البحوث

المواطنة من خلال مبدأ تزكية وإصلاح الجماعة

المواطنة من خلال مبدأ تزكية وإصلاح الجماعة

إعداد

أ.د. أحمد علي الإمام

 

بحث مقدم

للدورة السابعة عشرة للمجلس – سراييفو

ربيع الآخر – جمادى الأولى 1428 هـ / مايو 2007 م

 


مقدمة:

جاء الإسلام برسالة الوحدانية في بساطتها وقوتها, وهي كلمة التوحيد التي تفرد بها  لا إله إلا الله), رأس التفريد وحقاً (عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة. فمر على جبل يقال له جمدان. فقال “سيروا. هذا جمدان. سبق المفردون” قالوا: وما المفردون؟ يا رسول الله! قال “الذاكرون الله كثيرا، والذاكرات)[1]وهي أيضاً كلمة التقوى التي هي علم وعمل ومن الحكم الجليلة المأثورة العلم أمام العمل والعمل تابعه, كما إنها هي أساس التفاضل بين سائر الناس كما قال تعالى{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)}[الحجرات].

 وقد أمتن الله تعالى علي عباده الصالحين فقال تعالى: { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}[الفتح] ..ففعلت فعلها في تغيير حياة العرب, إذ أخرجتهم من الظلمات إلى النور, من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية والاستقامة وبدلت حالهم من بدو متخلفين متشاكسين إلى بناة حضارة عظيمة في التاريخ تجمع بين القيم الروحية والقيم المادية في منهج واحد للحياة.

وقد شبهها الحق سبحانه وتعالى بالشجرة في نموها وازدهارها وإثمارها فقال تعالى:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ(24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(25)} [إبراهيم] فأصلها ثابت وراسخ في الأرض, لا يتزعزع, وهي ذات ظل ظليل يستظل به أهل الأرض, وثمر عال في السماء, لا ينفد عطاؤه{وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا {20}}[ الإسراء]

 وهي مع ذلك مأذنونة من ربها متصلة الأسباب بالسماء . وقد قرن الحق سبحانه وتعالى بها كلمة الشهادة التي هي باب الدخول في الملة وهي شهادة ألا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله وهي شهادة جامعة بين الشهادة لله تعالى بالتوحيد والشهادة بإقرار رسالة نبينا محمد ﷺ لأنه هو الذي أنزل عليه القرآن الكريم كتاب التوحيد, وهو الذي جسَّده في حياته, كما قالت عنه السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عندما سئلت عن خلقه: (فقالت: -كان خلقه القرآن أما تقرأ القرآن قول الله عز وجل “وإنك لعلى خلق عظيم “ولما سمعت السائل نفسه يقول: فإني أريد أن أتبتل قالت: لا تفعل أما تقرأ ” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) الأحزاب(21) “)[2]..

وكذلك وصفه الحق سبحانه وتعالى فقال{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)}[القلم], ولذلك كان رسول الله ﷺ هو الأسوة الحسنة للمؤمنين, قال الله تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21)}[الأحزاب] ولأنه صاحب الشريعة وفاتح باب العلم بالله, والهادي إلى صراطه المستقيم قال تعالى {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)}[الشورى].

وعقيدة التوحيد هي ما يميز المسلم عن سواه من أهل الملل والنحل, وما يميزه أكثر فأكثر هو تمثله بها في معاملاته كافة, حيث تجد هذه العقيدة مصداقيتها في حياته, وبخاصة عندما يكون في مجتمع غير مسلم, إذ يكون عليه واجب مضاعف, من أظهار عقيدة التوحيد في حسن معاملته لغيره بالعدل والإحسان, وذلك من حيث هو سفير للأمة الإسلامية, وممثل لقيمها العليا, وهو الداعي مع ذلك إلى ذلك بلسان حاله ومقاله إلى مقتضيات كلمة التقوى حتى يكون أحق بها وأهلها.

