)، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي “الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ” (4/758).

([92])  أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ (11/521)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([93])  شَرْح الْخَرْشِيِّ عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيلِ (2/213).

([94])  الْمُغْنِي، لِابْنِ قُدَامَةَ (2/518).

([95])  انْظُرْ: الْهِدَايَةَ، لِلْكَلُوذَانِيِّ (ص: 149).

([96])  انْظُرْ: تُحْفَةَ الْمُحْتَاجِ، لِلْهَيْتَمِيِّ (7/160)، نِهَايَةَ الْمُحْتَاجِ، لِلشَّمْسِ الرَّمْلِيِّ (6/159).

([97])  الْمُغْنِي، لِابْنِ قُدَامَةَ (2/517).

([98])  انْظُرْ: الْفُرُوعَ، لِابْنِ مُفْلِحٍ (4/321).

([99])  انْظُرْ: الْهِدَايَةَ، لِلْكَلُوذَانِيِّ (ص: 149).

([100]) الْمُغْنِي، لِابْنِ قُدَامَةَ (2/517).

([101]) انْظُرْ: تَصْحِيحَ الْفُرُوعِ، لِلْمَرْدَاوِيِّ (4/321-322).

([102]) شَرْح الْخَرْشِيِّ عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيلِ (2/216).

([103]) انْظُرْ: التَّوْضِيحَ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ، لِخَليلِ بْنِ إِسْحَاقَ (2/348).

([104]) أَثَرٌ صَحِيحٌ. أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1793)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([105]) يَعْنِي آلَ بَيْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ.

([106]) يُدْرَجُ الصَّرْفُ لِهَذَا الْمَعْنَى تَحْتَ مَصْرِفِ الْغَارِمِينَ، فَهُمْ مَنْ تَحَمَّلَ غَرَامَةً لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ، (انْظُرْ: الْإِشْرَافَ، لِابْنِ الْمُنْذِرِ 3/93).

([107]) الْهِدَايَة، لِلْكَلُوذَانِيِّ (ص: 152). وَانْظُرْ: الْفُرُوعَ، لِابْنِ مُفْلِحٍ (4/364).

([108]) نَقَلَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ، انْظُرْ: الْفُرُوعَ (4/364).

([109]) انْظُرْ بَعْضَ ذَلِكَ فِي: الْإِشْرَافِ، لِابْنِ الْمُنْذِرِ (3/91)؛ الْمُدَوَّنَةِ، لِسُحْنُونٍ (2/299)؛ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، لِلْجَصَّاصِ (4/326)؛ الْمَبْسُوطِ، لِلسَّرْخَسِيِّ (3/9)؛ بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ، لِابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ (2/544، 550)؛ شَرْحِ الْخَرْشِيِّ عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ (2/213)؛ الْمَجْمُوعِ، لِلنَّوَوِيِّ (6/201)؛ الْفُرُوعِ، لِابْنِ مُفْلِحٍ (4/330).

([110]) أَحْكَام الْقُرْآنِ، لِلْجَصَّاصِ (4/338).

([111]) انْظُرْ: الْإِشْرَافَ، لِابْنِ الْمُنْذِرِ (3/81)؛ بَدَائِعَ الصَّنَائِعِ، لِلْكَاسَانِيِّ (2/49).

([112]) الْمُدَوَّنَة، لِسُحْنُونٍ (2/359).

([113]) الْحَاوِي، لِلْمَاوَرْدِيِّ (3/387).

([114]) الْمَجْمُوع، لِلنَّوَوِيِّ (6/142).

([115]) الْإِشْرَاف، لِابْنِ الْمُنْذِرِ (3/81).

([116]) مَسَائِل الْإِمَامِ أَحْمَدَ، رِوَايَة ابْنِهِ عَبْدِاللهِ (رقم: 652)؛ أَحْكَام أَهْلِ الْمِلَلِ، لِلْخَلَّالِ (رقم: 162).

([117]) أَحْكَام أَهْلِ الْمِلَلِ، لِلْخَلَّالِ (رقم: 160).

([118]) الْحَاوِي، لِلْمَاوَرْدِيِّ (3/387).

([119]) أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1997)، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.

([120]) أَخْرَجَهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ (رقم: 7168، 7169)؛ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10504)؛ وَأَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1996)؛ وَعَبْدُاللهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي “مَسَائِلِ أَبِيه” (رقم: 652)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([121]) الْأَمْوَال، لِأَبِي عُبَيْدٍ (ص: 544).

