البحوث

نظام الوقف في الفقه الإسلامي في ضوء النصوص والمقاصد الشرعية

نظام الوقف في الفقه الإسلامي

في ضوء النصوص والمقاصد الشرعية

بقلم:

أ. د. يوسف القرضاوي

 

المجلس الأوربي للإفتاء

الدورة الثالثة والعشرون

 


 

 

مقدمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتَّبع هداه.. وبعد،

فقد شرع الإسلام الوقف – ولا سيما الخيري منه – منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان أول وقف هو وقف النبي صلى الله عليه وسلم لأموال مخيريق اليهودي، الذي قُتل مع المسلمين في غزوة أُحد، وأوصي بأمواله للنبيِّ صلي الله عليه وسلم.

وكان أشهر وقف بعد ذلك هو وقف عمر رضي الله عنه لنصيبه في خيبر، وكان أَنْفَس مال عنده، فأمره الرسول أن يحبس أصله، ويسبِّل ثمرته.

ثم انتشر الوقف بعد ذلك بين الصحابة، فما من صحابي عنده مقدرة إلا وقف شيئًا من مال له، كما قال جابر رضي الله عنه.

وقد عُني المسلمون على اختلاف مذاهبهم بالوقف، وأنواعه، وأركانه، وشروطه، وموارده، ومصارفه، واتَّفقوا في أشياء، واختلفوا في الأكثر، مثل وقف المنقولات، ووقف النقود لإقراضها أو استثمارها، وهل يمكن تأقيت الوقف بمدَّة؟ وما العمل إذا تعطَّلت منافع الوقف كليًّا أو جزئيًّا؟

وقد كتبتُ هذه الصحائف استجابة للأمانة العامة للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، الذي عقد هذه الدورة للأوقاف في أوربا، ودور المسلمين فيها.

وقد كنتُ عنيتُ من قديم بالوقف فلسفة وتاريخًا وأثرًا في حضارتنا الإسلامية، ولكني لم أُعنَ به فقها تفصيليًّا، فلما طُلب مني ذلك رجعتُ إلى مصادرنا الفقهية من القرآن والسنة، وكتب الفقه الإسلامي داخل المذاهب المتبوعة وخارجها.

وقد استفدت من كتابات المعاصرين الذين صنَّفوا في أحكام الأوقاف، وهم كثيرون، وأخص منهم الشيخ الإمام محمد أبو زهرة، والشيخ العلاَّمة مصطفي الزرقا رحمهما الله.

كما استفدتُ من الندوات والحلقات والمؤتمرات التي عُقدت في بلاد عربية وإسلامية شتَّى، وقُدِّم فيها بحوث لها قيمة، وناقشها المشاركون، وأصدروا عنها توصيات إيجابية نافعة.

ولقد انتهيتُ في بحثي إلي اختيارات وترجيحات في باب الوقف أرها مهمَّة، منها: التوسعة في الوقف، بحيث أجزتُ وقف العقار والمنقول، وأجزتُ الوقف المؤبَّد والمؤقَّت، وأجزتُ وقف النقود للاستثمار.

وأجزتُ من شروط الواقف ما لا يخالف الشرع، فإن كلمة الشرع هي العليا، وما يقال: إن شرط الواقف كنصِّ الشارع. فهذا فيما يجوز في الشرع، لا فيما يخالفه.

وكذلك لا يعتبر من الشروط، ما كان فيه ضرر للوقف، أو للموقوف عليهم، كمَن اشترط في الموقوف عليهم أن يكونوا عُزَّابا، فإن تزوَّجوا حُرموا من الوقف. فهذا مخالف لمصلحتهم، وهو مخالف للشرع الذي يحضُّ على الزواج، فهو واجب أو مستحب، ومَن رغب عنه فليس من محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما متشبِّه برهبان النصارى.

ونبَّهنا على ضرورة تطوير الوقف وتجديده فقها وأسلوبا وتوسيعا، واتخاذ أساليب معاصرة في المحافظة على أراضيه ومبانيه، وتنمية إيراداته.

ولم نُجِز وقف أموال الزكاة، فهذا تغيير لطبيعتها، وخلط بين الأدوات المالية الإسلامية.

وإذا تعطَّلت منافع الوقف جزئيًّا أو كليًّا، فقد رجَّحنا من الآراء ما فيه محافظة على بقاء الوقف واستمراره، وذكرنا أن من المهم أن تُوضع قوانين للوقف – مبنيَّة علي اجتهاد العلماء الثقات المعاصرين – تعمل على صياغة الوقف ونمائه وضبطه.

 

                                                                 الفقير إليه تعالى:

                                                                يوسف القرضاوي

                                                             الدوحة في رجب 1431هـ – يونيو 2010م


 

 

(1)

الوقف الخيري

جزء مهم من منظومة الخير في الإسلام

 

فعل الخير والدعوة إليه:

دعا الإسلام إلى فعل الخير، وبذل المعروف، والإحسان إلى كلِّ ضعيف ومحتاج، من إنسان وحيوان، وطير، وكلِّ ذي كبد رطبة، ابتغاء مرضاة الله تعالى، وطلبا لمثوبته في الآخرة، وكرامته في الدنيا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77].

وهو لم يكتفِ من الأمة بفعل الخير فقط، بل أمر بالدعوة إليه، كما قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].

فريضة الحض على طعام المسكين:

ولهذا كانت من الفرائض القرآنية التي لم يُولِها الناس عناية كافية: فريضة الحضِّ على طعام المسكين، فإذا كان بعض الناس لا يستطيع أن يطعم المسكين لفقره ومسكنته هو، فكلُّ الناس قادر أن يحضَّ غيره على إطعام المسكين، ولو بكلمة يقولها. قال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون: 1-3]، فهذا شأن الكافر الجاحد، الذي لا يؤمن بلقاء الله وحسابه في الآخرة.

وذمَّ القرآن المجتمع الجاهلي الذي يقوم على القسوة والأثرة، فقال يخاطب هؤلاء: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الفجر:17، 18].

ركن الزكاة:

وفعل الخير في الإسلام أنواع ومراتب: أعظمه ما جعله الإسلام أحد أركانه الخمسة، وفرائضه العظيمة، وهو: إيتاء الزكاة، الركن الثالث في الإسلام، وشقيقة الصلاة التي قُرنت بها في كتاب الله في ثمانية وعشرين موضعاً، والتي جعل الإسلام عليها حرَّاسًا ثلاثة:

  1. حارس الإيمان من داخل ضمير الفرد المسلم.
  2. وحارس المجتمع، الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
  3. وحارس السلطان والدولة، المكلفة بأخذ الزكاة من الأغنياء لتردَّها على الفقراء، بوساطة (العاملين عليها) أي المكلَّفين من الدولة بتحصيل الزكاة من أربابها، وتوزيعها على مستحقِّيها، فمَن لم يدفعها طوعا أُخذت منه كرها.

صدقة الفطر:

وهناك صدقة الفطر، التي تجب بالفطر من رمضان بمناسبة قدوم عيد الفطر، والتي شرعها النبي صلى الله عليه وسلم “طُهرة  للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين”[1]، أي إسعافًا لهم في يوم العيد.

الأضحية:

وهناك سنَّة الأضحية التي سنَّها الإسلام بمناسبة عيد الأضحى، وقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنها واجبة على أهل اليسار، توسعة على المسلمين في أعيادهم.

الكفَّارات:

وهناك كفَّارات أوجبها الإسلام على المسلمين في مناسبات شتَّى،  مثل الحِنْث في كفَّارة اليمين، فعليه إطعام عشرة مساكين، أو الأكل والشرب أو الجماع في نهار رمضان، أو لمَن ظاهر من امرأته، (قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي)،  فعليه صيام شهرين متتابعين، فمَن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، إلى غير ذلك من الكفَّارات.

صدقات التطوع:

وهناك صدقات التطوُّع المفتوحة، التي لم تقيَّد بوقت ولا مناسبة، وحثَّ عليها القرآن والسنة حثًّا عظيمًا، يسوق القلوب سوقًا لاستباق الخيرات، والإنفاق في السرَّاء والضرَّاء، وإقراض الله  قرضًا حسنًا.

الإيثار:

وهناك الإيثار، الذي  أثنى الله على أصحابه فقال: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُم الْمُفْلِحُونَ } [الحشر:9]، أولئك  الذين يجودون بالشيء وهم محتاجون إليه، كما وصف الله أهل الخير بقوله: {وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة:177]، وكما قال الله تعالى في مدح الأبرار: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان:8-9].

