البحوث

فقه العيش المشترك “المواطنة نموذجاً”

فقه العيش المشترك

“المواطنة نموذجاً”

أ.د.  يوسف القرضاوي

 


(تهيئة):

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وخاتم النبيين، سيدنا محمد الرسول الأمين، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومَن اتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد

فالحديث حول موضوع المواطنة والاندماج بالنسبة للأقليات المسلمة في أوربة وغيرها، من الأمور ذات الأهمية الكبرى، نظرا لما يثور حول هذه القضية الحسَّاسة من التباسات، وما يثار من تساؤلات، وما تتعارض به الإجابات، لتعارض الاجتهادات، واختلاف الدلالات.

ولي حول هذا الموضوع كتابات عدة منها الوطن والمواطنة، والحرية الدينية والتعددية في نظر الإسلام، ومكانة حرية الاعتقاد والفكر والتعبير في الإسلام، وغير المسلمين في المجتمع المسلم، وفقه الأقليات المسلمة، وغير ذلك من بحوث ومؤلفات، قد أعددتها من قبل، فلا بأس أن نتناول منها بعض ما يناسب المقام.

الوطن والمواطنة في اللغة:

قال صاحب القاموس: الوطن: منزل الإقامة (كالمَوطِن)، جمعه: أوطان. ووَطَن به، وأَوطَن: أقام. واستوطنه: إذا اتَّخذه وطنا، أي محلاًّ ومسكنا يُقيم فيه [1] وفي (المعجم الوسيط): الوطن: مكان إقامة الإنسان ومقرُّه، وُلد به أو لم يُولد. و (الوطنية): مصدر صناعي منسوب إلى الوطن [2]

وكانت الأرض كلُّها في أول الأمر وطنا لآدم وأولاده، لا تزاحم ولا تنافس، ولا اختصاص بمكان دون مكان. فلما كثرت ذرية آدم وانتشرت، بدأ الناس يتجمَّعون في أماكن بحكم الطبيعة الاجتماعية للبشر. وكان الناس يتجمَّعون في بلدان أو قرى، ومن هذه القرى أو البلدان أو المدن: بدأت قضية (الوطن).

وحبُّ الوطن والحنين إليه فطرة بشرية، يشترك فيها الناس عامة، مؤمنهم وكافرهم، عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم.
وقد قال ابن الرومي:

وحبَّب أوطانَ الرجال إليهمو … مآربُ قضَّاها الشباب هنالكَ
إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهمو … عُهود الصبا فيها، فحنُّوا لذلكَ

وبعدما هاجر النبي صلى  الله عليه وسلم إلى المدينة دعا ربه: وقال: “اللهم حبِّب إلينا المدينة، كما حبَّبتَ مكة أو أشدَّ … “[3].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم، مخاطبا بلده وموطنه مكة عند خروجه منها مهاجرا: “والله، إنك لأحبُّ بلاد الله إلى الله، وأحبُّ بلاد الله إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجتُ”.[4] قال صلى الله عليه وسلم ذلك، وقد وصف الله مكة بأنها واد غير ذي زرع، ولكن هكذا الأوطان، وهكذا يتعلق القلب بها!

والبدو أقلُّ الناس إحساسا بالوطن، لعدم استقرارهم ببقعة معيَّنة من الأرض، وترحالهم وراء العشب والكلأ والماء، فهم دائمو التنقل من مكان إلى مكان، كما ومع هذا نجد لهم اهتماما ببعض الأماكن التي حدثت لهم فيها خِبرات معيَّنة، ولا سيما ما يتعلَّق بخفقات القلوب ، وذكريات المشاعر الإنسانية التي تترك آثارها في أغوار النفوس! كما قال امرؤ القيس:

قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ                     بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَل

وقال طرفة:

لِخَولَةَ أَطلالٌ بِبُرقَةِ ثَهمَدِ                     تَلوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَد

وهذا يدلُّ على أن الإنسان – بدويا كان أم حضريا – لا يمكن أن ينفكَّ تماما عن الارتباط بالمكان، وإن بدا رحَّالة طول الزمان!

ويرى القرآن – في ضوء ما يعرضه من قصص الأمم الماضية للعبرة – أن من حقِّ الإنسان، وحقِّ الشعوب، بل من واجبها: أن تقاتل وتحمل السلاح، لتستردَّ أرضها وديارها – وبعبارة أخرى: وطنها – إذا أُخرجت منها.

يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البقرة:246].

فانظر إلى هذه الجملة ودلالتها: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا}، فليس هناك أوجب للقتال وأدعى إلى الحرب، من الإخراج من الديار. وليس هناك أوجب من قتال الذين اغتصبوا الأرض، وأخرجوا منها أهلها، وحلُّوا محلَّهم، ظالمين مستكبرين في الأرض بغير الحقِّ.

هل للأرض بالمعنى الجغرافي أهمية في نظر الإسلام؟

قد يتصوَّر بعض الناس: أن الإسلام لا يُعنَى بالأرض، لأن الأرض طين ومادة، وهو يُعنَى بالدين لا بالطين، وبالرُّوح لا بالمادة.

كما أن عنايته الأولى بالإنسان، لا بالتراب الذي يمشي عليه الإنسان.

وهذا التصوُّر غير صحيح بالنسبة للإسلام، الذي يمزج الرُّوح بالمادة، ويعتبر الإنسان مخلوقا مزدوج الطبيعة: فهو قبضة من طين الأرض ونفخة من رُوح الله، كما حدَّثنا القرآن عن خلق الإنسان الأول آدم عليه السلام: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [صّ:72،71].

وجعل سبحانه من مهمَّات الإنسان الأساسية عمارة الأرض، كما قال تعالى على لسان نبيه صالح لقومه: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61].

وإذا كان هذا شأن الأرض بصفة عامة، فإن الأرض التي يعيش فيها الإنسان ويكون فيها مولده ونشأته وتعليمه وعلاقاته وصداقاته: يكون لها شأن خاص.

وهذه الأرض أو هذه البلدة، لها حقوق على أهلها: أن يتعاونوا فيما بينهم على الخير، وأن يتكافلوا في السرَّاء والضرَّاء، وأن يتناصروا إذا دهمهم عدو، يريد أن يحتلَّ أرضهم، ويفرض سلطانه عليهم بغير إرادتهم.

والإسلام هنا يتماشى مع الفطرة البشرية السليمة، ويوجب على أهل الأرض المتَّصلة أو المتقاربة: أن يتكافلوا ويتعاونوا ويتناصروا، ويرعى بعضهم حقوق بعض.

ومن هنا كان اهتمام الإسلام بحقوق (الجوار)، كما ذكر القرآن الكريم في آية الحقوق العشرة، ومنها: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء:36]، والجار الجنب: هو البعيد دارا أو نسبا، فكلما كان الجار أقرب بابا من جاره كان حقُّه أوجب. وجاء في الحديث: “ليس بمؤمن مَن بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع”[5]

ولذلك فرض الإسلام على أهل البلد الواحد إذا غزاهم عدو أن يهبُّوا جميعا للدفاع عن بلدهم، ويعتبر أئمة الإسلام هذا الدفاع أو هذا الجهاد أو هذه المقاومة: فرض عين على أهل البلد، وعلى المسلمين حولهم أن يعاونوهم بما يحتاجون إليه من مال وسلاح ورجال حسب الحاجة.

ومن هذه الصلات المشتركة، والواجبات المشتركة، والحقوق المشتركة: نشأت فكرة (المواطنة) بين أهل البلد الواحد، وإن اختلفت أنسابهم أو أديانهم.

المواطنة في العهد النبوي:

مَن قرأ السيرة النبوية وأمعن فيها: وجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعترف بـ (المواطنة) بين سكَّان المدينة من مسلمين مهاجرين وأنصار، من أوس وخزرج، ومن اليهود على اختلاف قبائلهم، معتبرا هذه المواطنة – أي العيش في وطن واحد هو المدينة – هو: أساس التعاقد والتعامل بين الجميع، فنحن نعرف من سيرته الثابتة: أنه قد عقد بعد هجرته اتفاقية مع يهود المدينة: بني قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير، وهي التي تضمَّنتها (الصحيفة) المعروفة في السيرة.

وقد بناها على أساس التعايش المشترك، والتكافل المشترك، والتناصر المشترك – في السلم والحرب – بين المسلمين وجيرانهم من اليهود، باعتبارهم جميعا مواطنين في دولة المدينة الجديدة، مع اختلاف الأديان التي ينتسبون إليها، والعروق التي ينتمون إليها، بل باعتبار (الوطن) الذي ينتسبون جميعا إليه.

وقفات مع دستور المدينة:

ونحن نقف وقفات خاصة مع وثيقة المدينة لنجلِّي مدلول بعض المواد المهمة فيها، خصوصا تلك المتعلقة بمفهوم الأمة وأثره على موضوع الوطن والمواطنة. فمن الواضح أن وثيقة المدينة تعطي مفهوم الأمة مدلولا مركبا من معان أربعة:

1 – المعنى الاعتقادي للأمة، فالأمة بهذا المعنى تتأسس على أخوة الدين.

2 – المعنى السياسي للأمة، والأمة بهذا المعنى لا تقتصر على سكانها المسلمين، بل هي أمتان دينيتان في أمة سياسية واحدة، تجمع المسلمين واليهود.

3 – المعنى الجغرافي للأمة. الجغرافيا هي أساس الهوية السياسية والموطَنة في العصر الحديث، ولم تغفلها وثيقة المدينة التي حددت يثرب موطنا. فالانتساب إلى هذه الأمة يستلزم الانحياز الجغرافي إليها.

4 – المعنى الاجتماعي للأمة. والمراد به ما يكون من أواصر الأرحام والتعاضد الاجتماعي بين من يجمعهم نسب عرقي أو حلف سياسي تقليدي، مثل أبناء القبيلة الواحدة. وقد اعترفت وثيقة المدينة بهذه الروابط، ولم تجعلها نقيضا للانتساب إلى الأمة الاعتقادية أو السياسية، بل جعلتها لبنة من اللبنات التي يقوم عليها الصرح الاعتقادي والسياسي الكبير.

 ونخلص من هذا التحليل لوثيقة المدينة إلى بضع ملاحظات مهمة لموضوع الوطن والمواطنة:

أولاً: ورد مفهوم الأمة في الوثيقة بمعاني متعددة اعتقادي وسياسي وجغرافي واجتماعي، ولكل مدلول أهميته وتأثيره على مفهوم الموطنة وحقوقها.

ثانياً: قبلت الوثيقة بتعدد الهوية لدى مواطنيها، فقد يكون المواطن مهاجرا أو أنصاريا، مسلما أو يهوديا، أوْسيا أو خزرجيا … الخ وهو ليس مطالبا بنفي هذا الانتماء من أجل قبوله مواطنا في الدولة الإسلامية.