([122]) انْظُرْ: الْإِشْرَافَ، لِابْنِ الْمُنْذِرِ (3/81)؛ بَدَائِعَ الصَّنَائِعِ، لِلْكَاسَانِيِّ (2/49)؛ الْحَاوِيَ، لِلْمَاوَرْدِيِّ (3/387)؛ بِدَايَةَ الْمُجْتَهِدِ، لِابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ (2/554)؛ الشَّافِيَ فِي شَرْحِ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ، لِابْنِ الْأَثِيرِ (3/157)؛ الْبَيَانَ، لِلْعِمْرَانِيِّ (3/441).

([123]) النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ، لِلنَّحَّاسِ (3/147).

([124]) انْظُرْ: بَدَائِعَ الصَّنَائِعِ، لِلْكَاسَانِيِّ (2/49).

([125]) بَدَائِع الصَّنَائِعِ، لِلْكَاسَانِيِّ (2/49).

([126]) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (رقم: 1609)؛ وَابْنُ مَاجَةَ (رقم: 1827)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، قَوَّاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَحَسَّنَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَابْنُ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَابْنُ الْمُلَقِّنِ. شَرَحْتُ ذَلِكَ فِي “عِلَلِ الْحَدِيثِ”.

([127]) أَخْرَجَهُ ابْنُ زَنْجَوَيْهِ (رقم: 2397)؛ وَابْنُ عَدِيٍّ فِي “الضُّعَفَاءِ” (8/319-320)؛ وَالْبَيْهَقِيُّ (4/175)، وَآخَرُونَ، بِلَفْظِ: “أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ” ضِمْنَ حَدِيثٍ أَطْوَلَ مِنْهُ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي الْحَدِيثِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ زِيَادَةٌ مُنْكَرَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو مَعْشَرٍ نَجِيحٌ السِّنْدِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وضَعَّفَ الْحَدِيثَ ابْنُ حَزْمٍ فِي “الْمُحَلَّى” (6/121)؛ وَالنَّوَوَيُّ فِي “الْمَجْمُوعٍ” (6/126)؛ وَابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي “الْبَدْرِ الْمُنِيرِ” (5/621)، كَمَا نَقَلَ تَضْعِيفَهُ عَنِ ابْنِ عَسَاكِرَ؛ وَضَعَّفَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي “بُلُوغِ الْمَرَامِ” (رقم: 628).

([128]) أَخْرَجَهُ سُحْنُونٌ فِي “الْمُدَوَّنَةِ” (3/121)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

([129]) الْمُدَوَّنَة، لِسُحْنُونٍ (3/121).

([130]) أَخْرَجَهُ سُحْنُونٌ فِي “الْمُدَوَّنَةِ” (3/121)؛ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 12641)، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، فِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ.

([131]) الْمُدَوَّنَة، لِسُحْنُونٍ (3/120).

([132]) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 12641)، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، فِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ.

([133]) أَيْ إِعْتَاقُ الرَّقَبَةِ غَيْرِ الْمُؤْمِنَةِ.

([134]) الْمُغْنِي، لِابْنِ قُدَامَةَ (8/611).

([135]) الْمُغْنِي، لِابْنِ قُدَامَةَ (11/252).

([136]) الْمُغْنِي، لِابْنِ قُدَامَةَ (11/110).

([137]) انْظُرْ: الْجَامِعَ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، لِلْقُرْطُبِيِّ (5/188)، وَيَأْتِي قَرِيبًا تَخْرِيجُ الرِّوَايَةِ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو.

([138]) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (رقم: 1971) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ.

([139]) الْجَامِع لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، لِلْقُرْطُبِيِّ (5/184).

([140]) الْجَامِع لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، لِلْقُرْطُبِيِّ (5/188).

([141]) أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى (رقم: 2699)، وَغَيْرُهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلَهُ شَوَاهِدُ هُوَ بِهَا صَحِيحٌ.

([142]) الْأَمْوَال، لِأَبِي عُبَيْدٍ (ص: 542).

([143]) نَيْل الْأَوْطَارِ، لِلشَّوْكَانِيِّ (7/293). وَهَذَا النَّصُّ عَلَى ضِدِّ مَا سَبَقَ نَقْلُهُ عَنِ الشَّوْكَانِيِّ عِنْدَ ذِكْرِ أَدِلَّةِ الْمَانِعِينَ.

([144]) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي “مَعَالِمِ السُّنَنِ” (2/76): “قَوْلُهَا: (رَاغِبَةٌ) أَيْ طَالِبَةٌ بِرِّي وَصِلَتِي. وَقَوْلُهَا: (رَاغِمَةٌ) مَعْنَاهُ كَارِهَةٌ لِلْإِسْلَامِ سَاخِطَةٌ عَلَيَّ، تُرِيدُ أَنَّهَا لَمْ تَقْدُمْ مُهَاجِرَةً رَاغِبَةً فِي الدِّينِ كَمَا كَانَ يَقْدُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَكَّةَ لِلْهِجْرَةِ وَالْإِقَامَةِ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِصِلَتِهَا لِأَجْلِ الرَّحِمِ”.