الوصية لمن ترك خيرًا، للوالدين والأقربين بالمعروف:

ومن أساليب الخير وقوالبه: ما شرعه الإسلام، بل ما كتبه الله تعالى من الوصية لمَن ترك خيرًا، للوالدين والأقربين بالمعروف حقًّا على المتَّقين، وذلك قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}  [البقرة:180]، وكلمة {كُتِبَ} في القرآن تفيد الفرضية المؤكَّدة أو الموثَّقة، كما في قوله تعالى بعد هذه الآية: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183]، وكما في قوله تعالى قبل هذه الآية: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة:178]، وكما في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216]، فظاهر الآية يدلُّ على أن الوصية عند حضور الموت لمَن ترك خيرًا، وهو المال الكثير،  فرض واجب لمَن لا حقَّ له في الميراث من الوالدَيْن، كما إذا لم يدخلا أو أحدهما في الإسلام، وكذلك الأقربون الذين ليسوا بمسلمين، وكذلك الأقربون من المسلمين الذين لا يرثون من المتوفَّى، إذ الوارث يكفيه ميراثه.

ومن هؤلاء أبناء الميِّت إذا مات أبوهم في حياة جدِّهم، فهم غير وارثين، حسب نظام الميراث، ولكن يجب أن يكون لهم نصيب من تركة الجدِّ عن طريق الوصية التي كتبها الله، فهي وصية واجبة للأقربين، وهؤلاء الأحفاد  هم أقرب الأقربين – غير الوارثين –  إلى الجدِّ.

وقد اجتهد الفقهاء المعاصرون أو المُحْدَثُون في مصر، بتبنِّي قانون يجبر مصيبة هؤلاء الأحفاد الذين اجتمع عليهم اليتم – بموت الأب أو ألام – والحرمان من ميراث الجد، فكان هذا الجبر عن طريق الوصية الواجبة، التي كان يجب أن تتمَّ من جهة الجدِّ لأحفاده هؤلاء، فإن فعل فبها، وإلا أُلْزم بالقانون إلزامًا، بما لا يزيد عن الثلث، ولا يزيد عن نصيب الأب لو كان حيًّا. وهو ما عُرِف في مصر  باسم (قانون الوصية الواجبة).

ووجوب الوصية مأخوذ من نصِّ الآية الكريمة من سورة البقرة، وما ذهب إليه بعض السلف، وهو مذهب الظاهرية. وما يُقال في شأن الجدِّ يقال في شأن الجدَّة.

والقول بأن هذه الآية منسوخة: مرفوض، إذ الأصل أن كلَّ ما في المصحف مُحكَم مطلوب امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وقد دلَّلنا في كتابنا (فقه الجهاد) على أنه لا نسخ في القرآن، إلا ما كان من باب تطوُّر التشريع مثل آية التخيير في الصيام، وآية حبس النساء في البيوت لمَن يأتين الفاحشة وشهد عليهن أربعة من الرجال.

وهذه الوصية في حدود الثُّلُث، كما بيَّن ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص، الذي أراد أن يُوصي بماله كلِّه أو ثلثيه أو نصفه، فأبى عليه ذلك، فلما عرض عليه الوصية بالثلث قال: “الثلث، والثلث كثير، إنك إن تَذَرَ ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفَّفون الناس”[2].

ولا تزال هذه الوصايا من أثرياء الأمة تقوم بدورها بتمويل المشاريع الخيرية والتكافلية والدعوية والتعليمية والصحيَّة، كما نشهد ذلك بوضوح في بلاد الخليج، إذ تعارف أثرياؤهم على الوصية بجزء من أموالهم يُنفق في الخيرات.

الصدقة الجارية:

وهناك من وسائل فعل الخير: (الصدقة الجارية) أي الدائمة، وهي  التي يبقى نفعها وأجرها للمرء من بعد موته، فهي إحدى سُبل الخيرات والمبرَّات التي يعيش بها الإنسان عمرًا بعد عمره، ويضيف إليه حيوات بعد حياته القصيرة المحدودة، وهي:  التي صحَّ بها الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”[3].

والصدقة الجارية من بعد موته، هي:  ما يقفه من عقار أو منقول، يخرجه من ملكه ليدخله في ملك الله عزَّ وجلَّ، لينتفع به بعض عباده كالفقراء واليتامى والأرامل والمسنِّين والعلماء، أو مؤسَّسات كالمساجد والمدارس والمشافي، ونحو ذلك من كلِّ ما فيه خير لإنسان أو حيوان، وبخاصة ما يعين على طاعة الله، وإعزاز دينه.

الوقف على الخير:

عرف الناس الوقف الديني على المعابد من قديم الزمان, عرفه الفراعنة, وعرفه الرومان, بل عرفه العرب في الجاهلية على الكعبة البيت الحرام, وكلُّ أصحاب الأديان عملوا على التقرُّب إلى آلهتهم بشتَّى القُرَب, كما ذكر القرآن عن مشركي العرب: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا (أي الأصنام) فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام:136].

ووجد الوقف الأهلي أو الذُّرِّي عند بعض الأمم كالرومان.

ولكن الوقف الذي ابتكره الإسلام وانفرد به, وطبَّقه المسلمون طوال تاريخهم, وكان لهم فيه روائع ومثاليات، هو (الوقف الخيري)، الذي شمل كلَّ أنواع البرِّ, الإنسانية والتعليمية والصحية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية, ولم يقتصر على الإنسان, بل شمل الحيوان.

تميز الإسلام عن كل الأديان والفلسفات بأمرين:

صحيح أن كلَّ الأديان دعت إلى البرِّ، وفعل الخير، والعطف على المسكين، واليتيم، وابن السبيل, ولكن الإسلام تميَّز في هذا الجانب بأمرين كبيرين:

الأمر الأول: فرض الزكاة واعتبارها حقًّا تطالب به الدولة وتقاتل عليه:

فرض الزكاة, واعتبارها ركنا من أركان الإسلام, واعتبارها حقًّا معلوما تُكلَّف الدولة بأخذه من الأغنياء, لتردَّه على الفقراء, بواسطة العاملين عليها, ومَن لم يدفعه طوعا, أخذته منه كرها, حتى إن الدولة لتقاتل عليه مَن امتنع من أدائه, وكان ذا شوكة, كما فعل الخليفة الأول لرسول الله أبو بكر الصديق.

وهي أول دولة في التاريخ تشنُّ الحرب من أجل حقوق الفقراء.

فانتقل بفعل الخير إلى أعلى درجات الإلزام الديني والخُلُقي, وحدَّد نُصُبه ومقاديره ومصارفه وأحكامه, بحيث أصبح حقًّا معلوما, يسهُل المطالبة به, والمحاسبة عليه. بخلاف الصدقات التطوُّعية التي عُرفت في الأديان والفلسفات قبل الإسلام.

الأمر الثاني: الدعوة إلى الصدقة الجارية وتأبيد الخير:

الأمر الثاني الذي جاء به الإسلام، وانفرد به: تشريع (الصدقة الجارية) أي الدائمة، التي تبقى للمكلَّف بعد موته, وتستمرَّ إلى ما شاء الله, فكرة (تأبيد النفقة في الخير).

فيحبس فيه رقبة المال أو أصله, ويخرج من ملكه إلى ملك الله, أو ملك الموقوف عليهم, من الفقراء والأيتام والمسنِّيين والعلماء والمدرسين والخطباء، أو الجوامع والمدارس والمستشفيات والسقايات والخانات، وغيرها.

فكرة (تأبيد الخير) هي مبدأ ابتكره الإسلام، ولم يعرف قبله، وأما إجازة التأقيت في الوقف فهو استثناء.

هذا الوقف على الخير، لم تعرفه الجاهليات المختلفة، لا في الغرب ولا في الشرق، ولم يعرفه العرب في جاهليتهم، وهو ما ذكره الإمام الشافعي في (الأم) حين قال: (لم يحبس (أي لم يقف) أهل الجاهلية علمته – فيما علمتُ – دارا ولا أرضا، تبرُّرا (تقربا) بحبسها. وإنما حبس أهل الإسلام)[4].

ويقول الإمام أبو محمد بن حزم في (المحلى): (العرب لم تعرف في جاهليتها الحبس، الذي اختلفنا فيه، إنما هو اسم شريعي، وشرع إسلامي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، كما جاء بالصلاة والزكاة والصيام، ولولاه عليه الصلاة والسلام ما عرفنا شيئا عن هذه الشرائع ولا غيرها)[5].