ثالثاً: الدولة الإسلامية التي وضعت وثيقة المدينة أساسها ليست مرادفة لدولة المسلمين، وإنما تسمى “دولة إسلامية” تغليبا ومرجعيةً، وإلا فهي دولة المسلمين وغيرهم، محكومة بقانون الإسلام.

رابعاً: التناصر بين المسلمين أوسع من انتمائهم السياسي، وهو حق للجميع حتى لمن لا ينتمون لدولة إسلامية أصلا، كما هو حال المسلمين الذين لم يهاجروا إلى المدينة قبل فتح مكة. فهؤلاء ليسوا مواطنين لكنهم إخوة في العقيدة[6].

الوطن المحلي ودار الإسلام الكبرى:

كان المعنى الفطري للوطن هو السائد لدى المسلمين في تاريخهم، وهي: الأرض التي وُلد فيها الإنسان أو نشأ، وله بها علاقة مادية وعاطفية، تمثِّل نوعا من الانتماء والولاء.

ولم يكن هذا المعنى يتنافى أو يتعارض مع مفهوم آخر، وهو: أن للمسلم انتماء أكبر وأعمق من الانتماء إلى الأرض أو إلى الوطن، وهو الانتماء للإسلام. فالانتماء إلى الوطن قدري وجبري لا اختيار للإنسان فيه، ولكن الانتماء الآخر، هو باختيار الإنسان، وحرية الإنسان. إنه هو الذي يختار دينه، ويصرُّ عليه، ولا يرضى به بديلا، ولو كان مُلك المشرق والمغرب.

هذا الانتماء وهذا الولاء الآخر، هو لله ولرسوله وللأمة التي تشاركه هذه العقيدة. فبعد أن رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا: أصبح الإسلام مصدر اعتزازه، ومحور ولائه، وأساس انتمائه، وغدت أمة الإسلام أهله وإخوانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، “المسلم أخو المسلم”[7] ، “المسلمون يسعى بذمَّتهم أدناهم، وهم يد على مَن سواهم”[8].

وأمست (دار الإسلام) هي وطن كلِّ مسلم، وإن تباعدت داره، وقد عبَّر الإسلام عنها بهذا اللفظ (دار الإسلام)، وإن كانت هي في الحقيقة ديارا وأوطانا، ليشعر المسلم بوحدة الدار.

وأصبح ولاء المسلم لهذه الأمة الكبرى: أمرا مُسلَّما، وهو يعتبر من مقتضيات الإيمان، وهو داخل في قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة:56،55].

وولاء المسلم لأمته الكبرى يفرض عليه أن يذود عن حِماها، ولا يسمح لأحد أن يعتدي عليها، أو يستولي على شيء من أرضها، أو ينتهك حرمة من حرماتها، أو يهين كرامة بعض أبنائها أو بناتها. وهو ما جعل الخليفة المعتصم يجيِّش الجيوش لغزو الروم، انتصارا لامرأة مسلمة لُطمت على وجهها، فاستغاثت به عن بُعد قائلة: وامعتصماه! فقال لها: لبيك أختاه!!

متى تحدث الإشكالية في قضية الوطنية والمواطنة؟

متى تحدث الإشكالية بين الوطنية والدين، بحيث يبدوان وكأنهما خصمان؟ ولماذا تحدث هذه الإشكالية؟

إنها تحدث لعدَّة أسباب يمكن التغلُّب عليها كلِّها بيسر، إذا صفت النيَّات، وصحَّت العزائم.

1. عند تعارض الولاءات والانتماءات:

فالانسان في واقع الأمر ليس له انتماء واحد، فقد تتعدَّد انتماءات الإنسان باعتبارت شتَّى، ولا نجد أيَّ تناقض بينهما.

فالإنسان ينتمي إلى أسرته، وينتمي إلى قريته، وينتمي إلى محافظته، وينتمي إلى قُطره أو وطنه، وينتمي إلى إقليمه، وينتمي إلى قارَّته، وينتمي إلى دينه، وينتمي إلى أمَّته (الكبرى المؤسَّسة على الدين)، وينتمي إلى الأسرة الإنسانية.

فأيُّ هذه الولاءات والانتماءات أولى بالتقديم على غيرها؟ أعني: إذا تعارض الولاء للوطن والولاء للدين، فأيُّهما يقدم، وبأيِّهما نضحِّي؟

الذي يظهر في هذه الحالة: أنه في حالة التعارض بين الدين والوطن، فإن الدين هو المقدَّم، لأن الوطن له بديل، والدين لا بديل له. ولهذا رأينا الرسول الكريم وأصحابه حين تعارض الدين والوطن: هاجروا في سبيل الله وضحُّوا بالوطن الذي ضاق بعقيدتهم، وصادر دعوتهم، وفتنهم في دينهم. كما قال تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج:40]. وقال سبحانه: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر:8].

وقد بيَّن القرآن الكريم في مفاصلة واضحة وحاسمة: أن دين المسلم أعزُّ عليه، وأحبُّ إليه من كلِّ شيء سواه، مما يعتزُّ به الناس ويحرصون عليه، وذلك في قوله تعالى في سورة التوبة: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24].

2. اقتران الوطنية بالعلمانية:

وتحدث المشكلة لدى بعض الإسلاميين، فتراهم يعارضون أو يتحفَّظون على فكرة (الوطنية) انطلاقا من أن (الوطنية) مسكونة بـ (العِلْمانية) التي تفصل الدين عن الدولة، بل عن الحياة. على خلاف ما هو معروف عن شمولية الإسلام، الذي عرَفه الناس من مصادره الأصيلة: عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، دعوة ودولة، دينا ودنيا. وعرَفوا: أن الدين هو إحدى الضروريات أو الكليَّات الخمس التي جاءت بها الشريعة، التي شرعها الله لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد.

على أننا نرى أن فكرة الوطنية أو القومية ليست في حد ذاتها علمانية، ولكن دعاة الوطنية، ورواد القومية في بعض الأوقات كانوا علمانيين، ليبراليين أو ماركسيين، فظنَّ مَن ظنَّ: أن القومية لا بد أن تكون علمانية.

3. الغلو في الوطنية حتى تصبح بديلا عن الدين:

وتحدث المشكلة أيضا حين يغلو بعض الوطنيين في فكرة الوطنية، أو عاطفة الوطنية، حيث نرى بعضهم يجعلون الوطن مقابل (الدين) أو بديلا عن الدين، وإن شئتَ قلتَ: مقابل (الله) أو بديلا عن (الله)، فكما تبدأ الأمور (باسم الله) تبدأ باسم الوطن، وكما يُقسم الناس بالله، يُقسمون بالوطن، وكما يعمل الناس لوجه الله، يعملون لوجه الوطن!! عندما يفكر المسلم في وطنه قبل عقيدته، وفي شعبه قبل أمَّته، ويعتبر المسلم من غير بلده أجنبيا.

وأذكر أننا حين كنا تلاميذ بالمدارس ألأولية، كانوا يحفِّظوننا نشيدا وطنيا حماسيا، لا أدري مَن أنشأه، وهو يقول:

بلادي، بلادي، فداك دمـــــي           وهبت حياتي فدًا، فاسلمي
غرامـــــك أول ما في الفؤادِ           ونجـــواك آخرُ ما في فمــــي

وقد سمعتُ شيخنا الشيخ محمد الغزالي يعلِّق على هذا النشيد، وهذا البيت منه فيقول رحمه الله: فماذا بقي من فؤاد هذا القائل ومن فمه لله خالقه؟

 (الوطنية) مشروعة ومطلوبة إذا لم تتَّجه هذا الاتجاه الغالي، فإن الغلو في كلِّ شيء يفسده، وقد رأينا الإسلام يحذِّر أشدَّ التحذير من الغلو في الدين. وكذلك الغلو في الوطن والوطنية.

4. عندما تتحوَّل الوطنية إلى عصبية جاهلية:

وتحدث المشكلة كذلك عندما تتحوَّل النزعة الوطنية إلى عصبية جاهلية، يتجمَّع فيها أهل الوطن ضدَّ غيرهم، وينحازون فيها بعضهم لبعض، ينصر أخاه في الوطن ظالما أو مظلوما، ويستجيب له إذا دعاه في الحقِّ أو الباطل. على نحو ما قيل في وصف مالك بن مسمع بن سيّار ، أحد رؤساء قبائل العرب: إذا غضب، غضب له مائة ألف ، لا يسألونه فيم غضب؟![9]
وكما وصف أحد الشعراء أبناء قبيلته بقوله:

لا يسألون أخاهم حين يندُبهم … في النائبات على ما قال برهانا

فالمصيبة: أن تعين أهلك وقومك على ظلم الآخرين، وأن تشهد لهم على الآخرين محقِّين كانوا أم مبطلين، والإسلام يعلِّم المسلم: أن يدور مع الحقِّ حيث دار، وأن يقول الحقَّ وإن كان مرًّا، وأن يكون قوَّاما بالقسط شهيدا لله، ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين.

روى الإمام مسلم في صحيحه: عن أبي هريرة، عن النبي أنه قال: “مَن قاتل تحت راية عُمية، يغضب لعَصَبَة، أو يدعو إلى عَصَبَة، أو ينصر عَصَبَة، فقُتِل، فقِتلَته جاهلية”[10].

رجال الإصلاح وموقفهم من المواطنة:

كلُّ مَن درس تراث رجال الإصلاح الإسلامي، الذين قاموا بالدعوة للنهوض بالأمة، وتحريرها من نِيْر الاستعمار الغربي، وإخراجها من دائرة التخلُّف إلى دائرة التقدُّم والارتقاء، ابتداء من جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وغيرهم، يجدهم جميعا يؤمنون بأن لأوطانهم حقًّا عليهم، يوجب عليهم أن يبدأوا بإصلاحها.

هكذا رأينا الأفغاني ومحمد عبده في مجلة (العروة الوثقى) التي كانت تصدر من باريس، والتي كانت تتكلَّم باسم العالم الإسلامي كلِّه، وتوجِّه دعاة الحرية والإصلاح في كلِّ بلاد الإسلام.

وهكذا رأينا الكواكبي في كتابه (أم القرى) الذي تصوَّر فيه مؤتمرا إسلاميا عالميا يعقد في (مكة المكرمة أم القرى) ليبحث مشاكل الأمة الإسلامية جمعاء، ويقترح الحلول لها.

وسنعرض على عجالة رأي اثنين من كبار المصلحين الإسلاميين في مسألة المواطنة والوطنية: أحدهما من بلاد العرب، وهو الإمام حسن البنا.

والآخر من القارَّة الهندية، وهو العالم الفذ أبو الأعلى المودودي، رحمهما الله تعالى. وكلُّ واحد منهما له نظرة تخالف نظرة الآخر، وإن كان هدفهما الأساسي واحدا.

1. حسن البنا وموقفه من الوطنية والمواطنة:

ولقد تحدَّث الإمام حسن البنا عن مفهوم الوطنية في رسالة (دعوتنا) من رسائله الشهيرة، وبيَّن المعاني والمقاصد التي يمكن أن تفهم من هذه الكلمة، وأن منها ما هو مقبول في منطق الإسلام وشريعته، ومنها ما هو مردود ومرفوض.

الوطنية المقبولة والوطنية المردودة:

وقد تحدَّث الأستاذ البنا عن وطنية الحنين والعاطفة، ووطنية الحريَّة، ووطنية المجتمع وخدمته، ووطنية المجد والفتح، وأشاد بها، ونوَّه بشأنها، وترحيب الإسلام بها، ولكنه رفض وطنية الحزبية والانقسام، التي تؤدِّي إلى التباغض والتناحر وتفكُّك الروابط. وهو مبنيٌّ على رأيه في إنكار الحزبية وتعدُّد الأحزاب، وهو ما ناقشناه فيه في أكثر من كتاب لنا[11].

الوحدة الوطنية واختلاف الدين:

ثم يقول الأستاذ البنا: (وأحبُّ أن أنبِّهك إلى سقوط ذلك الزعم القائل إن الجري على هذا المبدأ يمزِّق وحدة الأمة التي تتألف من عناصر دينية مختلفة، فإن الإسلام وهو دين الوَحدة والمساواة كفل هذه الروابط بين الجميع ما داموا متعاونين على الخير: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8]. فمن أين يأتي التفريق إذن ؟) [12] اهـ.

مصر في نظر “حسن البنا”:

ويعود الأستاذ إلى فكرة (الوطنية) أو (المصرية) بمعنى الانتماء إلى الوطن الخاصِّ: مصر وحبِّها، والعمل على تحريرها والنهوض بها، فيخصُّها بحديث جدير بمكانتها فيقول:(فكيف لا نعمل لمصر ولخير مصر؟ وكيف لا ندافع عن مصر بكلِّ ما نستطيع؟ وكيف يقال: إنَّ الإيمان بالمصرية لا يتَّفق مع ما يجب أن يدعو إليه رجل ينادي بالإسلام ويهتف بالإسلام! إننا نعتزُّ بأنَّنا مخلصون لهذا الوطن الحبيب، عاملون له، مجاهدون في سبيل خيره، وسنظلُّ كذلك ما حيينا، معتقدين أن هذه هي الحَلْقة الأولى في سلسلة النهضة المنشودة، وأنها جزء من الوطن العربي العام، وأنَّنا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة والشرق والإسلام.)[13].

2. موقف المودودي من الوطنية والمواطنة:

لم أجد للأستاذ أبي الأعلى المودودي – فيما قرأتُ له – أيَّ كتابة فيها تعاطف مع فكرة (الوطنية)، وما يتبعها من المواطنة. بل وجدتُ منه هجوما عليها، ونقدا عنيفا لها.

فقد كان يرى أن أصلها غربي أو أوربي. وهو لا يستقي أفكاره من أيِّ منهل آخر غير الإسلام.

كما أن إقراره بالوطنية، ودعوة المسلمين إليها، قد يخاف من ورائها: أن تغيب هُوِيَّة الأقلية الإسلامية في الأكثرية الهندوسية. ولهذا وجَّه انتقادات عقلية حادَّة إلى فكرة القومية والوطنية.

نقد عناصر القومية (والوطنية) من ناحية العقل عند المودودي:

يقول رحمه الله متحدِّثا عن القومية والوطنية: (انظرْ فيها من حيث ذاتها وتفكَّرْ: هل لها أساس عقلي مستحكم أم هي لا تعدو في حقيقتها سرابا في الفكر والتخيُّل؟… أما الوحدة في المولد والمنشأ، فهي من الوهم والخيال، لأن المكان الذي يولد فيه الإنسان لا يزيد في عرضه وطوله عن ذراع في ذراع، وهو إذا عدَّ هذا المكان المحدود وطنا لنفسه، فلعله لا يستطيع أن يقول عن قطر ما في الأرض إنه وطنه، ولكنه يرسم حول هذا المكان خطا يبعد عنه أميالاً، بل مئات وآلافاً من الأميال في بعض الأحيان، ويقول: إن وطنه يتَّسع إلى هذا الخط، وإن كلَّ ما وراءه لا علاقة به أبدا.

فما كلُّ هذا إلا ضيق في نظره، وإلا فأيُّ شيء يمنعه أن يوسِّع هذا الخط إلى وجه الأرض من شرقه إلى غربه ومن جنوبه إلى شماله ويقول: إنه وطنه؟… وما له لا يقول إنه متوطِّن الأرض كلها، وأن كلَّ مَن يسكن على وجه الأرض هو أخوه في الوطن، وله في كلِّ بقعة من بقاعها من الحقوق مثل ما له من تلك البقعة الصغيرة التي وُلد فيها؟)[14] (1).

نظرية الإسلام الشاملة الجامعة عند المودودي:

ثم يعود بعد قليل ليحدِّثنا عن نظرية الإسلام الشاملة، والمعارضة للقومية والوطنية وأشباههما. يقول: (فهذا – بعينه – ما يقول به الإسلام ويدعو إليه الناس جميعا. فهو لا يقرُّ بأيِّ فرق مادي ولا حسي بين الإنسان والإنسان. ويقول للبشر قاطبة إنكم جميعا من أصل واحد: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} [النساء:1].

وأن ليس الاختلاف بينكم في المواطن أو المساكن أو المدافن بشيء جوهري، {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الأنعام:98].

وأن حقيقة أجناسكم وقبائلكم ليست إلا من أب واحد وأم واحدة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكم} [الحجرات:13].

أي ليس هذا الاختلاف بين شعوبكم وقبائلكم إلا لتتعارفوا، لا لتتباغضوا وتتفاخروا وتتناحروا وتتحاربوا بينكم، فلا تنسوا في هذا الاختلاف وحدة أصلكم. وإذا كان بينكم فارق حقيقي، فإنما هو على أساس الأخلاق والأعمال.

ثم يقول: (اقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لا تجد فيه كلمة تبرِّر النسلية والوطنية، لأنه يخاطب النوع البشري ويدعوه قاطبة إلى الخير والسعادة والفلاح، ولا يخصُّ بدعوته أمة دون أمة، أو بقعة من الأرض دون غيرها… وإذا كانت للإسلام علاقة خاصة ببقعة من الأرض، فإنما هي أرض مكة، ولكنه يصرِّح – مع ذلك – بأن المسلمين، من أهل مكة كانوا أو من خارجها، كلُّهم متساوون في أرضها، فيقول: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج:25].[15]

رأيي فيما قاله المودودي:

أعتقد أن كلام الأستاذ الكبير المودودي رحمه الله، لم يخل من غلوٍّ في النظرة والتحليل، فإن انتماء الإنسان إلى وطنه حقيقة فطرية، وحقيقة واقعية، وإن فكرة الوطنية في حدِّ ذاتها ليست مشكلة، إلا إذا تعارضت مع الدين، أو اقترنت بالعلمانية، أو وضعت بديلا عن الدين، كما بيَّنا ذلك من قبل.

وربما كان وضع الأستاذ المودودي وقيام دعوته في الهند الكبرى، التي يتمتَّع فيها الهندوس الوثنيون بأغلبية كبيرة، يُخشَى على المسلمين أن يذوبوا فيها، إذا نسَوا انتماءهم الديني: هو الذي ترك أثره في تفكير هذا الإمام. والإنسان ابن بيئته، كما أنه ابن عصره.

الأخوة الوطنية:

إن الاشتراك في الوطن يفرض نوعا من الترابط بين المواطنين بعضهم وبعض، يمكن أن نسمِّيه (الأخوة الوطنية) فكلُّ مواطن أخ لمواطنه، وهذه الأخوة توجب له من حقوق المعاونة والمناصرة والتكافل ما يستلزمه معنى (الأخوة) أي الانتماء إلى أسرة واحدة.

وقد يعترض بعض الإسلاميين من الحرفيين والمتشدِّدين على اطلاق الأخوة خارج الإطار الديني. فليس عندهم أخوة إلا أخوة الإيمان، أي الأخوة الدينية، ولا اعتراف بأيِّ أخوة سواها.

ودليلهم على ذلك قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، وقوله عن المؤمنين: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [آل عمران:103]. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “المسلم أخو المسلم”[16].

ونحن نؤمن بأصالة الأخوة الدينية القائمة على الإيمان، وأنها تذيب كلَّ الفوارق بين الناس، من عنصرية ولونية وإقليمية ولغوية وطبقية، وتُعلي عنصر الدين على كلِّ هذه الأشياء، فترى المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد”[17]. وترى المؤمن الأبيض في أوربا يشعر بأخوة عميقة بينه وبين المؤمن الأسود في إفريقيا، فقد ربط بينهما الإيمان الواحد.

ومع اعترافنا بذلك نؤكِّد: أن هذه الأخوة على عمقها، لا تمنع من وجود أنواع أُخَر من الأخوَّات. مثل الأخوة الوطنية أو القومية، ومثل الأخوة الإنسانية.

وفي هذا يقول الله تعالى في سورة الشعراء: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:106].

{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ } [الشعراء:124،123].

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:142،141].

{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:161،160].

فكلُّ هؤلاء الأقوام كذَّبوا رسلهم وكفروا بهم، ومع هذا عبَّر القرآن عن علاقة رسولهم بهم بأنه علاقة (الأخوة) {قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ}. وذلك لأن هؤلاء الرسل كانوا منهم، ولم يكونوا أجانب عنهم، فتربطهم أخوَّة قومية.

وفي هذه السورة نفسها عرضت قصة شعيب مع أصحاب الأيكة فقال تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:177،176].

ولم يقُل كما قال في الرسل السابقين: إذ قال لهم أخوهم شعيب، لماذا؟ لأن شعيبا لم يكن من أصحاب الأيكة، بل كان غريبا عنهم، وإنما كان من مَديَن، فهم قومه وليسوا أصحاب الأيكة، ولهذا قال في سورة الأعراف، وفي سورة هود، وفي سورة العنكبوت: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} [الأعراف:85، هود:84، العنكبوت:36].

فهذا يدلُّنا على أن الأخوة ليست دائما دينية، بل قد تكون وطنية أو قومية، أو غيرها.

وهنا لم يجد المعترض بُدًّا من التسليم، وهل يعارض مسلم دلالة القرآن الكريم؟

وإذا ثبتت الأخوة، فقد ثبت ما تقتضيه وتستلزمه من المحبَّة والمساواة والتضامن، إذ لا معنى للأخوة بغير هذا.