([145]) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: 2620، 3183، 5978)؛ وَمُسْلِمٌ (رقم: 1003). وَلَفْظُ (رَاغِمَةٌ) لِأَبِي دَاوُدَ (رقم: 1668)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([146]) وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (رقم: 5978). وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ (رقم: 16111) وَغَيْرُهُ الْقِصَّةَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَفِيهَا نُزُولُ الْآيَةِ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَيُسْتَأْنَسُ بِهِ مَعَ قَوْلِ سُفْيَانَ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ سُفْيَانُ أَرَادَ دُخُولَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي قِصَّةِ أَسْمَاءَ ضِمْنَ عُمُومِ الْآيَةِ.

([147]) الشَّافِي فِي شَرْحِ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ، لِابْنِ الْأَثِيرِ (3/156).

([148]) الْأُمّ، لِلشَّافِعِيِّ (3/157).

([149]) صَحِيح الْبُخَارِيِّ (3/164).

([150]) صَحِيح الْبُخَارِيِّ (8/4).

([151]) أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1991) بِالسِّيَاقِ الْأَوَّلِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي “الْكُبْرَى” (رقم: 10986)؛ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي “الْكَبِيرِ” (رقم: 12453) بِالسِّيَاقِ الثَّانِي، وَغَيْرُهُمْ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (رقم: 3128)، وَفَصَّلْتُ الْقَوْلَ فِيهِ فِي كِتَابِ “عِلَلِ الْحَدِيثِ”.

([152]) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (رقم: 2853، 2862)؛ وَالضِّيَاءُ فِي “الْمُخْتَارَةِ” (10/115 رقم: 113)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَبَيَانُهُ مُفَصَّلًا حَيْثُ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِي التَّعْلِيقِ السَّابِقِ.

([153]) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10502)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([154]) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10509)؛ وَالْبَغَوِيُّ فِي “الْجَعْدِيَّاتِ” (رقم: 1541)؛ وَابْنُ جَرِيرٍ (23/544)؛ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي “الْكُبْرَى” (9/129)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([155]) أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ (23/544)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([156]) أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1995)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([157]) قَالَهُ بَعْدَ رِوَايَةِ الْأَثَرِ فِي كِتَابِ “الْأَمْوَالِ” (رقم: 1995).

([158]) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رقم: 10506)؛ وَابْنُ جَرِيرٍ (23/545)، وَإسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، فِيهِ حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ.

([159]) الْمُغْنِي، لِابْنِ قُدَامَةَ (2/521). وَانْظُرْ: الْفُرُوعَ، لِابْنِ مُفْلِحٍ (4/385).

([160]) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: 886، 2612، 2619، 5981)؛ وَمُسْلِمٌ (رقم: 2068). وَ(حُلَّةً سِيَرَاءَ) هِيَ بُرْدٌ يُخَالِطُهُ حَرِيرٌ عَلَى هَيْئَةِ السُّيُورِ، وَقِيلَ: هِيَ حَرِيرٌ خَالِصٌ (انْظُرْ: النِّهَايَةَ، لِابْنِ الْأَثِيرِ 2/433). وَعُطَارِدُ هُوَ اسْمُ صَاحِبِ الْحُلَّةِ الْأُولَى فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ.

([161]) أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1992)؛ وَابْنُ زَنْجَوَيْهِ (رقم: 2291)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلَى سَعِيدٍ، وَمَرَاسِيلُهُ أَقْوَى الْمَرَاسِيلِ وَأَصَحُّهَا.

([162]) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي “الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ” (رقم: 128)؛ وَأَبُو دَاوُدَ (رقم: 5152)؛ وَالتِّرْمِذِيُّ (رقم: 1943)، وَغَيْرُهُمْ. السِّيَاقُ الْأَوَّلُ لِأَبِي دَاوُدَ، وَالثَّانِي لِلْبُخَارِيِّ. وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: “حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ”.

([163]) أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ (رقم: 1989) وَاللَّفْظُ لَهُ؛ وَابْنُ زَنْجَوَيْهِ (رقم: 2286) بِمَعْنَاهُ، و(رقم: 2285) بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

([164]) مَسَائِل الْإِمَامِ أَحْمَدَ، رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ (رقم: 581)؛ أَحْكَام أَهْلِ الْمِلَلِ، لِلْخَلَّالِ (رقم: 167).