 


(2)

الوقف في حضارتنا الإسلامية

مَن قرأ تاريخنا الإسلامي، أو مَن قرأ واقعنا التاريخي في بلادنا الإسلامية المختلفة في العراق ومصر والشام واليمن والمغرب الكبير، وغيرها من الأقطار في المشرق والمغرب، ومَن قرأ (الحُجَج الوقفية) التي لا تزال تحتفظ خزائننا الرسمية والشعبية، ولا سيما في دوائر الأوقاف، بنماذج كثيرة منها: أيقن أن هذا الوقف الإسلامي كان له دوره الكبير، وأثره البالغ في إشاعة معانى البرِّ، ومشاعر الخير، والعواطف الإنسانية، وقِيَم الرحمة والإحسان، وميادين التكافل الاجتماعي، والحرص على كلِّ المُثُل العليا، التي جاء بها الإسلام، بل جاءت بها الأديان كافَّة.

ولم تقتصر معانى البرِّ والإحسان والرحمة على حاجات الإنسان المادية، بل اتَّسعت لتشمل الجوانب العقلية والنفسية والإنسانية، التي لا يحسُّ بها، ويفكِّر فيها، ويرصد لها ماله أو جزءا من ماله إلا إنسان صفت نفسه، وطهرت سريرته، وارتقى وجدانه، وحيَّ ضميره بحق.

بل أكثر من ذلك أنها لم تنسَ مخلوقات الله الضعيفة من الحيوانات والطيور والدوابِّ التي تشكو بغير لسان، وتبكي بغير دموع، وتتوجَّع ولا تكاد تبين.

ولقد سردتُ في عدد من كتبي، ولا سيما كتابي (أصول العمل الخيري في ضوء النصوص والمقاصد الشرعية) كثيرا مما سجَّله تاريخ الوقف في أمتنا من وقائع رائعة تبهر الأبصار، وتهتز لها القلوب، وتنشرح بها الصدور.

فقد سجَّل التاريخ لكثير من أهل الخير والثراء من المسلمين: أنهم وقفوا – بدافع الرحمة التي قذفها الإيمان في قلوبهم، والرغبة في مثوبة الله لهم، وألاَّ ينقطع عملهم بعد موتهم – أموالهم كلَّها أو بعضها على إطعام الجائع، وسقاية الظمآن، وكسوة العريان، وإعانة المحروم، ومداواة المريض، وإيواء المشرَّد، وكفالة الأرملة واليتيم، وبناء المدارس والمعاهد والجامعات التي توفِّر المساكن لطلاَّبها، والمستشفيات الطبيَّة والتعليميَّة، ومؤسسات الرعاية الصحية، والسقايات والخانات (الفنادق) والحمامات التي يدخلها الفقراء مجانا، وعلى كلِّ غرض إنساني شريف، بل أشركوا في برِّهم الحيوان مع الإنسان.

ولنقرأ هنا فقرات من بيان وزير الأوقاف المصري الشيخ أحمد حسن الباقوري، الذي ألقاه في مجلس الشعب المصري، مبينا مآثر الوقف الخيري الإسلامي في تاريخنا.

قال رحمه الله: (ولقد تأخذ أحدنا الدهشة – وهو يستعرض حُجَج الواقفين – ليرى القوم في نبل نفوسهم، ويقظة ضمائرهم، وعلوِّ إنسانيتهم، بل سلطان دينهم عليهم: يتخيَّرون الأغراض الشريفة التي يقفون لها أموالهم، ويرجون أن تنفق في سبيل تحقيقها هذه الأموال.

وربما استشرفت النفوس إلى أمثلة من هذا البرِّ يعين ذكرها على تفصيل هذا الإجمال. فإلى هذه النفوس المستشرفة نسوق هذه الأمثلة:

وقف الأواني المكسورة:

وهو وقف تُشتري منه صحاف الخزف الصيني، فكلُّ خادم كُسرت آنيته، وتعرَّض لغضب مخدومه، له أن يذهب إلى إدارة الوقف فيترك الإناء المكسور، ويأخذ إناء صحيحًا بدلاً منه. وبهذا ينجو من غضب مخدومه عليه.

وقف الكلاب الضالَّة:

وهو وقف في عدَّة جهات يُنفق من رَيعه على إطعام الكلاب التي ليس لها صاحب، استنقاذًا لها من عذاب الجوع، حتى تستريح بالموت أو الاقتناء.

وقف إعارة الحليِّ في الأعراس:

وهو وقف لإعارة الحُلي والزينة في الأعراس والأفراح، يستعير الفقراء منه ما يلزمهم في أفراحهم وأعراسهم، ثم يعيدون ما استعاروه إلى مكانه. وبهذه يتيسَّر للفقير أن يبرز يوم عرسه بحُلَّة لائقة، ولعروسه أن تجلَّى في حُلَّة رائقة، حتي يكتمل الشعور بالفرح، وتنجبر الخواطر المكسورة.

وقف الزوجات الغاضبات:

وهو وقف يؤسَّس من رَيعه بيت، ويعدُّ فيه الطعام والشراب، وما يحتاج إليه الساكنون، تذهب إليه الزوجة التي يقع بينها وبين زوجها نفور، وتظل آكلة شاربة إلى أن يذهب ما بينها وبين زوجها من جفاء، وتصفو النفوس، فتعود إلى بيت الزوجية من جديد.

وقف مؤنس المرضى والغرباء:

وهو وقف يُنفق منه على عدَّة مؤذنين، من كلِّ رخيم الصوت، حسن الأداء، فيرتلون القصائد الدينية طول الليل، بحيث يرتِّل كلٌّ منهم ساعة، حتى مطلع الفجر، سعيًا وراء التخفيف عن المريض، الذي ليس له مَن يخفِّف عنه، وإيناس الغريب الذي ليس له مَن يؤنسه.

وقف الإيحاء إلى المريض بالشفاء:

وهو وقف فيه وظيفة من جملة وظائف المعالجة في المستشفيات، وهي تكليف اثنين من الممرِّضين يقفان قريبًا من المريض، بحيث يسمعهما ولا يراهما، فيقول أحدهما لصاحبه: ماذا قال الطبيب عن هذا المريض؟ فيردُّ عليه الآخر: إن الطبيب يقول: إنه على خير، فهو مرجو البُرء، ولا يوجد في عِلَّته ما يُقلق أو يزعج، وربما نهض من فراش مرضه بعد يومين أو ثلاثة أيام!)[6] انتهى.

فهذا لون من الإيحاء النفسي للمريض يقرِّب الشفاء، واكتساب العافية. وقد ثبت علميا: أن هذا له أثره الإيجابي في التعجيل بالشفاء بإذن الله.

وقف في بلاد المغرب لمن عجز عن دفع أجرة الحمام:

وفي بلاد المغرب: عُرفت أنواع أخرى من الأوقاف، مثل: الوقف على مَن يريد دخول (الحمَّامات العامَّة) ولا يجد أجر الحمَّام، فيأخذ من هذا الوقف ما ينظِّف به جسده، ويقضي وطره.

وقف على نوع مهاجر من الطير:

وفي مدينة فاس: وُجد وقف على نوع من الطير، يأتي إلى فاس في موسم معيَّن، فوقف له بعض الخيِّرين ما يعينه على البقاء، ويسهِّل له العيش في تلك المدَّة من الزمن. كأنما شعر هؤلاء الخيِّرون من المسلمين: أن هذا الطير المهاجر الغريب له على أهل البلد حقَّ الضيافة والإيواء!!

وقف في الشام على القطط التي لا مؤوي لها:

ومما ذكره الأستاذ الدكتور السباعي في كتابه (اشتراكية الإسلام): وقف رعاية الحيوانات الأليفة التي لا تجد مَن يطعمها، كالقطط – ولا سيما المصابة بالعمى منها – مثل (بيت القطط) الذي قال: إنه كان إلى عهد قريب موجودا في سوق (ساروجة) بدمشق، وكان فيه ما يزيد على أربع مائة قطة من الفارهات السمان[7]!!

وهكذا سلك الواقفون كلَّ مسالك الخير، فلم يدعوا جانبًا من جوانب الحياة، دون أن يكون للخير نصيب فيه.

وهم بهذا إنما يصدرون عن إحساسات إنسانية عميقة، تنفذ إلى مواطن الحاجة التي تعرض للناس في كلِّ زمان ومكان. بل هي لم تقتصر على الإنسان، حتى شملت الطير والحيوان!!

ولا شكَّ أن العقيدة هي صاحبة الفضل في خلق هذه الأحاسيس الرقيقة، وإيقاظ تلك المشاعر السامية التي تنبَّهت لتلك الدقائق، في كلِّ زاوية من زوايا المجتمع، وكلِّ منحى من مناحي الحياة. ولم يكفِهم أن يكون برُّهم مقصورًا على حياتهم القصيرة، فأرادوها صدقة جارية، وحسنة دائمة، يُكتب لهم أجرها ما بقيت، وبقي مَن ينتفع بها من إنسان وحيوان.