المواطنة في ضوء التعَدُّدِيَّة الإنسانية:

يقوم التصور الإسلامي للوجود على حقيقتين أساسيتين:

الحقيقة الأولى هي وحدانية الخالق. والحقيقة الثانية: هي تعددية الخلق.

على هذين الأساسين بنى الإسلام تصوره وعقيدته وفكرته عن هذا  الوجود.

وحدانية الخالق:

جوهر الإسلام أن الله وحده هو الواحد, وما عداه متعدد, هو واحد في ذاته, وواحد في صفاته, وواحد في أفعاله, هو الخالق وحده, والمحيي والمميت وحده, وهو المعبود وحده, فلا يستحق العبادة غيره, ولا الاستعانة سواه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5], { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:1-4].

ورفع الإسلام الجباه أن تسجد لغير الله, والظهور أن تطأطئ لغير الله, فلا انحناء إلا لله راكعين, ولا تعفير لجبهة إلا بالله ساجدين, وكانت رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر الروم وغيره من أمراء النصارى, تدعوهم إلى هذا التحرر, ويختمها بالآية الكريمة: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64]. هذه هي الحقيقة الأولى.

تعددية الخَلْق:

ونعني بالتعددية في الخلق, التعددية العرقية, والتعددية اللسانية, والتعددية الدينية, والتعددية الثقافية, والتعددية الحزبية, كل هذه التعدديات شرَّعها الإسلام, أنت لست وحدك في هذا الوجود, هناك آخرون يشاركونك, وينبغي أن يفهم الناس هذه الحقيقة, أن هناك تعدُّدًا.

التعددية العرقية:

هناك تعدُّد في الأجناس والعناصر, والله تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13], خلقناكم من ذكر وأنثى, كلكم أبناء آدم وحواء, وكلكم أبناء رجل وامرأة.

 (وجعلناكم شعوبًا وقبائل): هذا الشعب العربي, وهذا الشعب التركي, وهذا الشعب الهندي, وهذا الشعب الأفغاني, وهذا الشعب الفارسي, شعوبًا وقبائل لتعارفوا, لتتفاهموا .. لتتعاونوا.. لا تتناكروا ولا تتصادموا ولا تتعادوا.

 وهذا ما عرَّفه النبي صلى الله عليه وسلم للألوف المؤلفة في حجة الوداع حينما قال: “أيها الناس! إن ربكم واحد, وإن أباكم واحد, كلكم لآدم وآدم من تراب”([18]).

لا بدّ أن يعترف الناس بأن هناك عروقا وأجناسا مختلفة, وليس لجنس سيادة على جنس؛ كما يدّعي اليهود: أن الجنس الإسرائيلي هو شعب الله المختار, وعليه أن يسود العالم.

أو كما اعتقد بعض فلاسفة اليونان: أن الناس يتفاوتون بحكم الخلقة, فمنهم شعب خلق ليسود ويقود ويَحْكُم, وشعوب أخرى خلقت لتُقاد وتُساق وتُحكم, هناك سادة, وهناك عبيد.

أو كما اعتقد الآريون الأوروبيون في وقت من الأوقات, مثل هتلر وغيره: أن الجنس الآري هو سيد الأجناس, لا بدّ أن يحكم العالم!

أو كما اعتقد رينان وغيره من الفلاسفة المُلحْدَين: أن الأجناس تتفاضل, فهناك جنس أفضل من جنس, وعِرْق خير من عرق.

لا, فهذه المقولات مرفوضة في نظر الإسلام. أن الإسلام يقول: الناس سواسية كأسنان المشط, متساوون في العبودية لله, والبنوة لآدم. إنما يتفاوت الناس بالعلم والعمل والإحسان {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر:9], {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13], الناس تتفاوت بعلمها, وبأعمالها, وبتقواها, وبفضائلها, وربما تقدمه للناس من خيرات وصالحات.

الأجناس كلها متساوية ويجب أن يسع بعضها بعضًا, لا يحاول جنس أن يطغى على جنس, فضلًا عن أن يُبيد جنس جنسًا آخر.

ليس من حق جنس أن يحكم على جنس بالإبادة. هذا خلق الله, لهم حقٌّ في الاستخلاف في هذه الأرض وعمارتها, كما لكم حقوق في العيش عليها.

التعددية اللسانية واللغوية:

وهناك التعددية اللسانية: أن الله خلق الناس تختلف ألسنتهم ولغاتهم, بموجب عوامل شتى. القرآن يقول: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} [الروم:22], هذا يتكلم بالعربية, وهذا بالفارسية, وهذا بالهندية, والهندية فيها مئات اللغات, وهذا يتكلم بالتركية أو بالسواحلية, وهذا بالإنجليزية, وهذا بالفرنسية… إلخ. فالناس يتكلمون بلغاتهم {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم:4].

فلا ينبغي لأحد أن يضيق بلغة غيره, أو يحاول أن يضيِّق عليها, أو يتعصب ضدها, أو يفرض على أهلها بالقوة ترك لغتهم.

التعددية الدينية:

وهناك تعددية دينية، فإن الله خلق الناس مختلفين, خلق لكلٍّ منهم عقلًا يفكر به, ومنحه الإرادة ليرجح بها, ومنحه مَلَكات وقوًى ومواهب مختلفة, على أساسها اختار الناس لأنفسهم.

ولو شاء الله أن يجعل الناس كلهم مؤمنين به؛ لفطرهم على التوحيد والإيمان كما فطر الملائكة,  ولكن الله تعالى خلق الإنسان وميّزه بالإرادة والاختيار, فهو الذي يقرر مصير نفسه {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [يونس:108], {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. لم يشأ الله أن يجبره على دين واحد, وعلى الإيمان به, بل ترك له الحرية, أعطاه الأدوات التي يفكر بها, وبعث له الرسل, وأنزل له الكتب, لتعاونه في اختيار الطريق, ولكنه ترك له الحرية, هكذا خلق الله الناس { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود:119,118].

ولذلك خطّأت بعض الإخوة الذين يقولون: لا دين غير الإسلام([19]), مستدلين بقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران:19], لا مانع أن تعتقد أن دينك هو الحق, فكل مؤمن بدين يعتقد أن دينه وحده هو الحق, ولا ملام على ذلك.

ومع هذا نقول: هناك أديان أخرى, يؤمن بها أصحابها, حتى دين المشركين الوثنيين, فالله قال لهم على لسان رسوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون:6] كذلك أهل الكتاب لهم دينهم {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [النساء:171].

هناك أديان أخرى وسعها الإسلام, وعاشت في ظلال الإسلام قرونًا: عاشت النصرانية, وعاشت اليهودية, وعاشت المجوسية, وعاشت الهندوسية, وغيرها من الديانات. والمسلمون كانوا هم سادة العالم, ولهم القوة الأولى في الدنيا, وكانوا يستطيعون أن يفرضوا عليهم دينهم, وأن يقهروهم على الإسلام, لكن لم يحدث ذلك أبدًا, لأن الإسلام لا يقبل إيمانًا فيه شائبة إكراه.

العلاقة بين الأديان علاقة حوار لا  صراع:

قد  يفهم البعض الإسلام خطأ, لأنه رفع راية الجهاد, وقاتل أعداءه, ولكنه لم يفعل ذلك إلا تحت ضغط الواقع المُر, فقد دعا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة, فرُفع السيف في وجهه, وحُكِم على الدعوة الجديدة بالإعدام, وفُتن معتنقوها في دينهم, عُذب مَن عُذب, وقُتل من قُتل, وهاجر من هاجر, وجُوِّع من جُوِّع, والمسلمون صابرون مصابرون, والرسول يأمرهم أن يكفوا أيديهم([20]).

وبعد ثلاثة عشر عامًا, أذن الله تعالى لهم أن يقاتلوا دفاعًا عن أنفسهم وحرية دينهم, بل عن حرية الأديان السماوية كلها, وفي ذلك نزل قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40,39].

أما الأصل في منهج الدعوة الإسلامية, فقد وضَّحه القرآن بعبارات جليّة بيّنة, فقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125].

فالموافقون يُدْعَوْن بالحكمة التي تخاطب العقول, والموعظة التي تحرِّك المشاعر, والمخالفون يُدعَون بأحسن الطرق, وأرقِّ الأساليب التي تقرِّب بين المتباعدين, وهو ما سمّاه القرآن الجدال بالتي هي أحسن.

وإذا كان هذا مطلوبًا مع الناس عامة, فهو مطلوب مع أهل الكتاب على وجه الخصوص, حيث يقول القرآن: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت:46].

ومن قرأ القرآن مكيَّه ومدنيَّه وجده كتاب حوار من الطِّراز الأول([21]).

تنوُّع الثقافات تثرَى به الحضارة:

والحضارة الإسلامية شاركت فيها أنواع عدّة من العناصر والأجناس والأديان المختلفة, وكل له ثقافته, وكل ترك له (بصمة) في ناحية من النواحي, وهذا من التنوع, فالتنوع فيه إثراء وغنًى للحضارات, الحضارة التي تقوم على شكل واحد, ولون واحد, وصورة واحدة, هذه الحضارة فقيرة, الحضارة الغنية الخصبة: هي التي تأخذ من الجميع, وتستفيد من الجميع, وتقتبس من الجميع, هذا هو التنوُّع.

والتنوُّع ظاهرة كونية, أشار إلى ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28,27], العلماء هم الذين يعرفون أسرار الله في الكون, يعرفون أسرار اختلاف الألوان, التنوُّع يعبر عنه القرآن باختلاف الألوان, أي اختلاف الأنواع والأصناف, وبهذا تثرَى الحياة, وتزدهر, وهذا موقفنا نحن المسلمين: لا نفرض على الناس لونًا واحدًا, ونحاول أن نبيد الألوان الأخرى, وهذه هي التعددية الثقافية.

موقف المسلمين في غير المجتمع الإسلامي:

عندما نتحدث عن (المواطنة) بخصوص المسلمين في غير المجتمع الإسلامي.

فإننا نعني: الأقليات المسلمة، التي تعيش في أوربة وأمريكا والشرق الأقصى وإفريقيا وغيرها. وخصوصا إذا كان هؤلاء المسلمون من أصول مهاجرة آسيوية أو إفريقية.

فكيف ينظر أهل البلاد إلى هؤلاء المسلمين، ولا سيما الذين حصلوا على جنسية هذه البلاد؟ هل يعتبرونهم غرباء عنهم، أو دخلاء عليهم، أجانب منهم، وإن حملوا جنسية البلاد؟ أو يعتبرونهم مواطنين، لهم ما لهم من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات، وإن كانوا مخالفين لهم في الدين أو في الأصل أو في اللون؟

وكيف ينظر المسلمون أنفسهم إلى موقفهم من المجتمع الذي يعيشون فيه: هل يعتبرون أنفسهم جزءا منه أو لا زالوا يعدُّون أنفسهم غرباء عنه؟ هل ينعزلون عن المجتمع ويحيَون وحدهم، منغلقين على أنفسهم؟ أو يندمجون في المجتمع ويتفاعلون معه، ويؤثِّرون فيه، ويتأثَّرون به؟

حكم الإقامة في بلد غير إسلامي:

أما حكم الإقامة في بلد غير إسلامي، فهذا يختلف باختلاف حال أهل هذا البلد، وموقفه من الإسلام والمسلمين.

فمن البلاد مَن يضطهد المتدينين عامَّة، ويقف من الدين موقف المعادي، وتخصُّ الإسلام بمزيد من العدوان والنقمة، وهو حال الدول في العصر الشيوعي؛ فقد كانت ترى الإسلام دين جهاد ونضال، ويغذِّي الشعوب بالأفكار الرافضة للشيوعية عقيدة ونظاما، ويطاردها بوصفها لونا من الاستعمار الامبريالي.

فمَن كان من أهل البلاد من المسلمين، فعليه أن يصبر ويصابر ويرابط، ولا يفرِّط في دينه بكلِّ ما يملك من قوَّة وطاقة، ويعمل بأحكام الضرورة فيما لا طاقة له به، معتبرا نفسه في حال إكراه واضطرار، وقد قال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} [النحل:106]، {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[البقرة:173، النحل:115].

 وأما مَن أراد أن يهاجر إليها من بلد مسلم، فهذا الذي نقول له: لا يحلُّ لك أن تترك بلدك المسلم، الذي تستطيع أن تقيم فيه شعائرك، وتؤدِّي عباداتك، وتذهب إلى بلد يضيِّق عليك، ويضعك تحت المراقبة، ولا يتيح لك العمل – كما تريد – بالإسلام، ناهيك عن العمل للإسلام، والدعوة إليه.

وإذا كان الإسلام يوجب على المسلم الهجرة من بلده الأصلي إذا ضُيِّق عليه فيه، ولم يمكَّن من إقامة أركانه، وهو ما سمَّاه القرآن (ظلم النفس)، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا }  [النساء:97].

أقول: إذا كان يوجب الهجرة لمثل هذا من بلده، فكيف يذهب مختارا إلى بلد يظلم فيه نفسه، ويُحرم فيه من إقامة دينه؟!!

وهناك بلاد يسود فيها مناخ الحرية: الحرية الدينية والفكرية والسياسية، وغيرها من الحريات، ولا تتدخَّل في دين أحد، بل تَدَع كلَّ إنسان وما اختار لنفسه، وتلك هي البلاد الديمقراطية الليبرالية، وإن اتَّخذت مبدأ العلمانية شعاراً لها، تقف من الدين موقفاً محايداً، لا تؤيِّده ولا تعاديه، بل تعدُّه أمرا شخصيا لكلِّ فرد فيما بينه وبين ربِّه، الذي آمن به، وتعبَّد له، أيًّا كان هذا الرب أو الإله.

وفي هذا المناخ لا أرى بأسا من هجرة المسلم إلى بلاد أوربا التي يدين أغلبها بالنصرانية (المسيحية) والإقامة فيها، إذا كان ذلك لأهداف مشروعة، مثل: العمل وكسب المعيشة، حيث تضيق فرص العمل الملائم في بلده، وتتَّسع في هذه البلاد، فالسعي في طلب الرزق، والمشي في مناكب الأرض مشروع للمسلم.

قال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل:20].

وقد قال الشاعر:

بِـلادُ اللهِ واسِعـــــةٌ فضَاها         ورزقُ اللهِ في الدَّنْيا فسِيحُ

فقلْ للقاعِدينَ على هَوانٍ          إذا ضاقَتْ بكُمْ أرضٌ فَسيحوا

ومثل طلب الرزق: طلب الأمن، إذا كان يشعر في بلاده بالخوف على نفسه أو أهله وولده، أو ماله وأملاكه، وقد رأى العبرة في أمثاله وقرنائه، فإن حاجة الإنسان إلى الأمن من خوف، كحاجته إلى الطعام من جوع، كما قال تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:4]. واعتبر القرآن الجوع والخوف شرَّ ما تبتلى به المجتمعات، {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112].

ومثل ذلك طلب الدراسة، ولا سيما في التخصُّصات التي لا تتوافر في بلاد الشرق، وإذا توافرت كانت مستوياتها وإمكاناتها متواضعة.

وكلُّ هذا يسوِّغ الإقامة في تلك البلاد، بشرط ألا يخاف على دينه ودين أهله وذريَّته من شيوع نزعة التحلُّل والإباحية في هذه المجتمعات، وانتشار الموجة المادية التي تستخف بالأديان والإيمان بالغيب، والاهتمام بالدار الآخرة. فمَن وجد في هذه الديار خطرا على دينه أو دين أولاده، فلا تحلُّ له الإقامة هناك، وإن كان يكسب فيها الملايين، فما قيمة أن يكسب المسلم الدنيا ويخسر الدين؟ وما قيمة أن يربح الأموال ويفقد الأولاد؟

فليس هناك عند المسلم شيء أغلى وأعز من الدين. وقد قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24].

وأهم من الأهداف السابقة كلها: هدف من يهاجر ليقيم في تلك البلاد، ابتغاء تبليغ دعوة الإسلام إلى أهلها، امتثالا لما أمر الله به ورسوله من تبليغ الرسالة، التي بلَّغها رسول الإسلام في حياته، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67].

ولا ريب أن الإقامة بين المبلَّغين تُعين على قوَّة التأثير فيهم بالقول والفعل والأسوة الحسنة، وتردُّ على كلِّ تساؤل ردًّا مباشرا، وهذا هو أسلوب المسلمين في القرون الأولى: أن يقيموا بين ظهراني الناس، ويختلطوا بهم، ويشاهدوا أخلاقهم وسلوكياتهم، ويتأثَّروا بهم ويحبُّوهم، فيحبُّوا دينهم بحبِّهم، فأظهر وأقوى ما أثَّر في الأمم هو: سلوك المسلمين المثالي، الذي لم يروا مثله في الأمم الأخرى.

إقامة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة في ظلِّ حكم غير إسلامي:

ومن الدلائل على مشروعية إقامة المسلم تحت سلطان دولة غير إسلامية: بقاء المسلمين في الحبشة بعد قيام دولة الإسلام في المدينة بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمرار بعضهم فيها لعدَّة سنوات.

حتى إن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، لم يقدم على المدينة إلا في السنة السابعة بعد الهجرة، أي عند فتح خيبر، وقد فرح النبي صلى الله عليه وسلم بمقدمه، وقال: “لا أدري بأيهما أسر: بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر”[22].

والذي أستدلُّ به هنا، هو: إقامتهم في الحبشة بعد الهجرة إلى المدينة، وتأسيس دولة الإسلام بها، ووجود (دار) مستقلَّة للإسلام، تنتشر منها دعوته، وتحكم فيها شريعته، وينطلق منها جنوده. فهذا يدلُّنا على أن المسلم يستطيع أن يعيش في كَنَف دولة غير مسلمة، ولا يفرض عليه الهجرة منها، ما دام يعيش فيها آمنا على نفسه وأهله ودينه وحرماته.

شبهات تثار حول الإقامة في بلاد غير المسلمين:

ومن المسلمين – ولا سيما المتشدِّدين – مَن يُثير شبهات شرعية، حول إقامة المسلم في بلاد غير إسلامية، معتمدين على بعض الأحاديث المرويَّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  1. 1. حديث: “أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين”:

أما حديث: “أنا بريء من كلِّ مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى ناراهما”[23].
فقد فهم منه البعض: تحريم الإقامة في بلاد غير المسلمين، وأفتى بذلك مفتون في بلاد شتَّى، وضيَّقوا بذلك على المسلمين الكثيرين الذين يعيشون في أوربا وغيرها، مع تعدُّد الحاجة إلى ذلك.

والحديث الذي اعتمدوا عليه رواه أبو داود والترمذي عن جرير بن عبد الله مسندا ومرسلا، أي بدون ذكر الصحابي، وذكروا أن الصحيح هو المرسل. ولم يروه النسائي إلا مرسلا، وبعد أن رواه الترمذي مرسلا، قال: هذا أصحُّ، ونقل عن البخاري: الصحيح المرسل، وكذا قال أبو حاتم الرازي والدارقطني (3). والاحتجاج بالمرسل: فيه الخلاف المشهور في علم الأصول، وعامَّة أهل الحديث يعدُّون المرسل في الحديث الضعيف. ونصُّ الحديث: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر لهم بنصف العقل (أي الدية)، وقال: “أنا بريء من كلِّ مسلم يقيم بين أظهر المشركين”. قالوا: يا رسول الله، لِمَ؟ قال: “لاتتراءى ناراهما” انتهى.

 قال الإمام الخطابي في تعليل إسقاط نصف الدية: (لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمُقامهم بين ظهراني الكفار، فكانوا كمَن هلك بجناية نفسه، وجناية غيره، فسقطت حصَّة جنايته من الدية).[24]

ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: “أنا بريء من كلِّ مسلم يقيم بين أظهر المشركين”: أي بريء من دمه إذا قُتل؛ لأنه عرَّض نفسه لذلك بإقامته بين هؤلاء المحاربين لدعوة الإسلام، ولدولة الإسلام.
ومعنى هذا: أنه إذا تغيَّرت الظروف التي قيل فيها النص، وانتفت العِلَّة الملحوظة من ورائه، من مصلحة تُجلب، أو مفسدة تُدفع، فالمفهوم أن ينتفي الحكم الذي ثبت من قَبْلُ بهذا النصِّ، فالحكم يدور مع عِلته وجودا وعدما.[25]

  1. 2. حديث: “مَن جامع مشركا وسكن معه، فهو مثله”:
    وأما الحديث الآخر الذي يعتمد عليه مَن يعتمد في تحريم الإقامة مطلقا في بلاد غير المسلمين. فهو حديث: “مَن جامع مشركا وسكن معه، فهو مثله”.
    ومعنى “جامعه”: أي اجتمع به وضمَّهما مكان واحد، وقد فسَّر ذلك قوله: “وسكن معه”. ومعنى “فهو مثله”: أي في الإثم، كأنه نوع من التولِّي له، والله تعالى يقول: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51]. وأبادر هنا فأقول: إن هذا الحديث ضعيف، فقد رواه أبو داود في الجهاد (2787)، عن سمرة بن جندب، من طريق جعفر بن سعد، عن خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن سمرة، وهو إسناد ضعيف بالإجماع[26].

نظرة في دلالة الأحاديث:

وإذا تأمَّلنا في متون هذه الأحاديث ودلالتها تبيَّن لنا ما يلي:

أولاً: أنها تتحدَّث عن (المشركين) وفراق (المشركين). والمشركون كما ذكرنا تعني عُبَّاد الأصنام. ونحن بصدد الحديث عن أهل الكتاب وخصوصا المسيحيين منهم.

ثانياً: أن لفظة (المشركين) إذا أُطلقت في ذلك الوقت، تعني: المشركين المحاربين، الذين أعلنوا العداوة للإسلام ورسوله، وصدُّوا عن سبيل الله، وشهروا السيف على دعوة الإسلام.

ثالثاً: يجب أن نحدِّد المقصود من (فراق المشرك) في هذه الأحاديث التي كان من وصاياها: “وتفارق المشرك”. فما المراد بكلمة (الفراق) هنا؟ أهو الفراق الحسِّي أم الفراق المعنوي؟

وقد جاء في بعض روايات الحديث: “وتبرأ من الكافر”. والبراءة من الكافر غير ترك السكنى معه، فالبراءة منه: أن يعلن أنه لا يؤمن بمعتقداته بتعدُّد الآلهة، أو بإنكار البعث، أو باستحلال الحرام، أو بتحريم الحلال.

 الإقامة بهدف الدعوة إلى الإسلام:

ومما يدلُّ على مشروعية الإقامة في بلاد غير المسلمين، ليحقِّق مقاصد مشروعة: أن الإسلام فرض على المسلمين أن يبلِّغوا دعوتهم إلى العالمين، لتتحقَّق رحمة الله العامة ببعثة محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين.

ومن لوازم ذلك: أن يقيم أناس في بلد الدعوة، ليعلِّموا مَن دخل في الإسلام، ويثبِّتوهم، وهذا أمر ضروري في توريث الإسلام العملي للمسلمين الجدد، ومن القواعد المتَّفق عليها: أن ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.

وهذا ما وقع بالفعل خلال التاريخ الإسلامي, وبه انتشر الإسلام في بلاد شتَّى، وثبت فيها، وتغلغل في حياة أهلها. ومنها بلاد لم يدخلها جيش إسلامي، ولم ينتشر الإسلام بين ربوعها إلا بأخلاق المسلمين، وحسن تعاملهم، وحسن فَهمهم لحقائق الإسلام دون تعقيد أو تعسير.

ومن ذلك بلاد كبيرة معروفة، مثل إندونسيا وماليزيا، التي دخل الإسلام إليها عن طريق التجار المسلمين الذين جاؤوا من حضرموت وما حولها، ولم يكونوا علماء ولا دعاة محترفين. فأحبَّهم أهل البلاد، وأحبُّوا دينهم ودخلوا فيه أفواجاً.

ومثل ذلك: كثير من البلاد الإسلامية في إفريقيا، انتشر الإسلام عن طريق الاختلاط والمعاشرة، وعن طريق الطرق الصوفية.

ولو كان الحكم الدائم هو تحريم إقامة المسلم في بلاد أهل الكفر: ما وجد الإسلام سبيلا للانتشار أبدا، وسددنا عليه الطريق مختارين.

التجنس بجنسية البلاد الأوربية:

بقي هنا موضوع آخر مرتبط بموضوع الإقامة، وهو التجنُّس بحنسية هذه البلاد الأوربية، من فرنسية أو بريطانية أو ألمانية أو غيرها.

ومن المؤكَّد: أن الذين يرفضون الإقامة في أوربا وغيرها من البلاد غير الإسلامية: يرفضون – من باب أولى – التجنُّس بجنسيتها.
وقد رأينا من العلماء والدعاة مَن يتشدَّد في ذلك غاية التشدُّد، ويحرِّم على المسلمين حمل أيَّ جنسية غير إسلامية.

وقد بحثت ذلك الندوة الفقهية التي عقدت في الكلية الأوربية الإسلامية في فرنسا، وحضرها عدد من الفقهاء المعتبرين، على رأسهم العلاَّمة مصطفى الزرقا، والشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة، والشيخ منَّاع القطَّان، وغيرهم.

وكانت مسألة التجنُّس بالجنسية الأوربية من المسائل المعروضة، وقد انتهت الندوة إلى إجازتها، والردِّ على شبهات العلماء المشدِّدين فيها.

تشدد الأستاذ حسن البنا في هذه المسألة:

وقد كان من الذين تشدَّدوا في حمل الجنسية غير الإسلامية: الأستاذ حسن البنا رحمه الله، وله في ذلك فتوى منشورة معروفة قال فيها: (مجرَّد تجنُّس المسلم بأية جنسية أخرى لدولة غير إسلامية: كبيرة من الكبائر، توجب مَقْت الله وشديد عقابه، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود، عن أنس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن ادَّعى لغير أبيه أو انتمى لغير مواليه؛ فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة”[27]، والآية الكريمة تشير إلى هذا المعنى، وهي قول الله تبارك وتعالى: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:28]؛ فكيف إذا صحبه بعد ذلك واجبات وحقوق تبطل الولاء بين المسلمين، وتمزِّق روابطهم، وتؤدِّي إلى أن يكون المؤمن، في صفِّ الكافر أمام أخيه المؤمن، وإن خيرا للمسلم أن يَدَع هذه الديار وأمثالها إن تعذَّرت عليه الإقامة فيها إلا بمثل هذه الوسيلة وأرض الله واسعة: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} [النساء:100]، والله أعلم)[28]

ولكن الذي أراه هنا: أن أخذ الجنسية من بلد غير إسلامي يعتبر أحيانا خيانة لله ورسوله وللمؤمنين، وذلك في حالة الحرب بين المسلمين وغيرهم ممَّن يحاربون الإسلام؛ ولذا أفتى علماء تونس وقت الاحتلال الفرنسي أن أخذ الجنسية الفرنسية يُعدُّ خروجا ورِدَّة عن الإسلام؛ لأنه بتجنُّسه باع ولاءه لوطنه، واشترى ولاءه للمستعمر، فأفتى العلماء الكبار بكفر مَن فعل ذلك.

ولكي نكون منصفين: فلا بد أن نضع فتوى البنا ومَن وافقه في إطار زمنها وبيئتها وظروفها، فقد يتشدَّد الأستاذ في أمور، نحن نتساهل فيها اليوم بمقتضى التطوُّر العالمي، واقتراب الناس بعضهم من بعض، وحاجة العالم بعضه إلى بعض، وتغيُّر صفة بعض الدول من دول استعمارية ظالمة للمسلمين، إلى دول حليفة أو شريكة للمسلمين.

كما أن الأستاذ في بعض ما كتبه كان في عنفوان الشباب، بما فيه من حماس وثورة، واندفاع في المواجهة. وللسنِّ حكمها، وللبيئة والزمن تأثيرهما، وعلى كلِّ حال؛ ليس في العلم كبير، وكلُّ أحد يؤخذ منه ويردُّ عليه، إلا مَن ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.

المواطنة وضرورة الوجود الإسلامي في الغرب:

أود أن أشير هنا إلى حقيقة مهمة، ينبغي لنا – نحن المسلمين – ألا نغفل عنها، وهي: أنه يجب أن يكون للمسلمين – بوصفهم أمة ذات رسالة عالمية – (وجود إسلامي) ذو أثر، في بلاد الغرب، باعتبار أن الغرب هو الذي أصبح يقود العالم. ويوجه سياسته واقتصاده وثقافته. وهذه حقيقة لا نملك أن ننكرها.

فلو لم يكن للإسلام وجود هناك، لوجب على المسلمين أن يعملوا متضامنين على إنشاء هذا الوجود، ليقوم بالمحافظة على المسلمين الأصليين في ديارهم، ودعم كيانهم المعنوي والروحي، ورعاية من يدخل في الإسلام منهم، وتلقي الوافدين من المسلمين، وإمدادهم بما يلزمهم من حسن التوجيه والتفقيه والتثقيف. بالإضافة إلى نشر الدعوة الإسلامية بين غير المسلمين.

ولا يجوز أن يترك هذا الغرب القوي المؤثر للنفوذ اليهودي وحده، يستغله ويوجهه لحساب أهدافه وأطماعه، ويؤثر في سياسته وثقافته وفلسفاته، ويترك بصماته عليها. ونحن المسلمين بمعزل عن هذا كله، قابعون في أوطاننا، تاركين الساحة لغيرنا، في حين نؤمن نظريا بأن رسالتنا للناس جميعا وللعالمين قاطبة. ونقرأ في كتاب ربنا {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]. { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1].

ونقرأ في حديث نبينا: “كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة”.[29]

المواطنة والتفاعل الإيجابي:

نحن الآن في مرحلة التفاعل الإيجابي مع المجتمع، فلا مجال في هذه المرحلة للعزلة والانكفاء على الذات، والحذر من مواجهة الآخرين، فقد غدت الأقليات المسلمة واقفة على أرض أصلية، واثقة من نفسها، معتزة بذاتها، قادرة على التعبير عن هويتها، والدفاع عن كينونتها وإبراز خصائصها، وتقديم ما عندها من رسالة حضارية للبشرية.

وهي في هذه المرحلة تستكمل مؤسساتها العلمية والتربوية والدعوية، فقد كانت في وقت ما معنية أبلغ العناية بإنشاء (المسجد)، وكانت ضرورية، لأنها المؤسسة الأولى في المجتمع المسلم، ثم تطورت فأصبحت تعنى بإنشاء (المدرسة) ليتعلم فيها أبناء المسلمين أصول دينهم، كما يتعلمون المناهج الدراسية المقررة على أمثالهم.

ثم تطورت أكثر فأصبحت تنشئ المعاهد العليا والجامعات المتخصصة في الدراسات الإسلامية، لتخريج الإمام والداعية المعاصر، والمعلم المؤهل المعاصر، والعالم الشرعي المعاصر الذي ينهل من الثقافة الإسلامية الأصلية، ويعيش في عصره وتياراته ومعارفه ومشكلاته وتطوراته، ويجتهد أن يأخذ من الشرع ما يحل به مشكلات العصر.

تهنئة أهل الكتاب بأعيادهم:

من الأمور التي ، تهم المسلمين في أوروبا وأمريكا، وبلاد شتى، ممن يعيشون في تلك الديار، ويعايشون أهلها المسيحيين، وتنعقد بينهم وبين كثير منهم روابط تفرضها الحياة، مثل الجوار في المنزل، والرفقة في العمل، والزمالة في الدراسة، وقد يشعر المسلم بفضل غير المسلم عليه في ظروف معينة، مثل المشرف الذي يعين الطالب المسلم بإخلاص، والطبيب الذي يعالج المريض المسلم بإخلاص، وغيرهما. وكما قيل: إن الإنسان أسير الإحسان، وقال الشاعر:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم          فطالما استعبد الإنسان إحسان!

وقد وضع القرآن الكريم دستور العلاقة بين المسلمين وغيرهم في آيتين من كتاب الله تعالى في سورة الممتحنة، وقد نزلت في شأن المشركين الوثنيين، فقال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8-9]. ففرقت الآيتان بين المسالمين للمسلمين والمحاربين لهم.

وشرعت الآية الكريمة للمسالمين برّهم والإقساط إليهم، والقسط يعني: العدل، والبر يعني: الإحسان والفضل، وهو فوق العدل. أن تزيده على حقه فضلًا وإحسانًا.

وقد اختار القرآن للتعامل مع المسالمين كلمة (البر) حين قال: “أن تبروهم” وهي الكلمة المستخدمة في أعظم حق على الإنسان بعد حق الله تعالى، وهو (بر الوالدين).

وقد روى الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي مشركة، وهي راغبة (أي في صلتها والإهداء إليها) أفأصلها؟ قال: “صِلِي أمك”.[30]

هذا وهي مشركة، ومعلوم أن موقف الإسلام من أهل الكتاب أخف من موقفه من المشركين الوثنيين.

حتى إن القرآن أجاز مؤاكلتهم ومصاهرتهم، بمعنى: أن يأكل من ذبائحهم ويتزوج من نسائهم، كما قال تعالى في سورة المائدة: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5].

ومن لوازم هذا الزواج وثمراته: وجود المودة بين الزوجين، كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}[الروم:21].

وكيف لا يود الرجل زوجته وربة بيته وشريكة عمره، وأم أولاده؟ وقد قال تعالى في بيان علاقة الأزواج بعضهم ببعض: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}[البقرة: 187].

ومن لوازم هذا الزواج وثمراته: المصاهرة بين الأسرتين، وهي إحدى الرابطتين الطبيعيتين الأساسيتين بين البشر، كما أشار القرآن بقوله: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا}[الفرقان:45].

ومن لوازم ذلك: وجود الأمومة وما لها من حقوق مؤكدة على ولدها في الإسلام، فهل من البر والمصاحبة بالمعروف أن تمر مناسبة مثل هذا العيد الكبير عندها ولا يهنئها به؟

فإذا كان حق الأمومة والقرابة يفرض على المسلم والمسلمة صلة الأم والأقارب بما يبين حسن خلق المسلم، ورحابة صدره، ووفاءه لأرحامه، فإن الحقوق الأخرى توجب على المسلم أن يظهر بمظهر الإنسان ذي الخلق الحسن، وقد أوصى الرسول الكريم أبا ذر بقوله: “اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن”[31] هكذا: “خالق الناس” ولم يقل: خالق المسلمين بخلق حسن.

وتتأكد مشروعية تهنئة القوم بهذه المناسبة إذا كانوا يبادرون بتهنئة المسلم بأعياده الإسلامية، فقد أمرنا أن نجازي الحسنة بالحسنة، وأن نرد التحية بأحسن منها، أو بمثلها على الأقل، كما قال تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}[النساء: 86].

ولا يحسن بالمسلم أن يكون أقل كرمًا، وأدنى حظًّا من حسن الخلق من غيره، والمفروض أن يكون المسلم هو الأوفر حظًّا، والأكمل خلقًا، كما جاء في الحديث: “أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا”[32]. وكما قال عليه الصلاة والسلام: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”[33].

ويتأكد هذا إذا أردنا أن ندعوهم إلى الإسلام ونقربهم إليه، ونحبب إليهم المسلمين، فهذا لا يتأتى بالتجافي بيننا وبينهم.

فلا مانع إذن أن يهنئهم الفرد المسلم، أو المركز الإسلامي بهذه المناسبة، مشافهة أو بالبطاقات التي لا تشتمل على شعار أو عبارات دينية تتعارض مع مبادئ الإسلام مثل (الصليب)، فإن الإسلام ينفي فكرة الصليب ذاتها {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:156].

والكلمات المعتادة للتهنئة في مثل هذه المناسبات لا تشتمل على أي إقرار لهم على دينهم، أو رضا بذلك، إنما هي كلمات مجاملة تعارفها الناس.

ولا مانع من قبول الهدايا منهم، ومكافأتهم عليها، فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدايا غير المسلمين مثل المقوقس عظيم القبط بمصر وغيره، بشرط ألا تكون هذه الهدايا مما يحرم على المسلم كالخمر ولحم الخنزير.

هذا كله في الأعياد الدينية، أما الأعياد الوطنية، مثل عيد الاستقلال أو الوحدة، أو الأعياد الاجتماعية مثل: أعياد الأمومة والطفولة والعمال والشباب ونحوها، فلا حرج على المسلم من أن يهنئ بها أو يشارك فيها باعتباره مواطنا أو مقيما في هذه الديار، على أن يحرص على تجنب المحرمات التي قد تقع في تلك المناسبات، وبالله التوفيق.

التعامل مع الجار غير المسلم في بلد غير إسلامي:

الإسلام يؤكد حق الجار أبلغ التأكيد، سواء كان مسلمًا أم غير مسلم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء:36]. والجار الجنب هو: البعيد، سواء بعيدًا في النسب، أم في الدين، أم في الدار.

وقد أوصى عبد الله بن عمرو غلامه ألا ينسى جاره اليهودي من ذبيحة ذبحها، وأكد وصيته له، حتى سأله الغلام عن سر هذا الاهتمام، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه”.

ومن ذلك الحق إجابة دعوته، وإزالة الوحشة بين المسلم وغير المسلمين، بالتلطف معهم، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم.

على أن المسلم لا يجب عليه إجابة الدعوة إذا علم أن هناك منكرًا لا يستطيع تغييره. وما دام لا يمكنه إزالة المنكر، فليزل هو عنه.

وعلى المسلم أن يجتنب إجابة الدعوات إذا علم وجود الخمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر”.[34]

ولأن من قواعد الإسلام: أن يحاصر المعصية من كل جهة حتى تنقطع جذورها، ولهذا يحرم كل عمل يؤدي إليها أو يعين عليها. ومن هنا يكون المسلم الذي يحضر مجالس الخمر آثمًا، وإن لم يشربها، لأن مجرد حضوره في تلك المجالس، يقوي مرتكبيها ويشد أزرهم.

ولا يعفي من الإثم هنا إلا خوف ضرر بليغ يحيق به إن هو رفض الدعوة، فهو يرتكب بالحضور أخف الضررين، ويرضى بأهون الشرين، وهذا من القواعد الشرعية المقررة: دفع الضرر الأعلى بتحمل ضرر أدنى.

ويقرب من ذلك: أن يرجو مصلحة كبيرة بقبوله الدعوة، مثل رجاء قبول هذا الجار للإسلام، وإحساسه ببداية انعطافه نحو هذا الدين، ويخشى أن تضيع هذه الفرصة، إذا أوحش قلب الرجل، وأعرض عن قبول دعوته، فللاجتهاد هنا مجال.

أما قضية سؤاله صاحب الدعوة عما إذا كان يوجد خمر أو خنزير أو نحو ذلك مما يحرمه الإسلام قطعًا، فهذا هو الأولى، حتى يعرف الرجل أن المسلم لا يشرب خمرًا، ولا يأكل خنزيرًا… إلخ: وهذا ما يفعله المسلمون الذين يعيشون في مجتمعات غير إسلامية، يعرِّفون من يدعونهم أنهم لا يتناولون المسكرات، ولا يجلسون على مائدة تقدم فيها، وهذا ما يجعل جيرانهم وزملاءهم حين يدعونهم يحترمون قيمهم ومبادئهم، ولا يقدمون لهم شيئًا من هذا.

وهذا أولى من أن يترك الأمر معمّى، حتى يفاجأ بما لم يكن في حسبانه، ويعتذر عن عدم تلبية الدعوة، بعد أن يكون داعيه قد كلف نفسه، وتوقع حضوره.

هل يقبل الغرب المسلمين مواطنين كغيرهم لهم كل الحقوق؟

في عامة البحوث يتَّجه الباحثون إلى أن العقبة في الاندماج وقبول المواطنة هم المسلمون أنفسهم، الذين لا يقبلون بسهولة: فكرة الاندماج في غيرهم، وبخاصة الجيل الأول من المهاجرين، الذي يظلُّ مرتبطا بوطنه الأول، حذرا من الاندماج في وطنه الثاني، وربما كانت عنده أفكار متوارثة أو مفاهيم مغلوطة، يقبلها تقليدا على أنها الدين الحقُّ، ولم يناقشها مع علماء راسخين يجمعون بين الأصالة والمعاصرة.

وهذا صحيح، وهو ما جعل (المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث) منذ نشأته إلى اليوم، يصدر في كلِّ دورة من دوراته: بيانا ينادي فيه المسلمين بوجوب التفاعل مع الأوطان التي يعيشون فيها، والاندماج في شعوبها، وعدم العزلة عنها، وضرورة المشاركة الإيجابية في كلِّ ما يرقى بالوطن ويعمل على ازدهاره، وبهذا يظهر نشاطهم وتحرُّكهم وجدُّهم واجتهادهم في خدمة الوطن، مع وجوب احتفاظهم بعقائدهم وشعائرهم وأخلاقياتهم وآدابهم وقِيَمهم وتقاليدهم التي تميِّزهم عن غيرهم، والتي فرضها عليهم دينهم.

وبهذا تتحقَّق هذه المعادلة التي قد يظنها بعضهم صعبة، وهي: استقامة بلا انغلاق، واندماج بلا ذوبان.

ولكن غفل علماء المسلمين وباحثوهم بصفة عامة عن موقف الغرب من قبول (مواطنة) المسلمين معهم، واندماجهم فيهم.

إذ كان المفهوم من قبل: أن العائق إنما هو عند المسلمين، ولم يكن معروفا أن أوربة والغرب لديهم عقبة أو عائق من قِبَلهم أنفسهم. فقد كانت الفلسفة الليبرالية السائدة عند الغربيين، وخصوصا أوربا الغربية، وأمريكا الشمالية، ترحِّب باندماج المسلمين فيهم، وتجعل لهم كلَّ الحقوق الممنوحة للمواطنين الأصليين، ولغيرهم من المهاجرين إليهم من الجنس الأبيض، فلم يكن هناك – في الغالب – تمييز بين أبيض وأسود وملوَّن، إنما هي حقوق الإنسان من حيث هو إنسان، بغضِّ النظر عن لون جلده، أو لون عينيه، أو شكل أنفه، أو رأسه، أو مدى نعومة شعره!

ولكن في السنوات الأخيرة، وبعد ظهور الصحوة الإسلامية – وخصوصا بعد 11 سبتمبر 2001م – تغيَّر الموقف كثيرا، وأضحى المسلمون يعاملون معاملة خاصة، فيها كثير من الإساءة والاستفزاز، بل التحقير والإيذاء أحياناً: لا لشيء إلا لأنهم مسلمون.

ولا غرو أن تجد في أوربا أحزابا يمينية متطرِّفة، تقوم برامجها على إعلان العداء للمهاجرين، والسعي إلى طردهم، وتطهير البلاد من وجودهم، أو على الأقل تحجيمهم وتقزيمهم وتهميشهم، حتى لا يكون لهم دور في المجتمع.

