البحوث

المعاملات والمقاصد

المعاملات والمقاصد

 

إعداد:

د. عبد الله بن بيّة

 

بحث مقدم

للدورة الثامنة عشرة للمجلس – باريس

جمادى الثانية – رجب 1429 هـ / يوليو 2008 م

 


طليعة:

في طليعة هذا البحث لا أجد ضرورة لتعريف المقاصد وبدلاً من ذلك سأنوه بأهمية الأدلة التي يسميها البعض “معقول النص” والتي تعتمد على المقاصد وهي منظومة تتجلى فيها حكمة الشريعة وتبرز عبقرية الاجتهاد ومرتبة المجتهد لدقة هذا النوع وعدم ارتباط غالبه بشاهد جزئي معين بل إنه مرتبط بشواهد الشريعة جملة مما يفترض في متعاطى هذا النوع من الاستدلال دربة ومراناً ومراساً لما فيه من التباس الأوجه وتباين الرؤى واختلاف الموازين وبخاصة فيما يتعلق بمعتبرات المصالح ومهدراتها وعوارض المفاسد ومعارضاتها.

ومن هذه الأدلة: المصالح المرسلة والاستحسان وسد الذرائع والاستصحاب وتحكيم العرف ومنها ما يرتبط بشاهد جزئي كالقياس وبضبط العلاقة بينها وبين المقاصد ينضبط استنباط المُستنبط ويستقيم وزن الموازنة بين النص والمقصد بالقسط وقد ذكرت في كتابي ” العلاقة بين أصول الفقه والمقاصد” أكثر من ثلاثين منحى تتجلى فيها العلاقة بين أصول الفقه بين والمقاصد.

ويتضح فيها بصفة تطبيقية وتطابقية توليد الفروع من المقاصد بئالية أصولية فيما سميناه بالاستنجاد بالمقاصد وسنشير إلى بعضها في مبحث لاحق.

تعريف المال: المال في الاصطلاح : اختلف في تعريفه فعرفه الأحناف بتعريفات عدة قال ابن عابدين : المراد بالمال ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة. والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم[1].

وعرفه المالكية بتعريفات مختلفة، كذلك فقد عرفه الشاطبي بقوله: هو ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه، وقال ابن العربي: هو ما تمتد إليه الأطماع ويصلح  عادة وشرعاً للانتفاع به.

وقال عبدالوهاب البغدادي: هو ما يتموّل في العادة ويجوز أخذ العوض عنه.[2]

وعرف الزركشي من الشافعية المال بأنه ما كان منتفعاً به أي مستعداً لأن ينتفع به.[3] وحكى السيوطي عن الشافعي أنه قال: لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه وإن قلّت وما لا يطرحه الناس مثل الفلس وما أشبه ذلك.

وقال الحنابلة المال شرعاً ما يباح نفعه مطلقاً أي في كل الأحوال أو يباح اقتناؤه بلا حاجة.[4]

قلت: إلا أن هناك الأيلولة أي اعتبار مالية ما يئول إلى المال في جواز الاعتياض عنه.

ولقد أشار إليها المالكية في باب الشهادات باعتبار أنما يئول إلى المال بوجه من الوجوه كالمال في نصاب الشهود ومثلوا لذلك بجرح الخطإ والشفعة والجراح التي لا قصاص فيها “ولما ليس بمال ولا آئل إليه” كما قال خليل.

ولكنهم كانوا أصرح في اعتبار بعض الحقوق قابلة للعوض كتنازل الضرة عن نوبتها بعوض كما سنرى في آخر البحث.

ولهذا فإنَّ مجال المالية يمكن أنْ يوسع بنظرة مقاصدية تعتمد مذهب مالك ويمكن أن تحل الإشكالات في العقود الحديثة لتجيز الاعتياض عن فعل أو امتناع عن فعل لصالح جهة ما وبخاصة في الخيارات.

إن العلاقة بين الإنسان وبين المال هي نسبة بالملك القائم على الاحتواء والقدرة على الاستبداد به. أما ملك الناس فهو كما يقول الراغب التصرف بالأمر والنهي في الجمهور ، هذا في مصدر ملَك وهو مثلث إلا أن المِلك بالكسر فهو فعل بمعنى مفعول كنقض ونكث للمنقوض والمنكوث.

وللتملك أسباب أربعة كالتالي:

1- الاستيلاء على شيء لا ملك لأحد عليه من حيوان ومن صيد أو شجر أو أرض فيما يسمى بإحياء الموات “من أحيا أرض ميتة فهي له”. كما جاء في الحديث.

وقد صنف الفقهاء فيه ووضعوا له حدودا حتى لا يبغي أحد على أحد وليس هذا من غرضنا.

2- انتقال الأموال عن طريق التبرعات من هبة أو صدقة أو وقف أو عارية أو قرض أو عن طريق الميراث والوصية.

3- التبادل بالأعـواض من بيع وشراء بأصنافه وأوصافه.

4- المشاركات التي تأخذ أشكالا مختلفة فهي أحياناً بالأموال وبالأبدان من الطرفين كشركة العنان والمعاوضة وأحياناً بالأبدان بلا أموال كشركة الوجوه وشركة أصحاب الحرف وبالبدن من جهة والمال من جهة أخرى كالقراض والمساقاة والمزارعة، ويمكن أن ندخل الإجارة في هذا الصنف.

قال ابن تيمية: وشركة الأبدان في مصالح المسلمين في عامة الأمصار وكثير من مصالح المسلمين لا ينتظم بدونها كالصناع المشتركين في الحوانيت من الدلالين وغيرهم فإن أحدهم لا يستقل بأعمال الناس فيحتاج إلى معاون والمعاون لا يمكن أن تقدر أجرته وعمله كما لا يمكن مثل ذلك في المضاربة ونحوها فيحتاجون إلى الاشتراك.[5]

ومن هذا القبيل بذل الآلات ووسائل الإنتاج إلى العامل بنسبة من الإنتاج، وما عرف عند القدماء باعمل على دابتي فما حصل فلك نصفه، ومن غرضنا النوعان الأخيران  .

إذ أن مسألة التعلق بالمقاصد كثر فيها الحديث في القديم والحديث وانقسم فيها الناس إلى طوائف وعلى حد قسمة الشاطبي  إلى ثلاث مدارس مدرسة أعرضت عن المعاني وتمسكت بالظواهر والمباني ومدرسة أعطت للظاهر حقه وللمعني مستحقه ومدرسة لم تر في الظاهر مستمسكاً وهي التي سماها الشاطبي بالباطنية وفي العصر الراهن تمظهرت في المدرسة الحداثية التي دعت إلى ركوب سفينة المقاصد وهي دعوة للهروب من ديمومة مفاهيم الشريعة المستنبطة من الدلالات اللغوية وتجريدها من المعاني التي فهمها الرعيل الذي تلقى الوحي من خلال ما سماه بعض المعاصرين بالمقصد الجوهري الذي يضفى النسبية على كل معنى ليتلائم معه وليكون لكل عصر شرعته ولكل زمن أحكامه دون تمييز بين ثابت ومتغير.

ونحن اليوم أمام مدرسة رابعة تقول بالظواهر والمقاصد لكنها تسيء في استعمال الاثنين أحياناً جموداً على الظواهر مع قيام الحاجة للتعامل مع المقاصد وأحياناً انصرافاً عن الظواهر بمقاصد زائفة وغير منضبطة وتجدون أمثلة لهذه المدرسة اللامنضبطة في آخر هذا البحث إلا أن عدم الانضباط ناشئ عن فك الارتباط بالأدلة الأصولية التي أشرنا إلى بعضها.

وإن مقاصد الشريعة في المعاملات المالية هي جزء من منظومة مقاصد الرسالة الخاتمة التي جاءت لصلاح الخلق ودلت بمجملات الأدلة وتفاريقها على أنها أنزلت لمصلحة العباد في الدارين وتحصيل السعادتين.

ولهذا كانت الشريعة قائدة للإنسان لتحصيل مصالحه على أكمل وجه وتكميل سعادته على أتم صورة. وكما يقول الراغب الأصفهاني : فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة.( تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين ص120)

فبكمال مراعاة الإنسان لقيمها ومقاصدها ورسومها يحصل السعادتين ويفوز بالحسنيين “للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين” سورة النحل.

يقول الشاطبي: ومعلوم أنَّ الشَّريعةَ وضعت لمصالح الخلق بإطلاق حسبما تبيَّن في موضعه، فكلُّ ما شُرعَ لجَلْب مصلحةٍ أو دَفْع مفسدة؛ فغيرُ مقصودٍ فيه ما يُناقض ذلك، وإنْ كان واقعاً في الوجود؛ فبالقدرة القديمة وعن الإرادة القديمة، لا يعزب عن علم الله وقدرتِه وإرادتِه شيءٌ من ذلك كله في الأرض ولا في السماء، وحكمُ التشريع أمرٌ آخر، له نظرٌ وترتيبٌ آخر على حسب ما وضعه، والأمرُ والنهي لا يستلزمان إرادة الوقوع، أو عدم الوقوع، وإنما هذا قولُ المعتزلة، وبطلانُه مذكور في علم الكلام؛ فالقصد التَّشريعي شيء، والقصد الخَلْقي شيء آخر، لا ملازمة بينهما.[6]

إن موقف الشريعة الفريد من المال ينسجم مع الحقيقة التي عليها يقوم بناء هذا الدين من أن الكون كله ملك لله جل وعلا فليس المال فقط وإنما الإنسان أيضا في كل تقلباته وتصرفاته وسكناته وحركاته { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } .

بقدر ما يخضع الإنسان كيانه لهذه الحقيقة بقدر ما يكون صلاحه وتمام النعمة عليه ورضاه {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى}.

إن هذا الموقف يجعل الإنسان مستخلفاً وفرعاً وليس أصلاً في الملكية ولهذا فإن حريته في التصرف مضبوطة بالضوابط التي يضعها المالك الأصلي، ويجعل للمال وظيفة في هذه الدنيا على الوكيل أن يحصره فيها.

إن هذا الموقف يوضحه التشريع الإسلامي والقرآن الكريم في أشكال مختلفة إيجاباً وسلباً وجوداً وعدماً فيأمر باقتنائه : {يضربون في الأرض  يبتغون من فضل الله}، {فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} ويمنع اقتناءه من السحت والربا والغصب والسرقة ويفصل أسباب الملكية المباحة وكيفية التصرف فيه وحسن إدارته فيمنع التبذير الذي يفوت صاحبه المال على غير هدى ويرميه إلى غير مرمى بل تبعاً للشهوات والطيش والغرور كما يمنع التقتير الذي يمنع صاحبه الحقوق ويغل يده إلى عنقه {ولا تبذر تبذيرا.. }، {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك..}.

تفصل الشريعة سلوك الإنسان بالمال وسلوكه في المال انطلاقاً من الاستحلاف ويشرح القرطبي ذلك بقوله: وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم”.

ويبين الشاطبي مقصد الاستخلاف بياناً مفصلاً بقوله: المسألة الثانية: قصد الشارع من المكلف أن يكون قصدُه في العمل موافقاً لقصده في التشريع، والدليل على ذلك ظاهر منْ وَضْعِ الشَّريعةِ ؛ إذ قد مر أنها موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوبُ من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يَقصد خلافَ ما قصد الشارعُ ، ولأنَّ المكلف خُلق لعبادة الله، وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد في وضع الشريعة -هذا محصول العبادة- فينال بذلك الجزاء في الدنيا والآخرة.

وأيضاً فقد مر أن قصد الشارع المحافظة على الضروريات وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينيات، وهو عين ما كلف به العبد؛ فلا بُد أن يكون مطلوباً بالقصد إلى ذلك، و إلا لم يكن عاملاً على المحافظة؛ لأن الأعمال بالنيات، وحقيقة ذلك أن يكون خليفة الله في إقامة هذه المصالح بحسب طاقته ومقدار وسعه، وأقلُّ ذلك خلافته على نفسه، ثم على أهله، ثم على كل من تعلقت له به مصلحة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :” كُلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رَعِيَّته”.

وفي القرآن الكريم : } آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ{[7]

وإليه يرجع قوله تعالى} إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً {[8] وقوله } وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ {[9] } وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ{[10]

والخلافة عامة وخاصة حسبما فسرها الحديث قال :” الأميرُ راعٍ والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتهِ والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ زوجِها وولدِه؛ فكُلّكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعِيَّته “.

وإنما أتى بأمثلة تبين أن الحكم كلي عام غير مختص؛ فلا يتخلف عنه فرد من أفراد الولاية، عامة كانت أو خاصة، فإذا كان كذلك؛ فالمطلوب منه أن يكون قائماً مقامَ من استخلفه، يُجري أحكامه ومقاصدَه مجارِيها وهذا بيِّـن.[11]

إن المال جعله سبحانه وتعالى قياماً لشئون الناس وقيماً وقرن الاعتداء عليه بالاعتداء على الأنفس فقال تعالى {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً}، {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام}.

وأشار عليه الصلاة والسلام إلى أهمية الوقت والمال ” نهى رسول الله عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال”. كما في الصحيح.

فقيل وقال تشير إلى تضييع الوقت فيما لا فائدة فيه فيضيع العمر، وكثرة سؤال الناس وطلب الحاجات منهم دليل على عدم الإنتاج والاعتماد على الغير.

وكثرة السؤال بتوليد المسائل التي لا ترتجى منها فائدة فيفتى فيها بفتوى تسد باب الاجتهاد على العصور المقبلة وهذا خاص بزمنه صلى الله عليه وسلم كما هو مقرر في تفسير قوله } يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء …. {وحديث: اتركوني ما تركتكم وإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم”.

وإضاعة المال بعدم حفظه وسوء التدبير وعدم الاستثمار ، فالوقت رأس مال المرء والعلم النافع يزكيه ويعمره والمال الصالح يسعده ويثمره.


بعد هذه الطليعة نبدأ البحث:

خطـة البحـث:

مقدمة: تصنيف مختصر للمقاصد وتعريف للمال.

فصل عن مقاصد كبرى تحكم الشريعة ولها مساس بمقاصد المعاملات ومقاصد خاصة بالمال.

فصل عن ميزان للتعامل مع المقاصد.

خاتمة في قضايا معاصرة تفتقر إلى وصفة مقاصدية.


مقدمة:

لعل تصنيف المقاصد من كلية وجزئية وعامة وخاصة وأصلية وتابعة معروف عند الأفاضل ومع ذلك فنعني بالكلي ما كانت له جزئيات ينطبق عليها بحيث يكون الحكم فيه على جميع هذه الجزئيات كما يقول المناطقة:

الكل حكمنا على الجميع                                ككل ذاك ليس ذا وقوع

وليس مقصودنا مجرد التسوير بكل فإنها تكون لاستغراق الأجزاء إذا دخلت على معرف وليس ذاك من غرضنا إلا أنها تكون لاستغراق الجزئيات إذا دخلت على منكر وذلك داخل في غرضنا ولكن الكلي متفاوت فمنه أعلى وهو مرتبة المقاصد الثلاثة الكبرى التي يرى الشاطبي أنه لا كلي وراءها فهي منتهى الإحاطة بجزئيات الشريعة وما سواها من الكليات فإنه بمنزلة الجزئيات ممثلا لذلك بأصول الفقه نفسها وبذلك يتضح أن المقصد الجزئي أيضا متفاوت لأنه نسبي فقد يكون جزئياً بالنسبة لما هو أعلى منه وينبغي اعتبار المقاصد الجزئية بقصد الشارع في قيام المكلف بامتثال كل أمر على حدة لكن النسبية بين الجزئي والكلي قد تبدو كدرجات في سلم فالكلي الأكبر أعلاه والجزئية الصغرى أسفله وما بينهما فهو كلي في إتجاه وجزئي في اتجاه يقابله.

ولنمثل بمقصد العدل فهو كلي أعلى وله جزئيات قد تكون كليات في أبوابها وتتسلسل فعلى سبيل المثال فإن منعَ الغررِ والجهالةِ أمرٌ مقصودٌ فِي المعاملاتِ وبخاصة في البيوعِ مِن استقراءِ كثيرٍ مِن أحاديثِ منهياتِ البيع.

وقد ذكرَ ابنُ العربيِّ سبعةً وثلاثينَ بيعاً منهيّاً عنها بالنَّص في كتابه “القبس شرح موطإ مالك بن أنس”[12].

أما قصدُ الشارعِ لمنعِ المزابنةِ فِي بيعِ الثمارِ المدلولِ عليهِ بحديثِ: « أينقص الرطب إذا يبس؟»[13] فهو خاصٌّ بطائفةٍ مِن المسائلِ، أغلبُها في المكيلاتِ والموزونات.

وقد تكون في بيعِ الحيوانِ بجنسِه، وهو قسمٌ منَ الغررِ والجهالةِ يتنزَّل منزلةَ الجزئيِّ مِن الكلِّي إلاَّ أنَّ المقصدَ العامَّ هوَ إقامةُ العدلِ بينَ الناسِ، الذِي يمثِّل أساسَ التعاملِ والمعاملةِ للسلوكِ وللعقودِ ولنظامِ الحياةِ ونظامِ الحكمِ، ﴿إِنَّ ٱللهَ يَأْمُرُ بِـﭑلْعَدْلِ﴾[14] ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِـﭑلْعَدْلِ﴾[15] ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾[16]

ويظهرُ فِي كلِّ مجالٍ ما يوضِّحه، ففي المعاملات: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِـﭑلْقِسْطِ﴾[17] وهو العدل: ﴿وَزِنُواْ بِـﭑلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ﴾[18]

وبهذا يتِّضح توالدُ المقاصدِ وترابُطُها وتضامنُها وتسلسلهُا وتراتُبها في سلَّم العمومِ والخصوصِ، تتدرَّجُ بينَ العامِّ والأعم وبين الخاصِّ والأخصِّ.

فالكلي الأعلى يتمثل في المقاصد الثلاثة الضروري والحاجي والتحسيني لإحاطتها بجزئيات الشريعة من جهة ووفائها بمصالح العباد التي يعتبر مقصد المقاصد.

أما المقاصد العامة فتتداخل مع الكلية من حيث الانطباق على جزئيات تكثر أو تقل تنتشر أو تتقلص وقد تكون عامة من جهة خاصة من جهة.

المقاصدُ الخاصَّةُ: تَعني تلكَ المقاصدَ الخاصَّةَ ببابٍ من أبوابِ الفقهِ أو مجالٍ من مجالاتِه، كتلكَ المتعلِّقةِ بالبيوعِ فِي منعِ الغررِ والجهالةِ والربَا، وهذِه فِي الحقيقةُ ترجعُ إلى مقصدٍ عامٍّ هوَ انتظامُ شئونِ الخلقِ بقاعدةِ العدلِ والإحسانِ التِّي تنافِي تلكَ التصرفاتِ.

وكذلكَ المقاصدُ المتعلقةُ بالنكاحِ مِن تناسلٍ ومودةٍ وتراحمٍ، والتي تنافى كثيراً من العقودِ الفاسدةِ، كحرمة تزوُّج المرأةِ على خالتها أو عمتها المشارِ إلى حكمتِه بقولِه عليهِ الصلاةُ والسلام: “إنكُم إنْ فعلتُم ذلكَ قطعتُم أرحامَكم”. إذْ مِن مقاصدِ النِّكاح صلةُ الأرحامِ وهوَ مقصدٌ عامٌّ فِي النكاحِ وغيرِه.

وأخيراً فالمقصد قد يكون أصلياً لكونه مقصوداً بالأمر والنهي الإبتدائي التصريحي وفسر الشاطبي الابتدائي بأنه احتراز من الأمر والنهي الذي قصد به غيره، والتصريحي احترز به من الضمني المفهوم من كون الأمر بالشيء نهي عن ضده والعكس.

وقد يكون المقصد تابعاً لكونه شرطاً أو سبباً كالوضوء للصلاة أو لكونه من باب ما لا يتم الواجب إلا به أو لكونه ثانوي الرتبة في حكمة التشريع كالمال والجمال والدين أو لكونه وسيلة.

وقد يكون وسيلة لأنه لازم للأصلي لزوماً شرعياً أو عادياً.

أما المقاصدُ الجزئيةُ فهيَ: مقصدُ الشارعِ فِي كلِّ حكمٍ علَى حدةٍ كقصدِه لفعلِ الصلاةِ بأمرِ } وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ{[19]

وفي رأينا – والعلمُ للهِ جلَّ وتعالى والحكمةُ البالغةُ- أنَّ هذِه المقاصدَ هيَ مقاصدُ تشريعيةٍ يترتَّبُ عليها استنباطُ الأحكامِ وترتيبُ الأدلَّة ودرجاتُ الطلبِ.

وهناكَ مقاصدُ للبارِي جلَّ وعَلا مِن الخلقِ والأمرِ لا تُحصَى ولا تُستقصَى، فمنها:

المقاصدُ القدريَّةُ أوِ الكونية:، وهيَ أعلَى مِن مقاصدِ التشريعِ، كخلقِ الخلقِ لتحقيقِ مقتضَى القبضتينِ كما جاءَ فِي الحديثِ: «مرض رجلٌ منْ أصحابِ رسولِ اللهِ r، فدخلَ عليهِ أصحابُه يعودونَه فبكَى، فقيلَ له: ما يبكيكَ يَا أبَا عبدِ اللهِ ألم يقلْ لكَ رسولُ اللهِ “صلى الله عليه وسلم”: خذْ مِن شاربِك ثمَّ أقرَّه حتَّى تلقاني؟ قال: بلى، ولكنِّي سمعتُ رسولَ الله “صلى الله عليه وسلم” يَقُولُ: إِنَّ اللهَ تَبَاركَ وتَعالَى قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمينِهِ فَقَالَ: هَذِه لهذِه ولا أبالِي، وقبضَ قبضةً أخرَى يعنِى بيدِه الأخرَى، فقال: هذه لهذه ولا أبالي، فلا أدرِي فِي أيِّ القبضتينِ أنَا”[20]. وأشارَ إليهِ الشاطبيُّ وهوَ المفهومُ مِن قولِه تعالى: } هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ {[21] .

وخلقهم للاختلافِ أوِ الرحمةِ كما في قولهِ تعالَى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾[22] .

ومقاصدُ تشريعيةٌ لكنها غيرُ معروفةِ المصلحةِ، وهوَ الموسومُ بالتعبديَّاتِ، فالأمرُ صنوُ الخلقِ ﴿أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَْمْرُ﴾[23]، فكمَا أنَّ أسرارَ الخلقِ وحِكَمه لاَ تُحصَى ولا تدركَ جميعاً تفصيلاً وهيَ متداخلةٌ ومتضامنةٌ فالكونُ من سماواتٍ وأرضٍ خُلق للإنسانِ مِن كلِّ الوجوه أوْ مِن بعضِ الأوجُه.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَْرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾[24] فالكونُ بيئةُ الحياةِ، والأرضُ مستقرٌ ومستودعٌ للإنسان.

والإنسانُ نفسُه كلُّ عضوٍ فيهِ يقومُ بوظيفةٍ للمحافظةِ علَى بقاءِ الإنسانِ لأجلٍ مسمَّى ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَْبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[25] ، وهو كلُّه خُلق للعبادةِ .

فالحكمةُ فِي كلِّ خليةٍ وفي كلِّ جملةٍ مِن الخلايا، وفِي كلِّ كائنٍ مستقلٍ ؛ لا تمكنُ الإحاطةُ بِها.

فكذلكَ فِي عالَم الأمرِ لا يمكنُ حصرُ المقاصدِ كما أشرنا إليهِ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾[26]

ولكن الذي ينبغي للفقيه أن يعمل إليه المطي وينعم فيه النظر هو كيفية الاستفادة والاستنجاد بالمقاصد ونحن ذاكرون أمثلة له من المناحى التالية:

المنحَى الأوُّلُ:

الاستنجادُ بالمقاصدِ لإلحاقِ فرعٍ لاَ نصَّ فيهِ بأصلٍ منصوصٍ لوصفٍ جامعٍ وهذَا مَا يسمَّى بقياسِ العلَّةِ.

إنَّ مسالكَ العلَّة هيَ الطرقُ التِي يسلكها الباحثُ عنِ العلَّة للوصولِ إليها، وهيَ طرقٌ منضبطةٌ ضبطها علماءٌ الأصولِ منذُ وقتٍ ليسَ بالقصيرِ.

قدْ لاَ تكونُ العللُ مقاصدَ لأنَّها أماراتٌ على الحكمِ، وبخاصةٍ إذَا استبعدنَا التعليلَ بالحكمةِ التِي هيَ المقصدُ ؛ لأنَّها علاماتٌ وإشاراتٌ إلى وجودِ المعنَى المقصدِي فِي نصٍّ مِن النصوصِ .

ومع ذلكَ فإنَّ العلةَ المنصوصةَ يمكنُ أنْ تُعتبرَ مسلكاً من مسالكِ المقاصِد ؛ فالألفاظُ الناصَّةُ على العلةِ هِي نفسُها الدَّالةُ علَى المقصَدِ ككلمةِ ﴿مِن أجلِ﴾ ﴿وكَيْ﴾ و﴿يريدُ﴾.

فالمقصدُ كالعلةِ التِي يتعرفُ عليها عنْ طريقِ النَّصِّ تصريحاً أوْ تلويحاً “إيماء”، أو إجماعاً، أو استنباطاً .

والعلةُ المستنبطةُ تكونُ بثلاثِ طُرقٍ هِيَ : المناسبةُ وهذِه بدونِ شكٍّ علاقُتها بالمقصدِ واضحةٌ ؛ فالمناسبةُ تقومُ علَى المصلحةِ المرتبطةِ بترتيب الحكمِ علَى الواقعِ، بحيثُ يترتبُ علَى هذَا بترتيب نشوءُ مصلحةٍ مِن نوعِ المصالحِ التِي يهتمُّ الشارعُ بجلبِها.

إلاَّ أنَّ مسلكَي السبرِ والتقسيمِ والدورانِ طرداً وعكساً ولوْ كانا يفيدانِ العليَّةَ فإنَّهما لاَ يفيدانِ المقصديَّةَ إلاَّ باعتبارِ وجوبِ التناسُب الذِي رآهُ بعضُ الأصوليينِ.

وحتَّى أنَّ مسلكَ الإيماءِ قدْ يفيدُ فِي بعضِ الأحيانِ العليَّةَ دونَ وجودِ المناسبةِ التِي تُعتبرُ الحكمةَ الِتي ينبنِي عليهَا المقصدُ.

بقِيَ مسلكُ تنقيحِ المناطِ بنوعَيهِ، وهمَا:

طردُ الأوصافِ غيرِ المؤثِّرةِ والإبقاءُ علَى الوصفِ الصالحِ للتعليلِ.

والنوعُ الثانِي إلغاءُ الفارقِ، وهوَ زيادةُ وصفٍ جامعٍ ؛ فتنقيحُ المناطِ فِي منعِ سفرِ المرأةِ معَ غيرِ ذِي محرَمٍ بإلغاءِ وصفِ المحرميَّة، وإناطةِ الحكمِ بوصفٍ أعمَّ وهوَ أمنُ المرأةِ على عرضِها فِي السفرِ تسافرُ فِي الرفقةِ المأمونةِ رجالاً أوْ نساءً ‑ يُنتجُ علةً أعمَّ مِن ذِي المحرمِ ؛ وهوَ الأمنُ، صيانةُ المرأةِ والمجتمعِ فِي مواطنِ الشبهةِ باعتبار ذلك هو المقصود بشرع الحكم.

فهذه المسالكُ التِي تفصَّلُ عادةً فِي بابِ القياسِ تدلُّ علَى المقصدِ ؛ إما مباشرةً، أوْ عنْ طريقِ الإيماءِ إلَى الحكمةِ التِي قدْ تكونُ متواريةً وراءَ العلةِ، كالسَّفرِ المعلَّلِ بِه فِي القصرِ ؛ لانضباطِه وظهورِه معَ أنَّ الحكمةَ هِيَ المشقةُ التِي يريدُ الشارعُ أنْ يخفِّفها ؛ ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾[27] .

فتخفيفُ المشقةِ هوَ المقصدُ . ولهذَا فإنَّ الشاطبيَّ يرَى اعتبارَ عللِ الأمرِ والنهيِ سبيلاً للتعرفِ علَى المقصدِ الشرعِيِّ.

وبالجملةِ فإنَّ العلةَ إذَا كانتْ مِن نوعِ المناسِب فهِيَ تفيدُ المقصديَّةَ .

ويتخلفُ مِن مسالكِ العلَّةِ مسلكانِ لاَ تَبرزُ الحكمةُ فيهما فِي محلِّ التعليلِ، وبالتالِي لاَ تظهرُ المقصديةُ ؛ وهما مسلكا السبرِ والدورانِ.

قالَ الأصفهانيُّ -شارحُ مختصر ابنِ الحاجب- والزركشيُّ والشيخُ زكريَّا: إنَّ الوصفَ المستبقَى فِي مسلكِ السبرِ والوصف المُدارِ فِي مَسلكِ الدورانِ، وإنْ كانَ يصلحُ للعليةِ فلاَ يحصلُ عقلاً مِن ترتيبِ الحكمِ عليهمَا المعنَى المذكورُ مِن حصولِ مصلحةٍ أوْ دفعِ مفسدةٍ، ولا يلزمُ مِن ذلكَ خلوُّ هذِه الأوصافِ مِن الاشتمالِ علَى حكمَةٍ . وقدْ بحثَ فِي ذلكَ العباديُّ فِي الآياتِ البيناتِ.

قلتُ: مثالُه: وصفُ الكيلِ مثلاً إذا اعتُبرَ علةً لربويةِ أصنافِ الطعامِ الأربعَةِ؛ لأنَّهُ هوَ الوصفُ المستبقَى فِي السبرِ عندَ أبِي حنيفةَ لاَ تظهرُ فيهِ المناسبةُ ؛ لأنَّ المناسبَ كما يقول في التنقيح هو: ما تضمَّنَ مصلحةً أوْ دَرَءَ مفسدةً.

فالمناسبةُ ملاءمةٌ خاصَّةٌ كما يقولُ فِي نشرِ البنودِ فِي شرحِه لقولِه فِي مراقِي السعود:

ثُمَّ المُنَاسِـبُ الْذِي تَضَمَّنَا              تَرَتُّبَ الحُكْمِ عَلَيْه مَا اعْتَنَى

بِهِ الّذِي شَـرَعَ مِنْ إِبْعادِ               مَفْسـَدَةٍ أَوْ جَلْبِ ذِي سَدَادِ

المنحى الثاني:

العدولُ عنْ مقتضَى نصٍّ خاصٍّ لمخالفتِه أصلاً أوْ قاعدةً. كعدولِ الأحنافِ عنِ العملِ بحديثِ المصرَّاةِ لمخالفتِه لقاعدةِ منعِ بيعِ الطعامِ بالطعامِ نسيئَةً، وقاعدةِ منعِ المزابنةِ، وهو أمرٌ ثابتٌ بنصوص أخرَى.

كمَا لوْ أدَّى تطبيقُ النصِّ إلَى الإخلالِ بمقصَدٍ أولَى أوْ أعلَى. كامتناع عمر t من تطبيق تغريبِ الزانِي البكرِ، مع ورودِ ذلكَ فِي الحديثِ الصحيحِ؛ لأنَّهُ يؤدِّي إلى التحاقِ المنفِيِّ بالكفارِ.

وقدْ عُلم حرصُ الشارعِ علَى هدايةِ الناسِ، وأنَّ الإبقاءَ على المسلمِ فِي دائرةِ الإسلامِ أولَى مِن تطبيقِ العقوبةِ عليهِ وافتتانِه. وقد قالَ عليّ رضي اللهُ عنهُ : كفَى بالنفيِ فتنةً.

ومعنى ذلك أن المجتهد اعتبر المقصد مخصصاً لعموم النص فهو في قوة الاستثناء فكأن الشارع يغرب سنة إلا إذا خيف كفره.

وردَّت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها خبرَ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما: إنَّ الميتَ يعذبُ ببكاءِ أهلِه، بأصلٍ  ثابتٍ عام، وهوَ ﴿ أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

وجمعاً بينَ الدليلينِ قالَ المالكيةُ والحنابلةُ أيضا: “ولاَ يُعذَّبُ ببكاءٍ لمْ يوصِ بِه”. حملاً لخبرِ ابنِ عمرَ علَى الموصى بِه.

وهذا الصنيع هو تعامل  مقصدي يحصر معنى الحديث في الموصى به فيكون المقصد مخصصاً فيدرأ التعارض  ويعضد هذا الفهم أنهم كانوا في الجاهلية يوصون بالنياحة كما في قول طرفة:

فَإِن مُتُّ فَاِنعيني بِما أَنا أَهلُهُ       وَشُقّي عَلَيَّ الجَيبَ يا اِبنَةَ مَعبَدِ

وقول لبيد:

تَمَنّى اِبنَتايَ أَن يَعيشَ أَبوهُما          وَهَل أَنا إِلّا مِن رَبيعَةَ أَو مُضَر

مالك بن الريب:

إِذا متُّ فَاِعتادي القُبورَ وَسَلِّمي       عَلى الرَمسِ أُسقيتِ السَحابَ الغَوادِيا

أما عائشة رضي الله عنها فقد قدمت عموم الآية وردت الخبر جملة وتفصيلا، قائلة عن ابن عمر : إنه ما كذب ولعله نسي أو أخطأ.

المنحَى الثالث:

العدولُ عن ظاهرِ النصِّ لقرينةٍ مقصديةٍ، فيكونُ المقصدُ أساسَ التأويلِ، كتأويلِ المالكيةِ والأحنافِ حديثَ: «المتبايعانِ بالخيارِ مَا لمْ يتفرَّقا». بالمتساومين كما يقول الشريف التلمساني في كتابه مفتاح الوصول إلي تخريج الفروع على الأصول.

ولأنَّ التأويلَ هوَ صرفُ لِلَّفظِ عَن ظاهرِه إلى معنًى مرجوحٍ لدليلٍ، والمقصدُ هوَ الانضباطُ فِي المعاملاتِ، ولأنَّ البقاءَ فِي المجلسِ لاَ حدَّ لهُ ولا ضبطَ. وقد أشار مالك رحمه الله إلى ذلك في الموطأ.

المنحى الرابع:

يحتاجُ للمقاصدِ فِي الحمايةِ والذرائعِ والمئالاتِ.

وهوَ المعبَّرُ عنهُ بسدِّ الذرائعِ والنظرِ فِي المئالاتِ.

وقدْ منعَ المالكيةُ والحنابلةُ بيعَ العينةِ بناءً علَى قصدِ التحايلِ علَى الرَّبا ؛ لأنهُم فهمُوا قصدَ الشارعِ تحريمَ الزيادةِ ومَا يئولُ إليهَا.

قال ابنُ القيم وهو يذكرُ حيلَ المُرابين:”فتارةً بالعينةِ، وتارةً بالمحلِّل، وتارةً بالشرطِ المتقدِّم المتواطأِ عليهِ، ثمَّ يطلقونَ العقدَ مِن غيرِ اشتراطٍ. وقدْ علمَ اللهُ والكرامُ الكاتبونَ والمتعاقدانِ ومَن حضرَ أنَّه عقدُ ربَا، مقصودُه وروحُه بيعُ خمسةَ عشرَ مؤجَّلةً بعشرةٍ نقداً ليسَ إلاَّ. ودخولُ السلعةِ كخروجِها حرفٌ جاءَ لمعنَى فِي غيرِه.

فهلاَّ فعلوا ههنَا كمَا فعلُوا (الشافعية) فِي مسألةِ مدِّ عجوةٍ ودرهمٍ بمدٍّ ودرهَمٍ، وقالوا: قدْ يجعلُ وسيلةً إلى ربَا الفضل بأنْ يكونَ المدُّ فِي أحدِ الجانبينِ يساوِي بعضَ مدٍّ فِي الجانبِ الآخَر فيقعُ التفاضلُ. فياللهِ العجَب! كيفَ حُرمتْ تلكَ الذريعةُ وأبيحتْ تلكَ الذرائعُ الموصلةُ إلَى ربَا النسيئةِ خالصاً؟!

وأينَ مفسدةُ بيعِ الحليةِ بجنسهَا ومقابلةِ الصياغةِ بحظِّها مِن الثمنِ إلَى مفسدةِ الحيلِ الرَّبويةِ التِي هيَ أساسُ كلِّ مفسدةٍ وأصلُ كلِّ بليَّة، وإذَا حصحصَ الحقُّ فليقلِ الجاهلُ مَا شاءَ، وباللهِ التوفيقُ.”[28]

واشترطَ المالكيةُ للمنعِ أنْ يكونَ مِن أهلِ العينَةِ.

المنحى الخامس:

تقريرُ مرتبةِ الحكمِْ ونوعِ الحكمِ مناطِ الأمرِ والنَّهيِ.

كترجيحِ الجمهورِ أنَّ أمرَ كتابةِ الدين: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَـﭑكْتُبُوهُ﴾[29] للندبِ والاستحبابِ لأنَّ الدينَ ملكٌ للدائنِ يمكنُ أنْ يسقطَه فلاَ يجبُ أنْ يوثِّقه، خلافاً للطبري والظاهرية.

وكذلكَ كتابةُ الرقيقِ فِي قولِه تعالى: ﴿فَكَـٰتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾[30] ؛ يرى الجمهورُ أنَّ الأمرَ للندبِ؛ لأنَّه لاَ يجبُ عليهِ بيعُه وأنَّ قضايَا المواساةِ ترجعُ إلَى الندبِ والاستحبابِ وطيبِ النفسِ والخاطرِ ؛ خلافاً لمَا رُويَ عنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ، ومَا ذهبَ إليهِ الطبريُّ.

المنحى السادس:

تدخلُ المقاصدُ فِي بحثِ مفهومِ المخالفةِ، وذلكَ أحياناً تعضيداً لدلالةِ مفهومِ المخالفةِ، وتارةً رداً وتفنيداً .

فمن الأول:  ما ذهبَ إليهِ الجمهورُ مِن اعتبارِ مفهومِ المخالفةِ فِي حديثِ: «مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرتْ فثَمرُهَا للبائِع؛ إلاَّ أنْ يشترطَ المُبتاع»[31] ؛ مفهومُه أنَّها إذَا بيعتْ قبلَ الإبارِ فثمرتُها للمشترِي، عَضَّدوا ذلكَ مِن جهةِ المعنَى بقصدِ الشارعِ مكافأةَ مَن قامَ علَى الثمرةِ حتَّى صلحتْ ؛ لأنَّها إذَا بيعتْ بعدَ التأبيرِ فإنَّ البائعَ هوَ الذِي قامَ عليهَا فاستحقَّها، وأمَّا قبلَه فإنَّ المشترِي هوَ الذِي عالجهَا وقامَ عليهَا فاستحقَّها.

أمَّا أبُو حنيفةَ فرأَى أنَّ الثمرةَ للبائعِ بيعتْ قبلَ الإبارِ أوْ بعدَه علَى أصلِه فِي نفْيِ مفهومِ المخالفَةِ.

المنحى السابع:

الاستحسانُ: سواءٌ كانَ عدولاً بالمسألةِ عَن نظائرِها، أوْ مراعاةً للمصلحةِ فِي تخصيصِ عامٍّ، أو استثناءً بالعرفِ، فإنَّه فِي أكثرِ الحالاتِ يراعِي معنًى مِن المعانِي ؛ كاستحسانِ الأحنافِ إعطاءَ الزكاةِ لعبدِ الفقيرِ معَ أنَّ الزكاةَ لاَ تُعطَى لمَن تجبُ نفقتُه على الغيرِ ؛ باعتبارِ فقْرِ عائِله، وأنَّ حكمةَ المنعِ هيَ غناهُ بإغناءِ العائِل.

واستحسانِ الإمامِ أحمدَ جوازَ اشتراءِ أرضِ الخراجِ ومنعِ بيعِها ؛ لِلَمْحِ فرقٍ فِي الحكمةِ بينَ الإخراجِ والإدخالِ، كتفريقِ الأحنافِ بينَ ريقِ الحبيبِ فمَن ابتلعَه فسدَ صومُه، وريقِ البغيضِ الذِي يُعافُ، فلاَ يفطرُ بهِ الصائمُ نظراً إلى أنَّ الحكمةَ مِن الصومِ الإمساكُ عنْ الشهوةِ. وريقُ الأخيرِ غيرُ مشتَهى.

واستحسانِ المالكيةِ جوازََ إسقاطِ الدينِ عنِ المدينِ مقابلَ زكاةِ الدائنِ إذَا كانَ للمدينِ مالٌ يمكنُ أنْ يَقضِيَ بِه الدينَ، وعدمِ إجزاءِ الزكاةِ إذَا كانَ مُعدماً.

 المنحى الثامن:

الفرقُ بينَ المصلحةِ المعتبرةِ والمصلحةِ الملغَاة، وإنْ كانَ يُعرف بدليلِ الإلغاءِ فإنَّه يعرفُ كذلكَ بمقابلةِ مصلحةٍ بمفسدةٍ أوْ بمصلحةٍ أقوَى. وهيَ قاعدةُ ارتكابِ أخفِّ الضررينِ، وترجيحِ أعظمِ المصلحتينِ . قال في مراقي السعود:

……………………….        وألغِ إنْ يكُ الفسادُ أبعدَا

أو رجِّحِ الإصلاحَ كالأسارَى    تُفدَى بمَا ينفعُ للنصارَى

وهذا ما نسميهِ الآنَ بفقهِ الموازناتِ والأولوياتِ، وكلُّه مبنيٌّ علَى المقاصدِ .

منها مسائلُ في فقهِ الأقلياتِ: فقوةُ المؤمنِ مقصدٌ شرعيٌّ “المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبٌّ إلى اللهِ مِن المؤمنِ الضعيفِ”[32]، ولكنَّ تعاطيَ البيوعِ الفاسدةِ وبعضِ المناكِر للمقيمِ فِي ديارِ غيرِ المسلمينِ ولوْ كانَ يمنحُ الجماعةَ ثراءً ومكانةً إلاَّ أنَّ مفسدتَه تغلبُ المصلحةَ المتوخَّاة. وهيَ مِن المسائِل المعروضَة لأنظارِ العلماءِ المعاصرينَ.

وكذلكَ منعُ بعضِ الشافعيةِ الانتقالَ مِن دارِ الكفرِ إذَا كانَ المسلمُ يستطيعُ إقامةَ شعائرِه باعتبارِ أنَّها بوجودِه دارُ إسلامٍ، وإذَا انتقلَ تغيَّر وصفُ الدَّار ؛ باعتبارِ إقامةِ دارِ الإسلامِ -ولو بهذِه الطريقةِ- مقصداً شرعياً. (يراجع في ذلك كتابُنا: صناعةُ الفتوَى وفقهُ الأقليات).

المنحَى التاسع:

بينَ التعبدِ ومعقوليَّةِ النصِّ: إنَّ هذَا المنحَى ليسَ تكراراً للقياسِ ؛ إذْ أنَّه مرحلةٌ سابقةٌ للقياسِ ؛ إذْ أنَّ الخطوةَ الأولَى قبلَ البحثِ عَن العلَّة هيَ تقريرُ ما إذا كانَ الأمرُ أَو النهيُ تعبديّاً لا يُعقلُ معناهُ فيتوقفُ عندَ حدِّه، أوْ هوَ معقولَ المعنَى وغيرَ خاصٍّ بمحلِه فيُبحثُ عنْ علَّتِه.

إنَّ هذِه الخطوةَ مثَّلتْ قطبَ اختلافٍ بينَ العلماءِ فِي عشراتِ النصوصِ، كالأمرِ بغسلِ الإناءِ مِن ولوغِ الكلبِ ؛ بينَ التعبُّدِ عندَ المالكيةِ ومعقوليةِ المعنَى عندَ الجمهورِ فيفيدُ النجاسةَ.

والنهيِ عَن بيعِ الطعامِ قبلَ قبضِه ؛ بينَ التعبُّدِ عندَ المالكيةِ ومعقوليةِ المعنَى عندَ الجمهورِ تبعاً لابنِ عبَّاس: ”وأحسب أن كل شيء كالطعام“.

والأمرِ بالإيتارِ فِي الاستبراءِ مِن الخبَثِ ؛ بينَ التعبُّد عندَ الحنابلةِ والشافعيةِ ومعقوليةِ المعنَى عندَ المالكيَّة فيكفِى إنقاءُ المحلِّ.

وكذلكَ مسألةِ تأجيلِ السلمِ ؛ بينَ التعليلِ بحوالةِ الأسواقِ فيجبُ أنْ يكونَ الأجلُ طويلاً نسبياً ليكونَ مظنَّةً لحوالةِ الأسواقِ، كخمسةَ عشرَ يوماً عندَ ابنِ القاسمِ، وإذا وُجدتِ العلةُ بسبيلٍ آخرَ غيرِ الأجلِ كاشتراطِ تسليمِ المسلَمِ فيهِ فِي مكانٍ بعيدٍ يُظنُّ أنَّ الأسعارَ تختلفُ فيه عنها في محلِّ عقدِ السلمِ فينزَّلُ المكانُ منزلةَ الزمانِ . خلافاً للأحنافِ الذينَ لمْ ينظروا إلى التعليلِ بحوالةِ الأسواقِ، وبالتالِي يُكتفَى بثلاثةِ أيَّامٍ عندَهم، ولا عبرةَ عندهم بتغيرِ المكانِ، كما يُفهم مِن كلامِ ابنِ رشدٍ فِي بدايةِ المجتهدِ.

المنحى العاشر:

السكوتُ الدالُّ على العفوِ دليله:”إنَّ اللهَ فرضَ فرائضَ فلا تضيعوها ونَهى عَن أشياءَ فلا تنتهكوهَا وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وعفا عَن أشياءَ رحمةً بكمْ لاَ عَن نسيانٍ فلاَ تبحثُوا عنها”.[33]

وهو حديثٌ حسنٌ، أخذ منه الشاطبيُّ مرتبةَ العفوِ باعتبارِها قسماً مستقلاً.

لأنَّ تركَ الاستفصال في طعام الذين أوتوا الكتاب يدل على جواز ذبحهم.

المنحى الحادي عشر:

مراعاةُ قصودِ العقودِ فِي التصحيحِ والإبطالِ والشروطِ.

ومعنَى هذا أنَّ مالكاً رحمهُ اللهُ تعالَى جعلَ لكلِّ عقدٍ قصوداً ملائمةً وقصوداً منافيةً وقصوداً غيرَ ملائمةٍ ولاَ منافيةٍ، ورتَّبَ تأثيرَ الشروطِ على هذِه القصود ؛ فمنْ باعَ بشرطِ أنْ لاَ يبيعَ المشترِي ولا يهبَ فهذَا شرطٌ يُبطلُ العقدَ لأنَّه منافٍ للتمتعِ بحقوقِ الملكيةِ التِي منهَا حريةُ التصرُّفِ فِي المملوكِ.

ومنْ باعَ بشرطِ رهنٍ أوْ حميلٍ كانَ الشرطُ والعقدُ صحيحينِ لملاءمته للتوثُّق مِن نتائج العقد، والوفاء بمقتضياتِه التِي هيَ مِن قصدِ العقدِ.

وأمَّا أبُو حنيفةَ فأبطلَ بالشروطِ، وفصَّل مالكٌ فِي الشروطِ وهوَ تفصيلٌ يجمعُ بينَ الأحاديثِ الواردةِ فِي البابِ.

وقدْ ذكرَ العلماءُ قصةَ عبدِ الوارثِ بنِ سعيدٍ وسؤالِه لأبِي حنيفةَ وابنِ شبرمةَ وابنِ أبِي ليلَى واختلافِهم فِي الشروطِ واحتجاجِ كلٍّ منهُم بحديثٍ رواهُ فِي المسألةِ.

المنحى الثاني عشر:

يُستنجدُ بالمقاصدِ في تَمييزِ عُقودِ المَعروفِ عن عُقودِ المُكايسةِ الصِّرفِةِ لإحداث حكم بين حكمين مما يجيز التجاوز عن بعض أسباب الفساد من غرر وجهالة وشبهة ربا.

المنحى الثالث عشر:

أن العلة المستنبطة لا يمكن أن تلغي الحكم المعلل بها في حال تخلف العلة كالثمنية في النقدين بأن صار الذهب والفضة أو أحدهما غير رائج في الثمنية فإن ذلك لا يؤثر في أصل ربويتهما لأن الربوية منصوصة من الشارع متحققة فلا تكر عليها علة مستنبطة بالبطلان ومن جهة أخرى فإن مقصد الربوية يمنع التفاضل في النوع والنسيئة في الجنسين مقصد أصلى ابتدائي صريح فلا يكر عليه مقصد تابع في الرتبة مظنون في الجملة.

المنحى الرابع عشر:

فهم مقصد الشارع من دلالة اللفظ سواء كان لفظ الشارع أو لفظ راوي الحديث مما يرتب حكماً تختلف درجته باختلاف الصيغ كاستعمال لفظ “نهى” فإنها تدل على أن الحكم المترتب على النهي ليس بالقوي لقيام الاحتمال وبسبب الاجمال أو ما سماه الزركشي بالعموم لأن النهي قد يدل على الكراهة أو التحريم فما هو كدلالة النهي “بلا تفعل” الدالة على التحريم”.

وسمى القاضى ابن العربي الصيغة الأولى بالنهي من الدرجة الثانية والصيغة الثانية “لا تفعل” بالنهي من الدرجة الأولى وذلك في مسألة النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فحديث ابن عمر فيه نهي وحديث زيد بن ثابت فيه ” لاتبايعوا ..” لكنه ورد في آخر حديث زيد “كالمشورة لهم” فأثرت في قوة النهي مما أثار حفيظة ابن العربي قائلاً: لكنه عقب عليها بما غير الدليل وأتعب في التأويل فقال : كالمشورة لهم فجعل ذلك زيد في ظاهر الحديث رأياً عرضه لا نهياً حرمه[34].

ثامناً: قد يؤثر مقصد عام يلاحظه المجتهد من خلال نصوص عدة في الحد من تأثير مقصد خاص ليخفف من اطراده ومن الحاحه في كل المحال ومن هذا القبيل تأثير الحاجة في ممنوعات ضعيفة نسبياً لاستثناء الشارع من عمومها ولقوة المصلحة المعارضة تقدم على العلة المانعة يقول ابن العربي: القاعدة السابعة : اعتبار الحاجة في تجويز الممنوع كاعتبار الضرورة في تحليل المحرم ومن ذلك استثناء القرض من تحريم بيع الذهب بالذهب إلى أجل وهو شيء انفرد به مالك لم يجوزه أحد من العلماء سواه لكن الناس كلهم اتفقوا على جواز التأخير فيه من غير شرط بأجل وإذا جاز التفرق قبل التقابض بإجماع فضرب الأجل أتم للمعروف وأبقى للمودة.

وعول في ذلك علماؤنا على قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن رجلاً كان فيمن كان فبلكم استسلف من رجل ألف دينار إلى أجل فلما حل الأجل طلب مركباً يخرج فيه إليه فلم يجده فأخذ قرطاساً وكتب فيه إليه ونقر خشبة فجعل فيها القرطاس والألف دينار ورما بها في البحر وقال اللهم إنه قد قال لي حين دفعها إلي أشهد لي قلت كفى بالله شهيداً أو قال أيتني بكفيل قلت كفى بالله كفيلا اللهم أنت كفيل بإبلاغها.

فخرج صاحب الألف إلى ساحل البحر يحتطب فدفع البحر له العود فأخذه فلما فلقه وجد المال والقرطاس ثم إن ذلك الرجل  وجد مركباً فأخذ المال وركب فيه وحمل إليه المال فلما عرضه عليه قال له قد أدى الله أمانتك”. فإن قيل هذا شرع من قبلنا.

قلنا: كلما ذكر النبي لنا مما كان عملاً لمن قبلنا في معرض المدح فإنه شرع لنا وقد مهدنا ذلك في كتب الأصول ومن ذلك حديث العرايا وبيع التمر الموضوع على الأرض وفيه من الربا ثلاثة أوجه:

  • بيع الرطب باليابس.
  • والعمل بالحزر والتخمين في تقدير المالين الربويين.
  • وتأخير بالتقابض .[35]

قلت: وليس مجرد الحاجة هو الذي رجح ولكن قصد المعروف كان مرجحاً كما ذكرنا فإن العرايا والقرض هي من باب المعروف والشارع متشوف إليه وكذلك نجد التخفيف في مجال المشاركات فاجاز فيها للحاجة بعض الجهالة والغرر وقد يختلف العلماء في ذلك.

أما تشوف الشارع للتعاون والتضامن فهو ثابت بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى( وتعاونوا على البر والتقوى) والتعاون في الكسب المباح هو من البر وما حديث الأشعريين عن جمع الأزواد إلا من هذا القبيل ومن ذلك ما ورد في الشركة بخصوصها من الحديث القدسي : إن الله يقول: “أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه….”[36]

وحديث السائب بن أبي السائب المخزومي أنه كان شريك النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام فلما كان يوم الفتح قال له عليه الصلاة والسلام مرحبا بأخي وشريكي لا يداري ولا يماري.[37]

إلى غير ذلك من الأخبار التي تدل على الإقرار. ويشير إلى معنى الشركة قوله تعالى ( وإن تخالطوهم فإخوانكم) في أموال اليتامى واستشهد ابن رشد الجد رحمه الله تعالى به على جواز خلط الذهوب واقتسامها بعد الصياغة كما في المعيار ، ولهذا أبيح في شركة العنان الوكالة في مجهول.

وأبيحت الجهالة في مشاركات أخرى من المزارعات والمساقاة ستأتي.

المقاصد في القضايا المالية:

تنقسم من حيث العموم والخصوص إلى قسمين كبيرين وإلى فِرْقين عظيمين أولهما:

مقاصد عامة تشمل الأموال وغيرها لأنها من أسس الشريعة وأركان الملة.

فمن هذه المقاصد:

مقصد العبادة ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون) فالعبادة حاصلها امتثال الأمر واجتناب النواهي. فالمال ميدان من ميادين العبادة فهو مناط الركن الثالث من أركان الإسلام الزكاة وفي الركن الرابع “الصوم”جبرا وفي الركن الخامس “الحج” بدلاً وشرطاً على اختلاف في التفاصيل ويدخل في مختلف الطاعات والقربات ولأهميته تتعلق به الكثير من المنهيات ودخل في كثير من الواجبات الأخرى كالنفقات الواجبة وأداء الديون وإسعاف المضطر وفي الجهاد إنفاقاً وتحصيلاً لذلك عرف ابن تيمية الجهاد بأنه: كل قربة وطاعة لله تعالى باطنة أو ظاهرة وعد منه الصناعة والمال.

مقصد الابتلاء ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا.. ) ( ليبلوكم فيما آتاكم) ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة) ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ..) والابتلاء مقصد كبير يترجح بين القدري والتشريعي وقد قال بعض العلماء إنه المقصود بالتكليف، قال في مراقي السعود :

للامتثال كلف الرقيب            فموجب تمكنا مصيب

أو بينه والابتلا ترددا            شرط تمكن عليه فقدا

وهو مجال يشترك فيه المال مع غيره.

مقصد العمارة (هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) أي طلب منكم عمارتها فعمارة الأرض تكون بطرق شتى منها التناسل ومنها إيجاد الوسائل الضرورية للحياة بالتعامل مع الأرض وما ذرأ الباري جل وعلا فيها من حيوان ونبات (والأرض وضعها للأنام ) ومنها إثارة الأرض ( وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها) فإثارة الأرض أساس العمران فأثاروا الأرض حركوها للزارعة والغرس وحفروا فيها الآبار لاستخراج المياه الجوفية وفتشوا في أعماقها عن المعادن والكنوز وهكذا تصبح الإثارة هي أساس المال والتملك.

مقصد الاستخلاف: فالاستخلاف هو أن يقوم النائب عمن أنابه بتنفيذ أمره في هذا الكون.

ولا شك أن مقصد الاستخلاف يحمل الإنسان واجباً للقيام بعمارة الأرض قياماً بمهمة الخلافة من جهة ويجعله من جهة أخرى مقيداً بأوامر وتعاليم من استخلفه كما قدمنا.

وإذا كان الأمر على ما ذُكر من أنَّ الإنسان إنما هو نائب ووكيل عن الله جل وعلا – وقد ورد من جهة أخرى إن الناس عيال الله- فهل يرضى المالك الأصلي أن يجيع الوكيل عياله ويمنعهم رزقهم ذلك هو محك الابتلاء وميدان الاختبار وذلك مقصد آخر.

إن الظروف التي نعيشها في العالم الإسلامي من انتشار الفقر وعدم الإنتاجية في الأمة وتعطل القوى العاملة وندرة أدوات الإنتاج الكبيرة كالمصانع إن لم يكن انعدامها في بعض الأقطار، تجعل العودة إلى مفهوم الاستخلاف لرسم سياسة مالية جديدة في صياغتها قديمة في محتواها ومضمونها قدم الشريعة المطهرة ، تضمن تداول المال في المبادلات التجارية وليس تكديسه وتجميده في البنوك ، تضمن توظيف المال في المشاريع المنتجة التي تنفع جماهير الأمة من عمال ومستخدمين وتجار صغار وغيرهم، تضمن تجنب الربا وأكل المال بالباطل ، وتضمن في النهاية إيصال الحقوق إلى ذويها إلى الفقراء والمساكين واليتامى والأرامل حتى يتزكى المال ويطهر ويجلب لصاحبه السعادة الحقيقية.

العدل ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان) وهو مقصد عام لكل شئون الحياة وللمال منه نصيب.

فهذه المقاصد مقاصد عامة تقوم عليها الشريعة وقضايا المال أما المقاصد الخاصة فيرى ابن عاشور أن المقاصد المعتبرة في المال خمسة هي : الرواج ووضوح الأموال وحفظها وثباتها والعدل فيها.

فالرواج عنده هو التداول، وإن كانت كلمة التداول أو التبادل التي عبر بها إمام الحرمين أولى؛ لأن الرواج ضد الكساد والتداول ضد الكنز والاحتكار، أما الوضوح فشرعت له وسائل التوثيق من إشهاد وكتابة ورهن والبعد عن الغرر وعن أسباب الخصومة وأما حفظها فهو من جهة الوجود صيانتها وتنميتها ومن جهة العدم المنع من الاعتداء عليها فلا يحل وأما الثبات فهو إقرارها لأصحابها وانبنى عليه شروط العقود.

وأما العدل فيها فاستبعاد الظلم في كسبها واستبعاد الظلم في توزيعها.

والثبات والحفظ من وسائل العدل لأن العدل من جهة الكسب ومن جهة الإنفاق ومن جهة التصرف وكذلك فإن الحفظ أيضا مقصد أعلى لأنه ضروري وما سماه بالثبات والوضوح من وسائله كما أنَّ ما سماه بالرواج قد يكون وسيلة من وسائل الحفظ، فالحفظ يكون من جهة الوجود بحسن التدبير والتثمير والادخار.

ومن جهة العدم بعدم التبذير والإضاعة وتحريم الاعتداء عليه غصباً وسرقة وغشاً وخديعة.

والحق أن للمال مقاصد بعضها أصلي وبعضها تبعي وبعضها كلي وبعضها جزئي وكل هذه المقاصد الكلية والجزئية مستقاة من الكتاب والسنة من حفظ ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) ( ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل)

وتوثيق (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى)

وتقابض (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم ) إلا هاء وهاء ونهي عن بيع الطعام قبل قبضه.

التداول= التبادل : (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)

(تديرونها بينكم) والأمر في مال اليتيم بالتحريك حتى لا تأكله الزكاة.

وإذا أردنا ترتيب هذه المقاصد: من حيث المقصدية القائمة على وزن المصلحة فإن أعلى مقصد هو 1- الكسب وإيجاد المال فإنَّ الإنسانَ لا تقوم بنيته ولا يتصور بقاؤه إلا بالمال.

ليحقق مقصد الاستعمار ويكون جديرا بالاستخلاف، وذلك أن الله أباح هذا الكون للإنسان وسخره له {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} {وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ}.

وهذا الكون لم يبحه الله للإنسان إلا وقد قصد منه أن يستعملَه وينتفع به.

ولذا جاءت شريعتنا آمرة بالسعي ناهية عن الرهبانية وعن الانقطاع عن الكسب. وهنا يجب أن نستوعب معنى الزهد المطلوب شرعاً، لأنه قد يلتبس على الناس ؛ فالناس يظنون أن الزهد مطلوبٌ على كل حال. بل هو من أحوال القلوب، بأن لا يعتمد الإنسان إلا على الله سبحانه وتعالى، فتكون الدنيا في يده وليست في قلبه، وهو يختص بأفراد الناس، وليس مطلوبا من الأمم، فلا يطلب من الدولة أن تكون زاهدة، بل عليها أن تحصل المال وتحصل الثروة، حتى تكون قوية مرهوبة الجانب، وهذا ما فعله الخلفاء.

الثاني: حفظ المال:

بعد مقصد إيجاد المال يكون حفظ المال الذي جعله الأصوليون خامس المقاصد الضرورية بعد حفظ الدين والنفس والعقل والنسب، وقد جمع القرآن الكريم في آية النساء بين النفس والمال{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}.

وحفظ المال أنواع واتجاهات مختلفة: فالحفظ من حيث الوجود، والحفظ من حيث العدم ومن هنا تتفرع جملة من المقاصد فمن حيث الوجود:

1- حسن التدبير:

وهو الذي يقابل التبذير والإسراف، الذي نهت عنه الشريعة {وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} كما نهت عن تسليم الأموال للسفهاء {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} لأن الشريعة حريصة على حسن التدبير في المال.

2-الادخار:

ومن حسن التدبير الادخارُ، وهو ليسَ الكنزَ، وليسَ الاحتكارَ، والتمييز بين هذه المفردات مطلوب في التعامل مع مقصد حفظ المال ؛ فإن الكنز عملٌ سلبيٌ لذا تنظر إليه الشريعة على أنه معوِّق من معوقات تنمية المال المطلوبة للاستخلاف. وأما الادخار فهو حجز مال للعاقبة، لكنه لا يمنع الحقوق عن الآخرين، وبالتالي يمكن أن تدخر وأن تحرك في نفس الوقت، بخلاف الكنز فإنه تجميع وتكديس للأموال، وهو تجميد وعدم تحريك، وأنانية.

وقد أشار القرآن إلى الادخار في قصة يوسف: { قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ}. وفي قصة عيسى (وما تدخرون في بيوتكم) وقد ادَّخر النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر بالادخار “فكلوا وادخروا”. وقد أوقف عمر رضي الله عنه قسمة الأراضي المفتوحة في العراق على الفاتحين، وقال: “لولا بقيةُ الناس لقسمت الأرض”،. فهذا يدل على وجوب الادخار للدولة، والاهتمام بالأجيال القادمة.

لأن الحكر هو الإساءة. والاحتكار هو : التربص بالسلع لإحداث الغلاء.

إن مقصد الادخار Ľepargne مقصد في غاية الأهمية لأنه يقابل الاستهلاك ولهذا قابله به عليه الصلاة والسلام في قوله : فكلوا وادخاروا” إنه التأثل وبعبارة معاصرة ظاهرة اقتصادية أساسية في حياة الأفراد والمجتمعات, وهو فائض الدخل عن الاستهلاك, أي أنه الفرق بينه وبين ما ينفق على سلع الاستهلاك والخدمات الاستهلاكية، لذلك يطلق بعضهم أيضاً على الادخار لفظ «الفائض».

وهو الرافد الأكبر للاستثمار في العصر الحديث مع اقتصاديي القرن الثامن عشر وبخاصة مع آدم سميث مما جعل الادخار مرادفاً للاستثمار.

3-الوسطية في الإنفاق:

وينشأ عنه أيضاً الوسطية في الإنفاق، {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}، {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً}.

وأما حفظه من جهة العدم فمنه:

4-منعُ الاعتداء:

منعُ الاعتداء على المال، بتحريم الغصب والسرقة والإضرار بالغير في ملكه.

ومن هنا ينشأ مبدأ “التراضي” في خروج المال من يد مالكه، وهو مبني على “حرص الشارع على الملكية الخاصة” ؛ إذ أن اللهَ سبحانَه وتعالى ذكرَ التراضيَ سبيلاً لخروجِ المالِ من اليد، إن لم يكن إنفاقاً أو هبة أو صدقة فقال{ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} فالتراضي مقصد من مقاصد الشارع في حفظ المال.

والتراضي يؤسس لمقصد منع عيوب الإرادة، كما يسميه القانونيون ، وهو الغش والخديعة، أو أن يكون الشخص بحالة عقلية لا يستطيع معها أن يكون مريداً،  كالمجنون والصبي غير المميز. فهذه عيوب تمنع تصور التراضي، لأن التراضي هو تفاعلٌ من طرفين.

ينشؤ عنه تحريم الغصب والسرقة والإضرار بالغير في ملكه، ولزوم التراضي في التبادل ؛ هذه كلها مقاصد جزئية. لكن يمكن أن نقول بوجود مقاصد اجتماعية؛ كدفع العداوة والبغضاء {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} ولهذا يعلل تقي الدين ابن تيمية منع الغرر والجهالة بأنها تورث البغضاء وأكل أموال الناس بالباطل. ولذلك أباح في نصوص كثيرة له الغررَ الذي لا بد منه وقال إن: هذا لا يورث التباغض.

وما سماه الطاهر بن عاشور الوضوح، يمكن أن نسميه بالشفافية، بحيث لا يوجد غش ولا خديعة ولا خلابة.

أما مقصد التبادل أو التداول. فهو الذي سماه الطاهر بن عاشور: الرواج.

والرواج لغة: ضد الكساد. وأما التبادل والتداول فهو ضد الاحتكار والكنز.

ولأجل ذلك يفرق بعض الفقهاء بين الإدارة والاحتكار في الزكاة ؛ فالمدير عندهم يزكي كل سنة، والمحتكر يزكي عندما يبيع سلعَه، وفسروا المدير بأنه الذي لا يستقر عنده عينٌ ولا عرض. والمحتكر هو الذي يترك البضاعة حتى يرتفع ثمنها ثم يبيعها.

فالاحتكار ضد التداول، فالأخير مطلوب والأول مذموم ففي حديث مسلم (من احتكر فهو خاطئ) ، قد فسره جمهور العلماء بأنه احتكار القوتٍ خاصة، وأن الاحتكار في السلع الأخرى ليس حراماً ولا مذموماً.

لكن قد يقاس عليه الكساء ونحوه من الحاجات التي يحتاج إليها الإنسان؛ بحيث يصبح عامة الناس في مشقة، فيجوز للإمام أن يتدخل بالإجبار على البيع بثمن المثل، أو التسعير وهو أمر مختلف فيه.

بقي أن نعرف مرتبة مقصد التداول بالبيع ونحوه هل هو كالحفظ “مقصد ضروري”؟ أو هو دونه بمعنى أنه من مكملات الحفظ؟

قال إمام الحرمين: “لو لم يتبادل الناس ما بأيديهم لأدى ذلك إلى ضرر هو بالنسبة للجميع كالضرورة بالنسبة للواحد” ونبه على أن هذه الضرورة لا يجب أن تتوفَّر في آحاد الصور، لكنها تعم الجميع”.

فقد جعله إمام الحرمين من الضروري، وكذلك الشاطبي وجعله السبكي والفهري من الحاجي وقد بحث ابن حلولو في الضياء اللامع في ذلك عند شرحه لقول التاج السبكي: وللحاجي البيع والإجارة. قال في مراقي السعود:

والبيع والإجارة الحاجي                  خيار بيع لا حق جلى

ولهذا فيمكن أن نسميه بالحاجي الضروري لأنه حاجي في أصله ضروري في مئاله أو قل: إنه حاجي في ابتدائه ضروري في انتهائه.

وعلى هذا نستخلص أن المقاصد المتعلقة بالمال منها ما هو في الذروة ، ومنها ما هو دون ذلك، أي منها ما يقع في المقصد الضروري، ومنها ما يقع في المقصد الحاجي، ومنها ما يقع في المقصد التحسيني، فالإجارات مثلاً هي من الحاجي ؛ لأن كلَّ إنسانٍ لا يستطيعُ أنْ يقومَ بعملِه منفرداً، فهو يحتاج أن يستأجر شخصاً ليقوم له بهذا العمل أما الخيار فهو مكمل للحاجي. أما التحسينات فيمكن أن نعتبر منها منع بيوع النجاسات ونحو ذلك؛ لأن الطهارة وإزالة النجاسات في الأصل هو أمر تحسيني.

يقول حلولو في الضياء اللامع عند قول التاج السبكي: والمناسب ضروري وحاجي .. إلى آخره وهو يشرح المناسب الواقع في موقع التزينات والتحسينات: ومنه عند بعض العلماء بيع النجاسات لأن النجس مستخبث مستقذر وجواز بيعه يدل على إقامة وزن له وذلك غير لائق بالعادات[38].

قلت: وهذا يعني أن بعض المعاملات يمكن أن تنزل إلى مرتبة التحسيني فتجوز للحاجة.

قال ابن عاصم:

ونجس صفقته محظورة                    ورخصوا في الزبل للضرورة

ولنا وقفة مع مقصد حفظ المال:

إن الحفظ يقع في المرتبة الخامسة من الضروريات ولكن أكثر الأصوليين جعلوه خاصاً بالحفظ المقابل للاعتداء عليه انطلاقاً من الرؤية القائمة على انبناء الضروري على ترتيب الحد عليه. كما يشي إليه الشاطبي :  المفهوم من وضع الشارع أن الطاعة أو المعصية تعظم بحسب عظم المصلحة أو المفسدة الناشئة منها.

وقد علم من الشريعة أن أعظم المصالح جريان الأمور الضرورية الخمسة المعتبرة في كل ملة وأن أعظم المفاسد ما يكر بالإخلال عليها.

والدليل على ذلك ما جاء من الوعيد على الإخلال بها كما في الكفر وقتل النفس وما يرجع إليه والزنى والسرقة وشرب الخمر وما يرجع إلى ذلك مما وضع له حد أو وعيد بخلاف ما كان راجعاً إلى حاجي أو تكميلي، فإنه لم يختص بوعيد في نفسه، ولا بحد معلوم يخصه.

فإن كان كذلك فهو راجع إلى أمر ضروري. والاستقراء يبين ذلك، فلا حاجة إلى بسط الدليل عليه.

إلا أن المصالح والمفاسد ضربان: أحدهما ما به صلاح العالم أو فساده كإحياء النفس في المصالح وقتلها في المفاسد، والثاني ما به كمال ذلك الصلاح أو ذلك الفساد. وهذا الثاني ليس في رتبة واحدة، بل هو على مراتب.

وكذلك الأول على مراتب أيضا. فإنا إذا نظرنا إلى الأول وجدنا الدين أعظم الأشياء ولذلك يهمل في جانبه النفس والمال وغيرهما.

ثم النفس ولذلك يهمل في جانبها اعتبار قوام النسل والعقل والمال فيجوز عند طائفة من العلماء لمن أكره بالقتل على الزنى أن يقي نفسه به وللمرأة إذا اضطرت وخافت الموت ولم تجد من يطعمها إلا ببذل بضعها جاز لها ذلك، وهكذا سائرها.

وإذا نظرنا إلى بيع الغرر مثلاً وجدنا المفسدة في العمل به على مراتب: فليس مفسدة بيع حبل الحبلة كمفسدة بيع الجنين في بطن أمه الحاضرة الآن، ولا بيع الجنين كبيع الغائب على الصفة وهو ممكن الرؤية من غير مشقة. وكذلك المصالح في التوقي عن هذه الأمور.

فعلى هذا إن كانت الطاعة والمخالفة تنتج من المصالح أو المفاسد أمراً كلياً ضرورياً كانت الطاعة لاحقة بأركان الدين، والمعصية كبيرة من كبائر الذنوب.

وإن لم تنتج إلا أمراً جزئياً فطاعة لاحقة بالنوافل واللواحق الفضيلة. والمعصية صغيرة من الصغائر وليست الكبيرة في نفسها مع كل ما يعد كبيرة على وزن واحد ولا كل ركن مع ما يعد ركناً على وزان واحد أيضا كما أن الجزئيات في الطاعة والمخالفة ليست على وزان واحد بل لكل منها مرتبة تليق بها[39].

وقد اضطربت أقوال العلماء في هذه المسألة فأحيانا يعللون الكليات الخمس بأن الشارع وضع لها الحدود وأحيانا يعللونها بكونها علمت من الدين بالضرورة كما أشار إليه الشوكاني.

وهنا تدخل الواجبات والجائزات والمنهيات التي علمت من الدين ضرورة.

وأحيانا لأنها ضرورة لمصالح العباد وانتظام المجتمع كما أشار إليه الطوفي وغيره.

وهو ضروري لقوة المصلحة المستجلبة كما يشير العز بن عبدالسلام: طلب الشرع لتحصيل أعلى الطاعات كطلبه لتحصيل أدناها في الحد والحقيقة كما أن طلبه لدفع أعظم المعاصي كطلبه لدفع أدناها إذ لا تفاوت بين طلب وطلب، وإنما التفاوت بين المطلوبات من جلب المصالح ودرء المفاسد”[40].

وهذا يجعل الأمر غير محصور والمجال غير مغلق أمام ما قد يظهر أنه ضرورة حاقة يضطر الناس إليها مما جعل بعض المقاصديين المعاصرين يضيفون الحرية والمساواة وغيرهما.

ونشأ عن هذا الاضطراب في حصر وتحديد الضرورات ثلاثة أمور أولها: اختلافهم في موقع بعض القضايا هل هي من باب الضرورات أو الحاجات كالبيع والإجارة والنكاح وهذه النصوص تجلى ذلك فالسبكي في “جمع الجوامع” يقول إن البيع من الحاجي، وكذلك الفهري يرى أن البيع حاجي إلا أنه انتهى إلى أن شرعية أصل البيع من الضروريات فإنه لا يمكن بقاء الحياة بدون الأقوات في الغالب ولا يتوصل إليه إلا بالمعاوضات واختار الأبياري أن الإجارة والبيع من قبيل الضروريات وقال إمام الحرمين البيع ضروري بخلاف الإجارة وجعل الفهري النكاح من الحاجيات وظاهر كلام الأبياري أنه من الضروريات لأنه شرع لتحصين النفوس.[41]

واستشكل العبادي في “الآيات البينات” جعل حفظ المال من الضروري والبيع من الحاجي مع أن ضرورية المال إنما هي لتوقف البنية عليه وحينئذ فأي فرق بين المال الذي في يده والمال الذي يراد تحصيله بالبيع ولم كان حفظ الأول ضرورياً دون الثاني مع التوقف على كل منهما”.[42]

كذلك اختلفوا في صون العرض من الوقيعة فيه هل من الضروري أو الحاجي.

الأمر الثاني: إحداثهم للتتمة وهي الملحق بكل مقصد ليكون في مرتبته بشرط أن لا يبطله.

ولكل من المراتب الثلاث الضروري والحاجي والتحسيني ملحق يلحق به في رتبته والتكملة لها شرط وهو أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال كما أفاده في نشر البنود[43].

ومثل الأبياري لمكمل الحاجي بنفي الغرر قائلاً: إنه تكملة لها لما يتوقع من خصام ونزاع ونفي جميع الغرر يضيق أبواب المعاملات ويحسم جهات المعاوضات والتكميلات إنما تراعى إذا لم يفض اعتبارها إلى إبطال المهمات فإن أفضى إلى ذلك وجب الإعراض عن التتمة تحصيلا للأمر المهم فوجب المسامحة في الأغرار التي لا انفكاك عنها مع يسارة ما يفوت، وبين اليسير والكثير فروع تجاذب العلماء النظر فيها فمن مائل إلى جانب العفو ومن مائل إلى جانب المنع.[44]

قلت: ونفي الغرر يدخل فيما سماه الإمام الطاهر بالوضوح.

الأمر الثالث: اعتراف بعضهم بعدم انحصار الضروري وتداخل المقاصد قال في نشر البنود: قد يكون الحاجي في الأصل ضرورياً كالإجارة لتربية الطفل وبهذا يعلم عدم انحصار الضروري في المذكورات[45].

وفي النهاية فأنا أرى -والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم- أن الكلي الضروري أو الحاجي لا ينبغي حصرهما بالعد اكتفاء بتسويرها بالحد وهو حد لا يضع حاجزاً لقبياً وإنما يضع علامات تؤشر إلى وزن المصلحة ووزن الدليل وحالة المجتمع وظروفه ليكون التواصل بين منظومتي الضروري والحاجي منساباً ليس بالمعنى الذي قرره أبو المقاصد الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي وفطن له وهو أن الضروري لا يستغني عن الحاجي لأنه بمنزلة المكمل له فقد يختل الضروري باختلال الحاجي وكذلك الحاجي مع التحسيني[46].

فهي عنده كاللبنات المتساندة ولكن بمعنى آخر وهو أن مفردات الكلي الحاجي ليست مستقرة في أسفل السلم ولكنها توجد في الكلي الضروري متماهية مع مضمونه ومفاهيمه لكن بعض مضامينها قد يصبح حاجياً طبقاً لميزان المصلحة ووزن الدليل.

فلا غنى لأحدهما عن الآخر فوضع الحدود علامة والوعد والوعيد علامة وقوة المصلحة المستجلبة والمفسدة المستدفعة علامة وقوة الدليل وكلها تتضامن في تشكيل صورة الضروري وتجميع جزئياته.

وطبقاً لهذا المفهوم الجديد القديم فالبيع مثلا هو ضروري حاجي  فلو راجعنا النصوص الشرعية لوجدنا أن البيوع المتعلقة بالطعام قد أحاطها الشارع بقيود وشروط من التقابض والإعلان والترويج ومنع الاحتكار لم يحط به غيرها كما قصر المالكية منع البيع قبل القبض على الطعام دون غيره مما جعل خليلا في التوضيح يقول إنها تعبدية، والقرافي يقول لشرف الطعام.

فلا يمكن والحال هذه إلا أن نقول إنه من باب الضروري إذا قابلناه ببيع أدوات التجميل والترفيه التي تغزو أسواق الجياع والتي هي في أحسن أحوالها تقع في المقصد التحسيني جوازاً وهو المقصد الذي يقع فيه منع بيع النجاسات والجيف وغيرها من محرمات الأعيان ماعدا الخمر فإن منع بيعها ملحق بمقصد العقل وهو ضروري سدا للذريعة “إن الذي حرم شربها حرم بيعها” كما في الحديث الصحيح.

وكذلك منع بيع الصنم سدا لذريعة العبادة فهو ملحق بحفظ الدين.

وبما تقدم لا يكون حفظ المال مقصوراً على جهة الحفظ من الاعتداء عليه بانتزاعه من يد مالكه ولا حفظ النسب مقصوراً على منع الاعتداء على البضع الذي هو من الضروري بل يدخل فيه النكاح ترجيحاً لأحد شقي القاعدة التي ذكرها المقري وغيره ونظمها الزقاق بقوله:

هل النكاح قوت أو تفكه            إعـفـاف والـد عـليـه يفقـه

تأمل الأم وهل تبعـض             دعـوى وبتـة بعـتـق يفـرض

قال في نشر البنود : واختلف أهل مذهبنا هل النكاح من باب الحاجيات بناء على أنه تفكه أو من الضروري بناء على أنه من باب الأقوات ووجه كونه من الضروري أنه شرع لتحصين النفوس”.

فالذي نختاره أن النكاح قد يكون في مرتبة الضروري لمحتاجه احتياجاً شديدا وقد يكون في مرتبة الحاجي للمحتاج الذي لايخاف العنت.

وتصير  الوقيعة في العرض في مرتبة الضروري إذا تعلق بالأنساب وبعضه الآخر في مرتبة الحاجي وهو رأي لبعض الأصوليين معترضاً على تسوية السبكي للعرض بالمال قائلا: إن حفظ العرض قد يكون صيانة للأنساب عن تطرق الشك فيكون أعلى من المال ومنه ما هو دون ذلك.

فتتواصل المنظومتان دون تقيد بالألقاب بل بالنظر لرجحانية المصالح في ضوء الدليل والقرائن الحافة.

وقد انتبه الأصوليون لذلك في النفقة حيث قرروا أن الوصف الواحد قد يكون ضرورياً حاجياً لكن بنسب واضافات كالنفقة فإنها على النفس ضرورية وعلى الزوجة حاجية كما لابن حلولو، وأضاف الطوفي وعلى الأقارب تتمة.

خلاصة القول: إن  العلاقة بين منظومات المقاصد الثلاثة لا ينبغي أن تكون تكاملية كما وصل إليه الشاطبي وكما رسمه ابن حلولو في الضياء اللامع بقوله: واعلم أن الحاجيات والتحسينيات كالتتمة للضروريات والتحسينات كالمكملة للحاجيات فإن الضروريات هي أصول المصالح وكل تكملة فلها من حيث هي تكملة شرط وهي أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال فإنه متى عادت عليه بالاعتبار سقط الاعتبار[47].

بل الذي نقوله هو أن العلاقة اندماجية ونتفق مع أستاذ المقاصد أحمد الريسوني في أن أصل هذا الحصر اجتهادي وبالتالي فهو مفتوح للإضافة مع الاعتراف مع الأستاذ أبي إسحاق في قواعده أن الكليات الخمس هي أصل المصالح ولهذا فستظل العناوين الرئيسية لأن كل المقاصد الأخرى سواء كانت من مقاصد الشارع أو مقاصد المكلفين غير منافية لها ستبقى راجعة إليها إما بالتبع أو الأيلولة، فمجمل الكبائر وكبيرات الفضائل سواء كانت مرجعيتها الفرد أو موضوعها الجماعة لابد أن تلاحظ هذه الكليات بشكل من الأشكال أو ضرب من الضروب، وإن كانت كلمة “حفظ” التي أطلقها الأولون عنواناً للمقصد تشير إلى نوع من الحصر فلو أزيلت ليكون المقصد مثلا: الدين والنفس والمال.. إلى آخره لزال الاعتراض وحصل المطلوب.

وعلى كل حال من أراد أن يتعرف إلى المقاصد في كل جزئية فما عليه إلا أن يرجع إلى ميزان النصوص  وضرورات الناس وحاجاتهم ليثبت المرتبة، وبالنسبة للنصوص فلا أجد أجمع من كلمة لولي الله الدهلوي في الحجة البالغة -التي تعتبر منجماً للمقاصد وإشارة إلى المراتب ولهذا فسأختم بها هذا المبحث- إذ يقول: باب كيفية فهم المعاني الشرعية من الكتاب والسنة: واعلم أن الصيغة الدالة على الرضا والسخط هي الحب والبغض والرحمة واللعنة والقرب والبعد ونسبة الفعل إلى المرضيين أو المسخوطين كالمؤمنين والمنافقين والملائكة والشياطين وأهل الجنة والنار والطلب والمنع وبيان الجزاء المترتب على الفعل والتشبيه بمحمود في العرف أو مذموم واهتمام النبي  صلى الله عليه وسلم  بفعله أو اجتنابه عنه مع حضور دواعيه وأما التمييز بين درجات الرضا والسخط من الوجوب والندب والحرمة والكراهية فأصرحه ما بين حال مخالفه مثل من لم يؤد زكاة ماله مثل له الحديث وقوله  صلى الله عليه وسلم  ومن لا فلا حرج ثم اللفظ مثل يجب ولا يحل وجعل الشيء ركن الإسلام أو الكفر والتشديد البالغ على فعله أو تركه ومثل – ليس من المروءة ولا ينبغي – ثم حكم الصحابة والتابعين في ذلك كقول عمر رضي الله عنه إن سجدة التلاوة ليست بواجبة وقول علي رضي الله عنه إن الوتر ليس بواجب ثم حال المقصد من كونه تكميلا لطاعة أو سدا لذريعة إثم أو من باب الوقار وحسن الأدب وأما معرفة العلة والركن والشرط فأصرحها ما يكون بالنص مثل كل مسكر حرام لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب لا تقبل صلاة أحدكم حتى يتوضأ ثم بالإشارة والإيماء مثل قول الرجل واقعت أهلي في رمضان قال أعتق رقبة وتسمية الصلاة قياما وركوعا وسجودا يفهم أنها أركانها.

قوله صلى الله عليه وسلم: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين”. يفهم اشتراط الطهارة عند لبس الخفين ثم أن يكثر الحكم بوجود الشيء عند وجوده أو عدمه عند عدمه حتى يتقرر في الذهن عليه الشيء أو ركنيته أو شرطيته بمنزلة ما يدب في ذهن الفارسي من معرفة موضوعات اللغة العربية عند ممارسة العرب واستعمالهم إياها في المواضع المقرونة بالقرائن من حيث لا يدري وإنما ميزانه نفس تلك المعرفة فإذا رأينا الشارع كلما صلى ركع وسجد ودفع عنه الرّجز وتكرر ذلك جزمنا بالمقصود.

وإن شئت الحق فهذا هو المعتمد في معرفة الأوصاف النفسية مطلقا فإذا رأينا الناس يجمعون الخشب ويصنعون منه شيئا يجلس عليه ويسمونه السرير نزعنا من ذلك أوصافه النفسية ثم تخريج لمناط اعتمادا على وجدان مناسبة أو على السبر والحذف.

وأما معرفة المقاصد التي بني عليها الأحكام فعلم دقيق لا يخوض فيه إلا من لطف ذهنه واستقام فهمه وكان فقهاء الصحابة تلقت أصول الطاعات والآثام من المشهورات التي أجمع عليها الأمم الموجودة يومئذ كمشركي العرب كاليهود والنصارى فلم تكن لهم حاجة إلى معرفة لمياتها ولا البحث عما يتعلق بذلك أما قوانين التشريع والتيسير وأحكام الدين فتلقوها من مشاهدة مواقع الأمر والنهي كما أن جلساء الطبيب يعرفون مقاصد الأدوية التي يأمر بها بطول المخالطة والممارسة وكانوا في الدرجة العليا من معرفتها ومنه قول عمر رضي الله عنه لمن أراد أن يصل النافلة بالفريضة بهذا هلك من قبلكم فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  أصاب الله بك يا ابن الخطاب وقول ابن عباس رضي الله عنهما في بيان سبب الأمر بغسل يوم الجمعة وقول عمر رضي الله عنه وافقت ربي في ثلاث وقول زيد رضي الله عنه في المنهي عنها إنه كان يصيب الثمار مراض قشام دمان الخ وقول عائشة رضي الله عنها لو أدرك النبي  صلى الله عليه وسلم ما أحدثه النساء لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل وأصرح طرقها ما بين في نص الكتاب والسنة مثل[48].

مقاصد منهيات البيوع:

أجمل ابن رشد أسباب النهي في البيوع فقال: وإذا اعتبرت الأسباب التي من قِبَلها ورد النهي الشرعي في البيوع وهي أسباب الفساد العامة وجدت أربعة:

أحدها: تحريم عين المبيع.

والثاني: الربا.

والثالث: الغرر.

والرابع: الشروط التي تئول إلى أحد هذين أو لمجموعهما.

وهذه الأربعة هي بالحقيقة أصول الفساد وذلك أنَّ النهي إنما تعلق فيها بالبيع من جهة ما هو بيع لا لأمر من خارج.

وأما التي ورد النهي فيها لأسباب من خارج؛ فمنها الغش؛ ومنها الضرر؛ ومنها لمكان الوقت المستحق بما هو أهم منه؛ ومنها لأنها محرمة البيع[49].

فهذه المنهيات منها مقاصد، ومنها وسائل عرفت أحيانا بالتصريح، وأحيانا بالتلويح وقلّ –وهي الجامدة النافية- أن تجد لدى الدارسين تصنيف هذه المقاصد لترتيب الأحكام على ذلك.

والذي يظهر لي أنَّ منهيات العقود هي من التتمات التي يعطى لها حكم ما ألحقت به إن كان ضرورياً فلها حكمه ورتبته أو حاجياً كذلك بشرط واحد هو أن لا تكُر بالابطال على المقصد الذي ألحقت به.

لذا يجب ترتيبها ليستفيد الفقيه في التعامل معها إذا عرضت الحاجات والمشقات أو تعارضت مع ما جرى به عرف المعاملات ولستَ بمدرك إحاطة في ذلك إلا أنك تجد شذرات منه عند الأقدمين حيث تجد في نهي الغرر أنه ملحق بالبيع في رتبة الحاجي عند القائل بذلك وأنه يعفى منه القدر الذي يسبب صعوبة في عملية التعامل حتى لا يبطل الحكمة من إباحة أصله “البيع” الذي هو تبع له.

كما نجد عند ابن القيم أن ربا الفضل من محرمات الوسائل فيعفى عنه للحاجة أي أنه مقصد تابع وليس أصلياً كما أن العينة ونحوها هي من محرمات الوسائل والذرائع التي تخضع للقاعدة العامة وهي أنما حرم للذريعة جاز للحاجة إذا هو مكمل وملحق ليس بالبيع حتى يكون على سلامة واستقامة بل هما تابعان لربا النسيئة وسور له والدين بالدين ملحق وتابع للبيع في مرتبة الحاجي.

ولهذا أجازه مالك للحاجة العامة في أكرياء الحج وبيع الثمار قبل بدو صلاحها محافظة على حق المشتري الذي قد يدفع الثمن في غير مقابل إذا لم توت أكلها وإذا أجيحت الثمرة. واختلف العلماء في ثبوت نوع من الضمان للدرك الذي جعله الشارع ضماناً للعيوب التي لم يطلع عليها المشتري بتقدير العيب الطارئ قديماً باعتبار الأصل واحتراماً للاعواض حتى لا تكون من غير مقابل وذلك من أكل أموال الناس بالباطل.

أضف إلى ذلك أن محرمات الوسائل هي محرمات تابعة لمحرم المقاصد التي تعتبر حماية له وسورا وسياجاً كتحريم البيع وقت صلاة الجمعة محافظة على السعى وبيع السلاح في

فما هو مقصد تحريم الربا مثلاً ؟ :

لقد أجمل الفخر الرازي حكمة تحريم الربا في أربعة أسباب:

أولها: أنه أخذ مال الغير بغير عوض.

ثانيها: أنّ في تعاطي الربا ما يمنع الناس من اقتحام مشاق الاشتغال في الاكتساب، لأنه إذا تعود صاحب المال أخذ الربا خف عليه اكتساب المعيشة فإذا فشا في الناس أفضى إلى انقطاع منافع الخلق لأن مصلحة العالم لا تنتظم إلا بالتجارة والصناعة والعمارة.

ثالثها: إنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس بالقرض.

رابعها: إنَّ الغالب في المقرض أنْ يكون غنياً وفي المستقرض أن يكون فقيراً فلو أبيح الربا لتمكن الغني من أخذ مال الضعيف.[50]

إن عدم التثبت من خصوص المقصد يمنع رفع منع الربا بناء على انتفاء معنى من هذه المعاني لإمكان الانصراف إلى التعبد قال إمام الحرمين في نهاية المطلب: ما لا يعقل معناه على التثبت لا يُحكَّم المعنى فيه.[51]

وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية إنه ظلم لإشارة الآية { فَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}

وقال ابن عاشور: إنه معلل بالمظنة.

والذي أراه أن ربا النسيئة يصنف في المقصد الضروري مع حفظ المال من الاعتداء الذي لا يختلف العلماء في أنه ضروري فهو ملحق به فله رتبته وحكمه فهو أعلى من البيع المختلف في إلحاقه بالضروري أو الحاجي كما أسلفنا.

ولهذا فلا تجيزه الحاجة الماسة وذلك بسبب الوعيد وعدم الاستثناء فيه وتعدد مقاصد التحريم وأنه ليس خاصاً بالبيوع، وإنما تبيحه الضرورة الحاقة في نفس منزلة غصب مال الغير كما أشار إليه السيوطي في المعاملات الفاسدة[52].

ولهذا فيجب أن نضبط التعامل مع المقاصد بالضوابط الخمسة التالية:

الضابط الأول: هو التحقق من المقصد الأصلي الذي من أجله مُنعت المعاملة ؛ لأنه بدون التحقُّق من المقصد الأصلي لا يمكن أن يلغي ؛ إذ يمكن أن ينصرف إلى التعبد مباشرة ؛ لأن الأصل في المصلحة تعبدي كما يقول الشاطبي لأن الشارع هو الذي حدَّدها، وهي مسألة مختلف فيها.

الضابط الثاني: أن يكون ذلك المقصدُ وصفاً ظاهراً منضبطاً ؛ لأنه إذا لم يكن كذلك فلا يمكن التعليل به ؛ فالغرر مثلا يورث البغضاء، والبغضاء صفة نفسية، فهو من باب الحكمة التي قد نلجأ إليها التعليل على خلاف.

الضابط الثالث: أن نحدد درجة المقصد في سلم المقاصد.

الضابط الرابع: النظر في النصوص الجزئية المؤسسة للحكم لأنه من خلالها يمكن ضبط التصرف في ضوء تأكيد الشارع على الحكم أو عدمه ليكون للمقصد مكانه.

الضابط الخامس: هل المقصد منصوص أو مستنبط في الحالة الأولى يرتفع الحكم بزواله وفي الثانية لا يرتفع لكنه يمكن أن يخصص .

الميـزان

ولهذا احتاج الأمر إلى ميزان لضبط التجاذب بين كفتي التحريم والتحليل الناشئ عن قيام التعارض بين النصوص الجزئية وبين المقاصد والقواعد هذه مؤشراته.

أولاً: ميزان الأوامر والنواهي: فالأوامر ليست على وزان واحد حسب عبارة الشاطبي.

كما أن النواهي ليست على وزان واحد.

فما كان من الأوامر والنواهي في درجة الضرورات ليس كما يستقر في مقام الحاجيات والتحسينات.

فالفروع عند التوارد في محل لا يحتمل إلا واحداً ردت إلى كليها ليقدم ما كليه ضروري على ما كليه حاجي أو تحسيني. ( يراجع الشاطبي).

هذا من جهة موقعه في سلم المقاصد والمعيار الآخر هو درجة النهي من حيث الدلالة اللغوية التي تحدد قوة النهي وضعفه وبعبارة أخرى تميز النهي في الدرجة الأولى عن النهي في الدرجة الثانية كما سماه أبو بكر بن العربي في حديثه عن بيع الثمار حيث فهم من قول الراوي نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، كما في حديث ابن عمر إلا أنه في حديث زيد بن ثابت ورد النهي بصيغة “لا تبايعوا الثمار..” فقال ابن العربي..  (القبس /) كما أسلفنا.

ولهذا فقد لا نتفق مع قول العز بن عبدالسلام رحمه الله إنه لا تفاوت بين طلب وطلب وإنما التفاوت بين المطلوب من جلب المصلحة ودرء المفاسد..”” وهو يشير إلى معيار المصلحة بل نقول إن الفرق يعرف من جهة دلالة النصوص اللفظية ومن القرائن الحافة ومن مرتبة الحكم في سلم المقاصد وأيضا من عرضه على المصالح والمفاسد فلا غنى لجهة عن جهة.

فمن دلالة اللفظ النهي بلا تفعل أقوى من النهي بنهي ( لا تأكلوا الربا ) أقوى من “نهى عن بيع الغرر”، كما يفهم من كلام الزركشي.[53]

واستثنى منه العرايا “ورخص في العرايا” والمشاركات كالمساقاة والمزارعة مما فهم منه أن الأمر سهل.

3- النهي بين المقاصد والوسائل: وذلك كالنهي المتعلق بمفسدات العقود فمنه نهي مقاصدي لا تبيحه إلا الضرورة الكبرى كتحريم ربا النسيئة فهو كما يقول ابن تيمية أشد من الميسر والقمار.

ونهي ذرائعي أو تبعي كقضايا العينة وبيوع الآجال تبيحه الحاجة قال ابن القيم: في إعلام الموقعين: ” وما حُرِّمَ سداً للذريعة أُبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم، وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسد ذريعة التشبيه بالنساء الملعون فاعله، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة”[54]

وهذا أمر نافع في عملية الاجتهاد الانتقائي فمحرمات المقاصد لا تواجه بالحاجات وإنما تواجه بالضرورات فلا بد من شيء من التمييز والقدرة على الوزن الثلاثي لدرجة الثبوت ودرجة النهي ومرتبة الحاجة.

ومن هذا القبيل التفريق بين الإجارة وبين البيع فمن الشائع وهو المعروف في المذاهب الفقهية أنَّ الإجارة في معلومية المنافع والأجرة كالبيع في معلومية الثمن والمثمن لكن كثيراً من العلماء ترخصوا في الإجارة بجزء مجهول في الحال معلوم في المئال.

ففي شرح ميارة عند قول ناظم التحفة:

العمل المعلوم من تعيينه            يجوز فيه الأجر مع تبيينه

ما نصه: وما ذكره الشيخ من تبيين الأجر هو المشهور وروى ابن القاسم عن مالك أنه لا بأس باستعمال الخياط المخالط الذي لا يكاد يخالف مستعمله دون تسمية أجر إذا فرغ أرضاه بشيء يعطيه ومن هذا اعمل على دابتي فما حصل فلك نصفه وأخذ عطية ابن قيس فرساً على النصف وأجاز ذلك الأوزاعي وأحمد بن حنبل.

المواق ، وكان سيدي بن السراج رحمه الله فيما هو جار على هذا لا يفتي بعمله ابتداء ولا يشنع على من ارتكبه قصارى أمر مرتكبه أنه تارك للورع وما الخلاف فيه شهير  لا حسبة فيه ولا سيما إنْ دعت لذلك حاجة ومن أصول مالك أنه يراعي الحاجات كما يراعي الضروريات.

ومن نوازل الشعبي : وسئل أصبغ عن رجل استأجر من يعمل له في كرم على جزء مما يخرج من الكرم قال: لابأس بذلك، قيل له وكذلك جميع ما يضطروا إليه مثل ما يستأجر الأجير ليحرس له الزرع وله بعضه، قال: ينظر إلى أمر الناس إذا اضطروا إليه فيما لا بد لهم منه ولا يجدون العمل إلا به فأجوا أن لا يكون به بأس إذا عم، ومثل ذلك كراء السفن في حمل الطعام وسئل سيدي ابن السراج عن إعطاء الجباح لمن يخدمها بجزء من غلتها فقال هي إجارة مجهولة وكذلك الأفران والأرحاء وإنما يجوز ذلك على قول من يستبيح القياس على المساقاة والقراض وحكي هذا عن ابن سيرين وجماعة، وعليه يخرج اليوم عمل الناس في أجرة الدلال لحاجة الناس إليه لقلة الأمانة وكثرة الخيانة، كما اعتذر مالك بمثل هذا في إباحة تأخير الأجرة في الكراء المضمون في طريق الحج لأن الأكرياء ربما لا يوفون فعد مالك هذا ضرورة في إباحة الدين بالدين فالناس مضطرون لهذا ، والله المخلص، انتهى باختصار.

ونقل على قوله في فصل الجعل جعلاً علم أن الجعالة على اقتضاء الدين بجزء مما يقتضى “أشهب” لا يجيزه قال: والظاهر أنه جائز ونقل الشارح مسئلة إعطاء السفينة بجزء عن ابن السراج سؤالاً وجواباً وقال في أثناء أجوبته يجوز ذلك إذا اضطر إليه لأنه علم من مذهب مالك مراعاة المصلحة إذا كانت كلية حاجية وهذا منها وأيضا فإن أحمد بن حنبل وجماعة من علماء السلف أجازوا الإجارة بالجزء في جميع الاجارات قياساً على القراض والمساقاة والشركة وغيرها مما استثني جوازه في الشرع وقد اختلف الأصوليون في جواز الانتقال من مذهب إلى آخر وبعض المسائل والصحيح من جهة النظر جوازه. ثم قال الشارح بعد جواب ابن سراج ما نصه: أقول إن عمل بمقتضى هذه الفتيا فتحت مسائل كثيرة ظاهرها المنع على أصل المذهب.

ونظر الشيخ رحمه الله في هذه الفتيا سديد واحتجاجه فيها ظاهر رحمه الله ونفع به. – من شرح ميارة بلفظه-.

قلت: وبنظرة مقاصدية نجد أنهم جعلوا الإجارات على أداء بعض الأعمال بمنزلة المشاركات فكان الأجير يقدم نفسه والآخر يقدم مشروعه زراعة أو صناعة ليكون الأجير شريكاً فيما ينتج منه.

ثم إن الحاجيات تتعامل مع محظورات ضعيفة حيث يكون للمقصد الحاجي أثر كبير في إباحة المحرمات المجملة بالمعنى العام للإجمال فتكون أساساً للاستحسان والعدول بالمسألة أو بالعقد عن نظيره وإعطائه حكماً يناسب إشباع الحاجة التي تصبح في هذه الحالة مرجحاً في الكفة على مجمل العدل الذي هو أساس تحريم الغرر والجهالة ويتجاوز عن عيب الإرادة الذي يفترضه الشارع في الجهالة لانصراف القصد إلى تحصيل الحاجة الدافع إلى التراضى وقيام وسائل دفع الخصومات والشحناء بسبب كثرة التعامل ويبقى أصل النهي قائماً خوفاً من عرو المحل من بعض مفرداته وبالتالي يقصر المعنى الكلي في جزء من جزئياته.

ولهذا استجازوا في المشاركات ما لم يجيزوا في غيرها. ففي المزارعات والمساقاة بأجزاء مجهولة والجهل مناف لصحة الإجارة لكن الحاجة داعية إلى المشاركات فأجازوها بالجزء باعتبار الكلي الحاجي وباعتبار معلومية المئال.

النوع الثاني في الميزان: وزن حالة الأشخاص:

وهو نوع من تحقيق المناط لم يتعرض له من الأولين إلا الشاطبي سماه تحقيق المناط في الأنواع والأشخاص وأشار إلى أن أنواع تحقيق المناط الأخرى تكفل بها الأولون.

فقد قال الشاطبي إنه ينبغي على المجتهد: النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت وحال دون حال وشخص دون شخص، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد … فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف[55].

ونجد الشيخ عبدالوهاب الشعراني أقام عليه ميزانه في الفقه المقارن حيث اعتبر أن اختلاف الأئمة يرجع إلى هذا الميزان المتمثل في حالة المكلفين من قدرة وقوة تتحمل عزائم التكليف وشدائده ومن ضعف أو فقر تستدعى  الترخيص والسهولة بل علل بها أحكام الشارع ضارباً صفحاً عن دعوى النسخ كما في مس الذكر في حديث طلق بن علي : إن هو إلا بضعة منك”، مع حديث: من مس ذكره فليتوضأ، باعتبار أنَّ الأولَ أعرابيُّ والثاني صحابي راسخ.

ومن ذلك حديث عدي بن حاتم في الصيد عندما أجابه عليه الصلاة والسلام بقوله : كل ما أصميت ولا تأكل ما أنميت”. فمنعه من أكل الصيد إذا غاب وفيه السهم ولم يمت فورا، مع حديث أبي ثعلبة الخشني الذي قال: كُل ولو بات ثلاثاً ما لم يُنتن”.

ووجهه أبو حامد في الإحياء بأن حالة الأول اقتضت التشديد وحالة الثاني وهو فقير يحتاج إلى الطعام اقتضت الترخيص.

وأشار القرطبي إلى هذا الجمع في تفسيره فقال: ولما تعارضت الروايتان رامَ بعضُ أصحابنا وغيرهم الجمع بينهما فحملوا حديث النهي على التنزيه والورع وحديث الإباحة على الجواز وقالوا: إن عدياً كان موسَّعاً عليه فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بالكف ورعاً وأبا ثعلبة كان محتاجاً فأفتاه بالجواز، والله أعلم.[56]

وهذا ما درجنا عليه في فقه الأقليات لأنَّ حالة هؤلاء حالة ضرورة واضطرار وهذا من باب الشفقة بأهل الملة التي أشار لها الحافظ الخطيب البغدادي في صفات المفتي.

وهذا النوع من تحقيق المناط يصلح كأساس للتعامل مع الضرورات والاكراهات التي تقع لبعض المؤسسات المالية المتعاملة مع السوق الدولية في حدود المنطق والعقل والتمسك بأصل شجرة الدِّين دون تحلل كبير يهدد أصل الشجرة بالجفاف أو الاجتثاث فعلى الباحث أن يكون يقظاً “ولو أن يعض على أصل شجرة” كما جاء في حديث الفتن. والله المستعان.

وهو نوع من ارتكاب أخف الضررين وأخف الشرين وأخف المفسدتين.

النوع الثالث: بين الحال والمئال:

فقد يكون أحد العوضين مجهولاً في الحال معلوماً في المئال كبعض الاجارات التي قد لا تعلم في الحال لكنها تعرف مئالاً واستقبالاً.

وقاعدة التردد بين الحال والمئال ذكرها ميارة في تكميل المنهج بقوله:

وما له حالٌ مع المئال               الأول اعتبر وقيل التالي

النوع الرابع: التوازن بين الكلي والجزئي:

بحيث لا يغيب عن بصره الجزئي ولا يغيب عن بصيرته الكلي.

قال الشاطبي: المسألة الأولى: لمَّا انبنتِ الشريعةُ على قصدِ المحافظةِ على المراتبِ الثلاثِ مِن الضرورياتِ والحاجياتِ والتحسيناتِ، وكانتْ هذه الوجوهُ مبثوثةً فِي أبوابِ الشريعةِ وأدلتها، غير مختصة بمحل دون محل، ولا بباب دون باب، ولا بقاعدة دون قاعدة؛ كان النظر الشرعي فيها أيضاً عاماً لا يختص بجزئية دون أخرى؛ لأنها كليات تقضي على كل جزئي تحتها، وسواء علينا أكان جزئيّاً إضافيّاً أم حقيقيّاً؛ إذ ليس فوق هذه الكليات كليٌّ تنتهي إليه، بل هي أصول الشريعة، وقد تمَّت؛ فلا يصحُّ أن يفقدَ بعضُها حتَّى يفتقرَ إلى إثباتها بقياس أو غيره؛ فهي الكافية في مصالح الخلق عموماً وخصوصاً؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾[57] وقال: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ﴾[58] وفي الحديث: ” تَرَكتُكُمْ عَلى الجَادَّةِ “[59] وقوله:” لا يَهْلِكُ عَلى اللهِ إلا هَالِكُ “[60]. ونحو ذلك من الأدلة الدالة على تمام الأمر وإيضاح السبيل.

وإذا كان كذلك، وكانت الجزئيات وهي أصول الشريعة؛ فما تحتها مستمدَّة من تلك الأصول الكلية، شأن الجزئيات مع كلياتها في كل نوع من أنواع الموجودات؛ فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها، فمن أخذ بنص مثلاً في جزئي معرضاً عن كليه فقد أخطأ. وكما أنَّ منْ أخذَ بالجزئي مُعرضاً عن كليه ؛ فهو مخطئ ، كذلك من أخذ بالكلي معرضاً عن جزئيِّه.

وبيانُ ذلك أن تلقِّيَ العلم الكلي إنما هو من عَرْض الجزئيات واستقرائها ؛ وإلاَّ فالكلي من حيث هو كلي غير معلوم لنا قبل العلم بالجزئيات، ولأنه ليس بموجود في الخارج ، وإنما هو مضمَّنٌ في الجزئيات حسبما تقرر في المعقولات؛ فإذاً الوقوف مع الكلي مع الإعراض عن الجزئي وقوفٌ مع شيءٍ لم يتقرر العلم به بعد دون العلم بالجزئي، والجزئيُّ هو مظهر العلم به.

وأيضاً ؛ فإن الجزئي لم يوضع جزئيّاً؛ إلا لكون الكلي فيه على التمام وبه قوامه، فالإعراض عن الجزئي من حيث هو جزئي إعراض عن الكلي نفسه في الحقيقة، وذلك تناقض، ولأن الإعراض عن الجزئي جملة يؤدي إلى الشك في الكلي من جهة أن الإعراض عنه إنما يكون عند مخالفته للكلي أو توهم المخالفة له، وإذا خالف الكلي الجزئي مع أنا إنما نأخذه من الجزئي؛ دلَّ على أنَّ ذلك الكلي لم يتحقق العلم به لإمكان أن يتضمن ذلك الجزئي جزءًا من الكلي لم يأخذه المعتبر جزءًا منه، وإذا أمكن هذا؛ لم يكن بدُّ من الرجوع إلى الجزئي في معرفة الكلي، ودلَّ ذلك على أنَّ الكليَّ لا يعتبر بإطلاقه دون اعتبار الجزئي، وهذا كله يؤكد لك أن المطلوب المحافظة على قصد الشارع؛ لأن الكلي إنما ترجع حقيقته إلى ذلك، والجزئي كذلك أيضاً؛ فلا بد من اعتبارهما معاً في كل مسألة.

فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية، ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة؛ فلا بد من الجمع في النظر بينهما؛ لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفاظ على تلك القواعد؛ إذ كليةُ هذا معلومةٌ ضرورةً بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة؛ فلا يمكن والحالة هذه أن تخرم القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع، وإذا ثبت هذا؛ لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي”[61].

لكن الشاطبي وهو يُقررُ هنا أهميةَ الجزئي فإنه يَكُر في مكان آخر على هذه القاعدةِ بما يُشبه النقضَ حيث يَحكمُ على الجُزئي بالتقهقرِ أمامَ الكليِّ مُحافظةً على النظام قائلاً: والقاعدة المقررة في موضعها أنه إذا تعارض أمرٌ كُليٌّ وأمرُ جُزئيٌّ؛ فالكُلي مقدَّم لأنَّ الجُزئيَّ يقتضي مصلحةً جزئية ، والكليَّ يقتضي مصلحة كلية ، ولا ينخرم نظامُ في العالم بانخرام المصلحة الجزئية ، بخلاف ما إذا قدّم اعتبار المصلحة الجزئية ؛ فإنَّ المصلحة الكلية ينخرم نظام كلِّيتها ، فمسألتنا كذلك ؛ إذْ قد عُلم أنَّ العزيمة بالنسبة إلى كل مكلفٍ أمرٌ كليٌّ ثابت عليه ، والرخصة إنما مشروعيتها أنْ تكون جزئية ، وحيث يتحقق الموجب ، وما فرضنا الكلامَ فيه لا يتحقق في كلِّ صورة تُفرض إلا والمعارض الكُليُّ ينازعه ؛ فلا يُنجى من طلب الخروج عن العُهدة إلا الرجوع إلى الكُليّ وهو العزيمة[62].

وفي هذا تندرج الموازنة بين المقاصد والنصوص الجزئية وبين القواعد والفروع.

وبخاصة في عمليات الاجتهاد المطلق بالاستحسان.

النوع الخامس: الموازنة بين المصلحة المتقاضاة بالعقل ومقتضيات النقل:

بين من يقول باعتبار المصلحة إذا تعارضت مع النقل وبين من يقول إن أصل المصلحة تعبدي.

وقد كان الطوفيُّ صريحاً في تحكيم المصلحة وذلك في شرحه للأربعين النووية حيثُ يقولُ: “أما المعاملات ونحوها، فالمتبع فيها مصلحةُ الناسِ كما تقرَّر. فالمصلحةُ وباقِي أدلةِ الشرعِ إمَّا أنْ يتفقا أو يختلفا. فإن اتفقا فبها ونعمت …. وإن اختلفا فإنْ أمكنَ الجمعُ فاجمع بينهما…. وإن تعذَّر الجمعُ بينهما قُدمت المصلحةُ على غيرها ؛ لقوله r: ”لا ضررَ ولا ضرارَ“[63].

وهو خاصٌّ في نفِي الضررِ المستلزمِ لرعايةِ المصالحِ فيجبُ تقديمُه، ولأنَّ المصلحةَ هيَ المقصودةُ منْ سياسةِ المكلَّفين بإثباتِ الأحكامِ وباقِي الأدلةِ كالوسائِل. والمقاصدُ واجبةُ التقديمِ على الوسائل”[64].

وعلى العكسِ مِن موقفِ الطُّوفيِّ فقدْ شدَّد بعضُ العلماءِ علَى أنَّ المصالحَ مرجعُها شرعيٌّ فقط. ويمثِّل أصرحَ أهلِ هذا الاتجاهِ التبريزيُّ في كلامه بنقلِ القرافيِّ، وفيهِ إنَّ المصلحةَ ليستْ مطلوبةً بكلِّ سبيلٍ، ولا بواسطةِ كلِّ حكمٍ.

وانتهَى إلَى القولِ: والسرُّ أنَّ المصالحَ ليستْ واجبةَ الرعايةِ ولا أنها مرعيةٌ لصفةِ ذاتها عندَ أهلِ الحقِّ، بل إنما استحقَّت الرعايةَ لموجبِ الخطابِ ومقتضَى الوضعِ والنصب.

ولهُ تعالَى أنْ يلغيَ ما اعتبرَه في حالةٍ أخرى مِن غيرِ تأثيرٍ لتلكَ الحادثةِ.

ويقول: إنَّ اعتبارَ جنسِ المصالحِ فِي جنسِ الأحكام يعارضُه إلغاءُ المصالحِ فِي جنسِ الأحكام[65].

إلا أن الموقف الوسط هو وزن الدليل من حيث وضوح الدلالة وثبوت الورود فلا ترده المصلحة في مرتبة الحاجة لأنه في مرتبة الضرورات وتوضيح ذلك من تعامل العلماء ما قرره الأحناف من اغتفار أبوال الحيوانات في الطرقات للمشقة التي هي في مرتبة الحاجة وعدم اغتفار بول الإنسان لقوة الدليل.

النوع السادس: وزن ما كان من حق الله:

فلا يجوز إسقاطه ولا يمضى بعد العقد كالربا وما كان من حق الآدمي أو متجاذباً فيمضى بعد القبض كالغرر عند أبي حنيفة.

النوع السابع: وزن نية العقد:

هل فيه شائبة معروف فيغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره أم هو محض عقد مكايسة فلا يغتفر فيه.

قال ابن رشد في سماع ابن القاسم المتقدم ظاهر هذه الرواية جواز بدل الطعام المعفون بالصحيح السالم على وجه المعروف في القليل والكثير ومنع ذلك أشهب كالدنانير الكثيرة النقص”[66].

قال خليل: وجازت مبادلة القليل المعدود دون سبعة بأوزن منها” قال المواق: ابن رشد كره مالك أن يعطى الرجل المثقال ويأخذ أربعة وعشرين قيراطاً معدودة مراطلة لأن الشيء إذا وزن مجتمعا ثم فرق زاد أو نقص وأجاز ذلك ابن القاسم استحساناً على وجه المعروف.[67]

ومن ذلك أنهم أجازوا إجارة لا تعرف فيها طبيعة المنافع المستأجر عليها ولا الذات المستأجرة وذلك في صيغة عرفت عند المالكية بـ”أعني بغلامك لأعينك”.

وتصور هذه المسألة من مختصر خليل ممزوجاً بشارحه الزرقاني : ” وجاز أعني بغلامك على حرثي ونحوه لأعينك بغلامي. أراد أو نفسي على حرثك أو غيره . ولذا حذف متعلق حال كون ذلك ، إجارة لا عارية  ، لأنها بغير عوض وهذا بعوض ، اتحدت المنفعة أم لا ، تساوى زمنها أو اختلف ، تماثل المعان به للآخر أم لا ، كحرث وبناء وغلام وثور فلا يشترط اتحاد المنفعة ولا عين المستعمل) . وهذه إجارة ومعلوم أن الإجارة كالبيع . أركانها ، والركن الثاني – الأجر- هو كالثمن يطلب كونه معروفاً قدراً وصفة ” هذا كلام ابن عرفة[68]

وهذه الصيغة التي اعتبرت تشتمل على جهل قدر الأجرة وصفتها ؛ لأنها قد تكون ثوراً في مقابل غلام ، وقد تكون حرثاً في مقابل البناء لأن الإعانة معروف حسب عبارة الزرقاني[69]. قال ابن شاس لو قال أعني بغلامك يوماً وأعينك بغلامي يوماً فليس بعارية بل ترجع إلى حكم الإجارة لكن أجازه ابن القاسم ورآه من الرفق (المواق:5/269) .

وسمع القرينان لا بأس أن يقول الرجل العامل لمثله أعني خمسة أيام وأعينك خمسة أيام في حصاد زرعك ودرسه وعمله، ابن رشد: لأنه من الرفق. فكان ذلك ضرورة تبيح ذلك وإنما يجوز ذلك فيما قل وقرب من الأيام وإن اختلفت الأعمال. (المواق: 4/418)

قلت: قوله فكان ذلك ضرورة إلى آخره معناها هنا الحاجة كما قدمنا.

النوع الثامن:

ضبط المقصد هل هو في مرتبة العلة طبقاً لعلاقته بالنص الخاص. أم في مرتبة الحكمة.

النوع التاسع:

هل العلة منصوصة أم مستنبطة لا يمكن أن تلغى النص كالثمنية في الذهب والفضة.

إشكالات المقصد المستنبط :

الإشكالات التي تواجه المتعامل مع المقاصد هي كون الموضوع المطلوب معه مقصدياً أكد الشارع فيه على الحكم دون إشارة واضحة إلى المقصد بحيث يدرك المجتهد من خلال التأكيد على الحكم أن مفسدة كبرى يتوخى الشارع درءها في النهي فيصعب كسر الحكم من خلال المقصد المستنبط لأن النهي نفسه مقصد ابتدائي والعلة مقصد ثان فلا يمكن إلغاؤها للحكم وإنما ذلك في العلة المنصوصة أو شبه المنصوصة:

وقد تخصص وقد تعمم                   لحكمها لكنها لا تخرم

كما قال في المراقي.

قاعدة النظر في المئالات إنما هي في حقيقتها قاعدة الموازنة بين مصلحة أولى بالاعتبار أوبين مصلحة ومفسدة ، إلا أنها في الغالب تعنى أن المصلحة أو المفسدة المرجحة متوقعة.

وهذا التوازن أساس من أسس الفتوى والاجتهاد لا يجوز للفقيه أن يغفل عنه أو يتغافل فالمصالح ليست على وزان واحد كما أن المفاسد ليست على وزان واحد وبالتالي درجة الحكم بحسب درجة المصلحة اكادة في الواجبات أو درجة المفسدة فقد يترك الواجب للمحافظة على الواجب الآكد وإرتكاب المفسدة الصغرى لتفادي المفسدة الكبرى.

فلا يمكن أن تستنبط علة الثمنية لتخرم بها النهي عن الربا في الذهب والفضة لكونها لم تعد أثماناً لأنها غير قطعية والنهي قطعي فالمقصد المظنون لا يفك عقدة النص الصريح.

ثالثاً: مسألة ضبط المقصد في حالة النهي

كإجارة عسيب الفحل مثلاً ضبطه مالك النهي فيه بعدم الانضباط ووجود الجهالة المطلقة وأجازه بمرات وزمان فإن عقت انفسخت.

لأن إبطال النهي في كل محاله وأحواله دون نص من الشارع علي علة يدور عليها الحكم بل بعلة اجتهادية يمثل خروجاً عن ضبط الشرع لاحتمال أن تكون العلة ليست التي استنبطها المجتهد وبالتالي ترد النصوص بالاحتمال ولكن تخصيصها واستثناء بعض الصور المنضبطة بالعلة المستنبطة أمر سائغ ومقبول بخاصة عند مالك الذي يخصص بالمعاني انطلاقاً من كون العموم من صفات المعاني وليس قاصراً على الألفاظ وبهذا ينضبط الاستحسان إذا كان التخصيص بالعرف أو التعامل كما سماه الأحناف لرد القياس وليس لاعتراض نص، كمسألة جزء من المنسوج للخائط بخلاف قفيز الطحان .

إن وضعنا خارطة طريق للتعامل مع المقاصد الكلية والجزئية في المعاملات ألفينا أن بعضها موجه وليس منتجاً إلا من خلال الجزئيات المنصوصة أو القواعد الأشد لصوقاً بها لأنه عام جداً ومشكك وفضفاض ويشتمل على درجات عديدة من الأحكام كالعدل مثلا فإنه قد يكون في درجة الوجوب وفي درجة الاستحباب وقد يختلف العلماء في بعض جزئياته إذا عرت من قرينة كمسألة نحلة الأولاد.

ولولا النصوص الكثيرة المتعلقة بالربا لما استبانت بعض العقول صلته بالظلم ( وإنْ تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون).

ولهذا فلا مناص من النظر في الجزئيات ووضع خريطة تراتبية لها والتفريق بين المبادئ الكبرى التي تحكم المعاملات والتي تمثل قيماً موجهة جاذبة وحافزة من استخلاف واستعمار وعدل وبين المقاصد اللصيقة بالعقـد من تقابض وتوثيق بإشهاد وكتابة ورهن. والتراضي والأهلية وحسن التدبير والتثمير وغيرها من المقاصد الإيجابية للعقد لجلب المصلحة للمتعاقدين أو تلك المقاصد الدارئة للمفاسد من جهة العدم كمنع الربا والغرر والجهالة والغش والتدليس.

مسائل اجتهادية مُعطَّلـة

 

نحاول حلها أو تقديم رؤية فيها من خلال المقاصد بميزان المصالح والمفاسد، وهو ميزانٌ قد يجورُ ويحيفُ إذا لم نحسنْ وضعَ الصنجةِ فِي الكفَّة.

وذلك أولاً: بإيجاد حكم اجتهادي في محل غير منصوص عليه لدى الفقهاء المتقدمين.

ثانياً: ترجيحُ قولٍ ضعيفٍ علَى قولٍ قويٍّ بسبب ظهور دليله أو كثرة القائلين به، فيرجح عليه القول الضعيف وهذَا الترجيحُ كما أسلفنَا يعتمدُ علَى قوَّةِ المقصدِ فِي الوقتِ الحاضرِ .

ولهذَا فإنَّي أقولُ لطلبتِي إنَّ مكانةَ القولِ الراجحِ محفوظةٌ، وحقوقُه مصونةٌ ؛ لكنَّ المقاصدَ تحكُم عليهِ بالذهابِ فِي إجازةٍ، ولاَ تحيلُه إلَى التقاعدِ، ريثمَا تختفِي المصلحةُ التِي مِن أجلِها تبوَّأ القولُ الضعيفُ مكانَه .

ولكنَّ الأمرَ يحتاجُ إلَى ميزانٍ يتمثَّلُ فِي النظرِ فِي الدليلِ الذِي يستندُ إليهِ القولُ الراجحُ الذِي قدْ لاَ يكونُ إلاَّ ظاهراً  أوْ فعلاً محتملاً.

هذا مِن جهةِ الدلالةِ. ومن جهة المعقولية قد يكون قياساً غير جلي أو ذريعة غير قطيعة المئال وأيضاً مِن جهةِ الثبوتِ قدْ يكونُ خبرَ آحادٍ ونحوَه.

ثمَّ إنَّ القول الضعيف غيرَ العري عن الدليل والقائلَ به مِن أهلِ العلمِ الذينَ عُرفتْ مكانتُهم، وأنَّهم أهلٌ لأنْ يُقتدَى بهِم.

وبذلكَ يكونُ الترجيحُ بالمقصَد متاحاً، بلْ ومتعيناً .

ولدينا عشراتُ المسائلِ مِن هذَا النوعِ فِي مختلف أبوابِ الفقهِ ولا سيَّما في المعاملات التي تستندُ إلى الضروراتِ والحاجات المنزَّلةِ منزلةَ الضروراتِ.

ولأطبَّقَ هذِه المعاييرَ سأضربُ أمثلةً للتعامل المقاصدي مع بعض المعاملات المستجدة.

أولاً: التضخُّم:

وهو: ارتفاعٌ في الأسعارِ وانخفاضٌ في قيمةِ العملاتِ، ويقولُ عنهُ لاروس الفرنسِي: وضعٌ أوْ ظاهرةٌ تتميزُ بارتفاعٍ عامٍّ دائمٍ متزايدٍ بنسبٍ متفاوتةٍ للأسعارِ[70].

فما هوَ حكمُ الشرعِ فِي تعديلِ مَا ترتَّب بذمةِ المدينِ للدائنِ فِي حالةِ التضخُّم ؟

مذهبُ الجمهورِ أنْ لاَ عبرةَ بالرُّخْصِ والغلاءِ بالنسبةِ لمَا ترتَّبَ مِن الديونِ فِي الذِّمة.

وذهبَ أبُو يوسفَ إلَى أنَّه معتبرٌ ومؤثِّرٌ فيمَا يقضيهِ.

دليلُ الجمهورِ أنَّ المدينَ إذا ردَّ أكثرَ عدداً ممَّا في ذمتِه كانَ ذلكَ مِن قبيلِ الرِّبا بخاصة إذَا كانَ شرطاً أو عادةً.

لا يوجدُ نصٌّ فِي الشرعِ بخصوصِ هذِه القضيةِ على هذه الصفة، والنصوصُ كلهَا تتعلقُ بالنقدينِ الذهبِ والفضةِ، وهمَا فِي الاستقرارِ يختلفانِ عنِ النقودِ الورقيةِ، وهذا الزمانُ يختلفُ عنْ ذلكَ الزمانِ، فالعملاتُ معرَّضةٌ للتضخمِ أحياناً بسببِ الحروبِ، كالدينارِ العراقِيِّ والليرةِ اللبنانيةِ فِي زمنِ الحربِ، وتارةً بسببِ الكوارثِ، أوْ قراراتِ منظمةِ الدولِ المصدرةِ للنفطِ، أو البنك المركزي إذَا ضخَّ قدراً زائداً مِن العملةِ فِي السوقِ.

فالواقعُ قدْ تغيَّر والتضخمُ الجامحُ يجعلُ الدائنَ إذَا أدَّى دينَه بنفسِ العددِ معرَّضاً للخسارةِ.

المقصدُ الشرعيُّ الأعلَى: العدلُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾

والمقصدُ الآخرُ: نفيُ الضررِ «لاَ ضررَ ولاَ ضرار».

والأصلُ الخاصُّ الذِي يقاسُ عليهِ هوَ الجائحةُ فِي حديثِ مسلمٍ عنْ جابرٍ أنَّ النبيَّ r أمرَ بوضعِ الجوائِح. وعنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ r: إنْ بعتَ مِن أخيكَ ثمراً فأصابتْهُ جائحةٌ فلاَ يحلُّ لكَ أنْ تأخذَ منهُ شيئاً، لِمَ تأخذ مالَ أخيكَ بغيرِ حق؟[71]

التضخمُ إذاً جائحةٌ ؛ النتيجةُ: يجبُ اعتبارُ التضخُّمِ فيمَا يترتُّبُ فِي الذِّمَّة .

المجامعُ الفقهيةُ لاَ تزالُ جامدةً علَى الأصلِ العامِّ بأنَّ الديونَ تُقضَى بمثلِها دونَ نظرٍ فِي التقلباتِ، والمسألةُ لاَ تزالُ منشورةً أمامَ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ الدولِيِّ.

ثانياً: مسألة بيع دين السلم لغير من هو عليه:

يقولُ الجمهورِ إنَّ ذلكَ لاَ يجوزُ لأنَّه مِن بابِ بيعِ الدينِ فيكونُ مِن بابِ بيعِ مَا ليسَ عندكَ، وذهبَ مالكٌ إلَى جوازِه مَا لَم يكنْ طعاماً بشروطٍ.

الجمهورُ استدلُّوا بجملةٍ مِن الأحاديثِ تنهَى عنْ بيعِ مَا ليسَ عندَك، باعتبارِ عمومِ الصيغةِ، أكثرُها فِي الطعامِ، ودليلُهم ليسَ بالقويِّ، وقولُ ابنِ عباسٍ: أحسب أن كل شيء كالطعام. إنَّما هوَ اجتهادٌ منه.

وهو دليل من جهة أخرى لمالك لأن ابن عباس قال إنه عليه الصلاة والسلام إنما نهى عن الطعام.

المالكيةُ قصرُوا النهيَ علَى الطعامِ، واعتبرَه بعضُهم تعبدياً، كما فِي التوضيحِ، وعلَّلهُ القرافيُّ بأهميةِ الطعامِ والأقواتِ، وأجازُوا بيعَ دينِ السلمِ فِي غيرِ الطعامِ ؛ بناءً علَى عمومِ ﴿وأحلَّ اللهُ البيعَ﴾

الواقعُ: إنَّ كثيراً مِن الصفقاتِ تُجرى فِي سلعٍ في الذِّممِ كالبترولِ والمعادنِ.

المقصدُ الشرعيُّ: التيسيرُ علَى الناسِ فِي معاملاتِهم وقبولِ أعرافِهم، وأصلُ الأذْنِ.

النتيجةُ: جوازُ ذلكَ. ولاَ تزالُ المجامعُ الفقهيةُ غيرَ موافقَة.

ثالثاً: مسألةُ تأجيلِ العِوضين:

وهيَ مسألةٌ نُقلَ فيهَا الإجماعُ بالتحريمِ، وعلَّل ذلكَ القرافيُّ فِي “الفروق” بأنَّه سببٌ لكثرةِ الخصوماتِ، فمنعَ الشارعُ مَا يفضِى إلَى ذلكَ وهوَ بيعُ الدينِ بالدينِ.

ولاَ يوجدُ نصٌّ قاطعٌ، فحديثُ النهيِ عَن الكالئِ بالكالئِ حديثٌ ضعيفٌ، وقالَ الإمامُ أحمدَ رحمَه اللهُ تعالَى إنَّه لمْ يثبتْ شيْءٌ فِي ذلكَ، إنَّما هُو الإجماعُ.

وفي الواقع: أصبحَ الكثيرُ مِن المعاملاتِ الدوليةِ تقوم علَى هذَا النوعِ مِن الديونِ فالبترولُ مثلاً يتعاملُ فيهِ المتعاملونَ أشهراً قبلَ التسليم وبدونِ أنْ يُقدَّمَ الثمنُ ليكونَ سلَماً، وقدْ وُضعتْ أدواتٌ تمنعُ الخصوماتِ وتضبطُ المعاملاتِ والناسُ بحاجةٍ إلَى مثلِ هذِه العقودِ لأنَّ نظامَ التعاملِ العالميِّ يفرضُها.

أمَّا الإجماعُ فقدْ نُقل فِيه قولُ سعيدِ بنِ المسيبِ بجوازِ تأجيلِ البدلينِ، وسعيدٌ رضيَ اللهُ عنهُ مِن أعلم التابعينَ بالبيوعِ حسبَ عبارةِ ابنِ تيميةَ وخيرِ التابعينَ كمَا رُويَ عنْ أحمدَ.

ومذهبُ سعيدٍ تلوحُ أقباسٌ منهُ فِي مذهبِ مالكٍ الذِي جوَّزَ تأخيرَ رأسِ مالِ السلَمِ لثلاثةِ أيامٍ بشرطٍ وبدونِ شرطٍ إلى حلولِ أجلِ المسلَمِ فِيهِ.

أفلاَ يجوزُ أنْ نقولَ مِن بابِ رفعِ الحرجِ بجوازِ ذلكَ اليومَ ؛ بناءً علَى مقصدِ انقضَى ومقصدٍ تأكَّد.

ولنزيد الأمر وضوحاً نقول: إنَّ قاعدة تأجيل البدلين يَعترضُ عمومَها التخصيصُ ويعرض شمولها التنصيصُ فللحاجة مجالُ في تخصيصها لأنَّ أوصاف الأعواض من جملة الحاجيات إن لم تكن من الكماليات.

وهي مسألة من مسائل الحاجيات التي للمقاصد فيها كلمتها بإزاء النصوص الجزئية والقواعد. وقد أشار الشاطبي إلى ذلك حيث يقول: المسألة الثالثة: كل تكملة فلها -من حيث هي تكملة- شرطٌ، وهو: أنْ لا يعود اعتبارُها على الأصل بالإبطال، وذلك أنَّ كلَّ تكملةٍ يفضي اعتبارها إلى رفض أصلها؛ فلا يصح اشتراطُها عند ذلك؛ لوجهين:

أحدهما: أنَّ في إبطال الأصل إبطال التكملة؛ لأنَّ التَّكملة مع ما كملته كالصِّفة مع الموصوف، فإذا كان اعتبار الصفة يؤدِّي إلى ارتفاع الموصوف؛ لزم من ذلك ارتفاع الصِّفة أيضاً، فاعتبار هذه التكملة على هذا الوجه مؤدٍّ إلى عدم اعتبارها، وهذا محال لا يتصوَّر، وإذا لم يتصور؛ لم تُعتبر التكملة، واعتبر الأصل من غير مَزِيد.

والثاني: أنَّا لو قدرنا تقديراً أنَّ المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الأصلية؛ لكان حصول الأصلية أولى لما بينهما من التفاوت.

وبيان ذلك أنَّ حفظ المهجة مهمُّ كلىُّ وحفظ المروءات مستحسن؛ فحُرِّمت النجاسات حفظاً للمروءات، وإجراءً لأهلها على محاسن العادات، فإن دعت الضَّرورة إلى إحياء المهجة بتناول النجس؛ كان تناوله أولى.

وكذلك أصل البيع ضروري، ومنع الغَرَر والجهالة مكمل، فلو اشترط نفي الغرر جملة لا نْحَسَم باب البيع، وكذلك الإجارة ضرورية أو حاجية، واشتراط حضور العوضين في المعاوضات من باب التكميلات، ولما كان ذلك ممكناً في بيع الأعيان من غير عسر؛ منع من بيع المعدوم إلا في السَّلَم، وذلك في الإجارات ممتنع؛ فاشتراط وجود المنافع فيها وحضورها يسدُّ بابَ المعاملة بها، والإجارة محتاج إليها؛ فجازت وإن لم يحضر العوض أو لم يوجد[72].

وإذا عالجنا المسألة مقاصدياً في محاولة لإدراك علة منع تأجيل البدلين أو أحدهما في بعض المعاملات وجدنا جواباً للقرافي وآخر لولي الله الدهلوي في الحجة البالغة وذلك مما يفتح الباب أمام الاجتهاد عند أمن الوقوع في محذور الخصومة التي أشارا إليها فقد أشار القرافي في الفروق إلى المقصد من منع تأجيل البدلين بقوله: وها هنا قاعدةٌ وهي أَنَّ مطلوب صاحب الشَّرع صلاح ذات البين وحسم مادَّة الفساد والفتن حتى بالغ في ذلك بقوله عليه السَّلام:” لَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تَحَابُّوا”.، وإذا اشتملت المعاملة على شغل الذِّمَّتَيْنِ توجَّهتْ المُطالبةُ منْ الجهتين فكان ذلك سببًا لكثرة الخُصومات والعداوات فمنع الشَّرعُ ما يفضي لذلك وهو بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ[73].

قلتُ: يفهم من ذلك أننا إذا توصلنا إلى آليات تحسم مادة الخصومات وترفع غائلة العداوات ودعت إلى تأجيل البدلين دواعي عوادي الحاجات ما كان ذلك فنداً من القول ولا فيولة في الرأي.

ومما يدل على جواز تأجيل البدلين تخصيص الشارع وجوب التقابض بالنقدين أو الطعامين لما يؤدي إليه التأجيل فيهما من المنازعة الشديدة.

وقد نبه ولي الله الدهلوي على مقصد الشارع في وجوب التقابض فيهما بقوله: وإنما أوجب التقابض في المجلس لمعنيين :

أحدهما: أن الطعامَ والنقدَ الحاجةُ إليهما أشد الحاجات وأكثرها وقوعاً، والانتفاع بهما لا يتحقق إلا بالإفناء والإخراج من الملك، وربما ظهرت خصومة عند القبض ويكون البدل قد فني، وذلك أقبح المناقشة ، فوجب أن يسد هذا الباب بألا يتفرقا إلا عن قبض ، ولا يبقى بينهما شيء ، وقد اعتبر الشرع هذه العلة في النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفى ، وحيث قال في اقتضاء الذهب من الوَرِق: “ما لم تتفرقا وبينكما شيء”.

والثاني: أنه إذا كان النقد في جانب والطعام أو غيره في جانب ، فالنقد وسيلة لطلب الشيء كما هو مقتضى النقدية ، فكان حقيقياً بأن يبذل قبل الشيء وإذا كان في كلا الجانبين النقد أو الطعام كان الحكم ببذل أحدهما تحكُّماً، ولو لم يبذل من الجانبين كان بيع الكالئ بالكالئ وربما يشح بتقديم البدل ، فاقتضى العدل أن يقطع الخلاف بينهما ، ويؤمرا جميعاً ألا يتفرقا إلا عن قبض ، وإنما خص الطعام والنقد ؛ لأنهما أصلا الأموال وأكثرها تعاوراً ، ولا ينتفع بهما إلا بعد إهلاكهما، فلذلك كان الحرج في التفرق عن بيعهما قبل القبض أكثر وأفضى إلى المنازعة، والمنع فيهما أردع عن تدقيق المعاملة.

واعلم أن مثل هذا الحكم إنما يراد به ألا يجري الرسم به ، وألا يعتاد تكسب ذلك الناس ، لا أن لا يفعل شيء منه أصلاً ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لبلال: ” بِعِ التمرَ ببيعٍ آخر، ثم اشترِ به”[74].

قلت: يفهم منه أن غير النقد والطعام الأمر فيه أهون والخطب فيه أيسر وهو كذلك فلو انضبطت معاملات تأجيل البدلين ولم تكن في طعام ولا نقدين لما كان القول بها إداً إذا لم تجد الأسواق عنها بُداً وبخاصة تلك المعاملات التي بها الأعراف قد استتبت والمبادلات قد اتلأبت وقد أجاز مالك الاستصناع بلا تحديد أجل لبداية العمل والأحناف يجيزونه استحساناً للمح صفة الإجارة فيه والاستحسان يقوم عنده على معنى مقصدي وقد سمي قياساً خفياً وقد أجاز مالك الدين بالدين في مسألة أكرياء الحج ولكن لو لاحظنا المعنى المقصدي في منع الدين بالدين الذي ذكره القرافي وهو أنه إنما منع لما يؤدى إليه من الخصومات في كلامه السابق.

وإذا اعتبرنا الحاجة الماسة إلى التعامل بهذه العقود واعتبرنا أن منع الدين بالدين مكمل لمقصد البيع فلا يمكن أن يعترضه إذا عالجنا المسألة من منطلق مقاصدي فنضبطه بثلاثة عناصر: 1- عدم وجود نهي قوي في المسألة.

  • عدم وجود إجماع نطقي.

ومذهب سعيد وما رأينا من مذهب مالك يدلُّ على أنه لم يثبت كما أنَّه لو ضبط هذا النهي بالمقصد لتخصيص عموم متعلقه بما يؤدى إلى خصومة لكان صواباً.

  • قيام حاجة فعلية إلى هذا التعامل الذي لا توجد فيه المفسدات الكبرى للعقد وهي المشار إليها فإجازة هذه العقود المؤجلة البدلين يبدو أمراً لا غبار عليه مقصدياً وهو مقصد منضبط. والله تعالى أعلم.

رابعاً: مسألةُ “الضمانِ بجُعل”:

الذِي حُكيَ الإجماعُ علَى تحريمِه لأنَّ الضمانَ يجبُ أنْ يكونَ قربةً، معَ أنَّه لاَ يوجدُ نصٌّ مِن كتابٍ أوْ سنَّة يحرمُ ذلكَ، وقدْ أجاز إسحاق بن راهويه الضمان بجعل وأصبحتْ ضماناتُ البنوكِ مأجورةً.

ويمكنُ إعادة النظرِ فِي كلِّ المعاملاتِ التِي لاَ تشتملُ علَى أحدِ مفسداتِ البيعِ الثلاثةِ التِي قالَ عنهَا ابنُ العربِي: القاعدةُ الثانيةُ: الفسادُ يرجعُ إلَى البيعِ مِن ثلاثةِ أشياءَ: إمَّا مِن الربَا. وإمَّا مِن الغررِ والجهالةِ. وإمَّا مِن أكلِ المالِ بالباطلِ[75].

وقد سبقه إليه القاضي عبدالوهاب في التلقين. مع أنَّ هذه الأصول الحاكمة عند التفصيل تصبح خمسة باعتبار ما يرجع إلي المعقود عليه “السلعة” من حرمة عين المبيع أو إلى الشروط التي تئول إلى الغرر أو إلى الربا أو إليهما معاً وكذلك الغش والتدليس والضرر ، وهي مندرجة في أكل أموال الناس بالباطل.

خامساً: عقود الخيارات:

ومن المعلوم أن الخيار التعاقدي عند الفقهاء هو : ( بيع وقف بته أولاً على إمضاء يتوقع) على حد تعريف ابن عرفة المالكي .

وإنما قلنا التعاقدي احترازاً من خيار المجلس وخيار النقيصة ، لأن هذه لم يتعاقد عليها الطرفان، والخيار إنما يكون في اشتراء سلعة مالية ، أما هذا الخيار فهو أن يكون لأحد المتعاقدين الحق في فسخ العقد في موعد التصفية ، أو قبل حلوله ، أو تنفيذ العقد إذا جاءت تقلبات الأسعار في صالحه وذلك في مقابل مبلغ يدفع مقدماً ولا يُرد للمضارب ، يعرف بالتعويض ، ويعطى هذا الحق المشترى فيكون له الخيار بين استلام الصكوك ودفع الثمن المتفق عليه أو فسخ الصفقة مقابل تعويض.

كما أن بإمكانه أن يتنازل عن هذا الخيار لشخص ثالث مقابل عوض يدفعه له.

وتصر المجامع  على عدم جواز ذلك باعتبار أنه ليس متمولاً ولكن إذا توسعنا في تعريف المالية والمنفعة لتشمل ما ينتفع به الإنسان من حق يمكن أن يؤل إلى المالية بشكل من الأشكال لأجرينا ذلك مجرى إسقاط الشفعة بمال عند المالكية ومسألة التنازل للضرة عن ليلتها بمال ومسألة الكف عن سوم السلعة مقابل مال عند المالكية ومسألة حق الاصطياد واستخراج الذهب وكلها حقوق آئلة إلى المال.

وكذلك اشتراء اختصاص شخص بمعدن ذهب ليرفع يده عنه وإباحة صيد بركة.(الزرقاني5/222)

وكذلك يجوز إعطاء عوض لمن يكف عن المنافسة في سوم سلعة فلو قال شخص لمن يسوم سلعة كف عن سومها ولك دينار جاز ولزمه الدينار وكذلك كف عني ولك بعضها على وجه الشركة.

قاله ابن رشد، وإن كان ابن ملال يستشكله فقد قال العبدوسي ألا إشكال فيه لأنه عوض على ترك وقد ترك.

وكذلك عن علي الأجهوري من قال لرجل كف عن خطبة امرأة ولك كذا فهو يجري على هذه المسألة لكن لا يتأتى كف عني ولك نصفها، حسب عبارة الزرقاني( 5/90-91).

فالخيارات هي نوع من العوض عن التنازل عن حق.

قال خليل: وجائز شراء يومها منها”. قال الشارح : كان العوض عن الاستمتاع أو عن إسقاط الحق قاله ابن عبدالسلام وبنوا عليه الخلاف في النزول عن الوظائف بعوض”.( الزرقاني4/58)

وهنا أتفق مع الشيخ علي الخفيف عندما يقول إن الحق إذا جاز لصاحبه أن يسقطه شرعاً فيجوز له أن يتعاقد على إسقاطه مقابل مال معلوم.[76]

هل هذا التعويض يدخل في بيع العربون الذي قال به عمر وابنه وابن سيرين وذهب إليه أحمد؟

الظاهر أن الأمر كذلك فالعربون الذي يدفعه المترشح لاشتراء السلعة والذي لا يرده البائع إذا لم يتم الشراء إنما هو تعويض له عن حبس سلعته من جراء وعد لم يتم الوفاء به .

وهناك خيار الشراء بسعر كذا ، أو البيع بسعر كذا ، دون تحديد من البائع والمشتري. وبتدقيق النظر في هذا النوع نرى أنه من باب تعليق اللزوم ، وقد نصّ المالكية على تعليق لزوم البيع على الإتيان بالثمن ( كأبيعك بشرط أن لا ينعقد البيع إلاَ بدفع الثمن ، وهذه جائزة معمول بها كما لأبي الحسن على المدونة”. (الزرقاني، 5 /5) . وسمي تعليق لزوم لأن البيع قائم .

سادساً: عقود المستقبليات:

وهي شبيهة بالسلم؛ والسلم مشروع بعموم الكتاب ونصوص السنّة وإجماع الأمّة.

أما عموم القرآن فهو قوله تعالى ( وأحلَّ الله البيع ) والسلم بيع ، وأما السنّة فالحديث المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدم المدينة وهم يسلفون في التمر العام والعامين فقال: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم).

إلاَّ أن سلم البورصات الذي يسمى بالمستقبليات أو البيوع الآجلة أنواع منوعة وألوان متلونة فمنها ما يكون على سلع وهي معاملات تتحكم فيها قوانين البورصة وأعرافها.

ومن أهمها أن يبيع الإنسان سلعة من شخص إلى أجل يتم فيه التسليم والبائع لا يملك السلعة إلاّ أنه يمكنه الحصول عليها عند الأجل المحدد.

إلاّ أن المشتري لا يدفع الثمن الآن بل سيدفعه فقط عند تسليم السلعة أو التصفية . وتمكن الزيادة في الأجل مقابل ثمن وهذه حرام.

أما العقد في أصله فهو سلم ، إذ أن السلم هو بيع سلعة موصوفة في الذمة مقابل ثمن عاجل من غير جنسها.

وقد اختلفت عبارات العلماء في تعريف السلم طبقاً لاختلافهم في بعض صور السلم وصيغه فقد عبّر أكثرهم بأن الثمن يدفع في المجلس بينما عبّر البعض بأنه يدفع عاجلاً.

ولعل أهم عقدة في هذا العقد هي أن الثمن فيه مؤجل أو ما يسمى بتأجيل العوضين وهذا يخالف رأي جمهور العلماء ، وهذه العقدة جعلت كافة الكتّاب الإسلاميين المعاصرين في الأوراق المالية يجزمون بأن هذه المعاملة ممنوعة شرعاً وطبقاً لذلك ضربوا صفحاً عن هذه المعاملة وجاءت قرارات المجامع الفقهية لتسير في هذا الاتجاه وتصب في هذا المجرى .

ويمكن أن تجوز بحسب ما قدمنا في تأجيل البدلين إذا انضبط بضوابط تبعد الخصومة وأسباب البغضاء.

 والله تعالى أعلم،،،


الخاتمة

في هذا البحث الوسيط اطلعنا في الطليعة على الموقف الوسط في التعامل مع المقاصد، ونوهنا بعلاقة المقاصد بالأدلة الأصولية لضمان انضباط عملية الاستنباط وأشرنا إلى أن َّمقاصد المعاملات المالية تندرج في منظومة الشريعة التي تتمثل في توفير السعادة في الدارين وحصول السعادتين.

وعرفنا المال وأضفنا الأيلولة في مفهوم المالية.

وفي مقدمة مختصرة صنفنا المقاصد إلى كلية وجزئية وعامة وخاصة وأصلية وتبفعية وقدرية وتشريعية.

وذكرنا كيفية الاستنجاد بها من خلال جملة من المناحى.

ورتبنا على ذلك مقاصد كبرى تندرج فيها المعاملات المالية والأبواب الشرعية الأخرى.

ومقاصد خاصة بالمعاملات المالية مع الإشارة إلى ترتيبها في سلم المقاصد لما يترتب على ذلك عند التعامل منها من خلال المفاسد والمصالح.

وأوضحنا أن  البحث عن المقاصد في قضايا المعاملات المالية لا ينبغي أن يقتصر على مجرد جرد للمقاصد وكشف عن علل أحكام معروفة بل عليه أن يرمي إلى توسيع الأوعية المقصدية لتشمل مجالات أخرى من القضايا المستجدة لاستنباط واستنبات أحكام في تربة المقاصد الخصبة ولكن ذلك لن يكون متاحاً إلا من خلال تفعيل العلاقة بين المقاصد وقواعد أصول الفقه لضبط عملية الاستنباط وتأمين سلامة نتائج صيرورتها لأنها جاءت وفق مقدمات مسلمات لتكون النتيجة كذلك ” إذ أن لازم المقدمات بحسب المقدمات آت” كما يقول المناطقة.

وأبرزنا موقع منهيات العقود في المقاصد وبيان تفاوتها في سلم المقاصد مما سهل وضع ميزان لوزن ما تضمنته من المفاسد الشرعية بالمصالح المفترضة التي تقتضيها العقود حيث يكون تأثير الحاجة والمصلحة في الرجحان على مفسدة النهي منوطاً بمرتبة النهي في سلم المقاصد وأكادته في الورود ثبوتاً وفي دلالته وضوحاً أو العكس.

وختمنا بقضايا منشورة أمام المجامع الفقهية يمكن أن تكون مجالاً للاجتهاد المقاصدي إذا تأكدت الحاجات وجرت بها أعراف المعاملات راعينا فيها ما ذكرناه خلال البحث من الانضباط في عملية الستنباط.

والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل نستغفره ونتوب إليه،

                                                                                     

                                                                                                     عبد الله الشيخ المحفوظ بن بيّه


[1] – ابن عابدين                             رد المحتار  4/3

[2] – البغدادي عبدالوهاب                 الإشراف 2/271

[3] – الزركشي                              المنثور   3/222

[4] –  شرح منتهى الإرادات 2/377     تراجع الموسوعة الفقهية الكويتية

[5] – ابن تيمية                              الفتاوى 30/98

[6] – الشاطبي                             الموافقات  2/ 49

[7] – سورة الحديد                         الآية 7

[8] – سورة البقرة                          الآية 30

[9] – سورة الأعراف                        الآية 129

[10] – سورة الأنعام                        الآية 165

[11] – الشاطبي                            الموافقات 3/23

[12]– القبس 2/792

[13]– سبق تخريجه

[14]– سورة النحل ،                        الآية 90

[15]– سورة  النساء،                       الآية 58

[16]– سورة المائدة،                        الآية 8

[17]– سورة ٱلرَّحْمَـٰنِ،                      الآية 9

[18]– سورة الشعراء،                      الآية 182

[19]– سورة البقرة ،                        الآية 43

[20]– أخرجه أحمد في مسنده          5/68

[21]– سورة التغابن ،                      الآية 2

[22]– سورة هود ،                          الآية 118

[23]– سورة الأعراف،                       الآية 54

[24]– سورة الجاثية ،                       الآية 12

[25]– سورة النحل ،                        الآية 78

[26]– سورة يوسف ،                       الآية 76

[27]– سورة النساء ،                       الآية 28

[28]– ابن القيم                              إعلام الموقعين 1/142-143

[29]– سورة البقرة ،                        الآية 282

[30]– سورة النور ،                          الآية 33

[31]– أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب المساقاة، باب الرجل يكون له ممراً أو شِرب في حائط أو نخل رقم 2379 وكتاب الشروط، باب إذا باع نخلاً قد أبرت رقم 2716 ومسلم في الصحيح: كتاب البيوع، باب من باع نخلاً عليها ثمر رقم 1543

[32]– أخرجه مسلم في الصحيح :كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة رقم2052 وابن ماجه في السنن رقم 79 وأحمد في المسند رقم 370 وغيرهم.

[33]– أخرجه الدار قطني والطبراني وابن عبد البرِّ في جامع بيان العلم 2012 والبيهقي في السنن الكبرى

[34] – ابن العربي                           القبس 2/778

[35] – ابن العربي                           القبس 2/790

[36] – أخرجه أبو داوود وقد عل بالإرسال وأعله بعضهم بجهالة الراوي.

[37] – صححه الحاكم والذهبي

[38] – حلولو                                  الضياء اللامع  3/33

[39] – الشاطبي                            الموافقات 2/298- 300 طبعة دراز

[40] – العز ابن عبد السلام               القواعد  1/23

[41] – حلولو                                  الضياء اللامع  4/33

[42] – راجع كلامه في نشر البنود      2/179

[43] – سيد عبدالله                         نشر البنود  2/180

[44] -الضياء اللامع                         3/36  الطبعة الحجرية

[45] – نشر البنود                          2/181

[46] – قال الشاطبي: إذا ثبت أن التحسيني يخدم الحاجي، وأن الحاجي يخدم الضروري؛ فإن الضَّروري هو المطلوب.

فهذه مطالب خمسة لابد من بيانها:

أحدها: أن الضَّروري أصل لما سواه من الحاجي والتكميلي.

والثاني: أن اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقيين بإطلاق.

والثالث: أنه لا يلزم من اختلال الباقيين بإطلاق اختلال الضروري بإطلاق.

والرابع: أنه قد يلزم من اختلال التحسيني بإطلاق أو الحاجي بإطلاق اختلال الضروري بوجهٍ ما.

والخامس: أنه ينبغي المحافظة على الحاجي وعلى التَّحسيني للضروري.

بيان الأول أنَّ مصالح الدِّين مبنيَّة على المحافظة على الأمور الخمسة المذكورة فيما تقدَّم، فإذا اعتبر قيام هذا الوجود الدُّنيوي مبنيّاً عليها، حتى إذا انخرمت لم يبق للدُّنيا وجود -أعني: ما هو خاص بالمكلَّفين والتَّكليف- وكذلك الأمور الأخروية لا قيام لها إلا بذلك.

فلو عُدم الدِّين عدم ترتُّبُ الجزاء المرتَجى، ولو عُدِمَ المكَلَّف لعُدِمَ من يَتَدَّين، ولو عُدم العقل لارتفع التديُّن، ولو عُدم النَّسل لم يكن في العادة بقاء، ولو عُدم المال لم يبق عيش وأعني بالمال ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه، ويستوي في ذلك المطعم والشراب واللباس على اختلافها، وما يؤدي إليها من جميع المتمولات؛ فلو ارتفع ذلك لم يكن بقاء، وهذا كله معلوم لا يرتاب فيه من عرف ترتيب أحوال الدنيا، وأنَّها زادُ للآخرة”[46]. الموافقات 2/31

قلت: وتحليل الشاطبي غير مسبوق دندن حوله القرافي في النفائس والغزالي في الشفاء ولم ينعما لوكه وتطرق إليه الطوفي في المناسب دون استيفاء)

[47] – ابن حلولو                            حاشية على نشر البنود        3/35  الطبعة الحجرية

[48] – الدهلوي                             حجة الله البالغة        1/288

[49] – ابن رشد                             الهداية على بداية المجتهد     7/161

[50] – ابن عاشور                           التحرير والتنوير       3/85-86

[51] – إمام الحومين الجويني            نهاية المطلب    4/291

[52] – السيوطي                           الأشباه والنظائر

[53] – البحر المحيط                       2/154

[54] – ابن القيم                            إعلام الموقعين   2/108   دار الكتب العلمية

[55]– الشاطبي                            الموافقات     5/55

[56] – القرطبي                            الجامع   5/70

[57]– سورة المائدة،                      الآية 3

[58]– سورة الأنعام،                       الآية 38

[59]–  ذكره ابن الأثير                     جامع الأصول 1/293

[60]– أخرجه مسلم                      الصحيح: كتاب الإيمان رقم 131

[61]– الشاطبي،                          الموافقات 3/171-176

[62] – الشاطبي                          الموافقات   1/ 498

[63]– سبق تخريجه

[64]– الريسوني أحمد                   الاجتهاد ص37، نقلا عن مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه لمخلوف

[65]– يراجع المرجع ذاته .

[66] – الحطاب                            مواهب الجليل  4/333

[67] – المواق                             بهامش الحطاب    4/333

[68] – الزرقاني                           شرح المختصر     5/389

[69] – نفس المرجع والصفحة

[70]– انظر في ذلك كتابي ” توضيح أوجه اختلاف الأقوال في مسائل من معاملات الأموال ص149

[71]– رواه مسلم وأبو داود ولفظه: من باع ثمراً فأصابته جائحة فلا يأخذ من مال أخيه شيئاً على مَ يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم”.

[72] – الشاطبي                         الموافقات  2/26

[73] – القرافي                            الفروق

[74] – ولي الله الدهلوي               حجة الله البالغة   2/918

[75]– ابن العربي                         القبس  2/787

[76] – علي خفيف                       المعاملات الشرعية  ص32