والتوحيد يعطي عطاءه للفرد والجماعة معاً- للفرد بالتزكية, وللجماعة بالإصلاح, فكلمة التوحيد ليست مجرد مقالة باللسان وإنما هي مستلزمة لإحسان التوجه بالعمل الصالح لله تعالى. والتوحيد قبل كل شيء منهاج لتزكية الفرد, قال تعالى{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14)}[الأعلى].. أي من زكى نفسه بمنهاج التوحيد, فلم يكن له في اعتقاده, أو عبادته أو معاملته, شريك مع الله تعالى, قال تعالى { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} وقال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه عز وجل في الحديث القدسي) قال الله تبارك وتعالي : أنا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري ،تركته وشركه) .[3]

وقد خط الإسلام منهاج الإصلاح للجماعة في العدل مع الله تعالى, ثم مع النفس والأهل, ثم مع الغير, قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90)}[النحل] وذلك بصورة تجعل كلمة التوحيد تمثُّلاً حياً في حياة الفرد وفي حياة الجماعة , وذلك حيث كان, سواء في بيئة اجتماعية يكون فيها المسلمون أغلبية, كمجتمعات العالم الإسلامي, أو في بيئة يكونون فيها أقلية, كالمجتمعات الأوربية اليوم مثلاً.

ذلك بأنه منهاج فردي,  وأسري, ثم هو بعد ذلك منهاج اجتماعي. وذلك بأن العدل وقرينه الإحسان, يستلزمان أن تكون المعاملة بين المسلمين وغير المسلمين بالعدل والسوية كما نقرأ ذلك في قوله تعالى{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(58)}[النساء],  ولا يكفي أن يحكم المسلمون  أو يحتكموا إلى منهج العدل بين الناس جميعاً بل إن عليهم أن يتواصوا بذلك وأن يتعظوا ومن هنا تتبدي عظمة المنهاج الإسلامي كمنهاج حياة إنساني يتخطى سائر وجوه الاختلاف .

وفيما هو آت معالجة شاملة للمنهاج الإسلامي لتزكية الفرد وإصلاح الجماعة, حيث كانت هذه الجماعة.

والله المستعان،،،

 


أولاً: منهاج الإسلام في تزكية الفرد:

يتجلى الإسلام بمنهاجه الواضح في تزكية الفرد المسلم بالعبادة والمعاملة قال تعالى{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)} [سورة: الشمس] وزكاها أي طهرها بطاعة الله تعالى من مذام الأخلاق، وهو منهاج يجعل هذه التزكية دائمة لا تقف عند حد,  وهو ما يعطيه معنى التزكية من الزيادة, كتزكية المال بالزكاة.

وأكبر منهاج التزكية الصلاة,  فإذا كانت الكلمة الأولى في الإسلام هي الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله) فإن أول العمل الصالح هو الصلاة, لقوله تعالى {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ(10)}[فاطر], فهي مفتاح أي علم صالح مقبول من الله تعالي . ولذلك قرن الإسلام بين التزكية والصلاة في قوله تعالي {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14)وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى(15)} [الأعلى]

     والصلاة مقترنة بالزكاة في أكثر من ثمانين موضع في القرآن الكريم , بقرينة التزكية – تزكية النفس وتزكية المال. وكثيراً ما يتردد هذا الاقتران في القرآن الكريم {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55)}[المائدة] ، فالزكاة برهان عملي على حسن التوجه لله تعالى,  بالصلاة وسائر الأعمال الصالحة.

فإذا جمعت الصلاة والزكاة مع الصوم  بلغت التزكية أهم مقاصدها, وذلك بأن هذه التشاريع هي لتزكية النفس حتى تكون مطمئنة فترجع إلى ربها راضية مرضية لقوله تعالى{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(28)فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)وَادْخُلِي جَنَّتِي(30)}[الفجر].

والنفس تكون مطمئنة  بذكر الله تعالى, كما قال تعالى {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}, وأفضله ما كان في الصلاة, قال تعالى {وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)} والصوم تزكية للروح وهي الأصل, قبل أن تحل في الجسد فتصبح نفساً, قال رسول الله r(الصلاة نور والصوم ضياء والصدقة برهان).