مثال ذلك: ما حدث في فرنسا التي كانوا يعتبرونها (أم الحريات)، ومحضن الليبرالية، وسادنة حقوق الإنسان!

فقد ظهر فيها بعض هؤلاء الذين ينقدون فلسفات الماضي، ويعتبرونها فلسفة مثالية، لا تمتُّ للواقع بصلة، ويدعون إلى فلسفة جديدة، يجسِّدها الفيلسوف (فيلكينكروت) الذي انتقل من اليسار إلى أقصى اليمين المتطرف، وسانده قلة من الفلاسفة والمثقفين الشبان مثل (برنارد هنري ليفي) و (أندريه غلوكسمان) وغيرهما.

سمَّى هذا الفيلسوف اتجاهه الرجعي الجديد (مراجعة ذاتية) وفيها هاجم التيار اليساري والتقدُّمي الذي كان ينتمي إليه، وزعم أنه كان أسطورة أو خرافة في تبنِّيه للمساواة المطلقة بين الأجناس والطبقات والأفراد.

وتحدث عن (الذهنية) الرمزية العربية أو الإفريقية، التي لا يمكنها أن (تتأقلم) مع الذهنية الغربية المتقدِّمة علمياً وسياسياً.

وكأنه يعيد نظرية تفاضل الأجناس من جديد، و (تفوق الرجل الأبيض) على غيره، وأنه خلق ليسود ويقود، وأن غيره من الأجناس إنما خلقوا لينقادوا له ويتبعوه!! وكانت هذه النظرية (اللاعلمية) قد عفا عليها الزمن، وجرفتها النظريات التي تسوِّي بين البشر في العقل والروح والخصائص الإنسانية.

على كلِّ حال، هذا هو الفكر الذي يروِّج له الإعلام في فرنسا، وهي نموذج لغيرها من دول الغرب. ومعنى هذا: أن الغرب بعد أن كان قوَّة جاذبة للمسلمين إلى دياره، أصبح قوَّة طاردة لهم، وأضحى يضيق بهم ذرعا، وكأنه يردِّد مجدَّدا مقولة الأديب الغربي القديم: الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا!!

وقفة للتأمل:

ولكن يجب علينا للإنصاف وللوصول إلى الحقيقة: أن نقف هنا وقفة للتأمل والتعمُّق في القضية، فهل فكر هؤلاء (الرجعيين) يمثِّل الفكر العام في أوربة وأمريكا؟ أو هو يمثِّل شريحة معينة من أهل الفلسفة أعماهم التعصُّب عن رؤية الحقيقة، ولم ينظروا إلى الأمر نظرة أعمق، تتجاوز الغلاف أو القشرة الظاهرة للإنسان والأشياء، وتتأمَّل في الإنسان من حيث هو إنسان، فإذا هو جوهره واحد، وإن اختلفت الأوطان والألوان والألسنة، أو اختلفت الأشكال والمستويات والطبقات.

أكبر ظني: أن الذي يسود في النهاية هو النظرة الإنسانية، والفكرة الكونية، التي لا تركِّز على ما يفرِّق الناس ويميزهم بعضهم عن بعض، بل على ما يجمع بينهم، وهو كثير. والبقاء دائما للأصلح، والقرآن يؤكِّد ذلك فيقول: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد:17].

ولا ريب أن الواقع يفرض نفسه، فقد أصبح المسلمون جزءا من الواقع الأوربي، وغدا منهم أعضاء في البرلمانات المختلفة في عدد من الأقطار الأوربية، ومنهم أعضاء في مجلس العموم البريطاني، وفي مجلس اللوردات، وأعضاء في الأحزاب الحاكمة أو المعارضة، بل بات منهم مَن يتبوَّأ منصب الوزارة، ولم يعُد من الممكن – كما أنه ليس من المفيد قطعا – التفكير في محو الوجود الإسلامي من أوربا، أو من أمريكا، ولا سيما أن بعض هذا الوجود أصيل وليس مهاجراً.

 


[1] القاموس المحيط، مادة  (وطن) للفيروزآبادي طبعة مؤسسة الرسالة. بيروت.

[2] المعجم الوسيط ،مادة  (وطن) طبعة مجمع اللغة العربية.

[3] متفق عليه: رواه البخاري في فضائل المدينة (1889)، ومسلم في الحج (1376)، عن عائشة.

[4] ………………………………………………………………………………………………….

[5] رواه أبو يعلى (2699)، والطبراني (12/ 154)، والحاكم في البر والصلة (4/ 184)، وصحح إسناده ووافقه الذهبي، والبيهقي في الشعب باب كراهية إمساك الفضل (3389). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (149)، وقال المنذري: رواته ثقات. انظر المنتقى (1531)، عن ابن عباس.

[6] استفدنا من بحث حول وثيقة المدينة للأستاذ محمد المختار الشنقيطي

[7] متفق عليه: رواه البخاري في المظالم (2442)، ومسلم في البر والصلة (2580)، عن ابن عمر.

[8] رواه أحمد (6692)، وقال مخرِّجوه: صحيح وهذا إسناد حسن، وأبو داود في الجهاد (2751)، والطيالسي (2372)، وابن أبي شيبة في الديات (28547)، وابن خزيمة في الزكاة (2280)، والبيهقي في الكبرى كتاب قسم الفيء والغنيمة (6/ 335)، عن عبد الله بن عمرو، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2390).

[9] المعارف لابن قتيبة الدينوري ص (419)

[10] رواه مسلم في الإمارة (1848)، وأحمد (7944)، والنسائي في تحريم الدم (4114)، وابن ماجه في الفتن (3948)، عن أبي هريرة.

[11] راجع ذلك في كتبنا: (من فقه الدولة في الإسلام)، و (الدين والسياسة)، و (التربية السياسية عند حسن البنا)، و (الإخوان المسلمون).

[12] من رسالة (دعوتنا) صـ 20 – 22 من مجموع رسائل الإمام الشهيد.

[13] – من رسالة (دعوتنا في طور جديد) صـ 229، 230 من مجموعة الرسائل.

[14] راجع كتاب: بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية صـ18 – 20.

[15] راجع كتاب: بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية صـ26 – 30.

[16] …………………………………….

[17] متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (6011)، ومسلم في البر والصلة والآداب (2586)، عن النعمان بن بشير.

[18]– رواه أحمد في المسند عن رجل من الصحابة (6/570) (23489), وقال مخرجوه: إسناده صحيح, والطبراني في الأوسط (4749) عن أبي سعيد الخدري, ورواه البيهقي في الشعب (5137) عن جابر بن عبد الله.

[19]– راجع ما ذكرته في كتابي “الدين والسياسية” تحت عنوان: “كلمة الدين لا تقتصر على الدين الحق” طبعة دار الشروق.

[20] – إشارة إلى حديث: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة, فقالوا: يا رسول الله, إنّا كنا في عز ونحن مشركون, فلما آمنا صرنا أذلة, فقال: “إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا”. فلما حولنا إلى المدينة أمرنا بالقتال, فكفوا فأنزل الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النساء:77], وقد رواه النسائي في الجهاد (3086), والحاكم في المستدرك كتاب الجهاد (2/76) وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه, والبيهقي في الكبرى كتاب السِّير, عن ابن عباس.

[21]– انظر: كتابنا “موقفنا من التراث” (ص196-210), وكتابنا “الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم” (ص245,253).

[22] رواه الحاكم في الهجرة الأولى (2/ 681)، وصحح إسناده ووافقه الذهبي، عن جابر.

[23] رواه أبو داود في الجهاد (2645)، عن جرير بن عبد الله، وقال: رواه هشيم ومعمر وخالد الواسطي وجماعة، لم يذكروا جريرا، والترمذي في السير (1604) موصولا، ومرسلا (1605)، ولم يروه النسائي إلا مرسلا (4780)، ومع هذا ذكره الألباني في صحيح الجامع (1461)، وفي صحيح أبي داود (2304)، وصحيح الترمذي (1307)، وفي الإرواء (1207)، إلا جملة الأمر نصف العقل.
[24] معالم السنن (3/ 437، 438) حديث (2530).

[25] انظر: كتابنا (دراسة في مقاصد الشريعة) صـ168 – 170، وكذلك في فقه الأقليات صـ38، كلاهما طبعة دار الشروق بالقاهرة.

[26] قال الألباني في سلسلته الصحيحة: إسناده ضعيف: سليمان بن سَمُرة، قال الحافظ: مقبول. أي إذا توبع، وابنه خُبيب: مجهول. وجعفر بن سعد: ليس بالقوي. وسليمان بن موسى: فيه لين. (الصحيحة: 2330).

وطعن ابن حزم في هذا السند بأن رواته: مجهولون لا يُعرف مَن هم (المحلى:5/ 234).

ونقل الذهبي عن ابن القطان: ما من هؤلاء مَن يُعرف حاله، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم. وقال عبد الحق الأزدي: خُبيب ضعيف، وجعفر ممَّن لا يعتمد عليه. وبكلِّ حال: هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم (الميزان: 1/ 150).

فالحديث بهذا الإسناد مجمع على ضعفه، بل هو في الحقيقة شديد الضعف، ومثله لا يقبل التقوِّي بغيره.

ومع هذا حاول العلاَّمة الألباني أن يقوِّيه في صحيحه ببعض الطرق الضعيفة التي لا تجبر مكسورا: مثل ما رواه الحاكم في قسم الفيء والغنيمة (2/ 154)، عن سمرة مرفوعا، بلفظ: “لا تساكنوا المشركين، ولا تجامعوهم، فمَن ساكنهم أو جامعهم فليس منا”، وقد صحَّحه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي وزاد (مسلم).

قال الألباني: وهو وهم فاحش منهما، لأن إسحاق بن إدريس – أحد رواته – متَّهم بالوضع، وقد ترجمه الذهبي في (الميزان) أسوأ ترجمة. انظر: إرواء الغليل (6/ 2322)

[27]  رواه أبو داود في الأدب (5115) عن أنس، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5987).

[28] مجلة الإخوان المسلمين. السنة الرابعة. العدد (4). صـ11 بتاريخ 14 صفر 1355هـ الموافق 5 مايو 1936م، نقلا عن سلسلة (من تراث الإمام البنا) الكتاب الرابع. الفقه والفتوى صـ229، 230.

[29] متفق عليه عن جابر.

[30] …………………………………………………………………………………………………….

[31] – رواه الترمذي: 1988 وقال: حديث حسن، وأحمد.

[32] – رواه أحمد وأبو داوود وابن حبان والحاكم.

[33] – رواه ابن سعد والبخاري في الأدب المفرد.

[34]…………………………………………………………………………………………………………………………………

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق