البحوث

طرق الكشف عن المآلات

طرق الكشف عن المآلات

 

بقلم:

د. خالد حنفى

 

بحث مقدم للدورة الثانية والعشرين للمجلس الأوروبي

 06 -10شعبان 1433هـ الموافق من 26 -6/30/ 2012


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد..

فقد وُفقت الأمانة العامة للمجلس الأوربي للإفتاء وأحسنت؛ إذ خصصت هذه الدورة لموضوع النظر إلى المآلات ورعايتها في الاجتهاد والإفتاء، ذلك أن هذا الموضوع يحتل أهمية كبرى في تصحيح وتصويب عملية الاجتهاد والفتوى، وهو مطلوب ليس فقط في دائرة الفتوى وإنما في دائرة الفكر والسياسة، وكم من تصريحات وآراء قيلت لم تراع فيها المآلات والعواقب فأضرت أكثر مما نفعت، وأفسدت أكثر مما أصلحت، رغم صحتها من حيث المبدأ إلا أنها أفضت إلى مآل غير محمود.

وأكثر من يتضرر ويتأذى من عدم النظر إلى المآلات ورعاية العواقب والنتائج المسلمون في الغرب، لأنهم في مرحلة ضعف، ولأنهم بحاجة ماسة إلى التعريف بالإسلام، ومحو الصورة الشائهة التي ولدها الإعلام عنه في أعين الغربيين، وتحقيق مقاصد الوجود الإسلامي في الغرب، وتلمس حالة الضعف هذه لابد معهما من رعاية العواقب والنظر إلى المآلات.

وهذا البحث الذي أقدمه بين يدي المجلس في موضوع: (طرق الكشف عن المآلات) هو من أدق جزئيات مباحث المآلات، وهو كما قال أستاذنا الدكتور عبد المجيد النجار: (فقه دقيق نحسب أنه لم يأخذ حظه من الدرس، ولم نقف بحسب علمنا على مبحث متخصص في هذا الأمر لا في الدراسات القديمة ولا في الحديثة، وإنما هي ملاحظات وإشارات ولمحات مبثوثة في مؤلفات الأصوليين والمقاصديين منهم على وجه الخصوص) ([1])

وقد واجهت صعوبة في الكتابة في هذا الموضوع لسببين:

أولهما: ندرة المصادر في موضوع المآلات بشكل عام وفي مسالك البحث عنها بشكل خاص، فلم يكتب فيما أعلم في طرق الكشف عن المآلات أحد إلا ما أشار إليه أستاذنا الدكتور “عبد المجيد النجار” في بحثه، والباحث “عبد الرحمن بن معمر السنوسي” في رسالته اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات.

ثانيهما: ضيق الوقت وصعوبة الحصول على هذه المصادر، حيث الإقامة في “ألمانيا” بعيداً عن المكتبات ومراكز البحث العلمي.

هذا ولا أجد اعتذاراً عما وقع في البحث من قصور أو خلل خيراً مما ختم به ابن خلدون رائعته المقدمةَ أو الجزءَ الأولَ من تاريخه إذ قال:

“وقد استوفينا من مسائله- أي طبيعةُ العمران وما يعرض له- ما حسبناه كفاء له، ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم مبين يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا، فليس على مستنبط الفن إحصاءُ مسائله و إنما عليه تعيينُ موضع العلم، و تنويعُ فصوله وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل من بعده شيئا فشيئا إلى أن يكمل والله يعلم وأنتم لا تعلمون”([2]).

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تمهيد

المقصود بمآلات الأفعال

المراد بالمآل: أثر الفعل المرتب عليه سواء أكان هذا الأثر خيرًا أو شرًا، وسواء أكان مقصودًا لفاعل الفعل أم كان غير مقصود منه.

والمراد بالأفعال ما يصدر عن المكلف سواء أكان من عمل الجوارح الظاهرة كالقول، والفعل بمعناه العرفي، أم كان من عمل الجوارح الباطنة كالنية والاعتقاد وسواء أكان الفعل كفًا كاجتناب المنهيات أم غير كف كالإتيان بالمأموريات والمباحات([3]).

واعتبار المآل معناه: ملاحظته والنظر فيه والاعتداد به في تكييف الفعل وفي تقرير ما يتعلق به من الأحكام الشرعية،وبهذا نستطيع أن نقول: إن معنى مآلات الأفعال: هو أن يأخذ الفعل حكمًا يتفق مع ما يؤول إليه، سواء أكان الفاعل يقصد ذلك الذي آل إليه الفعل أم لا يقصده، فإذا كان الفعل يؤدي إلى مطلوب فهو مطلوب وإن كان لا يؤدي إلا إلى شر فهو منهي عنه([4]).

“أي أن المجتهد حين يجتهد ويحكم ويفتي، عليه أن يقدر مآلات الأفعال التي هي محل حكمه وإفتائه، وأن يقدر عواقب حكمه وفتواه، وأن لا يعتبر أن مهمته تنحصر في “إعطاء الحكم الشرعي” بل مهمته أن يحكم في الفعل وهو يستحضر مآله أو مآلاته، وأن يصدر الحكم وهو ناظر إلى أثره أو آثاره.. فإذا لم يفعل، فإما هو قاصر عن درجة الاجتهاد أو مقصر فيها. وهذا فرع عن كون “الأحكام بمقاصدها” فعلى المجتهد الذي أقيم متكلما باسم الشرع، أن يكون حريصا أمينا على بلوغ الأحكام مقاصدها، وعلى إفضاء التكاليف الشرعية إلى أحسن مآلاتها”([5])

وسيلاحظ القارئ أنى أكثرت من الاستشهاد والاستدلال باجتهادات الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ لأن عمر رضي الله عنه خير من راعى المآل ونظر إلى المستقبل البعيد، ولهذا نراه كثيرا ما يقول: لولا أن يقال كذا ، أخشى أن يفهم الناس كذا..،  وما ذاك إلا تقدير العواقب والنظر إلى المآلات، تماما كما قال النبي ﷺ : “لولا أن قومك حديثوا عهد بالجاهلية..”([6])، ويؤيد هذا ما ذكره ابن تيمية عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه كان إذا ذكر عمر قال لله در عمر لقل ما سمعته يقول يحرك شفتيه بشيء قط يتخوفه إلا كان حقا.([7])

 وقد عمدت إلى الإكثار من الأمثلة والفروع في هذا البحث لأنها السبيل الأمثل لتحصيل الملكة الفقهية والأصولية، وندرة الفروع والتمثيل في الكتب الأصولية أحد الأسباب الرئيسة في ضعف الملكة الفقهية في عصرنا.

طرق الكشف عن المآلات

 لم أعثر على بحث مستقل أو مبحث مفصل في موضوع مسالك الكشف عن مآلات الأفعال فيما طالعت، إلا ما كتبه الأستاذ عبد الرحمن بن معمر السنوسي في رسالته: اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات من ص380-395، وما كتبه أستاذنا الدكتور/ عبد المجيد النجار في بحث القيم: فقه المواطنة للمسلمين في أوربا من ص 173-180 وقد أفدت كثيرا مما كتبا فجزاهما الله خيرا.

الطريق الأول: التنصيص عليها:

وهذا أظهر الطرق وأوضحها في معرفة المآلات، والمقصود به: أن الوسيلة التي يحكم بإفضائها إلى مآل ما قد ثبت بتنصيص الشارع إفضاؤها إلى ذلك المآل؛ بحيث يعتبر مجرد العمد إلى القيام بتلك الوسيلة في حكم القيام بإيقاع المآل نفسه سواء كان هذا المآل مشروعا أو ممنوعا.([8])

وهذا الطريق له ارتباط بمسلك النص من مسالك العلة غير أننا في جانب المآلات ننظر إلى العلل البعيدة  والحكم المستقبلية بخلاف العلة الأصولية التي لابد من انضباطها ودقتها ومناسبتها للحكم وصلاحيتها لبناء الحكم عليها.

فإذا ما ورد عن الشارع نص صرح فيه بالمآل وعاقبة الفعل يقوم المجتهد باعتبار ذلك المعنى الذي شرع له الحكم في أحكام وحالات أخرى مشابهة.

كما أنه يمكن للمجتهد أن يغير الحكم تبعا لتغير المآل والنتيجة ما دامت منصوصة لا يطلب من المجتهد توقعها فيصيب في ذلك التوقع أو يخطئ، ومن فروع هذا المسلك في الكشف عن المآلات:

  • جمع الناس للقيام في رمضان:

لم يجتمع المسلمون خلف إمام واحد في صلاة التراويح في عصر النبوة، ولا في خلافة أبي بكر الصديق “رضي الله عنه”، مع استقرار استحباب القيام في شهر رمضان بوجه عام، فعن أبي هريرة “رضي الله عنه”  أن رسول الله ﷺ قال:”من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”. قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله  r والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر رضي الله عنهما.([9])

وإنما لم يجمع النبي ﷺ الصحابة خلفه في صلاة التراويح إلا خشية أن تفرض عليهم؛ فعن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله  r صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى الليلة القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان. ([10])

ثم ولى عمر الخلافة بعهد من أبي بكر في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة.

قال الزهري استخلف عمر يوم توفي أبو بكر وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، فقام بالأمر أتم قيام وكثرت الفتوح في أيامه، ففي سنة أربع عشرة فتحت دمشق ما بين صلح وعنوة، وحمص… وفيها جمع عمر بالناس على صلاة التراويح قاله العسكري في الأوائل. ([11])

وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب “رضي الله عنه” ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله. ([12])

فالنبي ﷺ امتنع عن الاستمرار في صلاة التراويح جماعة خشية الفريضة، فقد نص هنا على المآل، فلما تغير وزال برحيل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى عاد عمر رضي الله عنه ليجمع الناس ملاحظا مآلات الإبقاء على الصلاة في البيوت دون المساجد، ومن ذلك تعطيل المساجد، وكسل الناس عنها، وكونها خلف الإمام أعظم أثرا، وتلك المآلات في عصرنا آكد فالصوارف عن الصلاة في البيوت كثيرة، وليس كل الناس يحسن القراءة والدعاء في الصلاة، فلو رجحت صلاة التراويح في البيوت لقعد أكثر الناس عنها، ولضعف أثرها عند من يأتي بها، يضاف إلى ذلك ما يحققه التردد على المسجد من خلال وصفات الخير كما  قال الإمام الحسن: « من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان : آية محكمة ، وأخاً مستفاداً ، وعلماً مستطرفاً ، ورحمة منتظرة ، وكلمة تدلّه على الهدى أو تردّه عن ردى ، وترك الذنوب حياءً أو خشية »([13])

والمالكية وضعوا شروطا لأدائها في البيوت وهذه الشروط تمثل رعاية المآلات والنظر إلى العواقب، وعندما عللوا أفضلية أدائها في البيوت كذلك نظروا إلى المآل وهو خوف الرياء إذا أديت في المساجد أمام الناس فقالوا: تندب صلاة التراويح في البيوت إن لم تعطل المساجد، وذلك لخبر:” عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة”([14]) ولخوف الرياء وهو حرام،وندب صلاة التراويح – في البيوت عندهم – مشروط بثلاثة أمور : أن لا تعطل المساجد، وأن ينشط لفعلها في بيته، ولا يقعد عنها، وأن يكون غير آفاقي بالحرمين، فإن تخلف شرط كان فعلها في المسجد أفضل.([15])

  • النهي عن التناجي لمآل الإحزان:

ما رواه مسلم بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : “إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ”([16]).

وسبب النهى عن التناجي في هذه الصورة أنه يفضي إلى مآل هو الإحزان، فإذا انتفى أو تغير، تغير الحكم تبعاً له.

وقد أورد النووي عددا من الروايات للحديث ثم قال: “وفى هذه الأحاديث النهى عن تناجى اثنين بحضرة ثالث، وكذا ثلاثة وأكثر بحضرة واحد، وهو نهي تحريم؛ فيحْرُم على الجماعة المناجاةُ دون واحد منهم إلا أن يأذن، ومذهب ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ ومالك وأصحابنا وجماهير العلماء أن النهى عامٌّ في كل الأزمان وفى الحضر والسفر، وقال بعض العلماء: إنما المنهي عنه المناجاة في السفر دون الحضر؛ لأن السفر مظنة الخوف، وادعى بعضهم أن هذا الحديث منسوخ، وأن هذا كان في أول الإسلام، فلما فشا الإسلام وأمن الناس سقط النهى، وكان المنافقون يفعلون ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم، أما إذا كانوا أربعة فتناجى اثنان دون اثنين فلا بأس بالإجماع”([17]).

يتبين لنا من كلام النووي عدة أمور:

  • الأول: أن الأمر ليس منوطًا باثنين ـ تحديداً ـ أو ثلاثة، فليس العدد هو المقصود، وإنما الحكم منوط بما يتحقق به الإحزان، الذي فسر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ النهي، وهو حديث الجماعة دون الفرد أيًّا كان عددهم.
  • الثاني: الذين حرموا التناجي في السفر دون الحضر أناطوه بأن السفر مظنة الخوف؛ حيث قد يظن المُنَاجَى دونه أنهم يفكرون في شر يوقعونه به، وهو معنى معقول.
  • الثالث: الذين قالوا بالنسخ أناطوه بالأمن من الإحزان؛ حيث رأوا أن الإحزان كان متحققًا في أول الإسلام فقط. “([18])

وكل هذه الاستنتاجات تدل على أن الحكم ربط بمآله والنتيجة المترتبة عليه وهى الإحزان.

  •  ترك الصلاة على المنافقين:

عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب “رضي الله عنه” أنه قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله ﷺ ليصلي عليه فلما قام رسول الله ﷺ وثبتُ إليه فقلت يا رسول الله أتصلي على ابن أبي وقد قال يوما كذا وكذا، قال: أُعدِّد عليه قوله، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أخر عني يا عمر، فلما أكثرت عليه قال: إني خُيِّرت فاخترت، فلو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها، قال: فصلى عليه رسول الله r ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ) إلى قوله ( وهم فاسقون)([19]) قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ﷺ والله ورسوله أعلم.

وفي رواية لابن عمر رضي الله عنهما قال: لما توفي عبد الله جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ﷺ  ليصلي، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله ﷺ إنما خيرني الله …”([20])

فقد فهم عمر “رضي الله عنه” أن الصلاة على المنافقين منهي عنها من الآية ( استغفر لهم أو لا تستغفر..) ففهم استواء الاستغفار وعدمه في عدم القبول من الله، كما فهم أن العدد في الآية (سبعين مرة) مبالغة في عدم القبول حتى مع الكثرة، وعدد السبعين لا مفهوم له، بل هو جار في كلامهم مجرى المثل لإفادة الكثرة.

والسؤال المهم هنا هو: كيف خفي هذا على رسول الله ﷺ وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، وهل يعقل أن يكون فهم عمر أو غيره أصح من فهم رسول الله لخطاب الله؟!

وقد يحلو لبعض المولعين بإكثار الروايات والقصص عن قوة الشخصية العمرية، أن يذكروا هذا الخبر عن عمر مستدلين به على أن رأيه كان أوفق من رأي رسول الله ﷺ ، وهو حكم خطير أبعد ما يكون عن الحقيقة.

ولخطورة الأمر، فقد “أنكر القاضي أبو بكر الباقلاني في التقريب هذا الحديث وقال: هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يعلم ثبوتها، وقال أيضاً: لا يجوز أن يقبل هذا ولا يصح أن الرسول قاله، وقال إمام الحرمين في مختصره: هذا الحديث غير مخرج في الصحيح،([21]) وقال في البرهان لا يصححه أهل الحديث.([22]) وقال الغزالي في المستصفى الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح([23])”([24])

وقد رفض ابن حجر حل الإشكال برفض الحديث فقال: “واستشكل فهم التخيير من الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه واتفاق الشيخين وسائر الذين خرجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث وقلة الاطلاع على طرقه”([25])

وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل نظرا إلى المآلات وتقديرا للعواقب ومنها:

  • المآل الدعوى ولفت أنظار العرب إلى سماحة الإسلام ورأفة النبي ﷺ حتى مع أعدائه، وكذا استمالة قلوب عشيرته والمستظلين بلواء زعامته “وقد قيل له r لم وجهت قميصك إلى ابن أبي يكفن فيه؟ فقال: إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا، وإني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف رجل من قومي كذا في بعض الروايات من قومي يريد به منافقي العرب، والصحيح أنه قال رجال من قومه ووقع أن تاب لهذه الفعلة من رسول الله ﷺ ألف رجل من الخزرج”([26])
  •  أنه ﷺ فعل ما فعل وقال ما قال إظهارا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه، وهو كقول إبراهيم عليه السلام (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ([27]) وفي إظهار النبي ﷺ الرأفة المذكورة لطف بأمته وباعث على رحمة بعضهم بعضا. ([28])

4- امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين:

خرج في غزوة بني المصطلق عدد كبير من المنافقين مع المسلمين، وكان يغلب عليهم التخلف في الغزوات السابقة، لكنهم لما رأوا اطراد النصر للمسلمين خرجوا طمعا في الغنيمة ([29])

وعند ماء المريسيع كشف المنافقون عن الحقد الذي يضمرونه للإسلام والمسلمين، فكلما كسب الإسلام نصرا جديدا ازدادوا غيظا على غيظهم، وقلوبهم تتطلع إلى اليوم الذي يهزم فيه المسلمون لتشفى من الغل، فلما انتصر المسلمون في المريسيع سعى المنافقون إلى إثارة العصبية بين المهاجرين والأنصار، فلما أخفقت المحاولة سعوا إلى إيذاء الرسول في نفسه وأهل بيته، فشنوا حرباً نفسية مريرة من خلال حادثة الإفك التي اختلقوها، وهذا سيدنا زيد بن أرقم يقص ما حدث فيقول كنت في غزاة، فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ذلك لعمي، فذكره للنبي ﷺ فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله ومقتك؟ فأنزل الله تعالى: ( إذا جاءك المنافقون…) المنافقون 1 ، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ، فقال: “إن الله قد صدقك يا زيد”.([30])

وقد كان عمر بن الخطاب عند النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع الخبر فقال: مُر به عباد بن بشر فليقتله.

فقال له رسول الله ﷺ: “فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لا ، ولكن أذّن بالرحيل” ، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها ، فارتحل الناس . ([31])

وقد سقت الحكاية بطولها ليتبين لنا حجم المعاناة التي عاناها النبي ﷺ من المنافقين وأعمالهم، وتكرار ذلك منهم، واستحقاقهم بفعلهم إنزال العقوبة عليهم وهو مقترح عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيهم، ولم يكن عمر مبالغاً أو متجاوزا في رأيه فيهم، لكنه كان رأيا منطلقا من واقع الحال، وكيف يتحرف في رأيه وقد وافقه القرآن غير مرة في رأيه، لكن النبي ﷺ رفض رأيه رغم وجاهته ناظرا إلى مآلات تنفيذه وعواقبها السلبية على الإسلام والمسلمين، فترك النبي صلى الله عليه وسلم ما يجوز وهو قتل المنافقين جزاء أفعالهم؛ لأنه سيؤدي إلى ما لا يجوز وهو سلسلة عواقب تترتب على قتلهم، فالفرق كبير جداً بين أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، وبين أن يتحدثوا عن حب أصحاب محمد لمحمد ﷺ ، فإذا وقع القتل من النبي صلى الله عليه وسلم لهم ستنجح محاولات دخولهم إلى الصف الداخلي للمسلمين في المدينة ، ففي ذلك محافظة تامة على السمعة السياسية للمسلمين([32]).

ومن مآلات قتل النبي ﷺ المنافقين: أن لابن أبي أتباعا وشيعة مسلمين مغرورين، ولو فتك بهم لأرعدت له أنوف، وغضب له رجال متحمسون له، وقد يدفعهم تحمسهم له إلى تقطيع الوحدة المسلمة، وليس في ذلك أي مصلحة للإسلام ولا للمسلمين. ([33])

وقد تحققت هذه المآلات التي حسِب النبي الكريم ﷺ حسابها قبل أن تقع، فقد كان ابن أبي سلول كلما أحدث حدثا كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنفونه، ويعرضون قتله على النبي صلى الله عليه وسلم والرسول يأبى ويصفح، فأراد رسول الله أن يكشف لسيف الحق عن آثار سياسته الحكيمه، فقال: ” كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم لقتلته!! ” فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري ([34])

والشاهد هو أن النبي ﷺ نص على مآل فعله وهو: “فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا.”، و: ” أما والله لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم لقتلته”، وهو ما جعل عمر رضي الله عنه يقر بصواب ما نظر إليه النبي ﷺ وغاب عنه فقال: “قد والله علمت لأمر رسول ﷺ أعظم بركة من أمري”.

ولعل مثل هذه المواقف هي التي صنعت وأوجدت هذا الحس المآلى لدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فوجدنا عشرات الاجتهادات له التي يصرح فيها بالنظر إلى المآل في اجتهاده ومثله مما لا يصرح بالمآل فيها، لكنها تفهم من السياق والقرائن كما سنرى في أمثلة أخرى.

النوع الثاني من التنصيص على المآل: تصريح الفاعل:

والمقصود به أن المتسبب في وقوع المآل أو المباشر له ينص صراحة على أنه يريد من فعله هذا تحقيق غاية معينة.

وأكثر ما يتعلق النظر الاجتهادي في رعاية المآلات بحالة الإفضاء إلى الممنوع.

ولم يختلف العلماء في أن من أتى شيئا مشروعا بالأصل وصرح بأنه إنما أراد بفعله تحقيق غرض محرم يعتبر مناقضا مناقضة صريحة للشارع، كما لم يختلفوا في أن هذا التصرف باطل. ([35])

” إن مقصد الفاعل قد يكون في حالات كثيرة مؤشرا يستدل به على أيلولة الفعل إلى غير ما وضع له من حكمة، وحينئذ يعتبر هذا المآل في إمضاء الحكم اللائق به. إلا أن هذا الحكم إذا كان فقها اتجه إلى الفاعل في خاصة نفسه حين يكون قصده مضمرا غير ظاهر، فمن تزوج بقصد مضمر للتحليل اتجه إلى فعله حكم الحرمة فباء بالإثم، ولي يتجه إليه المنع في الخارج بالقضاء، وأما إذا كان القصد ظاهرا بالقرائن الكافية فإن المنع يتجه إليه فيحظر وقوعه من قبل من بيده الحظر”. ([36])

ومن أمثلته:

  • عن محمد ابن سيرين أن قيما كان لسعد بن أبي وقاص في أرض له، وأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبيبا ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره فأمره بقلعه وقال بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر، ولأنه يعقد عليها لمن يعلم أنه يريدها للمعصية فأشبه إجارة أمته لمن يعلم أنه يستأجرها للزنا بها.([37]) وإنما أمره بقلعه لأن الفاعل صرح بقصده فعلم أنه إن تركه أفضى إلى مآل محرم، وهو عصره خمرا فمنعه.
  • الزواج بنية الطلاق:

ومن الأنكحة التي أخذت في الانتشار في الغرب: الزواج بنية الطلاق، وهو زواج توافرت فيه أركان النكاح وشروطه وأضمر الزوج في نفسه طلاق المرأة بعد مدة معلومة كعشرة أيام، أو مجهولة ؛ كتعليق الزواج على إتمام دراسته أو تحقيق الغرض الذي قدم من أجله.

وقد أجازه عامة الفقهاء ومنعه الأوزاعي وغيره وقد أصدر المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث فتوى بالمنع ناظراً إلى المآلات والعواقب فجاء فيها:

“الفقهاء اشترطوا للزواج الصحيح أن يكون غير محدد بمدة معينة وإلا كان نكاح متعة، وهو محرم أما إن كان في نيته طلاقها، فالنكاح صحيح عند عامة أهل العلم وخالف الإمام الأوزاعي وقال: إنه نكاح متعة وبهذا يكون حراماً باطلاً، نظراً للمشاكل التي تترتب على الزواج بنية الطلاق وما يحدث للمرأة من ضرر وغش وخداع وخاصة حين يكون ثمة أولاد من هذا الزواج .

يقول الشيخ “رشيد رضا” في تعليقه على رأي الإمام “الأوزاعي” في “تفسير المنار”: هذا وإن تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضي منع النكاح بنية الطلاق، وإن كان الفقهاء يقولون إن عقد النكاح صحيحاً إذا نوى الزوج التوقيت ولم يشترطه في صيغة العقد، ولكن كتمانه إياه يعد خداعاً وغشاً، وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت الذي يكون بالتراضي بين الرجل والمرأة ووليها، ولا يكون فيه من المفسدة إلا العبث بهذه الرابطة العظيمة، والميثاق الغليظ، وإيثار التنقل في مراتع الشهوات بين الذواقين والذواقات، وما يترتب على ذلك من المنكرات ومالا يشترط فيه ذلك، يكون على اشتماله على ذلك غشاً وخداعاً تترتب عليه مفاسد أخرى من العداوة والبغضاء وذهاب الثقة حتى بالصادقين الذين يريدون الزواج حقيقة وهو إحصان كل الزوجين للآخر وتحقيق الأمن، والطمأنينة، وتوافر الإخلاص والنية الصادقة لبناء أسرة مسلمة وبيت صالح من بيوت الأمة. ([38])

وكذا مجمع الفقه الدولي منعه بالنظر إلى المآلات فجاء في قراره: وهذا النوع من النكاح على الرغم من أن جماعة من العلماء أجازوه، إلا أن المجمع يرى منعه؛ لاشتماله على الغش والتدليس. إذ لو علمت المرأة أو وليها بذلك لم يقبلا هذا العقد، ولأنه يؤدي إلى مفاسد عظيمة وأضرار جسيمة تسيء إلى سمعة المسلمين.([39])

وبمثل هذا القول ذهبت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية.

قلتُ: والزواج بنية الطلاق مآلاته وإشكالاته تتضح في الغرب أكثر من الشرق ومنها:

  • ذلك أن هذا الزواج يقنن لشكل وصورة الأسرة الغربية التي يسيطر على العلاقة فيها الإشباع المؤقت للغريزة الجنسية، بينما تتخلف مقاصد الزواج الأخرى خاصة التي تعود على المجتمع منها، من عمارة للأرض وإعمال لمبدأ الاستخلاف فيها.
  • والزواج بنية الطلاق يجعل صورة الأسرة في الإسلام أقرب إلى علاقات الصداقة الغربية التي يترك فيها الصديق صديقته متى شاء باحثا عن لذته مع غيرها، وهكذا نهدم أهم جانب يحتاجه الغرب من الإسلام وهو تنظيم الأسرة وحل مشكلاتها، وأذكر أنى قرأت لأحد المستشرقين الأوربيين كلمة قال فيها: ثلاث مشكلات لا حل لهن إلا في الإسلام: الأسرة، والمخدرات، والعنصرية.

فإذا كنا نتفاخر أمام الغرب بصورة الأسرة في الإسلام، بينما يشيع في أوساط المسلمين في الغرب هذا النوع من الزواج فبأي شيء سنتفاخر!

  • أضف إلى ذلك زرع الشكوك في صفوف الأسر والبنات الراغبات في الزواج، ومضاعفة حالة التهاون بالزواج في الغرب في ظل شيوع ما يعرف بالزواج الإسلامي في مساجد الغرب ويقصد به الزواج غير الموثق في المحاكم المدنية.
  • وأكثر من يقصد بهذا الزواج المسلمات الجديدات الأمر الذي قد ينتهي بهن بعد كشف الأمر إلى الخروج من الإسلام، والارتداد عنه، ويصبح الزواج وسيلة للتنفير من الإسلام بدل أن يكون وسيلة للدعوة إليه والتعريف به.
  • إن الشيعة يعيبون على المسلمين تصحيح هذا النوع من النكاح وإنكارهم عليهم نكاح المتعة قائلين: نكاحنا موثق ومعلن للطرفين أنه مؤقت، أما أنتم فالظاهر شيء والباطن شيء آخر!
  • هذا الزواج سيكرس لدى الغرب ثقافة الازدواجية عند المسلمين، يتحدثون أمامنا بصورة ومن خلفنا بصورة، لا يغرنكم خطاب هذا الإمام السلمي الداعي للتعايش فحقيقته شيء آخر وهكذا.
  • سيرفع هذا الزواج من نسبة الطلاق وسيزهد البنات المسلمات في الزواج على المدى البعيد.
  • هذا الزواج يؤثر سلبا على واحد من أهم مقاصد الوجود الإسلامي في الغرب وهو التطلع إلى التعريف بالإسلام.

 وبعبارة موجزة وأسلوب أدبي بليغ يوضح أستاذنا الدكتور النجار أثر نية الفاعل في كشف المآلات في الزواج فيقول: “إن مقصد الزوج في إنهاء الزوجية عند توقيت معين من شأنه أن يؤثر في أيلولة الزواج إلى مقصده الشرعي من تحقيق للنسل والسكينة والتعاون، إذ يكون الزوج بنية التوقيت غير حريص في تصرفاته على بناء العلاقة الزوجية بحيث تفضي إلى ذلك المقصد، إذ لما كانت هذه العلاقة ستنتهي عند أجل معين فلماذا ذلك البناء الذي سيتهدم بعد حين؟ ولعل هذا هو أهم الأسباب التي حرم من أجلها زواج المتعة، وإذا كان هذا الزواج معلنة فيه نية التوقيت، فإن هذه النية يكون لها نفس الأثر في أيلولة الزواج في حال الإضمار، فتكون إذا أحد أهم المؤشرات الكاشفة عن أيلولة الفعل”([40]).

الطريق الثاني: القرائن والملابسات:

القرائن جمع قرينة؛ وهي من الفعل قرن بمعني جمع، تقول قرنت بين الحج والعمرة، أي جمعت بينهما بإحرام واحد، وقرنت بين البعيرين؛ أي جمعت بينهما بحبل واحد، وكل ما يقرن به بين شيئين فهو القِران، لذا يُقال لعقد الزواج عقد القِران؛ لأنه يقرن به بين الزوج والزوجة،

وكذلك فإن الفعل قرن يدل على المصاحبة، حيث يُقال للزجة إنها قرينة فلان؛ لمصاحبتها إياه على الدوام، وكذلك يُقال للصديق قرين، لملازمته لصديقه باستمرار، ونفس الشخص يقال لها قرينة، لأنها تدل على صاحبها، حيث هي ملازمة لشخصه([41]).

من خلال هذه المعاني كلها نستطيع القول إن القرينة تفيد معنى الجمع بين الأشياء، ومعنى المصاحبة والملازمة، ومن خلال ذلك يمكننا أن نستنبط معنى آخر للقرينة، وهو الدلالة على الشيء، حيث القرين يدل على قرينه؛ لشدة الملاصقة بينهما، تلك الملاصقة الناشئة عن الجمع بينهما، ومصاحبة كل منهما للآخر.([42])

تعريف القرينة في الاصطلاح:

عرفت القرينة بتعريفات عدة من أهمها:

1 ـ  تعريف الشيخ مصطفى الزرقا وهو: القرينة هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً فتدل عليه([43])

3 ـ  تعريف أحمد إبراهيم الذي نقله عن الأستاذ أحمد نشأت، حيث قال إن القرينة هي: استنباط الشارع أو القاضي أمراً مجهولاً من أمر معلوم ([44]).

4 ـ  تعريف الدكتور أنور دبور، حيث عرف القرائن بأنها: الأمارة التي نص عليها الشارع، أو استنبطها أئمة الشريعة باجتهادهم، أو استنتجها القاضي من الحادثة وظروفها وما يكتنفها من أحوال ([45])

وكل هذه التعريفات للقرينة في اللغة والاصطلاح ناطقة بإمكانية الاستفادة من القرينة كدليل للإثبات في الكشف عن المآلات، فالمآل أمر مجهول لأنه يتصل بالمستقبل ويرتبط بمرحلة ما بعد وقوع الفعل، لكن يمكن فهمه واستنباطه من المعلوم، وتعريف الدكتور دبور يوضح في قسميه الأخيرين أهمية دور المجتهد أو المفتى في الكشف عن القرينة الأمر الذي يعكس دوره كذلك في الكشف عن المآل.

ولا يخفى أنه ليست كل قرينة ستكون كاشفة لا محالة عن المآل والعاقبة، وإنما لا بد من أمر مهم لاعتبار القرينة يُستدل بها وأساساً يعتمد عليها تبعث القناعة والاقتناع بها ، ألا  وهو: وجود علاقة وصلة قوية وظاهرة لا مخفية ، قائمة على أساس سليم ومنطق قويم ؛ لا على التوهم والتخيل. ([46])

ووجود هذه القرائن والملابسات ينبئ البصير بما تحمله من مقدمات الإفضاء إلى نتائج حتمية أو غالبة، ولا يزال العقلاء يراعون أحكام هذه القرائن والملابسات في شؤون الدين والدنيا.

بل الشريعة نفسها جارية على اعتبار القرائن والاحتكام إليها عند انعدام ما هو أقوى منها، لأن إهمالها ليس يعني إلا تفويت مثير من المصالح والحقوق التي تتوقف عليها

فقد ثبت في الشرع الاستناد إلى القيافة في ثبوت النسب، وليست القيافة سوى مجرد أمارات وقرائن وسار على هذا الصحابة والتابعون وأخذ بها من الأئمة المجتهدين مالك وأحمد والشافعي وغيرهم.([47])

أمثلة تكشف عن أهمية القرينة في الكشف عن المآل:

1-  عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةٌ ؟ قَالَ : لاَ ، إِلاَّ النَّارُ ، فَلَمَّا ذَهَبَ قَالَ لَهُ جُلَسَاؤُهُ : مَا هَكَذَا كُنْتَ تُفْتِينَا ، كُنْتَ تُفْتِينَا أَنَّ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةٌ مَقْبُولَةٌ ، فَمَا بَالُ الْيَوْمِ ؟ قَالَ : إِنِّي أَحْسِبُهُ رَجُلاً مُغْضَبًا يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا ، قَالَ : فَبَعَثُوا فِي أَثَرِهِ فَوَجَدُوهُ كَذَلِكَ. ([48])

فابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن يفتي السائل بخلاف ما يفتَى به عادة من أنه للقاتل توبة؛ لتضافر النصوص الداعية إلى التوبة والمحببة فيها دون تفريق بين قتل وغيره، وذلك بالنظر إلى مآل الإفتاء بأن له توبة في حق هذا السائل تحديداً، فقد علم من قرائن الحال وملابسات السؤال ما أكّد له أنه إن أفتاه أن له توبة لذهب وقتل، وأزهق أرواحا أخر والحجة أنه سيتوب، وهذه القرائن نتلمسها في قول ابن عباس رضي الله عنه (إِنِّي أَحْسِبُهُ رَجُلاً مُغْضَبًا يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمناً) وربما بدا لابن عباس من القرائن الأخرى ما لم يصرح به في الرواية التي معنا، كما هو الحال في كثير من الروايات والوقائع التي تنقل إلينا، ففي الغالب الأعم تخلو من ذكر القرائن والملابسات وأسباب عدم ذكرها كثيرة، وليس معنى عدم ذكرها عدم وجودها.

2- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَبَايَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَامَ فَفَحَّجَ، ثُمَّ بَالَ فَهَمَّ النَّاسُ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لا تَقْطَعُوا عَلَى الرَّجُلِ بَوْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَسْتَ بِمُسْلِمٍ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ:مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ بُلْتَ فِي مَسْجِدِنَا؟ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا ظَنَنْتُهُ إِلا صَعِيدًا مِنَ الصُّعُدَاتِ، فَبُلْتُ فِيهِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذُنُوبٍ منْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ .([49])

وهذا الحديث يكثر الاستشهاد به في التأصيل لرعاية المآلات من جهة أن النبي ﷺ أنكر على الصحابة مقاطعتهم للأعرابي وزجرهم له؛ لتبوله في المسجد بقوله لا تزرموه بالنظر إلى المآلات والمفاسد التي تنبني على زجره، وهي: توسيع دائرة تنجيس المسجد، وتنجيس ثوبه وجسمه، وتنفيره من الإسلام لحداثة عهده به، وربما أدى زجره إلى حقن البول فيه فيتأذى صحياً إلى غير ذلك من المآلات الظاهرة، ولهذا فإن من يستدل بهذا الحديث يرجع عادة إلى رواية البخاري من طريق أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامُوا إِلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا تُزْرِمُوهُ ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ. ([50])

وقد آثرت ذكر رواية أخرى  هنا لأنها تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما زجر الصحابة عن مقاطعة الأعرابي لقرائن احتفت بالواقعة جعلته ﷺ يتفهم دوافع فعل الأعرابي وذلك عندما سأله: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ بُلْتَ فِي مَسْجِدِنَا؟ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا ظَنَنْتُهُ إِلا صَعِيدًا مِنَ الصُّعُدَاتِ، فَبُلْتُ فِيهِ. فهذه القرائن كشفت للنبي ﷺ مآلات السكوت عن زجر الصحابة له فنهاهم وأمرهم بالاكتفاء بصب الماء علي موضع البول.

فقد كان المسجد مفروشا بالحصباء غير مميز عن الأماكن الأخرى التي يتردد عليها الأعرابي، فظنه مكانا أو جبلا مثل سائر الأماكن ففعل ما اعتاد فعله في هذه الأماكن، وعليه فإن معنى الاستهانة والاستخفاف بالمسجد وتلويثه الذي غار لأجله الصحابة لم يكن موجودا على الإطلاق في رأس هذا الأعرابي، أما تنجيس المسجد فيطهر بصب الماء عليه كما في الحديث.

لهذا نقول إن القرائن والملابسات من أهم المسالك والطرق التي يُكشف بها عن المآل، لكن لابد أن يصاحبها فقيه له ملكة يدرك بها هذه القرائن التي لا يصرَّح بها عادة؛ ولهذا فقد جعلت ملكة الفقيه أحد المسالك المستقلة الكاشفة للمآل في الاجتهاد أو الفتوى.

  • امتناع عمر عن الدعاء لمن طلبه منه:

أخرج الطبري عن مدرك بن عمران قال: كتب رجل إلى عمر “رضي الله عنه”: ادع الله لي. فكتب إليه عمر: إني لست بنبي، ولكن إذا أقيمت الصلاة فاستغفر الله لذنبك.([51])  وطلب الدعاء من الصالحين والعلماء مشروع، قال ابن تيمية: “ويشرع للمسلم أن يطلب الدعاء ممن هو فوقه، وممن هو دونه؛ فقد روى طلب الدعاء من الأعلى والأدنى”([52])

بل إن عمر “رضي الله عنه” طلب الدعاء ممن هو دونه، فعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “يأتي عليكم أويس بن عامر مع إمداد اليمن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل”، قال: فاستغفِر لي. فاستغفَر له.([53])

كما طلب النبي ﷺ الدعاء من عمر، فعنه عن النبي ﷺ أنه استأذنه في العمرة، فأذن له، فقال: “يا أخي لا تنسنا من دعائك، وقال بعد في المدينة: يا أخي أشركنا في دعائك. فقال عمر: ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس لقوله يا أخي”([54]).

فما فعله هذا الرجل مع عمر “رضي الله عنه” مشروع، لكن عمر رفض طلبه؛ لأنه لو استجاب له ودعا بما أراد لفتح ذريعة اعتقاد هذا الرجل بنبوة عمر، سيما وهناك من القرائن ما يدعو إلى هذا مع بسطاء الناس وعوامهم، فعمر خليفة قوي مشهود له بالصلاح وسداد الرأي، نزل القرآن يوافق رأيه غير مرة، فحينما يدعو للرجل ويستجاب ربما وقع في نفسه هذا المعنى.

 ولن يقول عمر لسائله إنى لست بنبي إلا لقرائن احتفت بشخصه وزمنه ومن حوله، جعلته ينفي هذا الفهم ويجيب بما أجاب.

  • تعزير صبيغ لخوضه في المتشابهات:

عن يزيد بن حازم سليمان بن يسار أن صبيغ بن عسل([55]) قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء، فبلغ ذلك عمر”رضي الله عنه”، فبعث إليه عمر فأحضره، وقد أعد له عراجين([56]) من عراجين النخل، فلما حضر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. فقال عمر “رضي الله عنه”: وأنا عبد الله عمر، ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه، فقال حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي.([57])

وعن السائب بن يزيد أتى عمر بن الخطاب فقيل: يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلا يسأل عن تأويل القرآن. فقال عمر: اللهم مكني منه. قال: فبينما عمر ذات يوم جالسا يغدي الناس، إذا جاء رجل عليه ثياب وعمامة فتغدا حتى إذا فرغ، قال يا أمير المؤمنين: (والذاريات ذروا فالحاملات وقرا) فقال عمر: أنت هو، فقام إليه وحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك، البسوه ثياباً واحملوه على قتب،([58]) ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلاده ثم ليقم خطيبا ثم يقول: إن صبينا ابتغى العلم فأخطأه،  فلم يزل  صبيغا في قومه حتى هلك وكان سيد قومه.

 وعن قطن بن كعب قال سمعت رجلاً من بني عجل يقال له فلان بن زرعة يحدث عن أبيه قال: لقد رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب يجيئ إلى الحلق فكلما جلس إلى حلقة قاموا وتركوه. ([59])

عمر رضي الله عنه يكشف المآلات  بالقرائن والملابسات:

إنما ضرب عمر صبيغاً تأديبا وزجرا وسداً لذريعة الخروج في تفسير القرآن وتأويله عن ما لا ينبغي تجاوزه، كما أنه لا يترتب عليه عمل، كما نظر عمر بفعله إلى المآلات، فلو ترك صبيغاً وما فعل لأقيمت الحلقات حول تأويل متشابه القرآن ولانصرف المسلمون عن تدبر وفهم القرآن، وهو ما أوضحه القرطبي والشاطبي في السطور التالية:

القرطبي يقرر أن فعل عمر مرده إلى سد الذرائع والنظر إلى المآلات: “وقد كان الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المشكلات في القرآن؛ لأن السائل إن كان يبغى بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة، فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير، وإن لم يكن مقصده فقد استحق العتب بما اجترم من الذنب؛ إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلا إلى أن يقصدوا ضعفة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل وحقائق التأويل.([60])

وقال الشاطبي رحمه الله تعالى: وهذا الضرب-ضرب عمر لصبيغ- إنما كان لسؤاله عن أمور من القرآن لا ينبني عليها عمل، والضرب إنما يكون لجناية أربت على كراهية التنزيه؛ إذ لا يستباح دم امرئ مسلم ولا عرضه بمكروه كراهية تنزيه، ضربه إياه خوف الابتداع في الدين أن يشتغل منه بما لا ينبني عليه عمل، وأن يكون ذلك ذريعة لئلا يبحث عن المتشابهات القرآنية، ولذلك لما قرأ عمر بن الخطاب”رضي الله عنه” (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) ([61]) قال: هذه الفاكهة فما الأب؟  ثم قال: ما أمرنا بهذا، وفي رواية نهينا عن التكلف.([62])

ويقول في الموافقات: وقد ضرب عمر بن الخطاب صبيغاً وشرد به، لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل، وربما أوقع خيالا وفتنة وإن كان صحيحاً، مما يدل على أنه ليس كل علم يبث وينشر وإن كان حقاً، وقد أخبر مالك عن نفسه أن عنده أحاديث وعلماً ما تكلم فيها ولا حدث بها، وكان يكره الكلام فيما ليس تحته عمل وأخبر عمن تقدمه أنهم كانوا يكرهون ذلك، فتنبه لهذا المعنى.

ثم ذكر الشاطبي ضابط ما يطرح وما يتكلم فيه وأن مرجعه النظر إلى العواقب والمآلات فقال:وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت فى ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها، في ذهنك على العقول فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ، فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية.([63])

والقرائن والملابسات هي التي أعانت عمر على كشف مآلات السكوت عن فعل صبيغ وهي: أن صبيغاً قدم من المدينة خصيصا لإثارة المتشابهات، وأنها لم تكن مسألة يطرحها صدد تفسيره وحديثه وإنما كانت جل اهتمامه وحديثه حول القرآن، كما أنه كان سيداً مطاعاً في قومه الأمر الذي كان سيوسع من دائرة انتشار الخوض في المتشابهات والانصراف بها عما يترتب عليه العمل، كما أنه كان يسعي بقصد أو بغير قصد أن يؤسس لمدرسة التركز على المتشابهات فلم يكن علما خاصا به ينشره حتى في دائرة محدودة من تلاميذه.

ومن الفتاوى المهمة التي أصدرها المجلس الأوربي للإفتاء  والبحوث والتي شغب عليه فيها كثيرا، رغم أن اجتهاده فيها انتقائي لا إنشائي وافق فيه أقوالاً لفقهاء الصحابة، وهى فتوى لاحظ فيها مآلاً مهما يتصل بحفظ الدين المقصد الأول من مقاصد الشريعة العامة، وهى فتوى بقاء المرأة المسلمة تحت زوجها الكافر، وقد كشف المجلس عن هذا المآل بالقرائن التي لم يصرح بها وإنما استبطنها في الفتوى ومنها:

  • إقبال النساء على اعتناق الإسلام والقراءة عنه أوسع من الرجال.
  • صعوبة ترك المرأة لزوجها وأطفالها بسبب الإسلام عمليا.
  • طبيعة الشخصية الأوربية وغلبة العاطفة لديها.
  • الإجراءات القانونية والحقوق المالية المترتبة على التفريق الفوري.
  • استبعاد تفكير الزوج في الإسلام الذي أصبح بالنسبة له يفرق بين المرء وزوجه.
  • رجحان دخول الزوج في الإسلام في فترة التربص والانتظار عادة.

 الطريق الثالث: التجارب([64])

أصل التجربة اختبار الشيء مرة بعد أخرى إلى أن يتحصل للمرء المجرب ما يقارب العلم أو الظن.

إذ العقلاء متفقون على صحة الاستناد إلى التجارب في تعاطي الأمور، لأن العلم الحاصل عن التجربة يقارب مرتبة القطع والعلم الضروري عند كثير من النظار، وفي أقل أحواله يأخذ حكم الظن الغالب بوجود الشيء أو حصوله.

يقول الغزالي ” والضروري عند الأكثرين: عبارة عن الأوّلىّ لا عما نجد أنفسنا مضطرين إليه …..، وكذلك العلم بصدق خبر التواتر، ويقرب منه العلم المستفاد من التجربة التي يعبر عنها باطّراد العادات؛ كقولنا: الماء مُرْوٍ، والخمر مسكرٌ”([65])

بل إن الشريعة نفسها قد جرى اعتبار المآلات فيها على مقتضى التجربة في كثير من القضايا؛ فحين شرعت الصلاة ليلة المعراج قال موسى لنبينا-عليهما الصلاة والسلام قَالَ: “إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ”([66])

يقول الحافظ ابن حجر: “التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة يستفاد ذلك من قول موسى عليه السلام للنبي صلى الله عليه و سلم: إنه عالج الناس قبله وجربهم”([67])

إذا ما من شك في أن كثرة العبادة والتقرب إلى الله تعالى أمر محمود حسن، لكن لما أفادت التجربة الفعلية أن ذلك يلزم عنه الانقطاع وترك المداومة على الطاعة، ويولد السآمة والملل، كان لازما أن يُعتبر هذا المآل الممنوع بطلب التخفيف؛ لأن قليلا يؤدى على وجه الكمال خير من كثير يُضيّع ولا يدوم.

وقد جرى على العمل بمقتضى التجارب سائر الفقهاء والمجتهدين، وربطوا مسائل كثيرةً بمفادات التجارب، من شواهد ذلك قول ابن رشد: ” وهذه الأقاويل كلها، المختلف فيها عند الفقهاء في أقل الحيض وأكثره، واقل الطهر، لا مستند لها إلا التجربة والعادة”([68])

بل إن الشاطبي يعد مفادات التجارب أقوى من مفادات البراهين، حيث يقول في المقدمة الثامنة عند بيان حقيقة العلم المعتبر شرعا: “ولا احتياج هاهنا إلى إقامة برهان على ذلك؛ إذ التجربة الجارية في الخلق قد أعطت في هذه المرتبة برهانا لا يحتمل متعلقه النقيضَ بوجه”([69])

ومما يقطع به سائر العقلاء؛ أن سعة التجارب وكثرتها؛ مما يتفاضل به الناس ويتفاوتون، فالعالم الذي حنكته التجارب، ووقف على دخائل الأمور، وأحاط بشؤون الناس والحياة مقدم على من لم يكن له نصيب من ذلك، ومن ألطف ما يدخل في هذا المعنى، ما ذكره ابن عابدين في المقارنة بين الإمامين محمد بن الحسن الشيباني وأبي يوسف القاضي عليهما رحمة الله، ذلك أن محمد بن الحسن :” لم يشتهر بالقضاء كما اشتهر أبو يوسف، فلم يحصل له من التجربة ما حصل لأبي يوسف؛ لأنه كان قاضي المشرق والمغرب، وزيادة التجربة تفيد زيادة علم”([70])

وكذا تميز فقه أبي حنفية في البيوع والمعاملات وتطبيقات المصلحة والاستحسان لتجربته واشتغاله بالتجارة الأمر الذي مكنه من معايشة واقع الناس والتجار والاتصال به بشكل مباشر، وفرق كبير بين التجربة والحكاية.

فالتجارب جعلها الله عز وجل سنناً في الكون، وقد يكون الرجل الذي له خبرة ومعرفة شخصية أفضل من الطبيب في بعض الأحيان؛ لأنه تمر عليه أحوال قد لا يتيسر للطبيب أن يراها؛ لأنه قد لا يأتيه إلا بعض الحالات، لكن هذا يعايش ويجد. ([71])

وقال بعض العلماء: إذا كان الدواء مما علم أو غلب على الظن نفعه بحسب التجارب فهو أفضل، وإن كان من باب المخاطرة فتركه أفضل. ([72])

ومما يظهر به دور التجربة وأثرها في معرفة المآلات، أن العادة وهي إحدى قواعد الفقه الكلية الكبرى قد جعلت ضابطا لما لا يحصى من المشروعات والمقدّرات، ومعلومٌ أن مبنى الاعتياد على معنى التجربة وتكرر المشاهدة، مثال ذلك المشاق التى تقتضي التخفيف في الشرع؛ فإن الشاطبي جعل الضابط في تعيينها الاعتياد الجاري في الناس([73])، وذلك بلا شك لا يعلم إلا من جهة التجريب والمشاهدة المتكررة، ويظهر أثر اعتبار المآل في هذا الاختيار ، في أن المشقة لو ضبطت بمعنى ثابت لا يتغير؛ لتمخض عن ذلك من الحرج ما لا حد له؛ إذ الناس يختلفون في هذا من عصر إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى لذا ترك الشارع تحديد مضمونها إلى المتغيرات المطردة في الخلق، نظرا إلى ما يجره التعيين الثابت من العنت في مثل هذه الأمور.

ومما يعكس أهمية التجربة في كشف المآل في أوربا، أن المفتى أو الفقيه الذي يعيش حياة المسلمين في الغرب يختلف فقهه واختياراته الفقهية عن المفتي أو الفقيه الذي لا يعيش حياة الناس، حتى وإن أقام في الغرب دهراً، ومن الأمثلة العملية ما قاله بعض الأئمة المعارضين للجمع بين صلاتي  المغرب والعشاء صيفا حيث يتأخر وقت العشاء جداً وتنعدم علامتها الشرعية أو تضطرب، قالوا: نحن لا نرى مشقةً أو حرجاً في أداء الصلاة في منتصف الليل والفجر بعدها بثلاث ساعات!

وإنما قالوا ما قالوا لأن حياتهم وعملهم يختلف عن حياة الناس، فماذا يضيره إن ظل مستيقظاً بعد صلاة العشاء إلى الفجر ثم نام بعدها إلى الظهر، أما عموم المسلمين المرتبطين بأعمال فلا.

ومثله يقال في قضايا أخرى كتحديد بداية ونهاية الصوم قبلها بمدة كافية، والذبائح وأحكام معاملة غير المسلمين.

أمثلة من الواقع الأوروبي على دور التجارب في استكشاف المآلات والحكم عليها:

  • الجمع بين المغرب والعشاء صيفاً:

من الأمثلة الأوروبية على دور التجربة في الكشف عن المآلات، أن بعض المساجد في “ألمانيا” أخذت بحل الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء تقديماً في الفترة التى تضطرب أو تنعدم فيها العلامة الشرعية لصلاة العشاء والفجر، فكثر الناس في المساجد ليس فقط في صلاتي المغرب والعشاء وإنما كذلك في صلاة الصبح، ثم تركوا الجمع في العام التالي وأخذوا بالتقدير نزولا على رأى بعض الرافضين للجمع في المسجد، بحجة أن الجمع فرق الناس وشتتهم، فقل العدد على نحو كبير جداً، ووجد الإمام نفسه يصلي ببضعة أفراد، فكان أن عادوا في العام الذي يليه إلى الجمع مرة أخرى.

وتجربتي الشخصية أنى صليت عاماً في الوقت المقدر فكان يصلي معي قرابة 15 فرداً، ولما انتهينا إلى ترجيح الجمع وصل عدد المصلين من 200 إلى 300 ، فبداً لنا بالتجربة رجحان حل الجمع.

  • ومثله في أشهر قضية فقهية تتعلق بالوجود الإسلامي في الغرب، وهى قضية القروض الربوية لشراء المساكن في الغرب، والتي أفتى المجلس الأوربي بإباحتها بضوابط، وعارضها علماء ومجالس فقهية أخرى، وقد مر على إصدارها سنوات، والمجلس عندما أصدرها نظر إلى جملة من المآلات والعواقب المعتبرة شرعا وعقلا، مثل: توطين الإسلام في الغرب، وحفظ المال للمسلمين، وحفظ الدين بالاقتراب من المساجد وغير ذلك من المآلات.

ونظر المعارضون للفتوى إلى مآلات معاكسة، والآن بعد أن اشتهرت الفتوى في أوربا لسنين وأخذ بها عدد كبير من المسلمين في أوربا، إذا أردنا ترجيح مآل على مآل، أو الكشف عن صحة مآل دون مآل، علينا أن ندرس ونحلل الحالات والأمثلة التى أخذت بالفتوى لنرى تحقق المآلات التى قصدها المجلس من عدمه أم لا؟ وفي ضوئها نثبِّت الفتوى ونؤكد عليها، أو نضيف لها من القيود والضوابط ما يجعلها قادرة على تحقيق ما هدفت إليه، أو نفرق في الفتوى بين قطر وقطر بحسب الدراسة التحليلية والبيانية للشرائح التى أخذت بها في أوربا.

  • نقل وزراعة الأعضاء:

استدل المانعون لنقل الأعضاء وزراعتها بأن الإباحة ستؤدي إلى مآلات وعواقب يجب سدها، أهمها الاعتداء على الأنفس بالقتل لتحصيل الأموال في المستشفيات واستغلال حاجات الناس في البلاد الفقيرة، ومآل آخر لا يقل أهمية عن سابقه وهو إضعاف فرص البحث عن أعضاء صناعية بديلة تغنى عن الزرع، أو سبل الوقاية من تلف الأعضاء وتقليل الحاجة إلى الزراعة. ([74])

وقد أثبتت التجربة صحة هذا الكلام إلى حد كبير في البلدان المتخلفة والتي لا تعرف سيادة للقانون، ويشيع فيها الفقر والجهل والمرض، بخلاف أوربا مثلاً فمن الصعب أو النادر أن يحكم على مريض بموته دماغيا وليس كذلك، وعلى أساس التجربة التى كشفت وأكدت صحة المآل يجب أن تتغير أو تقيد الفتوى.

  • تخدير الحيوان قبل الذبح:

 تلزم القوانين الأوربية المجازر والمذابح بضرورة تخدير الحيوان قبل ذبحه على اختلاف في طرائق التخدير تلك، وذلك لأسباب تتصل بالرفق بالحيوان من ناحية ولأسباب عملية اقتصادية من ناحية ثانية، وعندما بحث العلماء المسألة من الناحية الفقهية للإجابة على سؤال: هل يجوز الحكم على الحيوان المذبوح بعد التخدير بالحل؟.

فكان السؤال هل يموت الحيوان من هذا التخدير، فأجريت تجارب على حيوانات خدرت وتركت دون ذبح فقامت وتحركت ولم تمت بحسب روايات المتخصصين في هذا الشأن، فجوزت المجامع الفقهية الذبح على هذا النحو لكنها وضعت قيودا على شكل وصورة التخدير حتى لا تؤدي إلى موت الحيوان المذكي قبل ذبحه.

  • تحديد بداية ونهاية رمضان في أوروبا:

 ومن الأمثلة المهمة جدا في أوروبا مسألة تحديد بداية الصيام ونهايته، فقد كان هدفا لنا أن نوحد المسلمين في ألمانيا على بدء الصيام والفطر، لمآلات تترتب على التفرق والتأخر في إعلان الصيام والفطر إلى ليلة الصيام أو الفطر، ومن أهم هذه المآلات:

إيجاد مرجعية تمثل المسلمين أمام الألمان وتتحدث باسمهم ولا يتم هذا إلا بمدى التزام المسلمين بقراراتها في الصيام والإفطار، فإذا وجدت المرجعية والتزم المسلمون بقرارها كان لها الحق في المطالبة بحقوق المسلمين الأخرى كمنحهم الإجازات في الأعياد الدينية الخاصة بهم، ومساعدتهم في حل مشاكلهم المتعددة، ومن المآلات أن عدم الوصول إلى حل يؤدي إلى تثبيت فكرة أن الإسلام عاجز عن تنظيم شؤون الحياة، وأن دوره قاصر على تنظيم العلاقة بين الإنسان وربه فحسب بدليل مسألة الصيام، ومن المآلات الإساءة للسمعة الحضارية للإسلام وإظهار التناقض في تعاليمه، فكيف يدعو إلى العلم ويرفض الحسابات الفلكية التى تمثل قمة الدقة العلمية، وتوصف الأمة المنتسبة إليه بأنها أمة أمية!

وما كُشفت هذه المآلات إلا بالتجربة، وما توصلنا إلى الحل الأمثل المحقق للمآلات المذكورة إلا بالتجربة، فقد جربنا الصيام مع السعودية فلم توحدنا لأن منهجها غير منضبط في الرؤية والإعلان، كما جربنا الصيام حالة إعلان أول 3 دول عربية أنها رأت الهلال، فأحدث إشكالاً أكبر فقد حدث أن أعلنت 3 دول عربية ليس من بينها السعودية فصام ناس مع القرار وآخرون مع السعودية، وهكذا لم نجد حلاً مناسباً إلا الحل الذي تبناه المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، وهو القول بوحدة المطالع والأخذ بالحسابات الفلكية بشروط دقيقة يصعب أو يستحيل معها الخطأ، وقد أثني الفلكيون على قرار المجلس وتوجهه في ندوة التقويم الهجري في ضوء المعطيات العلمية، والتي نظمها اتحاد المنظمات الإسلامية في أوربا بالتعاون مع المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث وقالوا: إذا أردنا تقويما هجريا موحدا فلا سبيل أمامنا إلا هذا المسلك.

الطريق الرابع: القياس:

القياس مبحث أصولي شهير، من أدق تعاريفه أنه: مساواة فرع الأصل في علة حكمه. ([75])

وهو يعنى إثبات مثل حكم الأصل للفرع وذلك للعلة المشتركة بينهما، و”القياس الشرعي يعتبر المنطلقَ الفكري الأصيل باتجاه تأسيس المنهج التجريبي وبنائه، الذي يعتبر أس الحضارة المعاصرة” ([76])

والاستفادة من القياس في الكشف عن المآلات تكون بإثبات مثل المآل الأول للمآل المشابه، للاشتراك في العلة، وكذلك بتطبيق قياس الشبه على الكشف عن المآلات، فإذا ما تردد فرع بين مآلين ألحقناه بالأقوى شبها كما هو الأمر في قياس الشبه.

وهذا يعني أن الاستفادة من القياس في باب المآلات لا يقتصر على الكشف عنها فقط وإنما يمتد للترجيح بينها عند التعارض.

أمثلة:

الأول: منع إيذاء الأوربيين فيما يعتقدون أو يفعلون قياسا على منع سب المشركين، بالنظر إلى المآلات:

نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين عن سب المشركين وآلهتهم فقال تبارك اسمه: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} الأنعام: 108

“وَالْمُخَاطَبُ بِهَذَا النَّهْيِ الْمُسْلِمُونَ لَا الرّسول ﷺ ، لِأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَكُنْ فَحَّاشًا وَلَا سَبَّابًا؛ لِأَنَّ خُلُقَهُ الْعَظِيمَ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يَدْعُوهُمْ بِمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ فَإِذَا شَاءَ اللَّهُ تَرْكَهُ مِنْ وَحْيِهِ الَّذِي يُنْزِلُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ لِغَيْرَتِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ رُبَّمَا تَجَاوَزُوا الْحَدَّ فَفَرَطَتْ مِنْهُمْ فُرُطَاتٌ سَبُّوا فِيهَا أَصْنَامَ الْمُشْرِكِينَ.

رَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ «كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَوْثَانَ الْكُفَّارِ فَيَرُدُّونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَسِبُّوا لِرَبِّهِمْ» . وَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَأَوْفَقُهُ بِنَظْمِ الْآيَةِ”([77]).

فعلى الرغم من أن سب آلهة المشركين أمر جائز؛ لأن فيه إهانة لأهل الباطل ونصرة لأهل الحق، إلا أن الشارع منعه بالنظر لما يفضي إليه من أضرار ومخاطر وهي سبهم لله تعالى انتقاما لآلهتهم.

فالمصلحة التى ستحصل من إهانة آلهتهم أهون بكثير من مفسدة سبهم لرب العالمين.

ويمكن أن نقيس عليه منع المسلمين في الغرب من إهانة أو انتقاد معتقدات غير المسلمين، أو شرح أو تفسير أحكام الإسلام على نحو مصادم لثقافة وفهم غير المسلمين، لأنه سيؤدي إلى مفاسد وأضرار أكثر من المصالح التى يمكن أن يحققها.

ومن أمثلة ذلك: مهاجمة بعض الأئمة وانتقادهم للشاذين جنسيا في الغرب، أو الاعتراض على دستور البلاد ورفضه والدعوة إلى عدم التحاكم إليه، أو ما وقع من إمام في الغرب عند تفسير آيات سورة النور التى تتحدث عن الحجاب، إذ شبه المرأة التى تتعرى ولا تتحجب بامرأة تضع لحمها المكشوف للقطط في الشوارع، إلى غير ذلك من الأمثلة التى انتهت بطلبات ترحيل للأئمة أو الأشخاص الذين طرحوا هذا الكلام ودعوا إليه، بل ربما أدى إلى إغلاق المؤسسات نفسها، وكل ذلك يمكن أن يقبل أو يسمح به في بيئة أخرى ومكان آخر غير أوربا.

فقد كشفنا المآل عن طريق القياس كما هو بين واضح.

المثال الثاني: منع القروض الربوية لشراء المساكن في الغرب بالقياس على منع أكل ذبائح غير المسلمين بالنظر إلى المآلات.

أفتى بعض العلماء المعاصرين بجواز أكل اللحوم والذبائح التى تباع في الأسواق الأوربية، وإن لم تراقب من طرف المسلمين والمراكز الإسلامية، أو تأخذ خاتم الحلال، وذلك لأنها استكملت شروط الذبح الشرعي، من عدم موتها من التخدير أو الصعق، وكونها ذبحت بيد كتابي مباح أكله.. إلخ.

وعلى فرض صحة ورجحان هذا الرأى الفقهي، إلا أنه يفضي إلى عدد من المآلات المخلة بمقاصد الذبح والوجود الإسلامي في الغرب، وهو ما يجعلنا نرجح المنع من الأكل واشتراط المراقبة بالنظر إلى المآلات ويمكن تلخيص هذه المآلات في الآتي::

  • المآل الاقتصادي؛ حيث تبلغ الاستثمارات في الحلال في أوربا الآن مليارات ويد عاملة، وغيره، الأمر الذي يفوت على المسلمين مصالح اقتصادية حالة ترك أو تفويت التواجد في ملف الحلال.وقد عالج الشيخ راشد الغنوشي في بحث قيم قدمه للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث هذه المآل الاقتصادي.([78])
  • ومنها: مآل الهوية، فإن أهم ما يفرَّق به بين المسلم وغير المسلم في الغرب ماذا يأكل وماذا يشرب، فإذا سوينا بينهما عدنا بالإفساد على هذا المآل، وقد أكد الشيخ راشد في بحثه المذكور على هذا المآل.
  • ومنها: مآل التعريف بالإسلام ومنهجه في الذبح والرفق بالحيوان؛ وذلك أننا إن أفتينا بمشروعية الأكل من هذه الذبائح التى لم تراقب، فوتنا على أنفسنا فرصة عرض منهج الإسلام عمليا في طريقة الذبح ورعاية الحيوان في الإسلام، وقد قام عدد من الأطباء البيطريين البريطانيين من غير المسلمين، بدراسة مقارنة بين الذبح الإسلامي وغيره وأيهما أرفق وأرحم بالحيوان وأقل تعذيبا له، فانتهوا إلى أن الذبح الإسلامي الأرفق والأقل تعذيبا، ولولا شيوع ووجود الذبح الإسلامي في الغرب والحديث الدائم عنه ما فتح على الإسلام هذا الباب.
  • ومنها: الوقوع في صور قطعية التحريم مثل: أكل لحم خالط طعاما غير مشروع كالخنزير، أو اشترك معه في خط الإنتاج، أو ذبحه غير الكتابيين.

وغير ذلك من المآلات وعليه نقيس مآلا آخر في مسألة أخرى على مسألة الذبح فنقول:

 امتناع المسلمين في أوربا في الجملة عن أكل ذبائح غير المسلمين، وإن توفرت فيها شروط الذبح الشرعي، ينتهي إلى تقنين ذبح خاص بهم متوافق مع الشريعة الإسلامية.

وامتناع المسلمين عن التعامل بالقروض الربوية في امتلاك السكن، وإن توفرت الحاجة، ينتهي إلى تقنين مصرفي أوربي يتيح لهم التملك دون مصادمة مع الشريعة الإسلامية.

فالأصل هو: الامتناع عن أكل الذبائح التى لم تراقب وتأخذ خاتم الحلال، وإن توفرت فيها شروط الذبح الشرعي عند القائلين بجوازها.

وحكم الأصل: المنع من الأكل.

والفرع: الامتناع عن التعامل بالقروض لشراء المساكن في الغرب، وإن تحققت الحاجة، عند القائلين بجوازها.

والمآل الجامع بينهما (الذي أقمناه مقام العلة) هو: التقنين وطرح البدائل المتوافقة مع الشريعة، وهو موجود في الذبح وفي القروض لشراء المساكن في الغرب.

فنقيم المآل مقام العلة، فإذا ورد هذا المآل في فرع جديد أعطيناه مثل حكمه من الرعاية والملاحظة عند الفتوى.

والمآلات الأربعة المذكورة في الذبح موجودة ومتحققة في مسألة القروض.

  • الأول: الإضعاف الاقتصادي للمسلمين، متحقق في القروض لشراء المساكن أكثر من تحققه في تجارة الحلال، وسأضرب مثالا عمليا قام به مجموعة من الشباب المسلم الذي درس الاقتصاد في ألمانيا، حيث أسسوا شركة لتقديم الاستشارات في المالية الإسلامية، وتسويق بعض المنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية في مجال الاستثمار والتأمين، ووصل عدد الموظفين في هذه الشركة إلى 150 موظفا مسلما، ويقدر عدد الزبائن الذين يتواصلون معهم ب 1500 شخص في ألمانيا.

 ووجدوا أن اغلب الاحتياجات الاقتصادية التمويلية بالنسبة للمسلمين في ألمانيا هي: شراء السكن بطريقة خالية من الربا، فتوصلوا إلى صيغة لا تتعارض مع الشريعة وتتوافق مع القانون وهى صيغة الشركة المتناقصة، وعرضوها على البنوك وأخذوا موافقة مبدئية بها، ووجدوا أنه يمكنهم تجميع رؤوس الأموال من دوائر المسلمين أنفسهم، والنجاح في عملية التمويل دون حاجة إلى تمويل خارجي، ولا شك أن فتاوى الإباحة للقرض الربوي لشراء السكن تؤثر سلبا على مثل هذا المشروع وما شابهه، وهذه بعض الإحصاءات التى توصلوا إليها بعد الدراسة:

  • تعداد المسلمين في ألمانيا 4.300 مليون .
  • المبالغ التى يدخرها المسلمون في العام تقدر ب 2.6 مليار سنويا.
  • معدل الإنجاب عند المسلمين 2.44 % مقابل 1.38% عند الألمان
  • 90% من المسلمين لديهم قبول بالبنوك الإسلامية.
  • 70% يرغبون في التمويل الإسلامي
  • فهم بحاجة إلى 45.000 ألف بيت بمتوسط ثمن 170 ألف يورو للبيت الواحد
  • يعني بحاجة إلى 7.6 مليار لتمويل هذا العدد من البيوت، وعليه يمكن توفير هذا المبلغ في ثلاث سنوات، والنجاح في إجراء العملية التمويلية دون الوقوع في الربا أو المخالفة للقانون.
  • المآل الثاني: هو التأثير السلبي على مقصد التعريف بالإسلام ومنهجه في الاقتصاد وفلسفة تحريم الربا في الإسلام، فالغرب لا يكفيه الكلام النظري وإنما يحتاج إلى تجارب عملية، وهذا ما حدث بعد الأزمة المالية العالمية؛ إذا صدرت الشهادات من كبار الاقتصاديين في العالم حول صلاحية النظام الاقتصادي الإسلامي وخلوه من عيوب النظام الاقتصادي الرأسمالي، وذلك لأنه رأوا عمليا أن البنوك والمصارف الإسلامية لم تتضرر ولم تخسر مثل غيرها من البنوك التقليدية أثناء الأزمة، ولو نجح المسلمون في الغرب في مثل هذه العمليات التمويلية لشراء المساكن لكانت خير برهان على نجاح نظام الإسلام في جانب الاقتصاد ولأسهمنا بذلك في تحقيق مقصد التطلع إلى التعريف بالإسلام في الغرب.
  • وأما المآل الثالث: وهو فتح الباب لصور ممنوعة لم تقصد بالفتوى في موضوع الذبح كما سبق فهو متحقق في فتوى القروض، فقد أخذ بعض المسلمين في الغرب بفتوى القروض دون انطباق شروط الفتوى عليهم، أو قياسهم لصور لم ترد في الفتوى كالقروض للتجارة وبناء المساجد، وشراء أكثر من بيت، وتمويل المشروعات وغير ذلك من الصور.
  • وكذا المآل المتصل بالهوية، واضح أثره وتوافقه مع مسألة الذبح.

والمقصود أن هناك بدائل اقتصادية متوافقة مع الشريعة يمكن طرحها للخروج من إشكالية التملك، والإفتاء بالجواز للحاجة يفضي إلى تعويق مثل هذه التطبيقات، تماما كالإفتاء في قضايا الذبح الحلال.

وهذا القياس يظهر تناقض من ينتبه إلى المآل في مسألة الذبح ويغفلها في مسألة القروض.

 ويمكننا الاستئناس والتأصيل للكشف عن المآلات بالقياس بقطع سيدنا عمر رضي الله عنه لشجرة الرضوان.

فقد رأى عمر الناس يأتون إلى الشجرة التي كانت بيعة الرضوان تحتها فيصلون عندها، فأمر بها فقطعت، وقال أراكم أيها الناس رجعتم إلى العزى، ألا لا أوتى منذ اليوم بأحد عاد لمثلها إلا قتلته بالسيف كما يقتل المرتد.([79])

وروى غير واحد عن المعرور بن سويد قال  صليت مع عمر بن الخطاب “رضي الله عنه” في طريق مكة صلاة الصبح فقرأ فيها ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولإيلاف قريش، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء فقيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهم يصلون فيه فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يتعمدها. ([80])

ولعل عمر في فعله هذا يقيسه بالنظر إلى المآلات على ما فعله النبي ﷺ ، فقد أنكر ﷺ على الصحابة لما سألوه أن يجعل لهم شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ومتاعهم بخصوصها؛ فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَتَى خَيْبَرَ مَرَّ بِشَجَرَةٍ يُعَلِّقُ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا : ذَاتَ أَنْوَاطٍ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى : {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} لَتَرْكَبُنَّ سَنَةَ مَنْ كَانَ قِبَلِكُمْ. ([81])

فلا إشكال من حيث الأصل في صلاتهم في المسجد المذكور لكن عمر نهاهم عنه بالنظر إلى المآل، كما نهاهم النبي ﷺ لما طلبوا منه تخصيص شجرة لوضع أسلحتهم عليها، والمشترك في الصورتين المآل والعاقبة.

قال الشاطبي رحمه الله: تركوا ذلك من باب الذرائع خوفا من أن يجعل ذلك سنة، أو لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد، بل تتجاوز فيه الحدود وتبالغ بجهلها في التماس البركة، حتى يداخلها المتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل العبادة ولأجله قطع عمر “رضي الله عنه” الشجرة التي بويع تحتها رسول الله ﷺ بل هو كان أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية، فخاف عمر”رضي الله عنه” أن يتمادى الحال في الصلاة إلى تلك الشجرة حتى تعبد من دون الله، فكذلك يتفق عند التوغل في التعظيم.

ولقد حكى الفرغانى مذيل تاريخ الطبري عن الحلاج أن أصحابه بالغوا في التبرك به حتى كانوا يتمسحون ببوله، ويتبخرون بعذرته حتى أدعوا فيه الإلهية تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. ([82])

الطريق الخامس: الإحصاء العددي والمقارنات:

ويقصد به عمل إحصاء عددي، واستقراء للوقائع والحالات محل تنزيل الاجتهاد أو الفتوى عليها وتحليل هذه الأرقام بردها إلى المآلات المتوقعة فأيها رجحه الإحصاء مال إليه المجتهد، وعلم أنه سيؤدي إلى المقصود من الاجتهاد أو الفتوى.

 “فحينما يطبق حكم ما من أحكام الشريعة على أفعال عديدة في زمن معين أو في فاعلين معينين، ويتبين بنتائج الواقع أن ذلك التطبيق لم يتحقق به المقصد المبتغَى منه، فإن ذلك يكون دليلا على أن تطبيق الحكم على أمثال الحالات التى طبق فيها سوف يؤول إلى نفس المآل من عدم تحقيق المصلحة، ويكون بذلك استقراء المآلات كما تحققت في الواقع منهجا يُعلم منه أحوالها قبل وقوعها”([83])

مثال تطبيقي من الواقع الأوربي:

تنعدم العلامة الشرعية لصلاة العشاء أو تضطرب في فصل الصيف، وقد طرح أكثر من حل بالنسبة  لصلاة العشاء في هذه المدة، وأشهر الحلول التي ينتشر العمل بها في أوربا: الجمع بين المغرب والعشاء تقديماً، أو القياس على خط عرض 45، أو الصلاة بعد المغرب بساعة ونصف، والمآل الذي نظر إليه المجتهدون في المسألة من العلماء هو التخفيف والتيسير على الناس، وتمكينهم من أداء الصلاة في وقت يقترب من وقتها الأصلي.

وقد بقيتُ عاماً كاملاً أبحث أي الحلول أنسب وأقرب لتحقيق مقاصد الوجود الإسلامي في الغرب وكذا المقاصد الجزئية من الصلاة ومواقيتها، ويراعي المآلات والعواقب، فانتهيت إلى الجمع وترجيحه على التقدير بعد الإحصاءات العددية والمقارنات، واستطلاعات للرأي على الشرائح المستهدفة فوجدت الآتي:

  • شريحة من المسلمين تنام قبل المغرب الساعة الثامنة والمغرب يؤذن له التاسعة وأربعين دقيقة، فتضيع هي وأولادها صلاة المغرب والعشاء والصبح.
  • شريحة تصلى المغرب ثم تنام وتجمع العشاء مع الصبح بعد طلوع الشمس.
  • شريحة تصلى العشاء في البيت ثم تنام وتصلى الصبح بعد طلوع الشمس.
  • شريحة المسلمين الجدد ترى تناقضا كبيرا بين دعوى يسر الإسلام، وقلة تكاليفه، وتوافقها مع حياة الإنسان العادية، وبين المطالبة بأداء العشاء عند منتصف الليل، والفجر بعده بساعتين ونصف، ثم بعد ذلك الأفضل أن يكون ذلك في المساجد، ومع كل هذا الإسلام دين يقيم للعمل أهمية كبرى، فيجب أن ينتظم المسلم في عمله وأن يكون عنصرا منتجا!
  • تقع معظم المساجد وسط مساكن غير المسلمين الذين لا يقبلون أدنى درجات الإزعاج وقت الراحة، فكيف إذا كانت حركة الناس منتصف الليل وآخره، الأمر الذي أدى إلى استدعاء الجيران للشرطة غير مرة، حتى قال لي بعض الأئمة إنه يجمع تقديما بين المغرب والعشاء، تجنبا للمشاكل مع الجيران وليس لأجل عدم معرفة الوقت!
  • لا يصلى جماعة في المسجد إلا العاطلين عن العمل وأصحاب المعاشات.
  • في العام الذي أخذنا فيه بالتقدير كان عدد المصلين في المسجد لا يتجاوز العشرة وبعد الجمع تراوح العدد بين 200 إلى 300 متوسط الحضور على مدار الأسبوع.

فإذا كانت مآلات القول بالتقدير على هذا النحو، ومآلات القول بالجمع على العكس، فلا شك أن الجمع أولى وأرجح من جانب المآلات والمقاصد تحديداً.

إن الاختيار الفقهي المبني على رعاية المآلات وملاحظة العواقب من خلال الإحصاءات والمقارنات العددية، والاستقراءات التامة أدق وأحكم من الذي لا يلتفت أصلاً إلى تلك المآلات، أو يخمنها تخميناً، أو يتخيل احتمالية وقوعها، أو عدم وقوعها، وقد غدا علم الإحصاء علما مستقلاً يمكن أن يفيد منه الفقهاء بشكل كبير في ضبط المآلات وكشفها، على نحو يفوق بكثير السابقين من العلماء الذين لم يتح لهم مثل هذا العلم في زمانهم.

الطريق السادس: الظنون المعتبرة:

الذي يترجح هو قول جمهور المالكية والحنابلة وبعض الشافعية أنه يمكن التعرف على القصود والمآلات من خلال الظن المعتبر، الذي ليس وليد توهم أو وسواس، أو مبالغة في التخمين والشك، على أن يكون الظن غالبا أو أكثرياً، لا مجرد إخالة ضعيفةٍ أو شكٌ لم يترجح فيه أحد جانبي التردد.

ومستند الترجيح أن الاحتياط من وقوع المفاسد مقدم على المنع من مصلحة جزئيةٍ أو تقييد حقٍ خاص؛ إذ قد تقرر كونُ الضرر يجب دفعه بقدر الإمكان، وأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.

يضاف إلى ذلك أن المعهود من تصرفات الشريعة: البناء على الظن فيما لا يحصى من الفروع، كما هو جار في أحكام الرواية والشهادة، وما لا يحيط به الحصر من المسائل والقضايا. ([84])

قال العز بن عبد السلام مرجحا اعتبار الظنون “الظُّنُونُ ْمُعْتَبَرَةُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ وَأَسْبَابِهَا وَسَائِرِ مُتَعَلِّقَاتِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ؛ إذْ لَوْ شُرِطَ فِيهَا الْعِلْمُ لَفَاتَ مُعْظَمُ الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ” . ([85])

 وقال الرازي: “العمل بالقياس وخبر الواحد والشهادة والفتوى وسائر الظنون المعتبرة إنما وجب ترجيحا للأقوى على الأضعف”. ([86])

ومن أمثلته:

  • تفكير ابن أبي سلول في قتل والده

كان لابن أبي بن سلول ولد مؤمن مخلص يسمى عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول فلما علم بالأحداث ونزول السورة –سورة المنافقون- أتى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبي بن سلول فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده مني وإني لأخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي بين الناس فاقتله، فاقتل رجلاً مؤمناً بكافرٍ فادخل النار. فقال رسول الله ﷺ : بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا. ([87])

فقد أقر النبي ﷺ ولد ابن أبي سلول في نظرته لعاقبة قتل أحد الصحابة لوالده، مع كونها احتمالية نادرة الوقوع، إلا أنه غلب على ظنه احتمالية وقوعها، فربما وقعت فيقع في المحظور وهو قتل قاتل والده، فيقتل بذلك المسلم بالكافر، وفي هذا أن الصحابة لاحظوا عواقب ونتائج الأفعال وأقرهم النبي ﷺ على ذلك، وفيها كذلك أن الظن الراجح أحد الوسائل الكاشفة عن المآلات.

وقد نظر المجلس الأوربي للإفتاء إلى المآلات والعواقب في عدم أخذه برأي جمهور الفقهاء في التوارث بين أهل الملتين، وأخذ بأقوال عدد من الصحابة والتابعين الذين رأوا صحة ميراث المسلم من الكافر وليس العكس ولهم على ذلك أدلة معتبرة، والمجلس غلب على ظنه أن الإفتاء برأي الجمهور سيضر بمقصد التعريف بالإسلام، وربما صد الناس عن التفكير في اعتناق الإسلام، بسبب أنه يحرمهم من أموال آبائهم وأمهاتهم، كما رجح لديه مصالح معتبرة في الأخذ بهذا الرأي، وإنما كشف عن المآل بغلبة الظن.

الطريق السابع: التوقع والاستشراف المستقبلي:

 علم المستقبليات اليوم أصبح علماً مستقلاً، وهو علم يقوم على أسس وتجارب وتحليلات ولا يقوم على الخرص والتخمين، وفي ضوئه توضع سياسات الدول وخططها المستقبلية، وقد صدقت توقعات المختصين في هذا العلم في حوادث عدة، وكان كلامهم موضع سخرية من الناس وقت توقعهم، ومضت السنون وحدث ما حدّثوا به.

“إن هذا العلم لئن كانت نتائجه غير قطعية، إلا أنه كثيرا ما ينتهي إلى تلك النتائج بالظن الغالب؛ ولذلك فإنه تبني عليه اليوم المخططات المستقبلية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع، فيمكن إذن استثماره مسلكا في معرفة مآلات الأفعال، تحريا لما هو من قواعده ينتج نتائجه بالظن الغالب، لتكون تلك المآلات معتبرة في تطبيق الأحكام الشرعية المفضية إلى مقاصدها”([88])

 أمثلة:

  • تقسيم أراضي العراق:

رفض عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقسيم سواد العراق لما فتحها المسلمون، واختلف الصحابة معه وطالبه بعضهم بتقسيمها كما قسم النبي ﷺ عليهم أراضي خيبر، لكن عمر رضي الله عنه رفض وعادوا جميعا إلى رأيه؛ لمّا شرح لهم المآلات التى نظر إليها، وهى كلها توقعات واستشراف للمستقبل ويمكننا تلمسه بالتدقيق في هذه الروايات.

  • روى الإمام أبو عبيد في الأموال بسنده عن إبراهيم التيمي قال: لما فتح المسلمون السواد (من كثافتها وخضرتها بحيث يراها الرائي من بعيد كأنها كتلة سوداء) قالوا لعمر اقسمه بيننا، فإنا افتتحناه عنوة. قال: فأبى. وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف إن قسمته أن تفاسدوا بينكم في المياه قال: فأقر أهل السواد في أرضيهم، وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى أرضهم الطقس(الخراج)، ولم يقسم بينهم. وفي قوله: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ استشراف للمستقبل واضح فهو ينظر إلى أجيال ستأتي بعده بسنين، والنظرة السطحية القاصرة ربما ترجح التوسعة على الفاتحين الآن وتقسيم الأرض عليهم سيما والنبي صلى الله عليه وسلم قد فعل هذا.
  • وعن حارثة بن مضَرّب عن عمر: أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين فأمر أن يحصوا. فوجد الرجل يصيبه ثلاثة من الفلاحين. فشاور في ذلك. فقال له على بن أبي طالب: دعهم يكونوا مادة للمسلمين فتركهم، وبعث عليهم عثمان بن حُنيف، فوضع عليهم ثمانية وأربعين، وأربعة وعشرين، واثني عشر.([89]) وفي طلب عمر رضي الله عنه للإحصاء العددي بيان أنه استشرف المستقبل على قواعد وأسس علمية ومشاورة مع الصحابة، ليغلب على ظنه صحة المآل الذي التفت إليه.

 وفي رواية أخرى أنه قال لهم: أرأيتم هذه الثغور لابد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام- كالشام، والجزيرة، والكوفة، والبصرة، ومصر- لابد لها من أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم. فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟([90])

فقالوا جميعاً: الرأى رأيك فنعم ما قلت وما رأيت، إن لم تشحن هذه الثغور، وهذه المدن بالرجال وتجري عليهم ما يتقوون به رجع أهل الكفر إلى مدنهم. ([91])

فقد نظر إلى المآل في رفضه تقسيم الأموال على الفاتحين قائلاً: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين، فنظر إلى عاقبة التقسيم على الفاتحين وأثره على الأجيال المتعاقبة من المسلمين، كما نظر إلى عاقبة التقسيم على الدولة الإسلامية بعد اتساع رقعتها وحاجتها  إلى الإنشاءات والدواوين الجديدة التي سينفق من الأراضي عليها، كما لاحظ أثر التقسيم على غير المسلمين أصحاب الأرض المفتوحة.

  • زواج النبي من جويرية بنت الحارث رضي الله عنها:

 لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق كانت جويرية بنت الحارث من بين السبايا، وتحكي السيدة عائشة رضي الله عنها قصة زواجها من النبي ﷺ فتقول: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له فكاتبته على نفسها ، وكانت امرأة حلوة ملحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله ﷺ لتستعينه في كتابتها.

 قالت عائشة: فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ﷺ ما رأيت، فدخلتْ عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ، سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي .

 قال: “فهل لك في خير من ذلك” ؟

قالت: وما هو يا رسول الله ؟

قال: أقضي عنك كتابتك وأتزوجك.

قالت: نعم يا رسول الله

قال: قد فعلت .

قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ قد تزوج جويرية ابنة الحارث.

فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ وأرسلوا ما بأيديهم.

قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها. ([92])

وجاء الحارث بن أبي ضرار –بعد الوقعة- بفداء ابنته إلى المدينة فدعاة النبي ﷺ إلى الإسلام فأسلم. ([93])

والنظرة السطحية للحدث توحي بزواج عادي لفت نظر النبي ﷺ فيه جمال جويرية وملحتها كما وصفتها عائشة وكما توقعت، لكن النظرة العميقة تنتج عكس ذلك، بل هذا ما أكدته الوقائع العملية فيما بعد، فقد كان لزواج النبي ﷺ من جويرية أعظم وأفضل النتائج على قومها وعلى المسلمين، فقصد النبي ﷺ بالزواج منها إسلام قومها ليكثر سواد المسلمين بهم، ويعز الإسلام، وهذه مصلحة إسلامية بعيدة، استشرف فيها النبي الكريم ﷺ المستقبل، فيسر الله هذا الزواج وباركه، وحقق الأمل البعيد المنشود من ورائه فأسلمت القبيلة كلها بإسلام جويرية، وإسلام أبيها الحارث فقد عاد هذا الزواج على المسلمين بالبركة والقوة، والدعم المادي والأدبي معا للإسلام والمسلمين. ([94])

وقد كان الحدث الذي أسلمت القبيلة من أجله هو أن الصحابة حرروا وردوا الأسرى الذين أصابوهم إلى ذويهم بعد أن تملكوهم باليمين في قسم الغنائم، واستكثروا على أنفسهم أن يمتلكوا أصهار نبيهم عليه الصلاة والسلام، وحيال هذا العتق الجماعي وإزاء هذه الأريحية الفذة دخلت القبيلة كلها في دين الله. ([95])

الطريق الثامن: العادة الطبيعية:

في الكيان الإنساني الفردي والاجتماعي عادات طبيعية، يمكن أن تستخدم كأسلوب في الكشف عن المآلات، فيستدل وفق هذه العادات بمقدمات حاصلة على نتائج لها سوف تحصل بمقتضى الترابط الطبيعي بين المقدمات والنتائج، ويبنى المجتهد على ذلك العلم المسبق بالمآلات، الأحكام الفقهية التى تناسب المآل المحقق للمصلحة، ويتفادى الأحكام التى تنتهي إلى مآل لا تتحقق فيه المصلحة. ([96])

ودراسة هذه العادات الطبيعية والنفسية مهم جدا في فهم الشعوب والمجتمعات وكيفية إدارة شؤونها وسياستها، والاجتهاد والإفتاء لها كذلك.

وقد كان هذا قائما موجودا في أذهان الفقهاء السابقين، فأثرت طبائع وعادات المجتمعات في فقهم فرأينا فقه العراق يغلب عليه الرأي، وفقه الحجاز يغلب عليه الأثر.

ويمكن للفقهاء الاستفادة من علماء الاجتماع وعلم النفس كثيرا في كشف مآل وعاقبة الفتوى على الشعوب والمجتمعات.

أمثلة:

  • قتل الجماعة بالواحد:

عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن غلاما قتل غِيلة([97]) فقال عمر: لو اشترك فيها أهل صنعاء  لقتلتهم وقال مغيرة بن حكيم عن أبيه إن أربعة قتلوا صبياً فقال عمر مثله.([98])

فعمر رضي الله عنه هنا ينظر إلى المآل من منطلق العادة الطبيعية في الإنسان وفي المجتمعات، أنه إذا لم يقضي بقتل الجماعة بالواحد، فما على من يريد أن يقتل شخصاً ويفلت من العقوبة إلا أن يشرك معه مجموعة من الناس، فإذا استقر في المجتمع ونظامه القانوني أنهم إن قتلوا فردا قتلوا به، انتهوا قطعاً وجزماً وانتظمت حياة المجتمع بأكمله.

يقول “السرخسي” من علماء الحنفية: ولأن شرع القصاص لحكمة الحياة وذلك بطريق الزجر كما قررنا، ومعلوم أن القتل بغير حق في العادة لا يكون إلا بالتغالب، والاجتماع؛ لأن الواحد يقاوم الواحد فلو لم نوجب القصاص على الجماعة بقتل الواحد لأدى إلى سد باب القصاص، وإبطال الحكمة التي وقعت الإشارة إليها بالنص؛ يوضحه أنه لا مقصود في القتل سوى التشفي، والانتقام وذلك حاصل لكل قاتل بكماله كأنه ليس معه غيره وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله الواحد إذا قتل جماعة، فإنه يقتل بهم جميعا على سبيل الكفاءة. ([99])

  • تضمين الصناع:

ذكر الشعبي عن أنس قال: “استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي، فضمنني عمر بن الخطاب”.([100])

إنما ضمن عمر”رضي الله عنه” الصناع في زمنه؛ لأنه رأى أن عدم تضمينهم فتح لباب فساد كبير، وهو التساهل في إتلاف الأشياء المراد تصنيعها والمودعة عند الصانع، وادعاء التلف ليضيع المال على صاحبه، ثم يعمد الصانع بعد ذلك إلى بيعها، وهذا يعني أن يتوقف الناس عن إعطاء الصناع حاجاتهم لتصنيعها، وتوقف الصناع كذلك عن العمل والناس والعمال في حاجة ماسة إلى هذا النوع من التعامل، ونحن نقرأ كثيرا في أبواب المعاملات في كتب الفقه الإسلامي، أن حكمة مشروعية البيع أو المضاربة أو المرابحة مثلاً: حاجة الناس إليه، وعقد الاستصناع الناس في حاجة إليه، ونفهم أن عمر انتهى إلى تضمين الصناع هنا لأن طبيعة الناس والأحوال والعادات ستنتهي إلى ما ذكرنا، وهو ما يعني الفساد والتهارج، أو منع الاستصناع الذي لا يستغني الناس عنه.

  •  طواف المجذومة:

أخرج الإمام مالك عن ابن أبي مليكة أن عمر بن الخطاب مر بامرأة مجذومة ([101]) وهي تطوف بالبيت، فقال لها يا أمة الله: لا تؤذي الناس، لو جلست في بيتك. فجلست، فمر بها رجل بعد ذلك، فقال لها: إن الذي كان قد نهاك قد مات فاخرجي. فقالت: ما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً.([102])

ولعل عمر استحضر ما قاله النبي ﷺ للمجذوم في وفد ثقيف: “ارجع فقد بايعتك” ([103]) وقد علل العلماء رد النبي ﷺ  له؛ لئلا ينظر أصحابه إليه فيزدرونه ويرون لأنفسهم عليه فضلاً فيدخلهم العجب والزهو، أو لئلا يحزن المجذوم برؤية النبي ﷺ وأصحابه “رضي الله عنه” وما فضلوا به عليه، فيقل شكره على بلاء الله تعالى. وقيل: لأن الجذام من الأمراض المعدية، وكانت العرب تتطير منه وتتجنبه، فرده لذلك، أو لئلا يعرض لأحدهم جذام فيظن أن ذلك قد أعداه.([104])

وقال الزرقاني: فقال لها يا أمة الله لا تؤذي الناس بريح الجذام لو جلست في بيتك كان خيراً لك([105]).

فالعادة الطبيعية أن ينفر الناس من الجذام ومن صاحبه، لهذا كان ما كان من عمر ملاحظاً المآلات السابقة.

ويمكننا التمثيل لهذا الطريق من طرق الكشف عن المآلات كذلك بترجيح الجمع بين المغرب والعشاء تقديما في فصل الصيف، فالعادة الطبيعية للإنسان وللمجتمعات النوم ليلا، والعمل والنشاط نهارا، وهو ما نفهمه من قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} النبأ: 10، 11، وقوله: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}النمل: 86

وقد ثبت طبياً أن الذين يعملون ليلاً وينامون نهاراً يصابون بأمراض كثيرة منها الاكتئاب، والقول بالتقدير يجعلنا نقلب هذه العادة الطبيعية عند الإنسان.

التاسع: العادات العرفية:

“قد تكتسب المجتمعات في التعامل بين أفرادها عادات وأعرافاً وتقاليد يتواضع عليها الناس، وتصبح بينهم كالقواعد والقوانين التى تجري عليها التصرفات، وتحاكم إليها المواقف، وهذه العادات العرفية قد تكون في بعض الأحيان سبباً في أيلولة بعض الأحكام الشرعية عند تطبيقها إلى مآل لا يتحقق به مقصدها، في حين أن ذلك المقصد يتحقق في حال من ليس من عاداتهم تلك العادة”.

وبناء على ذلك فإنه يمكن للفقيه المجتهد أن يستخدم علمه بالعادات والأعراف ليستبين منها بعض مآلات ما يحكم به من أحكام الشرع، فإذا تبين له أن عادة ما من عادات القوم ربما أدت بيقين أو بظن غالب إلى أيلولة حكم من الأحكام أيلولة لا يتحقق بها مقصده، اتخذ من ذلك الانكشاف للمآل بمسلك العادة العرفية طريقا للحكم بحكم آخر يؤول إلى تحقيق المصلحة”([106]).

 ومن الأمثلة التطبيقية:

  • غسل أثر التطيب من ثياب الإحرام:

من سنن الإحرام التي يفعلها الحاج أو المعتمر قبل نية الحج أو العمرة التطيب، فعن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت.([107]) والذي حدث مع عمر “رضي الله عنه” أنه رأى أثر الطيب بعد الإحرام على بعض الصحابة، فأنكر عليهم بصور مختلفة على تعدد الروايات وتكرار الوقائع، وطلب منهم غسلها وإزالتها.

فعن نافع أنه سمع أسلم مولى عمر بن الخطاب يحدث عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا وهو محرم، فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين إنما هو مَدَرٌ.([108]) فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس، فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئا من هذه الثياب المصبغة.([109])

فعمر “رضي الله عنه” هنا سد ذريعة اعتقاد الناس صحة لبس المصبوغ والتطيب في أثناء الإحرام، بمنع طلحة منه قبل الإحرام، حسما لمادة الفساد.

وإنما كشف عن هذا المآل بمعرفته لأعراف الناس والمجتمع وطبيعتهم الثقافية، لهذا كان تخوفه وكان نهيه، وهو ما رجحه البيهقي فقال: “ويحتمل أنه كان يكره ذلك كيلا يغتر به الجاهل فيتوهم أن ابتداء الطيب يجوز للمحرم”.([110])

وهو تماما ما فعله مع حذيفة في نهيه إياه عن الزواج من الكتابية، فقد روي عن حذيفة أنه تزوج يهودية وكتب إليه عمر أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة:  أحرام هي؟ فكتب إليه عمر: لا، ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات- العواهر- منهن”([111]).

وفي رواية أخرى أن عمر كتب لحذيفة: أعزم عليك أن لا تضع كتابي هذا، حتى تخلى سبيلها، فإني أخاف أن يقتدى بك المسلمون، فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن، وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين.([112]) ، وعن ابن سيرين أن حذيفة تزوج يهودية فقال له عمر في ذلك. فقال: أحرام هي؟ قال: لا ولكنك سيد المسلمين ففارقها. ([113])

فعمر رضي الله عنه في كل هذه الروايات ينظر إلى المآل ويكشفه بالعادات العرفية وهى أن نظرة الناس إلى حذيفة تختلف عن غيره فهو قدوة وهو سيد المسلمين.

  • ستر قبر دانيال:

  فتحت الأهواز في أيام عمر بن الخطاب “رضي الله عنه” على يد أبي موسى الأشعري وكان آخر ما فتح منها السوس-بلد بالمغرب- فوجد بها موضعاً فيه جثة “دانيال النبي” عليه السلام،([114]) فأخبر بذلك عمر بن الخطاب”رضي الله عنه” فسأل المسلمين عن ذلك؟ فأخبروه أن (بختنصر) نقله إليها لما فتح بيت المقدس وأنه مات هناك، فكان أهل تلك البلاد يستسقون بجثته إذا قحطوا. فأمر عمر “رضي الله عنه” بدفنه، فسكر نهراً ثم حفر تحته، ودفنه فيه، وأجرى الماء عليه، فلا يُدرى أين قبره إلى الآن.([115])

  قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “النهي عن ذلك معلل بخوف الفتنة بالقبر لا بمجرد نجاسته كما يظن ذلك بعض الناس، ولهذا كان السلف يأمرون بتسوية القبور وتعفية ما يفتتن به منها كما أمر عمر بن الخطاب بتعفية قبر ” دانيال ” لما ظهر بتستر فإنه كتب إليه أبو موسى يذكر أنه قد ظهر قبر “دانيال” وأنهم كانوا يستسقون به، فكتب إليه عمر يأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا، ثم يدفنه بالليل في واحد منها ويعفيه، لئلا يفتتن به الناس.([116])

فقد كشف عمر المآل بعادات الناس وأعرافهم، ولو أنهم لم يفعلوا ما فعلوا لسكت عمر رضي الله عنه ولما أمر بتعميته عنهم.

العاشر: سؤال أهل الخبرة والتخصص:

نحن في عصر تنوعت فيه التخصصات وتفتت، وانتقلت من العام إلى الخاص، وذلك في شتى العلوم والمعارف، والفقيه عندما يبحث مسألة من المسائل أو قضية من القضايا لا ينظر إليها من جانب واحد وهو الدليل، وإنما لابد من معرفة الواقع، وحال المستفتي، ورعاية المقاصد، والنظر إلى المآلات، وكل جانب من هذه الجوانب يحسن فيه الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص وذلك حسب حداثة المسألة ودقتها.

وسؤال أهل الخبرة بالغ الأهمية في كشف المآل والعاقبة وهذا  عمر بن الخطاب “رضي الله عنه” خرج ليلة يحرس الناس فمر بامرأة وهى فى بيتها وهى تقول:

تطاول هذا الليل وأسود جانبـه            وطــال على ألا خليلٍ ألاعبــه

فو الله لولا خشية الله وحـــــده             لحرك من هذا السرير جوانبه

فلما أصبح عمر أرسل إلى المرأة فسأل عنها فقيل: هذه فلانة بنت فلان وزوجها غاز في سبيل الله، فأرسل إليها امرأة فقال: كوني معها حتى يأتى زوجها وكتب إلى زوجها فأقفله، ثم ذهب عمر إلى حفصة بنته فقال لها يا بنية كم تصبر المرأة على زوجها فقالت له يا أبي يغفر الله لك أمثلك يسأل مثلى عن هذا؟ فقال لها: إنه لولا أنه شيء أريد أن انظر فيه للرعية ما سألتك عن هذا. قالت أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، أو ستة أشهر، فقال عمر: يغزو الناس يسيرون شهراً ذاهبين ويكونون في غزوهم أربعة أشهر ويقفلون شهراً فوقت ذلك للناس في غزوهم.([117])

وفي رواية أخرى فقال عمر: فما لك؟ قالت: أغربتَ زوجي منذ أربعة أشهر وقد اشتقت إليه، فقال: أردت سوءا؟ قالت: معاذ الله. قال: فاملكي على نفسك فإنما هو البريد إليه فبعث إليه، ثم دخل على حفصة فقال: إني سائلك عن أمر قد أهمني، كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟ فخفضت رأسها، فاستحيت فقال: فإن الله لا يستحيي من الحق، فأشارت ثلاثة أشهر وإلا فأربعة فكتب عمر: ألا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر.

وفعل عمر مع هذه المرأة متعدد:

  • فقد أرسل لإحضار زوجها من الغزو.
  • وطلب امرأة أخرى تمكث معها حتى مجيء زوجها.
  • ثم وقت أربعة أشهر لغياب الجند في الغزو عن زوجاتهم، بعد سؤال ابنته.
  • وقبل كل ذلك تأكد من عفة المرأة المتكلمة بهذه الأبيات.

فقد سافر زوج هذه المرأة للغزو وحفظ مقصد الدين، لكن عمر رأى أنه إن طالت المدة أضر بمقصد العرض، فوقت وقتا يوازن فيه بين المقصدين ويراعي فيه المآلين: حفظ الدين والعرض.

 الحادي عشر: ملكة الفقيه:

  الملكة الفقهية هي: صفة راسخة في النفس، تحقق الفهم لمقاصد الكلام الذي يسهم في التمكن من إعطاء الحكم الشرعي للقضية المطروحة، إما برده إلى مظانه في مخزون الفقه، أو بالاستنباط من الأدلة الشرعية أو القواعد الكلية([118]).

ومن خصائص الملكة الفقهية:

  • الملكة صفة في النفس تطلق على مقابلة العدم. وهي تعين الشخص على سرعة البديهة في فهم الموضوع وإعطاء الحكم الخاص به، والتمييز بين المتشابهات بإبداء الفروق والموانع والجمع بينهما بالعلل والأشباه والنظائر وغير ذلك.
  • الملكة صفة مكتسبة وموهوبة، تتحقق للشخص بالاكتساب والموهبة، فاكتسابها يتحقق بالإحاطة بمبادئ العلم وقواعده. فهي تجمع بين أمرين: هبة من الله تعالى تنمو وتزداد بالاكتساب.
  • الملكة صفة راسخة كالنبتة التي تظهر في الأرض تنمو وتتجذر بالرعاية والعناية، وكذلك الملكة تبدأ ضعيفة ثم تقوى وترسخ في النفس([119]).

والملكة الفقهية من أهم طرق كشف المآلات ومعرفتها، والفقيه المفطور صاحب الموهبة لا يغيب عنه المآل أبدا في الفتوى حتى وإن خفي.

بخلاف الفقيه المصنوع بكثرة القراءة والمطالعة فحسب، فكثيرا ما يتخلف المآل في آرائه واجتهاداته، وهذا أمر يمكن تلمسه وملاحظته قديماً وحديثاً.

رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ الْعِرَاقِ يُخْبِرُونَهُ أَنَّ رِجَالًا قَدْ جَمَعُوا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ افْرِضْ لَهُمْ فِي الدِّيوَانِ قَالَ فَكَثُرَ مَنْ يَطْلُبُ الْقُرْآنَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مِنْ قَابِلٍ أَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنَ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ فَقَالَ عُمَرُ إنِّي لَأَخْشَى أَنْ يُسْرِعُوا إِلَى الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ فَكَتَبَ أَنْ لَا يُعْطِيَهُمْ شَيْئًا. ([120])

والظاهر أن العطاء على حفظ القرآن قد أثمر وأنتج وأقبل الناس بالفعل على الحفظ والمراجعة، والهدف الأكبر من المسابقات القرآنية المعاصرة تشجيع الحفظة وخلق منافسة حول حفظ القرآن في المجتمع، وقد حدث هذا في خلافة عمر فما الذي جعله يوقف العطاء؛ إنها الملكة الفقهية التى كشف بها عن مآل بعيد وهو:” إنِّي لَأَخْشَى أَنْ يُسْرِعُوا إِلَى الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ” وهو مآل لم نلتفت إليه في عصرنا فكثر الاهتمام بالحفظ دون الفقه وصح في زماننا ما قاله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لإنسان:”إنك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه يحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده”([121]).

وكان الفقهاء الذين انتشر فقههم بين الناس أصحاب ملكة وفراسة؛ قال الشافعي لما سرت إلى المدينة ولقيت مالكاً وسمع كلامي نظر إلي ساعة وكانت له فراسة ثم قال لي ما اسمك؟ قلت محمد، قال: يا محمد اتق الله واجتنب المعاصي فإنه سيكون لك شأن، قال: غيره كانت لمالك فراسة لا تخطئ؛ نظر يوماً إلى ثلاثة من أصحابه من أهل افريقية: ابن فروخ، وابن غانم، والبهلول ابن راشد.

فقال في ابن غانم: هذا قاضي بلده، وفي البهلول: هذا عابد بلده، وفي ابن فروخ: هذا فقيه بلده. ([122])

 وفي الدورة التاسعة عشرة للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث والتي عقدت باستانبول، طرحت قضية أخرى تثار في الغرب، وسيكثر الكلام والجدل حولها في الأعوام المقبلة، وهي مسألة صيام رمضان في صيف أوربا حيث يطول النهار جداً إلى حد لا يقل عن 19 ساعة كما هو الحال في ألمانيا ويصل إلى 23 ساعة كما هو الحال في فنلندا، والليل موجود بعلاماته الشرعية ومفصول عن النهار بوضوح، والمشقة والحرج واقعان لا محالة على المسلمين، وقد صدرت فتاوى من الأزهر في مطالع الثمانينات تجيز القياس على مكة بالإفطار بعد مضي ساعات الصيام في مكة، 14، ساعة إلى 16 ساعة وهو ما يعني أن المسلم الأوربي سيفطر والشمس طالعة وقبل أو بعد صلاة العصر بقليل.

وهنا كذلك تدخل الشيخ حفظه الله وقال: أنا في الحقيقة لا استطيع أن أفتى بهذا وطرح مجموعة من الاستفسارات على الفتوى الصادرة عن الأزهر وبعض العلماء مثل: إذا كنا سنفتي للمسلمين في أوربا بالإفطار والشمس ساطعة فهل سيصلون المغرب والعشاء كذلك قبل دخول الليل، وعندما تنعكس الصورة فيطول الليل جدا ويقصر النهار هل سنفتي بالقياس على مكة فيظل الصائم ممسكاً عن الطعام والشراب رغم دخول الليل وغروب الشمس بيقين، ومال إلى أن يصوم المسلمون في هذه البلاد ما بان لهم الليل والنهار بوضوح (حتى يتبين لكم الخيط البيض من الخيط الأسود من الفجر) ([123]) والرخص الشرعية قائمة لمن شق عليه الصيام أن يفطر ثم يقضي، والغنم بالغرم فكما أن المسلم في فصل الشتاء لا يشعر بالصيام لقلة ساعاته، يقابل بصورة مغايرة في فصل الصيف وهكذا.

ورغم ذلك لم يعتبر اجتهاده هذا فتوى تخرج للناس، وإنما طلب تأجيل القضية للدراسة والبحث وستعرض في الدورة القادمة بإذن الله تعالى.

فالشيخ هنا وإن لم يقطع في المسألة برأى إلا أن ملكته الفقهية رفضت هذا الاجتهاد بالنظر في النصوص والأدلة الاجتهادية.

وهذا يعني ضرورة إعادة النظر في طريقة اختيار وصناعة الفقهاء في عصرنا، ورفع درجات القبول في الكليات التى تخرج الفقهاء لنصطفى للفقه أفضل العناصر في الأمة، ولابد كذلك من نشر هذه الثقافة في المجتمعات الإسلامية، لماذا يوجه أصحاب المواهب والملكات إلى الدراسات الكونية والإنسانية فحسب!

فإذا نجحت الكليات الشرعية في تخريج فقهاء موهوبين الفقه لهم سجية وملكة، سنرى أثر هذا في النتاج الفقهي، وستقل أو تنعدم الفتاوى التى يتخلف عنها المقصد أو المآل.

وفي الختام أقول: إن هذا البحث جهد بشري، يعتريه النقص والخلل والصواب والخطأ

فمن ذا الذي ما ساء قط              ومن له الحسنى فقط

ما كان فيه من خير فهو محض فضل الله، وما كان فيه من خطا أو زلل فمن رشح نفسي الأمارة بالسوء.

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..


 

([1])  فقه المواطنة للمسلمين في أوربا د/ عبد المجيد النجار بتصرف ص 174،175

([2]) مقدمة ابن خلدون ص588

([3]) اعتبار المآلات في الشريعة للحكم على الأفعال، رسالة دكتوراه لفضيلة الدكتور/علي مصطفى رمضان بمكتبة كلية الشريعة والقانون بالقاهرة.

([4]) أصول الفقه لفضيلة الشيخ محمد أبي زهرة ص228، وراجع قاعدة سد الذرائع د/ محمود عثمان ص212

([5]) نظرية المقاصد للريسوني ص64

([6])أعنى حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لها: لولا أن قومك حديثوا عهد بالجاهلية، لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين. سنن الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح 3/ 224

([7])منهاج السنة النبوية  6 / 76، وراجع رسالتنا للدكتوراة: اجتهادات عمر بن الخطاب رضي الله عنه. دراسة أصولية.

([8]) اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات دراسة مقارنة في أصول الفقه ومقاصد الشريعة. عبد الرحمن بن معمر السنوسي ص 381

([9])صحيح البخاري 2/707 ،كتاب صلاة التراويح باب فضل من قام رمضان

([10])موطأ مالك 1/ 113 ، كتاب الصلاة في رمضان باب الترغيب في الصلاة في رمضان

([11])تاريخ الخلفاء  1/131، ومآثر الإنافة 1/ 92

([12])صحيح البخاري 2/707 ،كتاب صلاة التراويح باب فضل من قام رمضان

([13])أخرج الطبرانى هذا الحديث عن الحسن مرفوعا فى المعجم الكبير 3/88 (2750) ، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد 2/23: “فيه سعد بن طريف الإسكاف، وقد أجمعوا على ضعفه

([14])متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب: صلاة الليل 1/256، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد  1/539

([15]) شرح مختصر خليل للخرشي 2/7، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير 1/405، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/315

([16]) صحيح مسلم: كتاب السلام. باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه.

([17]) شرح النووي على مسلم: 14/167-168

([18]) المقاصد الجزئية وأثرها في الاستدلال الفقهي د/ وصفي عاشور أبو زيد ص 205

([19])التوبة: من الآية84

([20])صحيح البخاري  4/ 1715، كتاب التفسير، باب استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، وصحيح مسلم  4 / 1865، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر

([21])وقول الغزالي إن الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح متلقى من إمام الحرمين فإنه قال هذا لم يصححه أهل الحديث، وإمام الحرمين تلقى ذلك من القاضي أبي بكر، فإنه قال في مختصر التقريب: هذا الحديث ضعيف غير مدون في الصحاح، وهذا باطل فإن الحديث ثابت صحيح مدون في البخاري ومسلم. الإبهاج  1 / 382

([22])البرهان في أصول الفقه  1 / 304

([23])المستصفى  1 / 267

([24])فتح الباري  8 / 338

([25])فتح الباري  8 / 338

([26])تفسير القرطبي  8 / 221

([27])إبراهيم: من الآية36

([28])فتح الباري  8 / 339

([29])حديث القرآن الكريم عن الغزوات 1/318

([30])صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن  سورة البقرة باب قوله : إذا جاءك المنافقون قالوا : نشهد إنك لرسول الله حديث:‏4620‏ وحديث:‏4621‏ و حديث:‏4622‏ وحديث:‏4623‏ وحديث:‏4624‏ صحيح مسلم  – كتاب صفات المنافقين وأحكامهم  حديث:‏5083‏

([31])جامع البيان في تفسير القرآن للطبري  سورة المنافقون  القول في تأويل قوله تعالى : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل  حديث:‏31618‏، وراجع: ابن سعد الزهري في الطبقات الكبرى 2/192، والسيرة النبوية لابن هشام 3/319

([32])راجع التربية القيادية 3/463

([33])صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة صـ202

([34])جامع البيان في تفسير القرآن للطبري  – سورة المنافقون  القول في تأويل قوله تعالى : يقولون لئن رجعنا إلى المدينة –  وقوله : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل حديث:‏31619‏ وراجع: السيرة النبوية لأبي شهبة 2/257

([35])اعتبار المآلات عبد الرحمن بن معمر السنوسي 383

([36])فقه المواطنة د/ عبد المجيد النجار ص 180

([37])الشرح الكبير لابن قدامة (4/ 40)

([38])فتاوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث صـ 33

([39])مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من 10-14/3/1427هـ الذي يوافقه 8-12/4/2006م

([40])فقه المواطنة د/ النجار 179،180

([41])الفيومي: المصباح المنير، 2/158، الجرجاني: التعريفات، ص174، ابن فارس: معجم المقاييس في اللغة، ص883.

([42])راجع فقه القضاء وطرق الإثبات د ماهر أحمد راتب السوسي الفصل الرابع المخصص لبحث القرائن

([43])المدخل الفقهي العام للزرقا 2/918.

([44])طرق الإثبات الشرعية. أحمد إبراهيم 439

([45])القرائن ودورها في الإثبات. أنور دبور ص9 وراجع فقه القضاء وطرق الإثبات د ماهر أحمد راتب السوسي الفصل الرابع المخصص لبحث القرائن

([46]) راجع التعريفات للجرجاني ص 152  .

([47])اعتبار المآلات ص 386

([48])مصنف ابن أبي شيبة 9/ 362

([49])المعجم الكبير للطبراني (9/ 420

([50])صحيح البخاري ـ كتاب الأدب باب الرفق في الأمر كله (8/ 14)

([51])الاعتصام 2/24

([52])كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه 27/69

([53])المستدرك على الصحيحين 3/456 ، وقال:هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة، ووافقه الذهبي.

([54]) أخرجه أبو داود 2/80، كتاب الصلاة. باب الدعاء. وأخرجه الترمذي في سننه كتاب الدعوات 5/559، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده 2/59، ذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 3/211، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى وفيه عاصم بن عبيد الله بن عاصم وفيه كلام كثير لغفلته وقد وثق.

([55])صبيغ بوزن عظيم وآخره معجمة بن عسل بمهملتين الأولى مكسورة والثانية ساكنة ويقال بالتصغير ويقال بن سهل الحنظلي له إدراك وقصته مع عمر مشهورة  …وفي رواية أبي عثمان وكتب إلينا عمر لا تجالسوه قال فلو جاء ونحن مئة لتفرقنا، و عن محمد بن سيرين قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى لا تجالس صبيغا واحرمه عطاءه. الإصابة  3 / 458،459

([56])العرجون: هو العود الأصفر الذي فيه شماريخ العذق، وجمعه عراجين. النهاية في غريب الحديث 3/203

([57]) أخرجه الدارمي في سننه 1/66، باب من هاب الفتيا وكره التنطع والبدع. قال الشيخ حسين أسد رجاله ثقات غير أنه منقطع، سليمان بن يسار لم يدرك عمر بن الخطاب

([58])القِتْبُ و القَتَبُ: إكاف البعير؛ وقـيل: هو الإِكاف الصغير الذي علـى قَدْرِ سَنام البعير: وفـي الصحاح: رَحْلٌ صغيرٌ علـى قَدْر السَّنام. لسان العرب 1/661 (قتب)

([59]) الاستذكار لابن عبد البر 5/70 ، اعتقاد أهل السنة 4/634-636

([60])تفسير القرطبي 4/14

([61])عبس:31

([62])الاعتصام 2/54

([63])الموافقات 4/191

([64])راجع اعتبار المآلات صـ 391-393

([65])المستصفى للغزالي  1/ 253

([66])البخاري 12/ 273

([67])فتح الباري – ابن حجر 7/ 218

([68])بداية المجتهد 1/51

([69])الموافقات 1/69

([70])حاشية ابن عابدين 8/53

([71])شرح زاد المستقنع للشنقيطي  131/ 12

([72])التهذيب المقنع في اختصار الشرح الممتع  1/ 477

([73])الموافقات 2/156

([74])راجع بحث فضيلة الأستاذ الدكتور حسن علي الشاذلي الذي قدمه لمجمع الفقه الدولي بعنوان: انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً في الفقه الإسلامي، فقد أطال في ذكر نماذج حية في وقته لتحول زراعة الأعضاء من التبرع إلى التجارة والتربح وقتل وإزهاق الأرواح رغم تحقق الحياة.

([75])رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (4/ 137)

([76]) مقدمة الدكتور طه جابر لكتابه أصول الفقه الإسلامي منهج بحث ومعرفة

([77])التحرير والتنوير  7/ 427

([78])مسألة اللحوم ومصير الأقلية المسلمة في الغرب، الأبعاد الثقافية والاقتصادية. العدد الثالث من مجلة المجلس.

([79])سيرة ومناقب عمر ص156، وأخبار عمر ص 310 ، وكتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه 27/137، وإغاثة اللهفان 1/205

([80])فتح الباري 1/ 569، ومعتصر المختصر 1/ 26، و صححه الألباني في فضائل الشام ص18

([81])مسند أبي يعلى. 2/ 159

([82])الاعتصام 2/9،10

([83])فقه المواطنة للنجار ص 175

([84])راجع اعتبار المآلات ص 384

([85])قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/ 174

([86])المحصول للرازي (6/ 151)

([87])السيرة النبوية لابن هشام 3/321

([88])فقه المواطنة. النجار ص 176

([89])أخرجه أبو عبيد في الأموال 62 والبيهقي في السنن الكبرى 9/134 في كتاب السير، باب: السواد.

وفي هامش الأموال: وكانت هذه فتوى موفقة من على  t إذ لو قسمت الأرض بينهم لشغلوا بها عن الجهاد وتفاسدوا على المياه كما قال عمر  t ولشقوا بالعمل فيها، وجلبوا على أنفسهم عداوة أصحاب الأرض لهم.

([90])العلوج: جمع العِلْـجُ، وهو: الرجل الشديد الغلـيظ، ويقال للرجل القويّ الضخم من الكفار: عِلْـج. لسان العرب 2/326

([91])  الخراج لأبي يوسف صـ24-27، وانظر الخراج ليحي بن آدم صـ27

([92])المستدرك على الصحيحين للحاكم  – كتاب معرفة الصحابة رضي الله عنهم ذكر جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها حديث:‏6835‏ و المنتقى لابن الجارود كتاب البيوع والتجارات كتاب النكاح حديث:‏688‏ و السنن الكبرى للبيهقي كتاب السير،  جماع أبواب السير باب من يجري عليه الرق حديث:‏16813‏

([93])صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة صـ199،200 .

([94])السيرة النبوية لابن هشام 3/321

([95])السيرة النبوية للصلابي 2/233

([96])فقه المواطنة د النجار ص 177

([97]) غيلة: أي في خُفْيَة واغْتِيالٍ، وهو أن يُخْدع ويُقْتَل في موضع لا يراه أحدٌ. النهاية في غريب الحديث  3/ 403، اغْتَالَه إذا أخذه من حيث لم يدر. مختار الصحاح ص 202 (غ و ل)

([98])صحيح البخاري 6/2527 كتاب الديات. باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم.

([99])المبسوط 26/126،127

([100])أخرجه ابن أبي شيبة 5/169 في كتاب البيوع والاقضية، باب: في المضاربة والعارية والوديعة. وسنده صحيح، رجاله ثقات.

([101])المجذوم من تهافتت أطرافه، لتجذُّم الأصابع وتقطعها، لأنه يقطع اللحم ويسقطه.لسان العرب 12/87، والمصباح المنير  ص 94

([102])موطأ مالك 1/424، كتاب الحج. باب جامع الحج، ومصنف عبد الرزاق 5/71

([103])مسند أحمد 4/390 قال الأرناؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم

([104])النهاية في غريب الحديث 1/252

([105]) شرح الزرقاني 2/513

([106])  فقه المواطنة د/ النجار ص178

([107]) متفق عليه. صحيح البخاري كتاب الحج. باب الطيب عند الإحرام وما يلبس. 2/558، وصحيح مسلم 2/846، كتاب الحج. باب الطيب للمحرم عند الإحرام

([108]) مَدَرٌ: أي مَصْبوغ بالمَدر. النهاية في غريب الحديث 4/309

([109])موطأ مالك 1/326 كتاب الحج. باب لبس الثياب المصبغة في الإحرام، والبيهقي في سننه باب من كره لبس المصبوغ بغير طيب في الإحرام، وذكره ابن حجر في تلخيص الحبير وسكت عنه 2/241، وكذا الزيلعي في نصب الراية 3/30

([110])سنن البيهقي الكبرى 5/35 وهو ما رجحه ابن حجر وابن المنذر. راجع فتح الباري 3/405

([111])أخرجه ابن أبي شيبة 3/474 في كتاب النكاح، باب: من كان يكره النكاح في أهل الكتاب. وسعيد بن منصور في السنن 1/224 والبيهقي في السنن الكبرى 7/172 في كتاب النكاح، باب: ما جاء في تحريم حرائر أهل الشرك دون أهل الكتاب وتحريم المؤمنات على الكفار. وذكره ابن كثير في تفسيره وصحح إسناده 1/258. وقال الألبانى : وهذا إسناد صحيح. انظر: إرواء الغليل 6/301.

([112]) الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني صـ75 نقلا عن تعليل الأحكام للشيخ محمد مصطفي شلبي صـ43،44

([113])كتاب السنن لأبي عثمان سعيد بن منصور الخراساني   1  /225.

([114])( دانيال ) النبي عليه السلام بكسر النون وجد خاتمه في عهد عمر  tوكان على فصه أسدان وبينهما رجل يلحسانه، وذلك أن بختنصر لما أخذ في تتبع الصبيان وقتلهم، وولد هو ألقته أمه في غيضة رجاء أن ينجو منه فقيض الله سبحانه وتعالى أسدا يحفظه ولبؤة ترضعه وهما يلحسانه، فلما كبر صّور ذلك في خاتمه حتى لا ينسى نعمة الله عليه. المغرب للمطرزي مادة دنل ص169 ، وراجع: تاريخ الطبري  2/ 505، و إغاثة اللهفان 1/368، ومنهاج السنة النبوية 1/480، 481، وفتوح البلدان 1/371،  372

([115])أخرجه ابن أبي شيبة مطولا 7/4 في كتاب التاريخ، باب: ما ذكر في تستر. وأبو عبيد في الأموال 352 وانظر: تاريخ الطبري 2/505.

([116])الفتاوى الكبرى لابن تيمية 2/429 وما بعده

([117])أخرجه عبد الرزاق 7/151 في كتاب النكاح، باب: حق المرأة على زوجها وفي كم تشتاق. وسعيد بن منصور في السنن 2 /210 حديث صحيح، رجاله ثقات.

  ([118] )  تكوين الملكة الفقهية د/ محمد عثمان شبير ص58

 ([119] )  السابق ص49 وما بعدها بتصرف

  ([120] ) المنتقى. شرح الموطأ 1/ 481

  ([121] ) الموطأ 1/ 173

  ([122] ) ترتيب المدارك وتقريب المسالك 1/ 76

 ([123] ) البقرة 187