فالصلاة والصوم يعملان عملهما في التزكية، والمصلي في رمضان, وفي غيره من صيام التطوع, يتلقى تزكية الروح بالصوم, والصلاة وسائر وجوه وجوه العبادات والانفاق فتدخل البركة في صلاته. والصوم يقوي الروح في الجسد فيرتفع به عن لذاته وشهواته كالملائكة من الفجر حتى غروب الشمس. فهما منهاجان متكاملان متساندان في التزكية.

 والتفريق بين إشعاع الشمس الأصيل, والتعبير عنه بالضياء, وبين إشعاع القمر المستعار من الشمس, والتعبير عنه بالنور, لهو من الإعجاز العلمي للقرآن الكريم, ثم هو في التفريق بين الصوم كضياء والصلاة كنور, لهو أيضاً من إعجاز علم النفس القرآني الذي جاء به هذا التنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..

ثم يجيء الحج بمثابة عودة الإنسان إلى أصله, كما يمثله الإحرام, زياً وسلوكاً , وهو أقرب للفطرة. حيث يمتنع الحاج المحرم عن قتل أي نفس حتى ولو كانت حيوانية. كما هو عودة إلى أصل العبادة في أول بيت بني للناس, وإلى إحياء للحنيفية السمحة بما فيها من شعائر الحج, وفداء للإنسان ببهيمة الأنعام.

ثم إن الحج جامع لسائر  فضائل أركان الإسلام  الأخرى, من الاستجابة لأذان إبراهيم عليه السلام بالحج بالتلبية المقترنة بتفريد التوحيد, ومن صلاة يكون التوجه فيها للقبلة وهي حاضرة غير غائبة, ومن صدقة يكثر منها الحاج, ومن صوم جزئي  لا يأتي فيه من الشهوة إلا ما يقيم أوده من الطعام أو يصوم(ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم).

 وأركان الإسلام تؤدي مفردة ومجتمعة إلى تزكية الفرد وإصلاح المجتمع,  فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر, والزكاة حق معلوم من المال للفقراء والمساكين, وإلى جانب ذلك سائر الصدقات ووجوه الإنفاق وبخاصة على ذوي القربي كما في قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90)}[النحل] وقوله تعالى{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ(177)}[البقرة] والكفارات والصدقات العامة تؤدي دورها في الإحسان للمحتاجين والنبي r  يحض على أعمال الخير حيث إن الذين يسعون في نفع الناس هم أحب الناس إلى الله تعالى, ( أحب الناس إلى الله تعالى أنفسهم وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرورٌ تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً), والصوم جنة, لا رفث فيه ولا جهل, والحج كذلك لا رفث فيه ولا فجور..

وهكذا تشكل أركان الإسلام منهاجاً لتزكية الفرد, كما تمثل سائر أحكامه منهاجاً للتربية, حتى أنه يقف وراء شريعة الحدود منهاج تربوي متكامل.

فحد السرقة (وقطع الطريق طرف منه) وراءه منهاج في تقويم النفس يجعل بين المسلم و جريمة السرقة سداً منيعاً. فهذا المنهاج يحمله على الكسب الحلال, والإنفاق في وجه الحلال. والكسب الحلال يقتضي إحسان الأداء وإتقان العمل, ثم إنفاق عائد الكسب بلا ترف أو سرف,  وبلا شح أوتقتير, ومن ذلك الإنفاق على أعمال البر, بدأً بذوي القربى وذلك بما يؤمن الأفراد والمجتمع من غوائل السرقة.

 وكذلك الأمر في حد الزنا (والقذف طرف منه),  وراءه منهاج للتوقي منه, ومن مؤدياته, كما في قوله تعالى { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا(32)}[الإسراء] فكأن هناك حمى مضروب حول الزنا يتحاماه المسلم حتى لا يقع في هذه الفاحشة التي ساءت سبيلا. ومن ذلك غض البصر, والإحصان والإعفاف وما يقتضيه من حشمة في الزي والسلوك. فالمرأة تدني عليها من جلبابها ولا تبدي زينتها إلا ماظهر منها, والرجل يعف حتى تعف المرأة كما هو التوجيه القرآني { قل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)}[النور].