المؤسسات الخيرية في تاريخ المسلمين:

ومن أبرز الدلائل على رسوخ معنى الخير، ومشاعر البرِّ والمرحمة، وعمق جذوره في تاريخ أمتنا: كثرة المؤسسات التي تُعنى بخير الإنسان، والبرِّ بالإنسان.

ويسرُّني أن أنقل هنا صفحات مشرقة مما كتبه الداعية الكبير العلاَّمة الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه البديع (من روائع حضارتنا) عن هذه المؤسسات، قال:

(كانت هذه المؤسسات نوعين: نوعا تنشئه الدولة وتوقف عليه الأوقاف الواسعة، ونوعا ينشئه الأفراد من أمراء وقوَّاد وأغنياء ونساء. ولا نستطيع في مثل هذا الحديث أن نعدِّد أنواع المؤسسات الخيرية كلَّها، ولكن حسبنا أن نلمَّ بأهمِّها:

فمن أول المؤسسات الخيرية: المساجد، وكان الناس يتسابقون إلى إقامتها ابتغاء وجه الله، بل كان الملوك يتنافسون في عظمة المساجد التي يؤسِّسونها، وحسبنا أن نذكر هنا مبلغ ما أنفقه الوليد بن عبد الملك من أموال بالغة على بناء الجامع الأُموي، مما لا يكاد يصدِّقه الإنسان لكثرة ما أنفق من مال، وما استخدم في إقامته من رجال.

ومن أهمِّ المؤسسات الخيرية: المدارس والمستشفيات. وسنفرد لها حديثا خاصًا إن شاء الله.

ومن المؤسسات الخيرية: بناء الخانات والفنادق للمسافرين المنقطعين وغيرهم من ذوي الفقر.

ومنها: التكايا والزوايا، التي ينقطع فيها مَن شاء لعبادة الله عزَّ وجلَّ.

ومنها: بناء بيوت خاصة للفقراء، يسكنها مَن لا يجد ما يشتري به أو يستأجر دارًا.

ومنها: السقايات، أي تسبيل الماء في الطرقات العامَّة للناس جميعًا.

ومنها: المطاعم الشعبية، التي كان يفرَّق فيها الطعام من خبز ولحم وحساء (شوربة) وحلوى، ولا يزال عهدنا قريبًا بهذا النوع في كلٍّ من تكيَّة السلطان سليم، وتكيَّة الشيخ محيي الدين بدمشق.

ومنها: بيوت للحجاج في مكة، ينزلونها حين يفِدون إلى بيت الله الحرام، وقد كثرت هذه البيوت حتى عمَّت أرض مكة كلَّها، وأفتى بعض الفقهاء ببطلان إجارة بيوت مكة في أيام الحج، لأنها كلُّها موقوفة على الحجاج.

ومنها: حفر الآبار في الفلوات لسقي الماشية والزروع والمسافرين، فقد كانت كثيرة جدًا بين بغداد ومكة، وبين دمشق والمدينة، وبين عواصم المدن الإسلامية ومدنها وقُراها، حتى قلَّ أن يتعرَّض المسافرون – في تلك الأيام –  لخطر العطش.

ومن المؤسسات الاجتماعية: ما كانت وقفاً لإصلاح الطرقات والقناطر والجسور.

ومنها: ما كانت للمقابر يتبرَّع الرجل بالأرض الواسعة لتكون مقبرة عامة.

ومنها: ما كان لشراء أكفان الموتى الفقراء وتجهيزهم ودفنهم.

ومنها: المؤسسات الخيرية لإقامة التكافل الاجتماعي، واليتامى ولختانهم ورعايتهم، ومؤسسات للمقعَدين والعميان والعجز، يعيشون فيها موفوري الكرامة لهم كلُّ ما يحتاجون من سكن وغذاء ولباس وتعليم أيضًا.

وهناك مؤسسات لتحسين أحوال المساجين، ورفع مستوى تغذيتهم بالغذاء الواجب، لصيانة صحَّتهم، ومؤسسات لإمداد العميان والمقعَدين بمَن يقودهم ويخدمهم.

ومؤسسات لتزويج الشباب والفتيان العزَّاب ممَّن تضيق أيديهم أو أيدي أوليائهم عن نفقات الزواج وتقديم المهور، فما أروع هذه العاطفة وما أحوجنا إليها اليوم!

ومنها: مؤسسات لإمداد الأمهات بالحليب والسكر، وهي أسبق في الوجود من جمعية (نقطة الحليب) عندنا، مع تمحُّضها للخير الخالص لله عزَّ وجلَّ، وقد كان من مَبَرَّات  صلاح الدين: أنه جعل في أحد أبواب القلعة – الباقية حتى الآن في دمشق – ميزابًا يسيل منه الحليب، وميزابًا آخر يسيل منه الماء المذاب فيه السكر، تأتي الأمهات يومين في كلِّ أسبوع ليأخذن لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.

ومن أطرف المؤسسات الخيرية: وقف (الزبادي)[8]، للأولاد الذين يكسرون الزبادي وهم في طريقهم إلى البيت، فيأتون إلى هذه المؤسسة ليأخذوا زبادي جديدة بدلاً من المكسورة، ثم يرجعوا إلى أهليهم وكأنهم لو يصنعوا شيئًا.

وآخر ما نذكره من هذه المؤسسات: المؤسسات التي أُقيمت لعلاج الحيوانات المريضة، أو لإطعامها، أو لرعايتها حين عجزها، كما هو شأن المرج الأخضر في دمشق الذي يُقام عليه الملعب البلدي الآن، فقد كان وقفًا للخيول والحيوانات العاجزة المُسنَّة ترعى فيه حتى تلاقي حتفها.

أما بعد، فهذه ثلاثون نوعا من المؤسَّسات الخيرية التي قامت في ظلِّ حضارتنا، فهل تجد لها مثيلا في أمة من الأمم السابقة؟ بل هل تجد لكثير منها مثيلا في ظلِّ الحضارة الراهنة؟ اللهم إنه سبيل الخلود تفرَّدنا به وحدنا، يوم كانت الدنيا كلُّها في غفلة وجهل وتظالم، اللهم إنه سبيل الخلود كشفنا به عن الإنسانية المعذَّبة أوصابها وآلامها، فما هو سبيلنا اليوم، أين هي تلك الأيدي التي تمسح عبرة اليتيم، وتأسو جراح الكليم، وتجعل من مجتمعنا مجتمعا متراصًّا، ينعم فيه الناس جميعا بالأمن والخير والكرامة والسلام)[9].

اقتباس الغربيين فكرة الوقف من الحضارة الإسلامية:

والغربيون اليوم قد اقتبسوا من المسلمين في عهد ازدهار حضارتهم فكرة الوقف الخيري المتنوِّع، وأحسنوا استخدامها، وفتَّحوا أبوابها، وتفنَّنوا فيها، واتَّخذوها وسيلة فعَّالة لخدمة الدين والدنيا، وتوسيع دائرة الخير، والنفع للمجتمعات.

رأينا كبار الأثرياء الميلياردايرات، يتنافسون في هذا الميدان، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

من ذلك ما وقفه بيل جيتس، على التعليم والصحة ومدينته التي ولد فيها، مدينة (سياتل)، حيث بلغ قيمة وقفه (4.2) مليار دولار، وهناك وقفه على المكتبات العامة قليلة الدخل، وتبلغ قيمته (1.1) مليار دولار، وكذلك فعلت مالندا زوجته بوقفها (17) مليار دولار، ووقف مؤسسة ليلى أنداوفت (12.5) مليار دولار، ومؤسسة فورد (10.8) مليار دولار، وشركة كي لوج (6.4) مليار دولار، وجمعية الخلاص المسيحية (990) مليون ريال[10].

ووجدناهم يوقفون الأوقاف المؤبَّدة، والأوقاف المؤقَّتة، ويقفون النقود على مشروعات خيرية وتعليمية وصحية وثقافية وإنسانية ودينية.

 ومن ذلك أوقاف الكنيسة الكاثوليكية، التي تملك آلاف المليارات، بل التريليونات، حتى كانوا يعتبرون الفاتيكان الدولة الثالثة في العالم في الغنى بعد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي.

ورأينا جيوش المنصِّرين والمنصِّرات المنتشرين في أنحاء العالم، وهم يُحسبون بالملايين، عُدُّو منذ سنين بـ(47500000) أربعمائة  وخمسة وسبعين مليونا.

وقد رأينا مؤتمر كلورادو، الذي عقده كبار المنصِّرين في أمريكا، الذين اجتمع منهم (150) مائة وخمسون في مؤتمر عالمي، هدفه المعلن بلا مواربة، ولا مجاملة: (تنصير المسلمين في العالم)، وقدَّموا أربعين دراسة، تتضمَّن خطة استراتيجية عملية، لشنِّ غارة جديدة  لغزو العالم الإسلامي. وأُنشأ لذلك معهدًا سمَّوه (معهد زويمر)، إحياء لذكرى المنصِّر الكبير الذي كان مقرُّه في (البحرين) في منطقة الخليج العربي! ورَأَسَ المؤتمر التنصيري الشهير في القاهرة سنة 1906م.

مهمة هذا المعهد: أن يخرِّج منصِّرين متخصِّصين في تنصير المسلمين! ورصدوا لذلك مبلغًا مبدئيًّا هو مليار دولار، جمعوها بكلِّ سهولة، لتكون وقفًا على تنصير البلاد الإسلامية.

وهو ما دعاني يومها، أن أحاضر في عدد من البلدان الإسلامية داعيًا إلى إنشاء صندوق، أو تكوين مؤسَّسة، أو هيئة لمقاومة هذه الغزوة الجديدة، ناديتُ بجمع ألف مليون دولار لحماية المسلمين، لا لأسلمة النصارى، أو اليهود، أو الوثنين في العالم! وكان شعارنا في ذلك الوقت: (ادفع دولارًا تنقذ مسلمًا) أي: من الوقوع في براثن التنصير. على عكس الشعار الذي كان شائعًا عند (الصهاينة): ادفع دولارًا تقتل عربيًّا. فهم يريدون أن يقتلوا، ونحن نريد أن نُنقذ!

وانتهت هذه الجهود بتأسيس (الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية) في الكويت، لكيْ تسعى إلى جمع مليار دولار من المسلمين في العالم، ولكن للأسف لم تجمع الهيئة من المبلغ المنشود إلا نحو (135) مليونا، وإن قامت بنشاط كبير من تبرُّعات المسلمين، وصدقاتهم العامة والمخصَّصة.

 


(3)
فقه الوقف

 

تعريف الوقف الشرعي:

الوقف لغة: الحبس. يقال: وقف الشيء يقفه، أي حبسه، \كما قال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ } [الصافات:24]، والوقف لغة: شاذة فيه، وإن شاعت عند الفقهاء، وباتت هي السائدة في كثير من الكتب. وتأتي كلمة (وقف) بمعنى (الموقوف): نقول: هذا وقف فلان. أي ما وقفه. من إطلاق المصدر على اسم المفعول، كاللفظ بمعنى الملفوظ، والخلق بمعنى المخلوق.

       وشرعاً: اختلفت عبارات الفقهاء في التعبير عن المعنى الشرعي،

فقال العلامة الدميري الشافعي في شرح (المنهاج) للنووي: (حبس مال (مملوك) يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه، ممنوع من التصرُّف في عينه، وتُصرف منافعه إلى البرِّ، تقرُّبا إلى الله تعالى[11].

       وأضفنا إلى هذا التعريف وصف (مملوك) للمال، وهو ملحوظ، وإن لم يكن ملفوظا.

       وعند الحنابلة: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. وهو مقتبس من الحديث: “احبس أصلها، وسبِّل ثمرتها”[12].

والأصل هو الرقبة، أي العين، فيحبسها بحيث يمنع من التصرُّف فيها ببيع أو هبة أو ميراث أو نحوها، وتسييل الثمرة أو المنفعة التي تأتي من استثمار الرقبة: إن في سبيل الله، أو سبيل الخير والبرِّ، وهو معنى تسييلها.

       وعند الحنفية: حبس العين على حكم ملك الواقف، والتصرُّف بالمنفعة، ولو في الجملة[13].

      وعند المالكية: قال الدردير في الشرح الصغير: الوقف جعل مالك منفعة المملوك له لذاته – ولو كان مملوكا بأجرة – أو جعل غلَّته لمستحقٍّ – كفقير أو مسجد – بصيغة دالَّة عليه، مدَّة ما يراه المحبِّس[14].

خصائص الوقف:

وللوقف في الشريعة الإسلامية خصائص يتميَّز بها:

الوقف نظام إسلامي خالص:

الأولى: إنه نظام إسلامي خالص، ابتكره الإسلام، ووضع له أُسسه، وفصَّل أحكامه، ووسَّع آفاقه، ولم يكن يعرفه أهل الجاهلية بهذه السعة وهذا العمق . ولهذا نقلنا عن الإمام الشافعي قوله: (لم يحبس أهل الجاهلية علمته – فيما علمت – دارا ولا أرضا تبرُّرا بحبسها، وإنما حبس أهل الإسلام)[15].

يقصد الحبس على الخيرات المتنوعة من التعليم والصحة والفقراء والأيتام وأبناء السبيل، إلخ. وعبَّر بعض الفقهاء عن هذه الخصيصة بقوله: الوقف حقيقة شرعية.

الوقف نظام رباني:

الثانية: أنه وبسبب ذلك نظام ربَّاني، ينطلق من القرآن والسنة، وليس نظاما وضعيًّا، وهذا يمدُّه بحوافز إيمانية، تحوطه وتحافظ عليه، وتحرسه من كلِّ إضاعة أو تفريط، فهو مُحاط بالرقابة الذاتية، وبالوازع الإيماني.

الوقف نظام ثابت مستقر غير منقطع:

الثالثة: أنه نظام ثابت مستقرٌّ، مستمرٌّ غير منقطع؛ لأن الأصل فيه (التأبيد)، وكثير من الفقهاء يشترطون في الوقف أن يكون مؤبَّدا. ومعنى ذلك: أن واقفه يخرج عما ملكه ليجعله لله، وما كان لله دام واتَّصل، وهو يرتبط ببقاء الأمة الإسلامية، وهي أمة باقية حتى قيام الساعة؛ لأنها آخر الأمم، كما أن رسولها آخر المرسلين، وخاتم النبيين، وتكفَّل الله تعالى بحِفْظها ماديًّا، فلا يسلط عليها من يبيدها، وحفظها معنويا، ببقاء (الطائفة المنصورة)، الباقية على الحقِّ حتى يأتي أمر الله.

الوقف يلبي حاجات الأمة المتنوعة:

الرابعة: تلبية لحاجات الأمة المتنوِّعة، في كلِّ أنواع البرِّ، وسُبُل الخيرات، من العلم النافع، والعمل الصالح، ويُعين على إنشاء مؤسَّسات الخير: العلمية والدعوية والتربوية والصحية والاجتماعية وغيرها، من المساجد والمدارس والجامعات والمستشفيات ودور الأيتام، والمَعُوقين والمسنِّين، والتعاون الإيجابي على مساعدة الفئات المختلفة التي تنهض بها الأمة في حياتها المعنوية والمادية، من العلماء والفقهاء والوعَّاظ والمربِّين، وكلُّ مَن تحتاج الأمة إلى تخصُّصه، من الأطباء والمهندسين والحاسبين والاقتصاديين، بل أصحاب الحِرف والصناعات التي لا تستغني عنها الأمة، من النجَّارين والبنَّائين والحدَّادين والخيَّاطين، وغيرهم في عصرنا من المَهَرَة في فنون التكنولوجيا وغيرها.

أنواع الوقف:

الوقف أقسام أو أنواع، كما ذكرها الفقهاء من مختلف المذاهب. وهي ثلاثة:

  1. الوقف الخيري:

(الوقف الخيري)، الذي يُراد به الصدقة الجارية، وحبس الأصول وتسبيل المنفعة، ابتغاء القُربة إلى الله تعالى. وهذا هو الوقف الحقيقي، الذي اشتهرت به أُمة الإسلام في تاريخها عن سائر الأمم. وسنفصل الحديث عنه.

  1. الوقف الأهلي:

والوقف الثاني، هو (الوقف الأهلي)، ويُسمَّى أيضًا (الوقف الذُّرِّي) نسبة إلى الذُّرِّيَّة، وهو الذي يقف فيه المالك أمواله أو جزءًا منها على أهله وذُرِّيَّته، أو على أقاربه، أو غيرهم من الناس وذريَّاتهم، حتى إذا انقطعت ذُريَّته انتهى إلى جهة خيرية، كالمساجد، أو المعاهد الدينية، أو دور الأيتام، أو الفقراء أو ابن السبيل، وما إلى ذلك من جهات الخير.

ومن الفقهاء مَن لا يشترط أن تكون نهاية مثل هذا الوقف إلى الفقراء، أو جهات الخير. وأرى أن الوقف الذي لم يرتبط بالخير ابتداءً أو انتهاء لا معنى لأن يكون وقفًا، وأن يسمَّى صدقة.

وما وقفه الصحابة على أولادهم كان لمَن يحتاج منهم، كما قال عمر في صدقته[16]، وكما قال الزبير في دُوره التي وقفها في شأن البنات: للمردودة من بناته أن تسكن غير مُضرَّة ولا مُضار بها، فإن استغنت بزوج فليس لها حقٌّ[17].

  1. الوقف المشترك:

الوقف الثالث (الوقف المشترك)، الذي يجمع بين النوعين: الخيري والأهلي، بحيث يجعل المال بينهما مناصفةً، أو مثالثةً، أو (20%) للأهلى، و(80%) للخيري أو العكس[18].

وهذا ما كان عليه كثير من أوقاف الصحابة، فقد كان محبَّسا على الفقير والمسكين وابن السبيل، وكذلك على مَن يحتاج إلى المعونة من أولادهم وذريَّاتهم.

الوقف الخيري هو المقصود:

ولكلٍّ من هذه الأنواع حكمها، وإن كان تركيزنا على النوع الأول،  وهو الوقف الخيري، وهو بيت القصيد، وهو المقصود بحديثنا هنا  – في المجلس الأوربي للإفتاء – عن الوقف، الذي تهتمُّ به الأقليات الإسلامية في أوربا، أفرادًا وجماعات ومؤسسات، من الوقف على مؤسَّساتها الدينية: كالمساجد، والمصاحف، ومراكز الدعوة وتحفيظ القرآن.

والتعليمية: كالمدارس، والجامعات. والاجتماعية: كالمراكز، والأندية، ودور الأيتام، ورعاية المعوقين.

والصحية: كالمستشفيات، والمستوصفات ونحوها. والدعوية: لتبليغ الدعوة للمسلمين ولغير المسلمين، ونشر الكتب، والرسائل الإسلامية الملائمة وترجمتها، وإنشاء مراكز الدعوة، وبعث الدعاة.

وتسجيل هذه المؤسَّسات بشكل قانوني يحفظها على المسلمين، ويجعل ملكيَّتها لجماعتهم، ويحميها من استيلاء الآخرين عليها بالقوَّة أو بالحيلة، إلى آخره.

تقسيمات أخرى للوقف:

وهنا تقسيمات أُخرى للوقف, باعتبار الموقوف, فهو ينقسم إلى عقار, متَّفق على مشروعيته بشروطه, وإما منقول فيه شيء من الخلاف, وعند التحقيق نجد الجميع قد أقرَّه, من عهد النبوة, حيث وقف خالد بن الوليد أدراعه وأعتده في سبيل الله[19].

وهناك تقسيم للوقف من حيث (التأبيد) وعدمه, فأكثر الفقهاء يشترطون التأبيد في الوقف, حتى يكون (صدقة جارية)، أي مستمرَّة منتظمة, ويرى الإمام مالك جواز التأقيت للحاجة إليه.

وهناك تقسيم آخر للموقوف، فهو إما أعيان تُستغلُّ أو تُستهلَك, وإما منافع مثل سكنى الدار, أو ركوب الدابة, ومثلها الآن: ركوب السيارة أو القطار أو الباخرة أو الطائرة أو الإقامة في الفندق.

وهناك تقسيم آخر، فهو إما وقف (للاستعمال)، مثل وقف المساجد ليُصلَّى فيها، والمقابر ليُدفن فيها، ووقف (الاستغلال)، مثل وقف الأراضي الزراعية لتستغلَّ، وتُصرف غلَّتها على جهات الخير.

فساد الوقف الأهلي في العصور الأخيرة:

وفي العصور الأخيرة، أكثر الناس من الوقف على أولادهم، وعلى ذُريَّاتهم من بعدهم، وبعضهم جعل الوقف على البنين دون البنات، متعديًّا حدود الله، وكانت هذه الأوقاف مجالا للتلاعب، والعبث بحقوق الناس، وكثُرت فيها المظالم والفساد والسرقات، كما كثر الإهمال والإضاعة، حتى جاءت بعض الحكومات كما في مصر وسورية ولبنان، وألغت الأوقاف الأهليَّة أو الذُّريَّة.

نظرًا لما ترتَّب عليها من الناحية التطبيقية من مفاسد وأضرار اقتصادية واجتماعية.

فهل لذلك من أصل شرعي يستند إليه؟

موقفنا من الوقف الأهلي:

والذي أراه: أن الوقف الأهلي جائز شرعًا، وليس بمستحب ولا مندوب؛ لأنه في الأصل لا يدخل في النصوص المرغِّبة في (الصدقة الجارية)، وفي فعل الخير، الذي يدوم بعد وفاة الإنسان. وأوضح ما يدلُّ عليه فعل الصحابة ومَن بعدهم من خير القرون، وإذا أجزناه فإنما نُجيزه بشروط:

  • أن يكون حلالا صرفًا، لا شائبة في اكتسابه، فبعض الناس يسارع إلى وقف مال اكتسبه من جهة خبيثة أو مشتبه فيها، أو سهلت له ملكيَّتها من أراضي الدولة ونحوها بغير حقٍّ، فيسارع بوقفه على ذريَّته، حتى يقطع الطريق على مَن ينازعه فيه.
  • ألا يكون فيه جَور على حقِّ أحد، كما إذا وقف على الأبناء دون البنات، متعديًّا حدود الله في قوله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء:7][20].
  • ألا يتعلَّق به حقُّ أحد، كأن يكون مدينا بدين يستغرقه، فلا يجوز وقفه، إلا بعد أن يوفِّي دينه، والشرع يشدِّد في قضاء الديون، فلا يحقُّ للمدين أن يحجَّ أو يعتمر إلا بعد الوفاء بالدين، ولا يجيز لمَن يريد الجهاد أن يخرج وهو مدين، وجاء في الحديث الصحيح: “يُغفر للشهيد كلَّ ذنب إلا الدين”[21]، إلا إذا كان الجهاد فرض عين، فهو جهاد اضطرار، لا جهاد اختيار، وهو جهاد المقاومة والدفع.
  • أن يكون نهايته القربة، بمعنى إذا انقطع نسل الواقف، انتقل الوقف إلى الفقراء والمساكين، أو إلى المساجد, أو المدارس، أو مراكز الدعوة، أو نشر الكتب الإسلامية النافعة، ونحو ذلك. وبذلك لا يخلو الوقف من القُربة، إن لم يكن ابتداء، فليكن انتهاء.

وأولى من ذلك: أن يكون جزء منه للخير، وجزء آخر للذريَّة. وهو الوقف المشترك. وهو الذي كان الأساس في وقت الصحابة وتابعيهم بإحسان.

وإذا كان أصل الوقف الأهلي كما ذكرنا من باب الجائز والمباح شرعًا، فإن القواعد الشرعية تُجيز تقييد بعض المباحات دفعًا لمفسدة، أو جلبًا لمصلحة.

كما حذَّر عمر رضي الله عنه من زواج الكتابيات ونحوهنَّ، خشية على نساء المسلمين، وكما نهى عن ذبح الأنعام بعض أيام الأسبوع، تقليلا لاستهلاكها، وتوفيرا لها بقية أيام الأسبوع.

 


(4)
أدلة ثبوت الوقف

 

والذي يُهمُّنا في هذا البحث التركيز عليه، وبيان أحكامه، وتوضيح مقاصده، وتحديد معالمه، هو الوقف الخيري كما ذكرتُ، وإن طوَّل الفقهاء في الوقف الأهلي، أو الذُّرِّي، وفصَّلوا في أحكامه وأنواعه وأحواله تفصيلا كثيرا.

       ولكن حين يتحدَّثون عن فضل الوقف، وأنه من أفضل القربات، وأعظم السُبُل لكسب رضوان الله عزَّ وجلَّ، فهذا مقصور على الخيري.

ثبوته بالقرآن:

       بعض الأئمة مثل إمام الحرمين في (نهاية المطلب) قالوا: ثبت بالسنة وإجماع الأمة[22]، ولكن الأكثرين قالوا: ثبتت مشروعيته بالقرآن والسنة والإجماع.

       ولا يقصدون بالقرآن أنه جاء في مشروعيته نصٌّ قرآنيٌّ خاصٌّ، بل جاءت عمومات تحثُّ على فعل الخير، والإنفاق في سبيل الله، ومما يحبُّه الناس.

قال الدميري في شرح المنهاج: وهو من القُرَب المندوب إليها بأدلَّة خاصَّة.

قال الشافعي: ولم يحبس أهل الجاهلية علمته – فيما علمته – دارًا ولا أرضًا تبرُّرا بحبسها، وإنما حبس أهل الإسلام[23]. يعني هذا التَّحْبِيس المعروف، وهو إشارة منه إلى أنه حقيقة شرعية، ويدلُّ على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع.

 أمَّا الكتاب، فعموم قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } [آل عمران:92]، ولذلك لمَّا سمعها أبو طلحة رغب في وقف بَيْرُحاء (حديقة له)، وهي أحبُّ أمواله إليه.

وقال تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77].

ثبوته بالسنة:

ومن السنة القولية: جملة من الأحاديث الصِّحاح، منها:

  1. قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا مات بن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”[24].

والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف.

  1. وأصرح منه ما في (الصحيحين): أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب أرضًا بخيبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن شئتَ حبستَ أصلها وتصدَّقتَ بها”. فتصدَّق بها عمر، على ألا يباع أصلها، ولا يورث، ولا يوهب[25]. والمشهور أنَّه أول وقف في الإسلام.
  2. وأخرج ابن ماجه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما نشره، أو ولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورَّثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحَّته وحياته تلحقه من بعد موته”[26].
  3. وعن أنس رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وأمر ببناء المسجد قال: “يا بني النجار: ثامنوني بحائطكم هذا؟”. فقالوا: والله، لا نطلب ثمنه إلا من الله تعالى. فأخذه فبنى مسجده[27].
  4. وعن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَن حفر بئر رومة فله الجنة”. قال: فحفرتها[28].

وروى الطبراني في الكبير، عن بشير الأسلمي: كانت لرجل من بني غفار عين يقال لها (رومة)، وكان يبيع منها القِرْبة بمدٍّ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “بعنيها بعين في الجنة”. فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها. فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتجعل لي ما جعلت له؟ قال: “نعم”. قال: جعلتها للمسلمين[29].

  1. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَن احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا واحتسابا، فإن شِبَعه ورِيَّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات”[30].

نقل الحافظ في فتح الباري عن المُهلَّب وغيره، قال: في هذا الحديث جواز وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين، ويُستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات، ومن غير المنقولات من باب الأولى[31].

  1. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله”[32].
  2. روى الشيخان، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “مَن بنى لله مسجدا، ولو كمفحص قطاة، بني الله له بيتا في الجنة”[33].
  3. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاريٍّ بالمدينة مالا، وكان أحبُّ أمواله إليه بَيْرُحاء (بستان من نخيل بجوار المسجد النبوي)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيِّب. ولما نزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92]. قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله تعالى يقول في كتابه: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، وإن أحبَّ مالي إليَّ (بيرحاء) وإنها صدقة لله، أرجوا برَّها وذُخرها عند الله، فضعها يا رسول الله، حيث شئتَ. فقال رسول الله صلى الله عليه ويسلم: “بخ بخ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، قد سمعتُ ما قلتَ فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين”. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه[34].
  4. وعن سعد بن عبادة رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله، إن أم سعد ماتت، فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: الماء. فحفر بئرا، وقال: هذه لأمِّ سعد[35])[36].

ومن السنة العملية:

وقف النبي صلى الله عليه وسلم، أموال مخيريق التي أوصى بها له في السنة الثالثة. ولهذا قيل: إنه أول وقف في الإسلام، قبل وقف عمر بعد خيبر، ومخيريق يهودي كان ودودا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يُسلم، وحارب معه في أُحد، وأورد ابن سعد قصَّته في طبقاته.

عن محمد بن كعب قال: أول صدقة في الإسلام وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواله، لما قتل مخيريق بأُحد، وأوصَى: إن أصبتُ فأموالي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقبضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصدَّق بها[37].

ما جاء عن الصحابة:

واشتهر اتفاق الصحابة على الوقف قولاً وفعلاً، فوقف عمر وعثمان وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأنس وفاطمة والزبير بن العوام وحكيم بن حزام والأرقم والمِسْوَر بن مخرمة وجبير بن مطعم وعمرو بن العاص، وغيرهم أكثر من ثمانين رجلاً، كلُّهم تصدَّقوا بصدقات موقوفات.

قال الشافعي: وأكثر دُور مكة وقف، ووقف عليٌّ البُغَيْبِغة، وهي ضيعة بالمدينة لآل جعفر، قاله ابن سيده، وقال البكري: إنها باليَنْبُع[38].

ثالثاً: الإجماع:

اشتهر العمل بالأحاديث الواردة في الوقف عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ممَّن قالوا بصحَّة الوقف. قال البيهقي: لا نعلم بين أحد من المتقدِّمين منهم في ذلك اختلافا، فقد أجمع الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة على مشروعية الوقف.

وقد تصدَّق كثير من الصحابة بأموالهم على سبيل الوقف، حيث “تصدَّق أبو بكر رضي الله عنه بداره بمكة على ولده، وتصدَّق عمر بن الخطاب رضي الله عنه برَبعه عند المروة، وبالثنية على ولده، وتصدَّق علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأرضه بـ(يَنْبُع)، وتصدَّق الزبير بن العوام رضي الله عنه بداره بمكة، وداره بمصر على ولده، وعثمان بن عفان رضي الله عنه برومة، وعمرو بن العاص رضي الله عنه بالأحوط من الطائف، وداره بمكة على ولده، فذلك كلُّه إلى اليوم[39].

فقد كان الوقف – وما يزال – عملا خيريا تُخصَّص منافعه لجهات البرِّ، وقد عمل به المسلمون منذ عهد الرسالة إلى يومنا هذا، فكان ذلك إجماعا منهم.

وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف[40].

ومن ذلك يتَّضح أن الوقف – عند جمهور العلماء – مستحب ومندوب إليه، لأنه من البرِّ وفعل الخير، ومن التبرُّعات المشروعة، وقد دلَّت على جوازه آيات الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، والإجماع[41].

خلاف شريح وأبي حنيفة هل يضرُّ الإجماع؟

وبعد الصحابة جاء التابعون ووقفوا الدور والأراضي والمنقولات من السلاح والعتاد والخيل والكتب، وغيرها، واستمرَّ ذلك طوال خير القرون.

وأقرَّت بجوازه المذاهب الأربعة، بل مذاهب الزيدية والإمامية والظاهرية والإباضية.

إلا ما رُوي عن القاضي شريح أنه قال: لا حبس عن فرائض الله[42]. يعني: المواريث التي فرضها الله لأهلها، ممَّن يستحقُّ فرضا معلوما نصفا أو رُبعا أو ثُمُنا، أو ثُلُثا أو ثُلُثين أو سُدُسا، أو ما يستحقُّه عن طريق العصبة.

قال الدميري في شرح المنهاج: وحمل الإمام الشافعي كلام شريح على مَن وقف على نفسه.

وردَّ آخرون عليه: أن الوقف لا يتنافى مع فريضة الله في الميراث. فإن من حقِّ صاحب المال أن يتصدَّق بما شاء من المال في حياته على الفقراء والأيتام وابن السبيل، وعلى جهات الخير والتعليم والصحَّة، ولو استغرق ماله كلَّه، كما بذل أبو بكر ماله في تجهيز جيش العُسرة في غزوة تبوك، وقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: “ماذا أبقيتَ لأهلك وعيالك؟”. قال: أبقيتُ لهم الله ورسوله[43]!

رأي أبي حنيفة:

وجاء عن أبي حنيفة رويتان: إحداهما تقول: إن الوقف باطل. والأخرى تقول: إنه عقد جائز وليس بلازم، وأنه لا يلزم إلا إذا إذا قضى به قاضٍ، لأنه أمر مُختلَف فيه، فإذا حكم به قاضٍ ارتفع بحكمه الخلاف. وكذلك إذا وقف على المسجد، وأقرن بالصلاة فيه، أو وقف مقبرة، وأقرن بالدفن فيها، فلا يحتاج إلى حكم القضاء.

وقد خالف أبو يوسف ومحمد إمامهما الأعظم، وحكما بجوازه ونفاذه معا، لما ظهر لهما من أدلَّة، لم تظهر لأبي حنيفة. وقال أبو يوسف: لو رأى صاحبي (يعني أبا حنيفة) ما رأيتُ لقال بمثل ما قلتُ.

وبهذا اتَّفقت المذاهب على مشروعية الوقف، وأصبح من المألوف أن يُقال: ثبت الوقف بالقرآن والسنة والإجماع، وبعضهم يكتفي بالقول: أنه ثبت بالسنة والإجماع.

وفسر بعضهم ما قاله أبو حنيفة: أن الوقف لا يصحُّ، بمعنى: أنَّه لا يلزم، بل لا بدَّ أن يحكم به قاضٍ؛ فالصحَّة هنا لا تعني البطلان، وإنما تعني عدم اللزوم. تمسُّكًا بما روي عن شُريح أنه قال: لا حبس عن فرائض الله تعالى، والشافعي حمله على الوقف على النفس.

وكان إسماعيل بن اليسع قاضيًا بمصر، يرى رأي أبي حنيفة في ذلك، ويحكم به. فأرسل الليث بن سعد إلى هارون الرَّشيد: إنا لم ننقم عليه دينارًا ولا درهما، ولكنْ أحكامًا لا نعرفها، فأرسل هارون كتابًا بعزله.

وقد رجع أبو يوسف عن ذلك كما ذكرنا، لما سمع الحديث، وقال: لا يسوغ لأحد أن يخالفه، ولو انتهى إلى أبي حنيفة لقال به[44].

وقد مضى الفقه الإسلامي في مسيرته بعد ذلك، وكأن هذا الخلاف البسيط في مشروعيته قد انتهى، واتَّفق الجميع على الجواز.

راد الوقف مخالف للإجماع:

ولهذا قال في الروضة الندية: (وقال القرطبي: رَادُّ الوقف مخالف للإجماع، فلا يُلتفت إليه)[45].

حكمة مشروعيته:

قال حكيم الإسلام في الهند، أحمد عبد الرحيم المعروف باسم (شاه ولي الله الدهلوي) في كتابه الفريد (حجة الله البالغة) عن الوقف: (هو من التبرُّعات، كان أهل الجاهلية لا يعرفونه، فاستنبطه النبي صلى الله عليه وسلم، لمصالح لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالاً كثيرًا ثم يفنى، فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، وتجيء أقوام آخرون من الفقراء، فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامَّة من أن يكون شيء حبسًا للفقراء وابن السبيل تصرف عليهم منافعه، ويبقى أصله على ملك الواقف) انتهى[46].

أركان الوقف:

للوقف عند الحنفية ركن واحد، وهو: الصيغة المتمثِّلة في الإيجاب والقَبول، كما في كلِّ العقود. أما عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، فللوقف عندهم أُسسٌ أو أركان يقوم عليها, تتمثَّل في أربعة أمور، أحدها: الصيغة.

هذه الأركان الأربعة هي:

الأول: الواقف.

الثاني: الموقوف.

الثالث: الموقوف عليه.

الرابع: صيغة الوقف.

وسنتحدث عن كلِّ ركن بما يليق به، ويُلقي الضوء عليه.

(5)
الركن الأول: الواقف

 

فأما الركن الأول: فهو الواقف, وهو الشخص الذي يصدر عنه الوقف, وهو من كان أهلا للتبرُّع, وهو البالغ العاقل الحرُّ الرشيد المختار، أي الشخص الكامل الأهليَّة في نظر الشريعة، ذكرا كان أو أنثى. وكم في تراثنا الإسلامي من نساء وقفن كثيرا من أملاكهن لله وللخيرات.

فلا يصحُّ الوقف من صبي، ولو كان مميِّزا, ولا مجنون, أو معتوه، فهو مُلحق بالمجنون، ولا محجور عليه لسفه أو غفلة، أو إفلاس, ولا من مُكْرَه لا إرادة له.

وأن يكون مالكا لما يقفه، فلا يجوز له إن كان وصيًّا أو وليًّا لمال يتيم أو محجور عليه: أن يقفه أو يقف جزءا منه على أيِّ جهة من جهات البرِّ والخير، لأن الولي لا حقَّ له في التبرُّع من مال غيره.

المهم أن يحبس الواقف ما يملكه حلالا من عقار أو منقول, أما أن يقف ملك غيره مما حصل عليه بغير حقٍّ, بل أكله بالباطل, من أكل الربا، أو التجارة في المحرَّمات، أو أخذ الرشوة، وإن سُمِّيت (عمولة) أو (هدية), أو غير ذلك من ألوان الحرام, فإن هذا لا يجوز وقفه، وإن كان مملوكا له من الناحية الرسمية حسب عقود التسجيل، فإنه جائز قضاء، ولكنه حرام ديانة؛ لأن المال الحرام لا يُملك، بل هو ملك أصحابه، وإن طال الأمد، فإن مُضي المدَّة لا يُحلُّ الحرام. بل يجب ردُّه إلى أصحابه، وإن ماتوا رُدَّ إلى ورثتهم، ولا يغني عنه من الله شيئا أن يقف هذا المال في الخيرات، فقد قال رسول الله: “إن الله طيِّب لا يقبل إلا طيبا” رواه مسلم[47].

وفي حديث ابن مسعود: “إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، وإنما يمحو السيئ بالحسن, إن الخبيث لا يمحو الخبيث”[48].

ينبغي للواقف تخفيف الشروط:

أول ما يُطلب من الواقف: ما ذكره الإمام القرافي المالكي في (ذخيرته)، وهو أن يخفِّف شروط الوقف بصفة عامَّة، بمعنى: أن ييسِّر ولا يعسِّر، وأن يبشِّر ولا ينفِّر. قال: (وينبغي أن يُخفِّف في شروطه، وألا يضيِّق على متناوله بكثرتها، فإنه وسيلة إلى أكل الحرام بمخالفتها. وتسهيلها من باب الإحسان، أي إحسان الإحسان! فيكون أبلغ في الأجر، ولا يضيِّق في ذلك)[49].

شرط الواقف ومدى العمل به:

شدَّد الفقهاء في وجوب اتِّباع ما شرطه الواقف، حتى اشتهر قولهم: شرط الواقف كنصِّ الشارع. أي في وجوب الالتزام به وعدم تغييره، وضرورة احترام رغبته فيما أراد الوقف عليه. وليس المراد: أن شرط الواقف له قدسيَّة في ذاته مثل نصِّ الشارع المعصوم. وإن كان التعبير بهذه الصيغة شديد على نفس الفقيه.

وهذا في الشروط الجائزة, فإذا وقف أمواله على بناء المدارس، فلا يجوز أن ننقلها إلى بناء المساجد، وبالعكس، أو اشترط الإنفاق على فقراء قريته، لا يجوز أن ننقلها إلى فقراء قرية أخرى، إلا لضرورة تقتضيها.

أما الشروط الممنوعة شرعا فلا يجوز أن تُتَّبع, فإن أيَّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، “وإن كان مائة شرط”[50].

والمكروه ليس بممنوع، فهو جائز.

ومن هنا نقول: لا يَنْفد شرط الواقف إذا وقف على أبنائه الذكور دون الإناث؛ لأن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرَّم حلالا أو أحلَّ حراما.

وكذلك لو وقف ماله على معصية, بل الأصل في الوقف أن يكون على قُربة يُبتغى بها وجه الله تعالى ومثوبته, من تعليم جاهل, أو إعانة على عبادة لله، أو فعل خير، أو دفاع عن حقٍّ أو مقاومة لباطل، أو مطاردة لشرٍّ، أو دفع أذى، أو علاج مريض، أو كفالة يتيم، أو أرملة لا عائل لها ولا مورد، أو إيواء مشرَّد (ابن سبيل)، إلى آخره.

كما لا ينفَّذ شرط الواقف إذا أصبح العمل بالشرط يفوِّت غرض الواقف، كما إذا شرط إمامة شخص معيَّن للمسجد أو خطابته، ثم تبيَّن بالأدلَّة أنه ليس أهلا لذلك.

وكذلك إذا كان الشرط ضدَّ مصلحة الموقوف عليهم، كما إذا اشترط ألا يتعلَّموا، أو ألا يمتهنوا حرفة هم محتاجون إليها، أو ألا يتزوَّجوا[51].

لا نلتزم الشروط التي ليست في مصلحة الوقف:

ومن الشروط التي يجوز التحلُّل منها؛ لأنها ليست في مصلحة الوقف: أن يحدِّد أجرة السكنى أو الأرض الزراعية بمبلغ معيَّن لا تجوز الزيادة عليه، ثم تتغيَّر القدرة الشرائية للنقود، فيصبح هذا المبلغ أقل بكثير من أجرة المثل. فهنا يجوز – بل يجب – الخروج عن شرط الواقف، ولو علم هو بذلك لتخلَّى عن شرطه.

ومثل ذلك: لو اشترط أن تُسقى الأرض بطريقة معيَّنة، كالشادوف أو الساقية، أو تُحرث عن طريق البقر أو الجواميس، ثم أصبحت هذه وسائل متخلِّفة، وأمسى الاعتماد على ماكينات الري، أو المحاريث الميكانيكية، فهنا نعطِّل شرط الواقف من أجل مصلحة الوقف، ولو اشترط أن تُزرع الأرض بمحاصيل معيَّنة كالأذرة أو الشعير، ثم وجد أن أثمان هذه الحبوب لم تعُد تُجدي كثيرا، فلا مانع من أن تُزرع بما يحقِّق عائدا أكبر.

وكذلك لو اشترط أن لا تزيد طوابق منزل السكنى عن طابقين، ثم تغيَّرت طبيعة المباني في المنطقة، وأصبح في الإمكان أن يكون المبنى من عشرة طوابق، أو أكثر، فلا حرج هنا من الخروج عن شرط ا