وهو منهاج سلوك يستعين عليه المؤمن أو المؤمنة بالعبادة. قال عالى{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ(45)}[البقرة].

ويعينه عليه المجتمع بتيسير الزواج,  لإخراج الشباب من ظاهرة العزوبة والعنوسة, وما فيهما من خطر الفتنة.

أما حد الخمر فالتربية الإسلامية هي التي تصرف عنه صرفاً تاماً, ذلك بأن المسلم الحق ينحو إلى مواجهة الواقع, كما هو, من غير أن يهرب منه إلى عالم من صنع خياله تحت تأثير الخمر.

فهو مرتبط بمنهاج واقعي يؤدي فيه الفرد واجب الساعة على وجه الاتقان، وهذا حسبه، أما نتيجة العمل فهي قدر مقدور, إذ هو قد أحسن المقدمات, ثم رضي بالنتائج. وهو المنهاج الذي تعطيه الآيتان { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}[الحديد:22-23].

وهو التوكل الواقعي, دون التوكل الخيالي,  مما تمليه الخمر بأخيلتها الزائفة.  ثم أن الخمر تقدح في وظيفة العقل كضابط منظم للسلوك,  فتفتح سائر أبواب المخالفات, وعلى رأسها السرقة والزنا, أو مؤدياتهما مما هو في حكم السلوك المشين.

وهذا الإجراء الوقائي نفسه هو الذي يجعل جرائم القصاص, وعلى رأسها القتل, غير ممكنة ذلك. بأن الإسلام أحاط حياة الفرد , وسلامتها, بسياج منيع من الحرمة, وشدد على حرمة انتهاكها بكل سبيل.. فقال عن حصانة النفس البشرية, وهو يحيى بذلك شرعة إسلامية متوارثة {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ(32)}{المائدة} أي من اعتدى على حياة فرد واحد بالقتل فكأنما اعتدى بالقتل على النوع البشري بأسره. ومن وجه آخر فإن من يسر لفرد واحد سبيل الحياة, فكأنه يسر هذا السبيل للنوع البشري بأسره.

وهو منهاج تربوي  ينبثق من تصور اعتقادي لا يوفره إلا التوحيد,  توحيد النظرة الإنسانية لحرمة الدم, وهو ما تتقاصر دونه سائر حقوق الإنسان في الصكوك الدولية بأمد بعيد. وبعد, فإن حرمة الدماء هي أول ما يسأل عنه المؤمن يوم القيامة كما أخبر بذلك نبينا r حتى تكون له رعاية لهذه الحرمة في الدنيا.

هذه لمحات من منهاج الإسلام في تزكية الفرد البشري حتى يعده ليكون فرداً صالحاً للجماعة,  متعاوناً على البر والتقوى, دون الإثم والعدوان, وذلك بدرء مفسدة الجماعة وجلب منفعتها.

ثانياً:منهاج الإسلام لإصلاح المجتمع:

الأسرة المسلمة بحكم ما تقدمه من تربية, هي بمثابة مدرسة تعد الفرد ليكون عضواً فعالاً في المجتمع, يعطيه ويأخذ منه بميزان العدل.

فالأسرة المسلمة بذلك هي الوسيط الحيوي بين الأفراد والمجتمعات,  يكون صلاح المجتمع بصلاحها.

من هنا جاءت عناية الإسلام بالأسرة بحسبانها ناقلاً للقيم بين الأجيال. ولهذه المزية يُعزي تمتع المجتمعات المسلمة بقدر كبير من الحصانة الذاتية في وجه الاختراقات الثقافية والاجتماعية التي تأتي في ركاب التأثير والتأثر بالإباحية الجنسية للمجتمعات الغربية, أو بالحركة الأنثوية المتطرفة, التي تسعى لجعل المرأة(جندراً) أو نوعاً منفصلاً ومستقلاً عن الرجل, أو بسائر مظاهر العلاقات المثلية, أو بإعطاء الأسرة  مفهوماً جديداً مغايراً تماماً لمفهومها الطبيعي الموروث من الأديان والأعراف الإنسانية, وهي علاقة بين الزوجين من رجل وامرأة, بعقد شرعي له صفة الديمومة, وخاصية المودة والرحمة, وهي تضم أولادهما, وتمنحهما الحماية والتربية والرعاية حتى يستقلوا بحياتهم, وذلك تحت سقف واحد في الظروف الطبيعية.

 ولقد لوحظ حفاظ الأسرة على تماسكها وترابطها في المجتمعات المسلمة, فهي بذلك لا تزال محضناً أولياً للتربية والتنشئة يحافظ على القيم الدينية ويتمسك بأعراف المجتمع الصالح.. فمن الأسرة وما بها من علاقة الزواج بين الرجل والمرأة, تنشأ الأسرة الأكبر وهي المجتمع , وتتكون الشعوب والقبائل, قال تعالى { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)}[الحجرات]..

فالأساس هو العلاقة بين الذكر والأنثى بالزواج, ثم تنمو بعد ذلك الشعوب والقبائل. والغاية من هذا التكوين الطبيعي للمجتمعات هي ( التعارف) بوسائل التزاوج والتلاقح والتواصل, والميزان للكرامة عند الله تعالى هو (التقوى) .  والتقوى علم وعمل وفق الصراط المستقيم,  وينتج عنه فكر سديد وخلق قويم, وهو المعول عليه في خدمة المجتمع.

والعلاقة بين الزوجين في الإسلام يحكمها ما هو أكبر من ميزان العدل, وهو فضل المودة والرحمة..قال تعالى { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21)}[الروم] فالسكون بين الرجل والمرأة أمر طبيعي, أما ما يقتضي مجهوداً, وبابه ميسور, فهو علاقة المودة والرحمة, وإلا فالعدل كافٍ لديمومة الحياة الزوجية, وهو العشرة بالمعروف { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2)}[الطلاق]..

وقد جعل الله تعالى بين استمرار الحياة الزوجية والمفارقة بالمعروف سداً حائلاً, هو التحكيم, وفق التوجيه القرآني{ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا(35) }[النساء] ذلك بأن الزواج بجانب أنه عقد شراكة بين الزوجين , هو صلة مصاهرة بين أهل الزوج وأهل الزوجة لحكمة حضورهما عقد الزواج ومراسم العرس. ولذلك لابد من إدخال اعتبارهما لدى خوف الافتراق بالطلاق بأن يعملا على الحيولة دونه..

وهو أكبر وأول مظاهر إصلاح ذات البين. ثم إذا استحالت الحياة الزوجية, وصار فصلها أفضل من بقائها يحكم الحكماء بالطلاق, ذلك بأن الطلاق كالكي هو آخر الدواء.

ثم تمتد علاقات الأفراد إلى المجتمع على أساس المنهج الإسلامي في المعاملة, وقاعدته الذهبية كف الأذى عن الآخرين,  وتحمل أذاهم وإيصال الخير إليهم.

أما الأول وهو كف الأذى , سواء باللسان أو باليد فهو مقتضي التربية  النبوية(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وهو العدل وما دونه عدوان قال تعالى:{ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(190) }.

أما الثاني, وهو تحمل الأذى, بالعفو والصفح فهو مقتضى قوله تعالى {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)}[ آل عمران] وقوله تعالى{ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ(85)}[الحجر] وعلى ذلك كانت التربية النبوية : ( أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتصفح عمن ظلمك ولا تخن من خانك) أي ألا تقابل صنيع السوء بمثله, وإنما أن تقابله بالإحسان .

وأما الثالث, فهو إيصال الخير للآخرين, فهو مقتضى قوله تعالى الذي يتردد كثيراً في القرآن الكريم { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)}[العصر] وقوله تعالى{ولكل وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(148)}[البقرة] فهم لا يأتون العمل الصالح الذي به يكون النفع العام للناس فحسب, وإنما يتسابقون في فعله, كل يريد أن يكون إليه أسبق بلا رياء ولا سمعة, ذلك بأن إخلاص النية في العمل هو روح العمل قال تعالى{وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ(5) }[البينة].

وقال الله تبارك وتعالي في الحديث القدسي : أنا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري ،تركته وشركه) .[4]

هذا المنهج هو مفتاح إصلاح المجتمع, فإن المجتمع الذي يؤذي فيه الناس بعضهم بعضاً, أو يطغي عليه أخذ الحقوق دون استيفاء الواجبات, أو لا تظلل علاقات أفراده فضائل العفو والصفح, أو يتقاعس أفراده عن فعل المروءات, من أعمال البر والإحسان, هو مجتمع آيل للسقوط عاجلاً أو آجلاً.

أما إصلاح المجتمع نفسه فهو:

أولاً: بشريعة الحلال والحرام عامة,  وبإقامة الحدود والقصاص خاصة.

وهو ثانياً: بإصلاح ذات البين لقوله تعالى { خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا(114)}[النساء]وهو سعي حميد لإزالة الجفوة, وفض الخصومة, ورفع المظلمة, بين الناس..

وهو ثالثاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذلك بأنه من مميزات الأمة المسلمة حيث كانت لقوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ(110)} وهو منهاج يؤدي حسب مقتضى الحال, فمن لم يستطع أن ينهى عن المنكر بيده نهى عنه بلسانه, وإن لم يستطع فبقلبه, حسب التوجيه النبوي(‏  في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: سمعتُ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: “مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَم يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذلكَ أضْعَفُ الإِيمَانِ”.‏)[5]فمن لمن يستنكر المنكر ولو بقلبه فقد سقطت مروءته وضعف دينه وقد تشبه بفعال أمم أخرى{كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }المائدة79) .

بهذا المنهج الإصلاحي ينشأ المجتمع لنفسه حصانة ذاتية , هي التي تحميه أمام اختراقات الغزو الثقافي الذي يرتبط بقيم لا تتناهى عن المنكرات, ولا تتداعى إلى المأمورات, أي هي تفصل بين الدين والحياة العامة, أو تحيد الدين إزاء السلوك العام.

وهو منهاج للإصلاح الاجتماعي بأكثر من كونه مؤسسة عقابية, كما جاء في حديثنا عن تزكية الفرد ومنهاج التربية الذي هو وراء الحدود والقصاص..

فالمنهاج يعبر عن فداحة جريمة السرقة والزنا, بحيث أن من سرق المال الخاص البالغ للنصاب من حرزه, وفق الشهادة العادلة عليه, قد بلغ به الإصرار على هذه الجريمة منتهاه, بعد أن  يدرأ الحد بالشبهات, وهي عديدة متنوعة. وبحيث أن من يرتكب جريمة الزنا, بهذه الفحش الذي يجعل الشهادة المشددة عليه تتثبت قضائياً, هو مصر على الزنا أو في الحقيقة على الفحشاء, بعد درئها بالشبهات.

وهنالك درء عام لشبهة السرقة وهو تفشي المجاعة. وحد السرقة من الجوابر والزواجر, من أجل إصلاح الفرد,  بجبر أو سد ثغرات التربية, ثم هما يستهدفان إصلاح المجتمع, بزجر وردع الأفراد عن التعدي على حقوق المجتمع, سواء في الملكية الفردية أو في صيانة العرض الشخصي. ذلك أن متعلق الحدود هو صيانة المال من العدوان, والمحافظة على العرض من الانتهاك.

وهكذا يصير منهاج مكافحة الجريمة في الإسلام هو منهاج تربوي وإصلاحي قبل أن يكون عقابياً شافياً للصدور. وهو يتضافر مع المنهاج الفردي في التربية والتزكية والمنهاج الاجتماعي في العدالة والمكافلة لتأدية الحكمة منه في  إصلاح الفرد والجماعة..

وعلى المجتمع الذي غالبيته مسلمة أن  يقيم منهاج التربية والتزكية للأفراد , ومنهاج العدالة والمكافلة للمجتمع, في تزامن مع تطبيق قوانين الحدود.. أما إذا كان يعيش في مجتمع غالبيته غير مسلمة, فإنه يحافظ على منهاج الإسلام في التربية والتزكية,  بما يباعد بينه وبين جرائم الحدود, ذلك بأنه معرض للتجريم إذا تورط فيها وفق القوانين الوضعية السائدة.

أما إصلاح المجتمع عن طريق نظام السلطة ونظام الثروة فهو في الإسلام واضح المعالم, مؤداه الشورى, كمنهاج اجتماعي ومنهاج سلطوي من جهة, والحرية الاقتصادية المقترنة بالعدالة الاجتماعية من جهة أخرى.

والشورى في الإسلام أوسع من الديمقراطية كنظام للحكم, ذلك بأنها تبدأ من داخل الأسرة, و تتداعى إلى المجتمع, حتى تستقر كنظام للحكم,  فهي تدخل في أخص الشؤون الأسرية بين الرجل والمرأة وهي الرضاعة{فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}[البقرة:233], وتتصل بالعلاقات بين الزوجين من قوله تعالى{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(1)}[المجادلة] .

فالمجادلة والمحاورة والمشاورة منهاج أسري واجتماعي في الإسلام قبل أن يصبح منهاجاً للحكم.

وقد نزلت آية الشورى المكية للدلالة على ذلك, حيث لم يكن المجتمع الإسلامي قد قام بالفعل تحت دولة مستقلة منعزلة قال تعالى {الذين اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(38)}[الشورى]  فالإسلام يعلم المسلمين الشورى مع استجابتهم لأمر الله تعالى بالدخول في الملة, ومع تربيتهم على الصلاة, ومع  تزكيتهم بالصدقة.

ولذلك كان منهاج الشورى سلوكاً طبيعياً لدى ممارسة سائر شؤون الحياة, حيث قال{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)}[آل عمران] فالشورى مفهوم شامل للسلوك الفردي والاجتماعي عليه يكون تزكية الفرد وإصلاح المجتمع.

أما نظام الثروة فعلى العدل يقوم, عدل في تدويل الثروة وعدل في توزيعها.. قال تعالى عن المال والعدالة في تعاطيه { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)}[الحشر] فالحق سبحانه  يريد أن يشيع المال بين الناس, فلا تستأثر به طبقة مترفة مسرفة دون الناس.

ذلك بأن المال, وكل ما يؤول أمره لملكية الإنسان, هو مملوك لله تعالى, قال تعالى{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}[النور:33].

وما البشر إلا مستخلفين عليه, يؤدون وظيفته في الانفاق على وجه العدل, قال تعالى عن الملكية الوظيفية للمال{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)}[التوبة] فهو تعالى يخولنا ملكية المال لينظر كيف نتصرف فيها, هل نؤدي وظيفتها في الإنفاق أم نبخل بها فتمنعها عن ذوي الحاجات قال تعالى { وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(71)}[ النحل].

هذا هو نظام الثروة في الإسلام منهاج تربوي لتزكية النفس وتطهير المال, ومنهاج اجتماعي لإصلاح المجتمع بإصلاح حال فقرائه ومحتاجيه.

 


[1] ‏صحيح مسلم, باب الحث على ذكر الله تعالى, الحديث رقم:  4 – (2676)

[2] مسند الإمام أحمد, حديث السيدة عائشة رضي الله عنها.

[3] رواه مسلم 597, والترمذي 1206

[4] رواه مسلم 597, والترمذي 1206

[5] بابُ الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكرِ , الحديث رقم: 1/870

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق