البحوث

الوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين “أحكام وضوابط ومقاصد شرعية”

الوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين

أحكام وضوابط ومقاصد شرعية

 

     

أ.د. صلاح الدين سلطان

المستشار الشرعي للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية

في مملكة البحرين

www.salahsoltan.com

 

مقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، وبعد..

فإنني أتقدم بهذا البحث للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث في دورته العشرين في مدينة إسطنبول التي تستعيد العزة والكرامة لهذه الأمة وترفع عنها الذلة والمهانة أمام أعدائها، وقد رأيت أن أخوض في هذا البحث حيث إن أول علم حببه الله إليَّ بعد أصول الفقه هو علم المواريث والوصايا، وقد هداني الله إلى تناول هذا الموضوع “الوصية للوالدين والأٌقربين من غير المسلمين..أحكام وضوابط ومقاصد شرعية” وذلك لما يوجبه علينا البيان والإرشاد لإخواننا وأخواتنا المسلمين والمسلمات الذين يقيمون بين غير المسلمين ويتزاوجون من أهل الكتاب، ويدخل في الإسلام أعداد كبيرة ويكون لهم أقارب وأرحام وآباء وأبناء مسلمين وغير مسلمين فهل تصح الوصية لهؤلاء أم لا؟ وهل هي واجبة فيأثم المسلم بتركها إذا لم يوص للأقاربه غير المسلمين أم هي فقط مندوبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة، وبالإضافة إلى ذلك ما هي الضوابط الشرعية والمقاصد التربوية والدعوية لهذه الوصية؟

وعلى هذا قسمت بحثي إلى ثلاثة مباحث هي:

المبحث الأول: الوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين تعريفًا وأحكامًا.

المبحث الثاني: الضوابط الشرعية للوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين.

المبحث الثالث: المقاصد التربوية والدعوية للوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين.

وقد حرصت في هذا البحث على الجمع بين فقه التأصيل والتنزيل، أما التأصيل فقد أوردت النصوص الشرعية من الآيات والأحاديث النبوية وأقوال علمائنا المفسرين والفقهاء والأصوليين وترجيحي بعد المناقشة التحليلية بعد كل قضية ثم بينت الأثر العميق في أرض الواقع إذا تخلقنا بأخلاق الله تعالى في الإحسان إلى جميع خلقه، وأخلاق أنبيائه ورسله وعباده الصالحين، في البر واإحسان والرحمة بالخلق أجمعين.

أدعو الله تبارك وتعالى أن يساهم هذا البحث في مزيد من تجلية صورة الإسلام الراقية في البر والإحسان لكل إنسان بل إلى كل ذي كبدة رطبة من خلق الرحمن.

والله ولي التوفيق..

                                                                    أ.د. صلاح الدين سلطان

                                                                     المستشار الشرعي للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

                                                                 مملكة البحرين

 

المبحث الأول:
الوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين تعريفًا وأحكامًا

المبحث الأول: الوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين تعريفًا وأحكامًا:

 المطلب الأول: تعريف الوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين:

أولاً: الوصية لغة:[1] من وصى وأوصى بالشيء لفلان جعله له، وأوصى فلانًا ووصاه جعله وصية يتصرف في أمره وعياله وماله بعد موته، وأوصى بالشىء فلانًا ووصاه أمره به وفرضه عليه، قال تعالى: { يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوۡلَـٰدِڪُمۡ‌ۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ‌ۚ  } ( النساء : 11) أى يأمركم به ويفرضه عليكم، والوصية والوصاية في الولاية على القاصر، أما الوصية فتكون غالبا في الأموال، ومعنى الوصية العام أن يطلب الانسان من غيره فعل شيء في حياته أو بعد مماته وتكون بمعنى المصدر آنئذ، وقد تأتي الوصية بمعنى الموصى به فإذا قلنا هذا المال وصية فيقصد به الموصى به.

وقد ورد في القرآن الكريم استعمال الألفاظ: “وصى، وصاكم، وصينا، أوصاني، توصون، يوصي، يوصيكم، يوصين، توصون، موص، وصية” ستا وعشرين مرة، ولفظ “تواصوا” خمس مرات.

من هذه الاستعمالات ما جاء بالمعنى اللغوي العام ويشير إلى الوصية بالأمور المعنوية في الدنيا منها:

  1. قوله تعالى: {وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَـٰبَ مِن قَبۡلِڪُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ‌ۚ} ( النساء: 131).
  2. وقوله تعالى: {وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ بِوَٲلِدَيۡهِ إِحۡسَـٰنًا‌ۖ} ( الأحقاف: 15).

ثانيًا: الوصية اصطلاحاً: فهي عهد خاص مضاف لما بعد الموت كما عرَّفها ابن حجر العسقلاني[2]، أو هي اسم لما يوجبه الموصي في ماله بعد موته كما عرَّفها الكاساني[3]، وعرَّفها المقنن المصري في المادة الأولى من قانون الوصية رقم (71) لسنة 1946م بأنها: تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت.

ولعل أدق هذه التعريفات ما اختاره المقنن المصري وذلك لأن تعريف ابن حجر فيه غموض في قوله عهد خاص، وتعريف الكاساني لا يشمل الإبراء والإسقاط والوصايا بالمنافع ولذا أتفق مع الشيخ محمد أبي زهرة في قوله: تعريف القانون أجمع هذه التعريفات لأنه يشمل كل الوصايا التى اشتمل عليها. فهو يشمل التمليكات والإسقاطات، وتقرير مرتبات، وتقسيم التركة بين ورثته، ويشمل ما يكون بالمنافع ولا يكون بالأعيان، بل يشمل بيان الطريق للوفاء بما على التركة من حقوق إن كان قد بيَّن ذلك الوفاء فهذا كله يعد تصرفا في التركة[4].

ثالثاً: الأقربون لغة: القَرَابَة والقُرْبَى : الدُّنُوُّ في النَّسَبِ ، والقُرْبَى في الرَّحِمِ ، وهو في الأَصل مصدرٌ، وفي التَّنْزِيلِ العَزيزِ: (وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى) ( النساء : 36 ) وفي التَّهْذِيب: وأَقْرِباؤُكَ وأَقارِبُكَ وأَقْرَبُوكَ: عَشِيرَتُكَ الأَدْنَونَ، وفي التَّنْزِيلِ: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاْقْرَبِينَ) (الشعراء : 212)، وجاءَ في التّفْسير : أَنَّه لَمّا نَزَلَتْ هاذه الآية صَعِدَ الصَّفَا ، ونادَى الأَقْرَبَ فالأَقْرَبَ.

القريب[5]: من بينك وبينه قرابة . ( ج ) أقارب ، وأقرباء ، وأقربون . وهي قريبة . ( ج ) قرائب . – : خلاف البعيد . يستوي فيه المذكر والمؤنث.

رابعاً: الأقربون اصطلاحاً: تَطَرَّقَ الْفُقَهَاءُ إلَى تَعْرِيفِ الْقَرَابَةِ عِنْدَ كَلَامِهِمْ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ أَوْ الْهِبَةِ لَهُمْ ، وَيُمْكِنُ حَصْرُ تَعْرِيفَاتِهِمْ لِلْقَرَابَةِ فِي اتِّجَاهَاتٍ سَبْعَةٍ :

الِاتِّجَاهُ الْأَوَّلُ : تَضْيِيقُ دَائِرَةِ الْقَرَابَةِ وَقَصْرُهَا عَلَى الْقَرَابَةِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ دُونَ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الرَّاجِحَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَيُقْتَصَرُ بِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ آبَاءٍ فَقَطْ ، فَلَوْ قَالَ : أَوْصَيْت لِقَرَابَةِ فُلَانٍ دَخَلَ فِيهَا أَوْلَادُهُ وَأَوْلَادُ أَبِيهِ وَأَوْلَادُ جَدِّهِ وَأَوْلَادُ جَدِّ أَبِيهِ.

الِاتِّجَاهُ الثَّانِي: تُوَسَّعُ دَائِرَةُ الْقَرَابَةِ بَعْضَ الشَّيْءِ فَتَشْمَلُ قَرَابَةَ الْأُمِّ وَقَرَابَةَ الْأَبِ مِنْ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ ، وَقَدْ نَقَلَهَا عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَجَّحَهَا الْكَاسَانِيُّ. وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ وَالْأَوْلَادُ وَالْأَحْفَادُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَقَدْ ذَكَرَ الْحَصْكَفِيُّ أَنَّ مَنْ قَالَ لِلْوَالِدِ أَنَّهُ قَرِيبٌ فَهُوَ عَاقٌّ . وَقَالَ الْكَاسَانِيُّ : الْوَالِدُ وَالْوَلَدُ لَا يُسَمَّيَانِ قَرَابَتَيْنِ عُرْفًا وَحَقِيقَةً أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَصْلٌ وَالْوَلَدُ جُزْؤُهُ ، وَالْقَرِيبُ مَنْ تَقَرَّبَ إلَى الْإِنْسَانِ بِغَيْرِهِ لَا بِنَفْسِهِ ، وَقَالَ تَعَالَى : ( الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ فِي الْأَصْلِ.

الِاتِّجَاهُ الثَّالِثُ : إطْلَاقُ الْقَرَابَةِ عَلَى ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَوَلَدِ الصُّلْبِ ، وَيَدْخُلُ فِيهَا الْأَجْدَادُ وَالْأَحْفَادُ ، وَقَدْ نُقِلَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الزِّيَادَاتِ فَذَكَرَ أَنَّ الْأَجْدَادَ وَالْأَحْفَادَ يَدْخُلَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا .

الِاتِّجَاهُ الرَّابِعُ : إطْلَاقُ الْقَرَابَةِ عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ وَإِنْ بَعُدَ ، سَوَاءٌ كَانَ مَحْرَمًا أَوْ غَيْرَ مَحْرَمٍ ، غَيْرَ الْأَصْلِ وَالْفُرُوعِ ذَكَرَهَا الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ .

الِاتِّجَاهُ الْخَامِسُ : إطْلَاقُ الْقَرَابَةِ عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ وَإِنْ بَعُدَ إلَّا الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالِابْنُ وَالْبِنْتُ مِنْ أَوْلَادِ الصُّلْبِ وَرَجَّحَهَا النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ ، وَهُوَ رَأْيُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَقَوْلٌ لِأَبِي يُوسُفَ .

الِاتِّجَاهُ السَّادِسُ : إطْلَاقُ الْقَرَابَةِ عَلَى أَيِّ قَرَابَةٍ وَإِنْ بَعُدَتْ وَيَدْخُلُ فِيهَا الْأَبُ وَالْأُمُّ وَوَلَدُ الصُّلْبِ ، كَمَا يَدْخُلُ فِيهَا الْأَجْدَادُ وَالْأَحْفَادُ وَرَجَّحَهَا السُّبْكِيّ وَقَالَ : هَذَا أَظْهَرُ بَحْثًا وَنَقْلًا ، وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ .

الِاتِّجَاهُ السَّابِعُ : إطْلَاقُ الْقَرَابَةِ عَلَى أَيِّ قَرَابَةٍ وَإِنْ بَعُدَتْ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ أَوْ مِنْ الْأَوْلَادِ ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهَا الزَّوْجِيَّةُ وَالْوَلَاءُ وَالرَّضَاعُ . وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِي أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ.

والراجح عندي التوسع في اعتبار القرابة من ثلاث جهات:

  • النسب من الجهات الأربع: الأبوة والبنوة والأخوة والعمومة وأبناؤهم.
  • الرحم من جهة الأمومة مثل: الجدات والخالات والأخوال وأبناؤهم.
  • الزواج من جهة الزوجية وهم: نسب ورحم الزوج أو الزوجة.

ويستثنى من هؤلاء الأب والأم والأولاد بنين وبنات، حيث لم يجر العرف العربي أن يسمى الأم أو الأم أو الأبناء أقرباء، والعطف في الآية “للوالدين والأقربين” تفيد بالفعل المغايرة؛ ولذا آثرت أن يكون العنوان: “الوصية للوالدين والأقربين” للمفارقة، ويدخل الأولاد غير المسلمين من قياس الأولى فإن نصيب الأبناء عادة من الميراث بالعصبة أو الفريضة عادة يكون أكثر من الأب أو الأم[6].

مما سبق أختار أن يكون تعريف الوصية للوالدين والأٌقربين من غير المسلمين أنها: “تصرف مضاف إلى ما بعد الموت للوالدين أبا وأما وبنين وبنات والأقربين من ثلاث جهات: النسب والرحم والزواج”.

المطلب الثاني: أحكام الوصية للوالدين والأٌقربین غير المسلمين:

هناك أدلة كثيرة تدل على مشروعية الوصية منها ما يلي:

  1. قول الله تعالى:(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة:180).

 وإذا كان هناك من يرى نسخ هذه الآية فإن البخاري يروي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين.

ويقول ابن الحجر العسقلاني بعد أن أورد آراء كثير من العلماء حول قضية النسخ هذه: “إن الآية مخصوصة؛ لأن الأقربين أعم من أن يكونوا وارثين، وكانت الوصية واجبة لجميعهم (الوالدين والأقربين) فخص منهم من ليس بوارث بآية الفرائض،ويقول صلى الله عليه وسلم: (“لا وصية لوارث”) وبقي حق من لا يرث من الأقربين على حاله، ونسب هذا القول إلى طاووس وغيره.

وقال ابن عباس:فنسخ الله من ذلك ما أحب، أي لم ينسخ كل ما ورد في الآية، فتبقى الآية دالة – في كل الاحتمالات- على مشروعية الوصية للأقربين.

  1. روى البخاري ومسلم ومالك وأبو داوود الترمذي والدارمي وابن ماجه وغيرهم بسندهم عن عبدالله بن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال “ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده”.
  2. روى مسلم بسنده عن أبي هريرة أن رجلا قال يا رسول الله: “إن أبي مات ولم يوص فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟، قال: عليه الصلاة والسلام: نعم”[7].

 يقول ابن حزم فهذا ايجاب الوصية عمن لم يوص، ولا بد ولان التكفير لايكون الا في ذنب، فبين النبي صلى الله عليه وسلم ان ترك الوصية يحتاج فاعله الى ان يكفر عنه ذلك بان يتصدق عنه، وهذا مالا يسع أحداً خلافه، واستدل أيضاً بأن عائشة تصدقت عن أخيها عبد الرحمن لما مات في منام له، وأن طاوس روى عنه قوله : مامن مسلم يموت لم يوص إلا وأهله أحق أو محقون أن يوصوا عنه[8].

  1. أورد ابن ماجه في سننه أن أبو هريرة قال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في حسناتكم ليجعلها زيادة لكم في أعمالكم”[9].
  2. ما رواه البخاري بسنده عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ـ رضى الله عنه ـ قَالَ جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، وَهْوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ ‏”‏ يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ ‏”‏‏.‏ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ ‏”‏ لاَ ‏”‏‏.‏ قُلْتُ فَالشَّطْرُ قَالَ ‏”‏ لاَ ‏”‏‏.‏ قُلْتُ الثُّلُثُ‏.‏ قَالَ ‏”‏ فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ‏”‏‏.‏ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ ابْنَةٌ”[10]‏.
  3. وقد ورد عن العلماء – بناء على هذه الأدلة – في حكم الوصية الأقوال الآتية:
  • الوجوب: أنها واجبة، بدليل قوله تعالى:” كُتِبَ عَلَيْكُمْ” وفي نفس الآية ” حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ”، وكثرة ترديدها في آيات الميراث، وحديث:”ما حق امرئ مسلم” وفيه روايات، “لا يحل لامرئ مسلم له مال”.
  • الندب: وقد نسبه ابن حجر إلى الجمهور بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوص بشي؛ ولما رواه البخاري بسنده عن طلحة بن مصرف؛ قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: لا. قلت: فكيف أمر المسلمين بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله وهؤلاء يرون أن الآية منسوخة بآيات المواريث، كما استدلوا أيضا بما جاء في الحديث: “له شيء يريد أن يوصى فيه” فلو كانت واجبة ما علقها بإرادته.
  • الكراهة: إذا زادت عن الثلث مع عدم القصد إلى الإضرار بالورثة، وهذا واضح من رفض النبي صلى الله عليه وسلم الوصية بأكثر من الثلث من سعد بن أبي وقاص، بل إن البخاري يروي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال:
    لو غض الناس إلى الربع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:الثلث، والثلث كثير”.
  • الحرمة: وذلك في حالات منها:
  • إذا كانت بقصد الإضرار بالورثة؛ لما جاء في سنن النسائي عن ابن عباس إنه قال:الإضرار في الوصية من الكبائر. وهذا يحدث عندما يعمد الرجل إلى الإضرار بالورثة لعداوة بينه وبين أحدهم، فيوصى حتى يلحق بهم الضرر، وليس رغبة في الأجر والثواب.
  • إذا كانت وصية بشيء محرم، كمن يوصى بمال رشوة أو مسروق أو أراض مغتصبة، أو يوصى بشيء محرم، كما يوصى لأحد بمال حتى يثأر من آخر بقتله أو يصدر له ترخيصا بعمل غير مشروع، مثل تصاريح البناء التي تخرج دون وجه حق، وقد يؤدي إلى انهيار العمارات مقابل الإيصاء لمن أصدر الترخيص بشقة في العمارة أو مبلغ من المال.

وفيما يلي نعرض لهذه الآراء بالعرض والمناقشة والترجيح:

أولاً: الوصية الواجبة المتفق عليها عند العلماء:

لا أكاد أجد اتفاقا بين علماء الأمة قاطبة على وصية واجبة إلا في حالة وجود التزامات أو حقوق أو ودائع وأمانات على إنسان ولا توجد عليها بينة، فهنا يجب أن يكتب  بها وصية بنفسه قبل موته لتبرأ ذمته أمام الله تعالى، يقول ابن قدامة المقدسي: “ولا تجب الوصية إلا على من عليه دين.

ثم ذكر عن ابن عبد البر قوله: “أجمعوا على أن الوصية غير واجبة إلا على من عليه حقوق بغير بينة”[11]، وقد ورد عن القرطبي مثله ونسبه إلى مالك والشافعي والثوري وأبي ثور سواء كان الموصي موسرا أو فقيرا[12]، لكن ابن العربي يرى أن طريق الاستدلال على هذا الوجوب هنا ليس الآية بل حديث ابن عمر رضي الله عنهما ومما صح من النظر[13].

ويبدو لي أن هذه الوصية لا خلاف في فرضيتها فعلا، ويأثم تاركها اتفاقا لما يؤدي إليه تركها من ضياع الحقوق، وذهاب الأمانات وأكل أموال الناس بالباطل.

ثانياً: اختلاف العلماء في وجوب الوصية أو ندبها وأدلتهم:

يختلف العلماء بعد ذلك اختلافا بيِّنا في الوصية هل هي مندوبة أم واجبة للآباء والأقربين غير الوارثين؟ ويمكن تقسيمهم إلى فريقين:

الفريق الأول: يرى أن الوصية واجبة في حق كل من ترك خيرا أي مالا على خلاف بينهم في قدره وخلاف في دليل فرضيتها، وهذا ما يرجحه ابن جرير الطبري حيث قال في تفسير الآية: وأولى هذه الأقوال بالصواب ما قاله الزهري: كل من حضرته المنية وعنده مال ـ قل ذلك المال أو كثر ـ فواجب عليه أن يوصي منه لمن لا يرثه من آبائه وآمهاته وأقربائه الذين لا يرثون بمعروف.

وأورد ابن جرير آثاراً عن عدد من المفسرين والفقهاء منهم الضحاك وعبد الله بن معمر وأبو مجلز وجابر بن زيد[14] ونسب ابن حزم من يرى وجوبها إلى ابن المبارك عن عبد الله بن عوف عن نافع عن ابن عمر، وأن طلحة بن الزبير كانا يشددان في الوصية، وهو قول عبد الله بن أبي أوفى وطلحة بن مطرف وطاووس والشعبي، وهو قول أبي سليمان وجميع أصحابنا[15] ونسبه ابن قدامة إلى مسروق وقتادة وإياس.

وهو اختيار الفخر الرازي في تفسيره الكبير[16]، وهو ما اتفقت عليه علماء الأباضية قاطبة، يقول ابن بركة: “والذي نختاره أن الوصية واجبة للأقربين غير الوارثين على كل من ملك مالا تصح فيه الوصية”[17]، وبمثله قال الكندي[18] وصاحب العقد الثمين[19] وهو اختيار الشيخ محمد عبده ورشيد رضا في تفسير المنار[20].

أما عن أدلة فرضية هذه الوصية عندهم فلا تخرج عما سبق من الأدلة من القرآن والسنة التي سبق ذكرها، وذلك بشيء من التفصيل في كتب التفسير والحديث والفقـــه[21].

الفريق الثاني: يرجح جمع آخر من المفسرين والمحدثين والفقهاء أن الوصية في حكمها الأخير صارت مندوبة لا يأثم تاركها، وقد عزاه مالك إلى إجماع أهل المدينة في قوله: “الأمر المجتمع عليه عندنا أن الموصى إذا أوصى في صحته أو مرضه بوصية فإنه يغير من ذلك مابدا له، ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت وإن أحب أن يطرح تلك الوصية فعل”[22] ونسبها ابن حزم الأندلسي إلى الزهري وسالم بن عبد الله بن عمر، وسليمان بن يسار، وعمرو بن دينار، ومحمد بن سيرين، وأبي حنيفة والأوزاعي وسفيان الثوري ومالك والشافعي[23]، ونسبة ابن قدامة إلى الشعبي والنخعي، وذكر أن هذا قول الجمهور وأيده بما أورده من الإجماع على لسان بن عبد البر أن الوصية لا تجب إلا على من عليه حقوق[24] ونسبه القرطبي إلى قول أكثر العلماء وهو اختياره في تفسيره[25]، واختيار ابن حجر [26] والنووي[27] في شرحهما للحديث، يقول السرخسي الحنفي: الوصية عقد مندوب إليه  مرغوب فيه ليس بغرض ولا بواجب عند جمهور العلماء[28].

أما عن أدلة هذا الفريق على كون الوصية مندوبة فأهمها ما يلي:

1 –     ذكر ابن حجر العسقلاني أن جمهور العلماء يرون أن هذه الوصية كانت واجبة في أول الإسلام    لوالدي الميت وأقربائه ثم نسخ ذلك بآية الفرائض واستند إلى ابن عباس في قوله: “كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل لكل واحد من الأبوين السدس”[29].

2 –     أن كلمة الحق تعني الحق الثابت ثبوت نظر وتخصيص لا ثبوت فرض ووجوب، والحق يشمل الواجب والندب كما قال ابن العربي والقرطبى وبمثله قال ابن حجر[30].

3 –     أن الحق على المتقين يدل على كونه ندبا لأنه لو كان فرضا لكان على جميع المسلمين، فلما خصه الله تعالى بمن يتقي أن يخاف تقصيرا دل على أنه غير لازم كما يقول القرطبي[31].

4 –     أن الوصية مشروعة لنا لا علينا للحديث: “إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في حسناتكم ليجعلها زيادة لكم في أعمالكم”[32] والمشروع لنا لا يكون فرضا علينا، بل مندوبا إليه بمنزلة النوافل من العبادات كما يذكر السرخسي[33].

5 –     القياس على عدم وجوب التبرع في الحياة بعدم وجوب التبرع بعد الوفاة ، فكذلك الوصية تبرع مندوب إليه بعد الموت كما أن التبرع مندوب إليه في الحياة[34].

6 – لو كانت الوصية واجبة لم تكن راجعة إلى إرادة الموصي حيث توجد رواية في حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده”[35]،  فأرجع الوصية إلى إرادة الموصي كما ذكر القرطبي[36] وابن حزم[37].

7 –     ذكر ابن حزم في معرض الرد على مخالفيه أنهم يحتجون بما يلى[38] :-

     أ –  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوصِ وكذا ابن عمر وحاطب بن أبي بلتعة ولو       كانت فرضا لفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم وفعلها أصحابه خاصة ابن عمر وهو راو للحديث المستدل به على وجوب الوصية .

    ب – أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرع بين الستة الأعبد الذين أعتقهم سيدهم جميعا وصية قبل موته، وأعتق اثنين وأرق أربعة[39] وهذه وصية لغير الأقارب .

   ج – أن عبد الرحمن بن عوف أوصى لأمهات المؤمنين، وعمر أوصى لكل أم ولد له بأربعة الآف درهم، وعائشة أوصت  بمتاعها.

    د –  لو كانت الوصية واجبة لبيَّن الله تعالى مقدارها، ومقدار المال الذي تجب فيه بل قال: “إن ترك خيرا”  ﴿البقرة 180﴾.

المطلب الثالث : مناقشة وترجيح:

يرجح عندي أن الوصية في الآية واجبة وليست مندوبة وذلك لما يلى:-

أولا: لفظ “كتب” الذي بدأت به الآية، ورد في القرآن الكريم بهذا البناء للمجهول أحد عشر مرة وكلها لا تحتمل تأويلا غير الوجوب والفرضية، منها قوله تعالى:

أ-{يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِى ٱلۡقَتۡلَى‌}(البقرة:178).

ب – {يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡڪُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِڪُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (البقرة : 183).

جـ – {كُتِبَ عَلَيۡڪُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٌ۬ لَّكُمۡ‌ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـًٔ۬ا وَهُوَ خَيۡرٌ۬ لَّڪُمۡ‌ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـًٔ۬ا وَهُوَ شَرٌّ۬ لَّكُمۡ‌ۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ } (البقرة: 216).

د -{قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِى بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡ‌ۖ} (آل عمران: 154).

ومشتقات هذه الكلمة في القرآن لا تخرج عن دائرة الفرضية، منها قوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) (النور:33)، وكتابة الدْين تجعله مُلزمًا ديانة وقضاء، لا تبرأ ذمة المدين إلا بالأداء. وعليه فلو لم يوجد في الآية غير لفظ “كتب عليكم ” ﴿البقرة:  178 ،البقرة: 216، البقرة: 183﴾  لأفادت القطع في وجوب الوصية عند حضور أمارات الموت .

ثانيا: يؤكد هذا الوجوب قول الجصاص الحنفي: “ودلالة الآية ظاهرة في إيجاب الوصية وتوكيد فرضها لأن قوله تعالى: {كتب عليكم }﴿ البقرة:  178 ،البقرةۛ: 216، البقرة: 183﴾  معناه “فرض عليكم”، كقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) (البقرة:183)، ثم أكده بقوله تعالى: (بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة:180)، ولا شيء في ألفاظ الوجوب آكد من قول القائل هذا حق عليكم وأن تخصيصه سبحانه وتعالى بالمتقين بالذكر على وجه التأكيد لأنه على الناس أن يكونوا متقين”، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: 35، الحدید:28).

ولا خلاف بين المسلمين أن تقوى الله فرض، فلما جعل تنفيذ هذه الوصية من شرائط التقوى فقد أبان عن إيجابها.[40]

ثالثاً: ولا يزال العلماء يستدلون على الحقوق الواجبة في المال بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (المعارج:25)، وقوله تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذاريات: 19).

فهناك حق واجب معلوم مثل أنصباء الزكاة، وواجبات مفتوحة للوصول إلى الكفاية مثل النفقة على الزوجة والأبناء والوالدين، ولا صحة للقول أن الحق هنا ثابت ثبوت نظر وتخصيص فالحقوق تفرض كي تصير واجبات في حق من يقوم بها تجاه صاحب هذا الحق، كما جعل الله تعالى الزكاة واجبة في أموال الأغنياء حقا ثابتا، وفرضا محققا للفقراء والمساكين.

رابعاً: القول بأن تخصيص ذلك الحق بالمتقين دليل على كونها مندوبة لا يستقيم مع لفظ كتب، وحقا، ثم إن التقوى من الواجبات التي يجب أن يصل إليها كل مسلم للأمر الصريح بها في نصوص كثيرة جدا، وقد ذكر الفخر الرازي أن هناك إجماعا على أن الواجبات والتكاليف عامة فى حق المتقين وغيرهم[41] وذكر الجصاص في مقام المعارضة أن تخصيص الآية بالمتقين لا ينفي وجوبها، في حق غيرهم، وأقل ما فيها وجوبها على المتقين، ولا يستدل بقوله  تعالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2) على نفس الهداية عن غيرهم من المسلمين[42].

خامساً: هذا الوجوب لم يُنسخ كما يذهب إلى ذلك بعض العلماء منهم السرخسي[43] والجصاص الحنفيين[44] وابن العربي[45] و القرطبي المالكيين[46] ، والنووي الشافعي[47] وابن قدامة الحنبلي[48] والحر العاملي الشيعي[49]، هؤلاء جميعا وغيرهم  يرون أن الآية وإن دلت على الفرضية في أول الأمر فقد نسخ هذا الوجوب على خلاف عريض هل الناسخ هو آية المواريث أم الحديث: إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث.

وهناك خلاف أيضا في مجال النسخ ومساحته هل نسخت الآية كلها في حق من يرث ومن لا يرث من الوالدين والأقربين، أم النسخ فقط في حق من يرث، وبقي الحكم ثابتا في حق من لا يرث منهم[50] ويمكن تقسيم الكلام على النحو التالي:

1-      أما نسخ آية الوصية في سورة البقرة بآية المواريث في سورة النساء فغير مسلم لأن التعارض بين النصين غير موجود، فهذه توجب للوالدين والأقربين وصية، وتلك توجب لهم ميراثا، وإذا كان مذهب الشيعة الأمامية هو جواز الوصية للوارث[51] فإن هذا يؤكد عدم وجود أي تعارض بينهما وهذا يشبه الآيات التي توجب للوالدين الإحسان، وأخرى توجب لهم الميراث أو الوصية، فهذه حقوق غير متعارضة بل متعاضدة.

ومما يؤكد عدم نسخ آية الوصية بآيات الميراث أنه لا يوجد دليل قطعي يقضي بسبق آية  الوصية على آية المواريث كما يقول صاحب تفسير المنار والمعلوم أنه من أهم شروط النسخ هو تأخر الناسخ عن المنسوخ لأن تعريف النسخ هو رفع الشارع حكما شرعيا بحكم شرعي متراخ عنه[52] وغني عن البيان أن سورة البقرة إجمالا وإن نزلت قبل سورة النساء لكن هذا لا يمنع أن تكون بعض آياتها قد تأخرت في النزول عن آيات أخرى في سورة النساء، وكذا ثار الخلاف هل الآية { وَٱتَّقُواْ يَوۡمً۬ا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ‌ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٍ۬ مَّا ڪَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} . (البقرة : 281) هي آخر ما نزل من القرآن أم أن غيرها من الآيات في سورة المائدة أم سورة النصر ؟[53].

أتفق أيضا مع الشيخ محمد عبده  أن السياق الذي جاءت فيه آية الوصية ينفي نسخها فيقول: السياق ينافي النسخ لأن الله تعالى إذا شرع للناس حكما وعلم أنه مؤقت، وأنه  سينسخه بعد زمن قريب فإنه لا يؤكده ويوثقه بما أكد به أمر الوصية هنا من كونه حقا على المتقين”[54] وأضيف أن لفظ “كتب” و”الحق”، والوعيد على تبديل الوصية فيه إشعار بأن هذا حكم باق في قوله تعالى: {فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٍ۬ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمً۬ا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَہُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ‌ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ۬ رَّحِيمٌ۬} (البقرة :181).

ومن الأدلة التي تنفي النسخ في الآية القاعدة الشرعية: “إعمال النص أولى من إهماله” ودليل الاستصحاب حيث يبقي الحكم بما كان يقينا حتى يأتي المغير، والقاعدة: “اليقين لا يزول بالشك”[55]، وإذا كان هناك خلاف في النسخ أصلا، وعند من يقول به هناك خلاف في الناسخ، ثم هناك خلاف في مجال هذا النسخ، فالخروج من هذا إلى اليقين الثابت والحكم البات بأن الوصية واجبة لم تنسخ يكون أحوط في الدين، ونزولا على قواعد الاستنباط في الأصول .

2 –     أما النسخ بالحديث فيمكن أن نحدد مدى صحة نسخه للآية فيما يلي:-

أ –       نص الحديث رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته في حجة الوداع: “إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث”[56].

وسند الحديث قال عنه الترمذي: حديث حسن، وقد أورده البخاري في ترجمة الباب السادس من كتاب الوصايا ولم يروه وقال ابن حجر: هذه الترجمة لفظ حديث مرفوع كأنه لم يثبت على شرط البخاري، فترجم به كعادته، واستغنى بما يعطي حكمه، وذكر ابن حجر أن في إسناده: إسماعيل بن عياش[57]، وقد قوى حديثه عن الشاميين جماعة من الأئمة منهم أحمد والبخاري، وعن جابر عن الدارقطني قال: “الصواب إرساله،  ولا يخلو إسناد منها من مقال، لكن مجموعها يقضي أن للحديث أصلا  بل جنح الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متواتر ونقل عن كافة فهو أقوى من نقل واحد”[58].

وإذا كان ابن حجر وهو شافعي يقول عن إمام المذهب أنه قد جنح في رفع الحديث إلى درجة المتواتر مع عدم توفر شروطه، فإن هذا الجنوح قد تعدى إلى بعض العلماء فالسرخسي يذكر أن هذا حديث مشهور تلقاه العلماء بالقبول والعمل به[59]، وفي تفسير أبي السعود أن الحديث تلقته الأمة بالقبول فينتظم في سلك التواتر في صلاحيته للنسخ[60]، وأورده الرازي في معرض الرد على نفي النسخ به[61]، والأولى هو النزول على القول الراجح عند أهل هذا الفن من علم الحديث، وهو أن الحديث من أخبار الآحاد، وأن سنده حسن، وإن تقوى بغيره، وعدم رواية البخاري له فى صحيحه رغم علمه به لا تخرجه عن دائرة الصحيح لأن البخاري لم ينفرد بالصحيح، وإنما لم يأت الحديث على شرطه هو، وإن صح على شرط غيره وأعتقد أنه يوجب العمل وإن أفاد الظن في ناحية العلم به، وحجية الظن قوية عند أهل الفقه عامة[62].

لكن العمل بالحديث يمكن أن يأخذ وجها آخر تخرج به من الخلاف: هل السنة تنسخ القرآن أم لا؟ وهو أن هذا الحديث يخصص عموم الآية والفرق أن النسخ يرفع الحكم كلية من الفرضية إلى الإباحة أو الاستحباب كما يقول من يرى صحة وقوع النسخ أما التخصيص فيبقى الحكم على الفرضية والوجوب مع تقليل مجال هذا الوجوب في عدم وجوب الوصية للوالدين والأقربين إذا كانوا وارثين، أما إذا كانوا غير وارثين فيبقى الحكم على أصله وهو الوجوب .

وهذا القول يجعلنا نتوافق مع قول علماء الأصول الذين يقولون إن النسخ هو إخراج بعض ما كان داخلا تحت العموم، أو إخراج بعض ما يناوله الخطاب عنه[63]، كما أنه يتوافق مع القول بأن النسخ لا يجوز أن يكون بالظني للقطعي، لكن تخصيص الظني للقطعي جائز كما صرح بذلك الشوكاني[64] وغيره من علماء الأصول .

وإذا كان هناك من تعقيب على القول بالتخصيص لا النسخ فهو أن بعض علماء الأصول يرى أنه لا يجوز تأخير التخصيص عن وقت العمل بالمخصص، على حين يلزم تأخير الناسخ عن المنسوخ حتى يعمل به أولاً، ثم يرفع حكمه بالدليل المتأخر[65]، ولعل هذا هو الذي أنشأ ما عرف بتخصيص النسخ عند علماء الأصول وهو يحتاج إلى بحث مستقل لكن الحرج من نسخ نص قطعي بدليل ظني ثبوتا، وإن تلقاه العلماء بالقبول فيه حرج أشد، ويفتح على النصوص أبواباً يجب سد ذرائعها.

ننتهى هنا إلى أن آية الوصية محكمة غير منسوخة لكن خصصت بالحديث “لا وصية لوارث”، وليس بآيات المواريث.

سادساً: يمكن مناقشة أدلة من يرى الوصية مندوبة على النحو التالي:-

يمكن مناقشة أدلة من يرى الوصية مندوبة على النحو التالي:-

1 –     القول بأن الوصية مشروعة لنا لا علينا للحديث: “إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم”[66]، وأن المشروع لنا لا يكون فرضا علينا، بل مندوبا إليه بمنزلة النوافل هذا لا يستقيم في النظر الفقهي لأن الله تعالى شرع لنا بنص القرآن ما هو من أوجب الواجبات، ومن ذلك قوله تعالى: { شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحً۬ا وَٱلَّذِىٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦۤ إِبۡرَٲهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ‌ۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ‌ۚ  } ( الشورى :13)، فإقامة الدين وعدم التفرق فيه واجب لا شك، والاستدلال بالحديث على عدم الوجوب ليس صحيحا خاصة إذا كان الحديث فيه ضعف، والآية صريحة في هذا الوجوب فوجب المصير إليها.

2 –     القول بأن التبرع في الحياة مندوب، وكذا يكون بعد الممات قياسا، لا يستقيم القياس في مورد النص الواضح الموجب للوصية، ولو لم يوجد النص لما صح هذا القياس لأن التبرع ليس دائما مندوبا، بل هناك حقوق في المال تجب غير الزكاة، مثل إطعام المضطر، وفكاك الأسير، وإكرام الضيف، وكفالة العصبات عند عوزهم وشدة حاجتهم، والبذل للجهاد في سبيل الله إذا تعين فرضا، وأداء الوظائف المالية التي تفرضها الدولة المسلمة وفق الشروط الشرعية[67] وهناك نصوص شرعية كثيرة تؤكد هذا الوجوب .

3 –     القول بأن الوصية لو كانت واجبة لم تكن راجعة إلى إرادة الموصي فى الرواية عن ابن عمر: “لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين له شيء يريد أن يوصي فيه”[68]، هذا اعتراض سائغ في الواقع وذلك لما يلي:-

أ –       أن هذه الرواية صحيحة وإن لم ترد في حديث البخاري لكنها وردت في صحيح مسلم[69]، وهذا يجعلنا نتلقاها بالقبول، ولا مطعن فيها كما فعل ابن حزم الأندلسي عندما نفى صحة هذه الرواية لأن مالكا لم يروها في موطئه، ورواها غيره بهذا اللفظ دون ـ يريد أن يوصى فيه[70].

ب –     إن إرادة الوصية فعلا إذا نسبت للإنسان فهي جائزة. ولكن أمام نص القرآن الذي يوجب الوصية ، فيمكن أن نجمع بين الآية وهذه الرواية من الحديث بالقول بأن هذا ربما كان راجعا لإرادة الموصي قبل فرضها بالآية فقد يكون الحديث سابقا على الآية، وبدأ الحكم بالندب وانتهى بالفرض، وإن كان الحديث بعدها فيبدو لي أن الإرادة هنا يمكن صرفها إلى نوع المال الذي يوصي فيه فالإنسان قد يوصي في مال دون آخر، للحديث وله مال يريد أن يوصي فيه، وإن إرادة المسلم هنا تعني عزمه على القيام بالواجب الشرعي المنصوص عليه.

4 –     ادعاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوصِ غير صحيح واتفق هنا مع رد ابن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بجميع ما ترك بما صح عنه أنه قال: “إنا معشر الأنبياء لا نورث ماتركناه صدقة”[71] وهذه وصية صحيحة بلا شك[72].

ويؤيد ذلك ما رواه  البخاري بسنده عن عمرو بن الحارث قال: “ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ولا دينارا، ولا عبدا ولا أمَة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة “[73].

أما الزعم بأن ابن عمر لم يوصِ وهو راوي الحديث فيخالفه ما أورده مالك عن نافع عن ابن عمر أنه لم يبت بعدها ليلة إلا ووصيته عنده مكتوبة[74]، أما بقية الصحابة مثل عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف فلا دليل فيه على أنهم لم يوصوا للأقربين، وإذا كان عمر قد أوصى لأم أولاده فهي من الأقارب قطعا، ووصية عبد الرحمن بن عوف لأمهات المؤمنين فيه تكريم لهذه الصلة الحميمة التي أنشأها الإسلام فكأنه عدهم من أقارب النسب وليست رحم الإسلام فقط، ثم إن فعل الصحابة رضي الله عنهم وقولهم ليس ملزما، ولا يقطع بحكم شرعي واحد لا يجوز خلافه[75]، ثم إن القضية أصلا فيها نصوص تغني عن البحث عن عمل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

5 –     أما الاحتجاج بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرع بين الستة إلا عبد فأعتق اثنين وأرق أربعة، وإن هذا فيه دلالة على عدم وجود وصية للأقارب مما يدل على كونها مندوبة، فاتفق مع ابن حزم في رده على ذلك بوجهين:-

الوجــــه الأول: أن هذا الحديث ربما كان قبل نزول الآية الموجبة للوصية.

الوجه الثاني: أن هذا الرجل الذى أعتق الأعبد الستة ربما كان حليفا أتيًّا لا قرابة له، والحديث لا يوضح من هو ولا نسبه في الأنصار.

6 –     القول بأن الوصية لو كانت واجبة لبين الله مقدارها، ومقدار المال الذي تجب فيه مردود بأن النص علق مقدارها على المعروف وهو لا يختلف عن نفقات واجبة دون أن يحدد مقدارها ومنها:

1 –     قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُ ۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُہُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ‌ۚ} ( البقرة :233).

2 –     قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُ ۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُ ۥ مَتَـٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِ‌ۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ}( البقرة : 236).

3 –     قوله تعالى: {وَفِىٓ أَمۡوَٲلِهِمۡ حَقٌّ۬ لِّلسَّآٮِٕلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ} ( الذاريات : 19).

يحكى عن ابن عباس والشعبي والحسن ومجاهد: هذا حق غير الزكاة[76] يستوجبه المسلمون على أنفسهم تقربا إلى الله تعالى، وإشفاقا على الناس، يقول الجصاص: “في المال حق سوى الزكاة باتفاق المسلمين عندما يلزم من النفقة على الوالدين إذا كانا فقيرين، وعلى ذوي أرحامه، وما يلزم من إطعام المضطر وحمل المنقطع، وما جرى مجرى ذلك من الحقوق اللازمة”[77]، فيرى هؤلاء العلماء أن الحق المقدر المعلوم هو الزكاة وهناك حقوق أخرى غير مقدره منها ما ذكر .

سابعاً: ضعف الاستدلال بالإجماع على وجوب الوصية: استدل بعض العلماء بالإجماع على وجوب الوصية بقولهم: إن هناك إجماعا على أن الوصية لغير الأقارب غير واجبة فوجب أن تكون الوصية الواجبة مختصة بالأقارب.

والحق أن هذا استدلال ضعيف، حيث لا إجماع في هذه القضية التي تحدثوا عنها، فمتى حدث هذا الإجماع؟ ومن هم أهله؟ وهل هو إجماع صريح أم سكوتى؟ وفي أي زمن كان؟ والحق أن كل فريق في هذا الخلاف الواضح يدعي لرأيه –  دون سند معروف ـ الإجماع، أو أنه رأي الجمهور، أو الأكثر من العلماء، وهذه نماذج من تلكم الدعاوى:

1 –     ذكر ابن قدامة نقلا عن ابن المنذر الإجماع على أن الوصية غير واجبة إلا على من عليه ديْن[78] وقال النووي: مذهبنا ومذهب الجماهير أنها مندوبة لا واجبة[79] وكذلك ذكر القرطبي[80] أن القول بوجوب الوصية للأقربين عند الوارثين مروي عن جمع عظيم من فقهاء التابعين ومن يعدهم من أئمة الفقه الحديث.

2 –     ذكر الرازي وابن حجر النووي وأن الجمهور يرى أن الوصية منسوخة [81] وذكر هشام قبلان في بحثه عن الوصية الواجبة وتأييده لها أن أكثر الفقهاء قالوا بأن آية الوصية غير منسوخة وأنها محكمة.

وهذا نموذج من الدعاوى التي لاحظتها في بحثي هذا، والحق أنها كثيرة في غيره وتحتاج وحدها إلى بحث مستقل حيث يدعى الإجماع أو رأي الجمهور أو الأكثر من العلماء بدون سند وتمحيص.

مما سبق أستطيع أن أقول إن الاستدلال هنا بالإجماع ضعيف لا يقوي الاستدلال إن لم يضعفه.

ثامناً: هل تلزم الوصية لجميع الأقربين أم لبعضهم؟ هناك أقوال عديدة للعلماء في المسألة منها ما يأتي:

1 –     إذا رجعنا إلى أقوال ابن حزم فلن نجده أبدا يحدد الوصية لقريب دون غيره، بل يقول نصا: “وفرض على كل مسلم أن يوصي لقرابته الذين لا يرثون .. والأقربون هم من يجتمعون مع الميت في الأب الذي يعرف به إذا نسب، ومن جهة أمه، وهو فيه يجتمع مع أمه في الأب الذي يعرف بالنسبة إليه”[82].

مذهب ابن حزم أنه يجوز أن يعطى بعض الأقربين دون بعض؛ ونص عبارته هي: “من أوصى لثلاثة من الأقربين فقد أوصى للأقربين”[83].

2-      قول الشافعي: “اذا أوصى الرجل فقال ثلث مالي لقرابتي أو لرحمي فذلك كله سواء،        والقرابة من قِبل الأم والأب في الوصية سواء، والذكر والأنثى والغني والفقير والصغير       والكبير سواء، لأنهم أعطوا باسم القرابة، فاسم القرابة يلزمهم معا، كما أعطى من شهد القتال باسم الحضور [84] ، فالإمام الشافعي هنا يقيس على إعطاء كل من حضر القتال سهمه فى الغنيمة وجوب إعطاء كل من يشمله اسم القرابة من هذه الوصية.

3 –      أورد الحر العاملي أن من أوصى لقرابته بألف درهم، وبه قرابة من جهة أبيه وأمه، يعطي من كان بينه وبينه قرابه[85].

جـ –  وجاء في عبارات الكندي: الوصية لجميع الأقربين ولو كانوا بعيدين[86] ، وذكر أبو محمد السالمي أنه لا يجوز أن يخص في القرابة أحدا دون أحد لأن الكل أقارب[87] وذكر ابن بركة أيضا أن كل قريب من الوالدين وغيرهما لهم بحق القرابة حق في الوصية إذا لم يكونوا وارثين، وكل من شمله اســــم الأقارب فهم شركاء فيها، والقسمة بين الشركاء سواء لأن الشريك لا يفضل على شريكه إلا عند قيام الدلالة.

وغاية ما يوجد من خلاف في هذا الأمر هو في مذهب الحنفية يعطي الأقرب فالأقرب[88] وهناك خلاف عند الأباضية وغيرهم إذا أوصى لقرابته ويوجد أعمام وأخوال هل يساوون، قيل يعطى للأعمام الثلثين وللأخوال الثلث، ولكن العمل جرى في المحاكم الشرعية في سلطنة عمان على التسوية الكاملة بين جميع الأقارب رجالا وإناثا، فقراء وأغنياء على ما رجحه ابن بركة، وما نراه واضحا في مذهب الشافعي وغيره.

ويبدو لي أن الإلزام الذي يتعلق بالوصية للوالدين والأقربين يعود تقديره إلى صاحب المال ليختار بتجرد من الأحوج من أقاربه، وأن يبتغي في ذلك البر وإعانة الأحوج ومراعاة المقاصد الشرعية في إنفاق المال، وهي تحقق مقصدا اجتماعيا في الإحساس بالأقارب وتقلب ظروفهم وأحوالهم؛ فقد يداهم أحدهم مرض أو عاهة مستديمة، أو خسارة فادحة في تجارة فتحول العزيز الثري إلى الذليل الفقير فتمتد يد صالحة بوصية قيمة تساهم في رفع البلاء وتخفيف المصاب، وإشاعة البر، ودوام التواصل بين الأرحام والأقارب.

لذلك يقول الشيخ مصطفى شلبي – بحقٍ -: “لا معنى لقصر الآية على بعض الورثة دون بقيتهم .. فلا فرق بين الحفدة، وقد يكون لهم مال آخر، وبين أخت شقيقة .. حجبت عن ميراث أخيها الذي لم يكن لها عائل سواه أو أخ شقيق عاجز عن الكسب”[89].
المبحث الثاني:
الضوابط الشرعية للوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

الضوابط الشرعية للوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين

لا تخرج الضوابط الشرعية للوصية للوالدين والأقارب غير المسلمين عن الأحكام العامة لكل الوصايا من حيث أركانها ومبطلاتها وموانعها، وفيما يلي أعرض لها سريعا على سبيل التذكير بالعناوين واستكمالا لمنهجية البحث، تاركا التفصيل في مظانها الفقهية.

 

المطلب الأول: أركان وشروط الوصية

للوصية أركان أربعة هي: الموصي، والموصى به، والموصى له، وصيغة الوصية.

الركن الأول: الموصِي:

هو كل مالك صحيح الملك، أي كل من ملك شيئا ملكا صحيحا كما ذكر ابن رشد، فلا بد أن يكون هو نفسه مالكا ما يوصى به لغيره؛ لأن تصرف الإنسان لا يصح إلا في ملكه.

ويشترط في الموصِي أن يكون أهلا للتبرعات[90] وشروط هذه الأهلية هي: البلوغ،                                  والعقل، والرشد.

الركن الثاني: الموصَى له:

يشترط في الموصى له حتى يكون مستحقا للوصية ما يلي:

  • أن يكون معلوما معينا بالاسم، مثل: وصيت لفلان بن فلان، أو معرَّف بالوصف مثل الوصية لجمعية تحفيظ القران أو هيئة الإغاثة الإسلامية أو لجمعية طبية، والمهم في هذا العلم أن يكون نافيا للجهالة بحيث يعرف الموصى له باسمه أو بوصفه.

 (2) أن يكون الموصى له موجودا عند الوصية حقيقة أو تقديرا إذا كان معينا بالذات،أما إن كان معينا بالوصف مثل الوصية للمساجد الأهلية في مدينة كذا، أو جمعية رعاية مرضى الكبد أو الفشل الكلوي، فهنا ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى ضرورة وجود هذه الجهة بالوصف عند موت الموصى، وليس إنشاء الوصية، وذهب الإمام مالك إلى عدم اشتراط وجود الموصى له عند إنشاء الوصية أو موت الوصي، فمن أوصى بثلث ماله لفقراء وأيتام مدينة أو قرية معينة، ولم يحدد  فقيرا صحت الوصية واحتسبت حتى يوجد هؤلاء الفقراء والأيتام، وعليه تصح الوصية لما يمكن أن يوجد مستقبلا، إلا إذا استحال وجود الموصى له.

 

الركن الثالث: الموصَى به:

أولا: نوع الموصى به:

يشترط في نوع الموصى به:

(1) أن يكون مما يجرى فيه الإرث أو يصح أن يكون محلا للتعاقد حال حياة الموصى.

(2) أن يكون متقوما عند الموصى إن كان مالا لا منفعة .

(3) أن يكون موجودا عند الوصية في ملك  الموصى إن كان معينا بالذات.

ومن هذه الشروط الثلاثة يبدو أنه تصح الوصية في كل ما يسمى مالا، ويصح في الإرث مثل العقارات والمنقولات والأموال المرصدة في البنوك والأثاث والسيارات ومثل ذلك،بل تجوز الوصية بالمعدوم والمجهول، حيث يجري العمل في مذهب الإمام مالك أن الغرر في المعاوضات لا يجوز، لكنه في عقود التبرعات يجوز، فمن قال لآخر: بعتك هذه الحقيبة بما في جيبيك الآن من أموال لم يصح هذا البيع لما فيه من غرر، لكنه لو قال: أوصيت لك بما في حقيبتي الآن من أموال ولم يكن يعرف قدرها فهو جائز.

ويجب أن تكون الوصية مما يقوَّم بمال عند المسلم، فمن أوصى بمزرعة خنازير لمسلم أو غيره لم يصح (سواء كان الموصي مسلما أو غير مسلم)، ومن أوصى بآلات المعازف المحرمة لمسلم تبطل الوصية.

كما يجب أن يوصى فيما يملك، فمن أوصى في شيء من ملك أبيه أو أخيه أو زوجته أو ولده لم تصح وصيته، وهذا قياسا على عدم صحة البيع فيما لا يملك الإنسان، لكن هذا في الوصية بالمعين بالذات، مثل المنقولات والعقارات أو المرتبات المعلومة، أما لو أوصى بمنفعة فهي لا توجد إلا مع الاستخدام، فمن أوصى بعين مستأجرة أو حصاد مزرعة، أو إنتاج مواشي،أو غلة مصنع، أو ريع متجرصحت وصيته، والأحناف لا يجيزون الإرث بالمنافع وكذا بالوصية، لكن المذهب الشافعي يجيزه، فإذا كانت الوصية بالمنفعة لعين مدة معلومة البدء والنهاية استحق الموصى له المنفعة في هذه المدة، فإذا انقضت المدة قبل وفاة الموصي اعتبرت الوصية كأن لم تكن، وإذا انقضى بعضها استحق الموصى له المنفعة في باقيها.

ثانيا مقدار الموصَى به:

إذا كنا تحدثنا عن نوع الموصى به، فإننا هنا نتناول مقدار الموصى به، وإذا كانت الآيات قد جاءت مطلقة في سورة البقرة أو النساء مثل قوله تعالى: (منْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) (النساء:12).

إلا أن الأحاديث قد قيدت هذا الإطلاق بما لا يزيد عن الثلث، وفي هذا أورد الدارقطني أن أبا الدرداء قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في حسناتكم ليجعلها زيادة لكم في أعمالكم “.[91]

وروى البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لو غض الناس إلى الربع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الثلث والثلث كثير” وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لسيدنا سعد بن أبي وقاص لما أراد أن يوصي بأكثر من الثلث من ماله بعد موته.

والواقع أن الوصية بأكثر من الثلث قد يكون فيها إضرار بالورثة، وقد أمر الله تعالى ألا يضار الموصى ورثته بالوصية، بل إن سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه أوصى بالخمس حتى لا يصل إلى الثلث؛لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “والثلث كثير”.[92]

وقال:”رضيت لنفسي ما رضيه الله تعالى لنفسه وهو خمس الغنائم”.

لذا يقول النووي في الوصية بالثلث فقط: “إن في هذا مراعاة العدل بين الورثة والوصية، وقال أصحابنا وغيرهم من العلماء: إن كانت الورثة أغنياء استحب أن يوصى بالثلث تبرعا، وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص عن الثلث، ثم حكي الإجماع على أن من لا وارث له لا تنفذ وصيته بزيادة على الثلث إلا بإجازته[93].

وإذا كان الجمهور يرون أن الوصية لا تجوز فيما زاد عن الثلث إلا بإجازة الورثة فإن ابن حزم الأندلسي والظاهرية يرون أن الوصية فيما زاد عن الثلث لا تصح، يقول ابن حزم: ولا تجوز الوصية بأكثر من الثلث، كان له وارث أو لم يكن له وارث، أجاز الورثة أم لم يجيزوا….فهذا إجازة الباطل، لكن إن أحبوا أن ينفذوا ذلك من مالهم باختيارهم فلهم ذلك[94].

وعلى هذا تكون حالات الوصية من حيث مقدارها – كما يذكر أستاذنا الدكتور محمد إبراهيم شريف – واحدة من الحالات الأربع التالية [95]:

 (1) لا يجوز الوصية بأكثر من الثلث، وإذا حدث لا تنفذ حتى لو أجاز الورثة.

(2) الأصل أن الوصية بما لا يزيد عن الثلث، فإن حدث تنفذ بإجازة الورثة.

(3) الأفضل أن تقل عن الثلث بإطلاق:

(4) الأفضل الوصية بالثلث إن كان الورثة أغنياء، وإن كانوا فقراء أن يوصى بأقل من الثلث

الركن الرابع: صيغة الوصية:

تنعقد الوصية بالعبارة أو بالكتابة، فإذا كان الموصى عاجزا عنهما انعقدت الوصية بإشارته المفهمة، وتصح الوصية إذا كانت مضافة معلقة بالشرط أو المقترنة به، وإن كان الشرط صحيحا وجبت مراعاته ما دامت المصلحة فيه قائمة، ولا يراعى الشرط إن كان غير صحيح أو ما زالت المصلحة المقصودة منه.

والشرط الصحيح هو ما كان فيه مصلحة للموصى أو الموصى له أو لغيرهما، ولم يكن منهيا عنه أو منافيا لمقاصد الشريعة.

وصيغة الوصية إما أن تكون مطلقة بلا شروط كأن يقول أو يكتب: أوصيت لفلان بربع الشركة، وقد تكون معلقة على شرط، وهنا يجب أن يتوفر في هذا الشرط ما يلي:

(1) أن تكون فيه مصلحة للموصى أو للموصى له أو لغيرهما، كأن يوصى لفرد على أن يحج عنه من مال الوصية،أو يوصي لفرد على أن يواصل دراسته العليا،أو يكون لمصلحة غيرهما كأن يوصى لقريب له على أن ينفق على عشرة من أيتام بلدته.

(2) أن لا يكون الشرط منهيا عنه، مثل أن يوصى لشخص على أن يأخذ بالثأر، أو ينشر كتابا يدعو إلى الإباحية، والتحلل والتمرد على الشريعة الإسلامية.

(3) ألا يكون منافيا لمقاصد الشريعة الإسلامية،كمن يوصى لأحد ورثته نكاية في وارث آخر،ومن يوصى لجمعية تبشيرية أو هيئة تقوم على حرب الإسلام أو المسلمين.

ويجمع العز بن عبد السلام هذه الشروط مع الآداب التربوية تحت عنوان ” من إحسان الموصي” وذلك بقوله: ” بارتياد أعلى الجهات لوصيته، وألا يحيف على ورثته، وأن ينقص من الثلث إن كانوا فقراء، ويستكمله إن كانوا أغنياء وألا يرجع في وصيته إلا من هو أولى منه، وإحسان الموصى له برد الوصية على الورثة إن كانوا فقراء، وبقبولها إن كانوا أغنياء، وإحسان الموصى إليه بقبول الوصاية وبالمبادرة في تفريقها في أعلى جهاتها، وأفضل مصارفها مقدما لأهمها فأهمها، وإجازة الوارث الوصية للوارث أو بما زاد على الثلث للأجنبي إحسان إلى الموصي والموصى له”[96].

ذكرنا أن أركان الوصية هي الموصى، الموصى له، والموصى به، وصيغة الوصية، وذكرنا لكل ركن شروطا لتصح الوصية فإذا تخلف شرط من هذه الشروط بطلت الوصية، وهنا نجمل هذه المبطلات زيادة في البيان والتوضيح فقط.

المطلب الثاني: مبطلات الوصية

مبطلات الوصية تتنوع إلى فقدان شروط في الأركان الأربعة للوصية وهي الموصي والموصى له والموصى به وأخيرا صيغة الوصية، وفيما يلى بيان ذلك

أولا: مبطلات الوصية بسبب يرجع إلى الموصي:

 (1) رجوع الموصي عن الوصية صراحة أو بدلالة قاطعة أو بتصرفه في الوصية تصرفا يزيل ملكه عنها، يجوز للموصى الرجوع عن الوصية كلها أو بعضها صراحة أو دلالة…”.

(2) إصابة الموصى بالجنون المطبق المتصل بالموت أو العته مما تسقط معه أهليته؛ وذلك لأنه يحق له الرجوع عن الوصية في أي وقت أو الجنون الطارئ المتصل بالموت يحرمه من هذا الحق،فلعله رجع عن الوصية، وهذا قول الحنفية، وخالفهم المالكية في هذا فأجازوا الوصية مع اتصال جنون الموصى حتى الموت، والراجح قول الحنفية.

ثانيا: مبطلات الوصية بسبب يرجع إلى الموصى له:

(1) إذا مات الموصى له قبل موت الموصى بطلت الوصية لفوات محلها أي المستفيد منها.

 (2) إذا تعذر وجود الموصى له، كما لو وصى لجمعية خيرية ستنشأ في المستقبل فلم تقم هذه الجمعية؛ تبطل الوصية.

(3) إذا رد الموصى له الوصية؛ لأن أحد ركني العقد لم يحدث وهو القبول، تبطل الوصية. وكذلك إذا طلب منه قبولها فلم يقبلها بعد علمه ولم يجب بالقبول أو الرد.

(4) قتل الموصى له الموصى؛ فيتحقق مانع من موانع الوصية.

(5) إذا كان الموصى له غير المسلم محاربا لله ورسوله والمؤمنين فلا تجوز له الوصية بأي قدر من المال، لأن هذا إعانة له على الإثم والعدوان، وإنهاك للمسلمين بتعضيد الظالمين.

ثالثا: مبطلات الوصية بسبب يرجع إلى الموصى به:

 (1) إذا هلكت العين الموصى بها، فمن وضع أمواله في شركات استثمارية ثم أوصى بثلثها، وذهبت هذه الأموال جميعا أو بعضها بطلت الوصية أو بعضها بحسب ما هلك منها، فإذا أخذوا جزءا من هذه الأموال كان ثلثها للوصية.

 (2) إذا أزيل ملك الموصى عن الموصى به بطلت الوصية، كمن استغرقت دينه كل التركة بما فيها الوصية، أو كانت الوصية بمنفعة (شقة مستأجرة) فقام الموصى له بشراء الشقة فدخلت في ملكه.

(3) إذا كان الموصى به شيئا محرما مثل الملاهي وبيوت الدعارة وصالات القمار وحانات الخمور، وأماكن الرقص وآلات المعازف ومزارع الخنازير ومصانع الدخان والخمور،أو كمية من المخدرات، أو أطعمة فاسدة أو مياه ملوثة، أو سيارة مسروقة، أو أموال منهوبة، أو فوائد ربوية، فكل هذه الأموال محرمة لا يصح الوصية بها،وهي إما أن تهدر كالخمور والخنازير والمخدرات والأطعمة الفاسد،أو تحول إلى أماكن نافعة مثل المطاعم والفنادق،أو ترد إلى أصحابها إذا كانت مسروقة أو منهوب،أو يتخلص منها مثل الفوائد الربوية بإنفاقها في غير واجب

 

رابعا: مبطلات ترجع إلى صيغة الوصية:

 (1) إذا علقت الصيغة على شئ مستحيل أو لا يصح شرعا، مثل ما يوصى لأخته بشرط ألا تتزوج أحدا، ومن يوصى لشخص على أن يترك دينه أو يهاجمه أو يعمل جاسوسا لدى الأعداء ضد بلاد الإسلام والمسلمين.

(2) إذا أوصى دون شهادة غير الموصى له لأنه صاحب مصلحة، أو كانت الوصية بغير خط الموصى ولم يوقع عليها بعد قراءتها عليه.

(3) إذا بدا أن الباعث على الوصية الإضرار بالورثة أو أي سبب محرم.

 

المطلب الثالث: موانع الوصية

هناك اتفاق واختلاف بين موانع الميراث وموانع الوصية، فإذا كانت موانع الميراث أربعة هي: القتل، واختلاف الدين، واختلاف الدارين، والرق، فليس هناك من موانع الوصية سوى المانع الأول وهو القتل، لأن من قتل الموصي كان كمن قتل مورثه سواء بسواء؛ فيحرمان من حقهما في الوصية أو الميراث، والدليل الشرعي على حرمان القاتل من الوصية هو القياس[97]-وهو دليل شرعي- على حرمان الوارث القاتل بجامع علة استعجال الشيء قبل أوانه فيعاقب بحرمانه.

والقتل المانع في الوصية هو القتل نفسه المانع في الميراث في كثير من قوانين الدول العربية والإسلامية، وعلى سبيل المثال جاء في المادة (17) من قانون الوصية المصري: “يمنع من استحقاق الوصية الاختيارية أو الواجبة قتل الموصي أو المورث عمدا، سواء القاتل فاعلا أصليا أم شريكا، أم كان شاهدا زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام على الموصى وتنفيذه، وذلك إذا كان القتل بلا حق ولا عذر، وكان القاتل عاقلا بالغا من العمر خمس عشرة سنة، ويعد من الأعذار تجاوز حق الدفاع الشرعي”، وتجري كثير من القوانين في الدول الإسلامية على اعتبار القتل العمد هو المانع من الميراث أو الوصية وقد اختار واضعو القانون المذهب المالكي في حرمان القاتل من الميراث أو الوصية إذا كان قتل عمد فقط.

ومع عدم تخطئة هذا الاختيار يبدو لي أن الأصوب هو قول الشافعية والحنفية والحنابلة والظاهرية بخصوص حرمان من قتل مورثة خطأ؛ وذلك لما يأتي:

  • عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (( ليس للقاتل شيء)) فهو لفظ عام يشمل كل قاتل دون الصبي والمجنون، لأنهما غير مكلفين أصلا، والقتل بحق أو عذر له ما يبرره، لكن القتل الخطأ يفتقد إلى التصون والاحتياط مما يستتبع تحمل مسئولية ذلك، وهو واقع من مكلف.
  • إن الشريعة الإسلامية تلزم من قتل خطأ الدية إلا أن يعفو أولياء القتيل ، وع هذا تلزم الكفارة رغم أنه ليس آثما شرعا، وفي ضوء هذا يفسر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)[98] والمعنى وضع الإثم، وإذا كان من أتلف شيئا خطأ يلزمه إصلاحه، ويغرم لهذا رغم كونه خطأ. فالأولى أن يحرم القاتل خطأ من الميراث.
  • إذا كان القتل العمد هو المانع من الميراث دون الخطأ فيستطيع الوارث أن يقتل مورثه ويخفي الأدلة كما يفعل المجرمون عادة، والأخذ بسد الذرائع يقتضي حرمان القاتل خطأ.
  • يبدو أن العدول عن مذهب أبي حنيفة في هذه المسالة والأخذ بمذهب الإمام مالك كان بغرض التوفيق بين أحكام قانون العقوبات الذي يشترط لوجود جناية أن يتوفر القصد الجنائي. وتطرد العلة مع المعلول.

أما اختلاف الدين، فالوصية تصح من المسلم للكافر والعكس، بشرط ألا تكون عونا على باطل، قال ابن حزم: “والوصية للذمي جائزة ولا تعلم في هذا اختلافا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:”في كل ذي كبد رطبة أجر”[99].[100]

لكن الشافعي يذكر في الأم أنه لا تجوز الوصية إلا إلى بالغ مسلم أو امرأة، ولا تجوز وصية مسلم إلى مشرك.[101] وهو خلاف ما انتهيت إليه.

أما اختلاف الدارين بين الموصى والموصى له فليس مانعا من الوصية. فتصح الوصية مع اختلاف الدين وتصح مع اختلاف الدارين ما لم يكن الموصى تابعا لبلد إسلامي، والموصى له غير مسلم تابع لبلد غير إسلامي، تمنع شريعته من الوصية مثل الموصى.

وهذا الرأي مرده إلى اختيار أبي حنيفة وأبي يوسف، ،وهو يقوم على التعامل بالمثل وهو الأقرب إلى العدل ويحقق سيادة دولة الإسلام.

أما مانع الرق فليس معتبرا، فيصح أن يوصى الرجل لعبده أو أمته بجزء من ماله على سبيل الصلة والبر بهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث:

المقاصد التربوية والدعوية للوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين.

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث

المقاصد التربوية والدعوية للوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين

هناك مقاصد تربوية ودعوية في تشريع الوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين، قد ندرك بعضها وقد يغيب أكثرها لكن المقطوع به أن شرع الله تبارك وتعالى له مقاصده العليا وغاياته الكبرى ومنازله العظمى التي يجب أن تظل مظلة دائمة تتحقق تحتها كل الأحكام الجزئية في الشريعة الإسلامية وفيما يلي  أستعرض أهم هذه المقاصد:

أولا: التخلق بأخلاق الله في الجود والكرم على عباده أجمعين:

عقد العز بن عبد السلام في كتاب شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال، بابا كاملا بعنوان: “التخلق بصفات الرحمن” يقول فيه: “لا يصلح لولاية الديان من لم يتأدب بآداب القرآن، ولم يتخلق بصفات الرحمن على حسب الإمكان؛ فإنه محسن أمر بالإحسان، مفضل أمر بالإفضال، نافع أمر بالنفع… فمن تخلق بصفات ذاته صلح لولايته ورضوانه”.[102].

وبين أن صفات الإله سبحانه نوعان:

أحدهما: مختص به، كالأزلية، والأبدية، والغنى عن الأكوان.

والثاني: يمكن التخلق به، وهو الذي وردت الشريعة به كالجود والحياء والحلم والوفاء، فالتخلق بذلك على حسب الإمكان مرض للرحمن، مرغم للشيطان، ويدل على ذلك التخلق آيات القرآن، واتفاق أهل المعرفة والإيمان”.

فإذا كان مالك الملك والملكوت ورب العزة والجبروت يسمع ويرى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويشهد كل ما يفعله أقطاب الفساد في البر والبحر حتى قال تعالى: (وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (سبأ:17)، ومع ذلك يرزق عباده المؤمنين وغير المؤمنين والأدلة على ذلك كثيرة منها ما يلي:

  1. قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (البقرة:126).

فعندما دعا سيدنا إبراهيم بتخصيص الثمرات لمن آمن بالله بيَّن الله تعالى أن الدنيا مبسوطة للمؤمنين والكافرين وإن كان هذا لا يتعارض مع محاسبتهم يوم الدين.

قال ابن عباس: “كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس؛ فأنزل الله: “ومن كفر” أيضا أرزقهم كما أرزق المؤمنين أأخلق خلقا لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير، ثم قرأ ابن عباس: (كُلاًّ۬ نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَ‌ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا) ﴿الإسراء: 20﴾[103].

فعندما دعا سيدنا إبراهيم بتخصيص الثمرات لمن آمن بالله بيَّن الله تعالى أن الدنيا مبسوطة للمؤمنين والكافرين وإن كان هذا لا يتعارض مع محاسبتهم يوم الدين.

  1. قوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) (فصلت:9-10) فلم يخصص الله الأرزاق في الأرض من المؤمنين دون غيرهم بل جعلها للجادين الذين يضربون في الأرض فيرزقهم الله تعالى.
  2. قوله تعالى: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ* وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) (الزخرف:33-35)، وهنا بيان أن الله لو شاء لوسع أكثر في أرزاق هؤلاء لعلهم يعودون إلى الله عز وجل.
  3. قوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ:13).
  4. روى البخاري ومسلم حديث أبي موسى رضي الله عنه: “لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم[104]“.
  5. ما أورده الترمذي عن سھل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء”.[105]

فإذا كان الله وحده مالك الملك الخالق الرزاق، وهو رب هذا الكون، وكان ولايزال مشفقا على بني آدم يمهل عاصيهم ويرزق كافرهم ويقبل من تائبهم فيجب أن تكون هذه صفة لنا عند التصرف في المال الذي هو هبة الرحمن فلا نحرم منه إنسانا لكفره بربه.

7- وقد أفرد العز بن عبد السلام لكل اسم من أسماء الله عز وجل مما يمكن التخلق به سبحانه وبين كيف يتخلق العبد بخلق الرب سبحانه وتعالى في ذلك، ومن الأمثلة على ذلك مايلي:

  • يقول تحت عنوان: “التخلق بالجبر” حيث يقول: “الجبار؛ إن أخذ من جبرت العظم والفقير إذا أصلحتهما، والتخلق به بأن تعامل عباده بكل خير وإصلاح تقدر عليه، أو تصل إليه”[106].
  • يقول في التخلق بالرأفة والرحمة: “أي برحمة كل من قدرت على رحمته بأنواع ما تقدر عليه من الرأفة والرحمة حتى تنتهي رحمتك إلى الذباب والذر، إذ “في كل كبد رطبة أجر”[107].
  • يقول في التخلق بالضر والنفع: “والتخلق بهما بنفع كل من أمرت بنفعه، وضر كل من أمرت بضره، والخلق عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله، فعليك ببذل المنافع لكل دان وشاسع”[108].
  • يقول: “التخلق بالجود والكرم بأن تجود بكل ما تقدر عليه من مال وجاه، وعلم وحكمة وبر ومساعدة”[109].

وهكذا نرى نصوص القرآن والسنة وأقوال علماء الأمة الربانيين تؤكد على ضرورة التخلق بأخلاق الله في البذل لكل محتاج دون ربط ذلك بإيمانه أو كفره.

 

فإذا كان رب العزة يرزق المؤمنين جميعا مؤمنهم وكافرهم وصالحهم وطالحهم فيليق بالعبد إذا أوصى وله أب أو أم، ابن أو بنت، قريب في النسب أو الرحم، ولا حظ لهم في الميراث فينبغي ألا يحرمهم من فضل الله عليه فالمال مال الله والخلق عيال الله، وفي الوصية لهم تخلق بأخلاق الله.

 

ثانيا: التخلق بأخلاق أنبياء الله:

تاريخ الأنبياء كله بر وإحسان وعطاء ورحمة لكل إنسان وهناك نماذج كثيرة لكنا نورد بعضا منها على النحو التالي:

  • رغم قسوة والد سيدنا إبراهيم عليه إلا أنه ظل محتفظا بأعلى درجات البر والخلق والرحمة والإحسان ولعله النموذج الأول الذي طبق هذه الآية التي أوصى بها لقمان ابنه في قوله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) ﴿لقمان 15﴾.
  • رغم كل المؤامرات التي قام بها إخوة يوسف لإبعاده وقتله واتهامه زورا بالسرقة لكنه لما جاؤوه أفاض عليهم بالمال، فجهزهم بجهازهم وزادهم كيل بعير، ولما جاؤوا سائلين كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَـٰٓأَيُّہَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَـٰعَةٍ۬ مُّزۡجَٮٰةٍ۬ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآ‌ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِى ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ) (يوسف: 88﴾، أعطاهم بسخاء بل ضمهم إليه وسامحهم وأجزل لهم العطاء، ونحن بحاجة إلى هذا الاقتداء بخلق سيدنا يوسف الكريم بن الكريم بن  الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم في توسعة بذل المال وحسن الخلق على غير المسلمين أو على الناس أجمعين صالحهم وطالحهم.
  • “طلب قوم موسى عليه السلام منه أن يدعو ربه ليكشف عنهم ما أحل بهم من البلاء، فقال تعالى: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُواْ يَـٰمُوسَى ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ‌ۖ لَٮِٕن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسۡرَٲٓئيلَ) (الأعراف: 134)، وبالفعل دعا لهم موسى واستجاب الله دعاءه، لكنهم ما لبثوا أن أخلفوا وعدهم ونكثوا عهدهم…، قال تعالى: (فَلَمَّا ڪَشَفۡنَا عَنۡہُمُ ٱلرِّجۡزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَـٰلِغُوهُ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ) (الأعراف: 135).
  • ولد سيدنا عيسى عليه السلام مفطورا على فعل الخير ونفع الغير، يقول العز بن عبد السلام في الباب العاشر “الإحسان ببذل الأموال” حيث جاء العنوان: “نفع العباد بكل البلاد”، واستدل بقوله تعالى عن سيدنا عيسى عليه السلام: (وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا ڪُنتُ) ﴿مریم: 31﴾ أي نفَّاعا لعباده أينما حللت، ثم يقول: النفع نفعان: نفع في الأديان، ونفع في الأبدان، والبركة: كثرة الخير وزيادته فأثنى الله على عيسى بكونه جعله نافعا لعباده أين كان وحيث حلَّ، قال الشاعر:

لله قوم إذا حلوا بمنزلة            حل الندى ويسير الجود إن ساروا

  • جاء في سورة الكهف من أخلاق ذي القرنين أنه تعفف عن عرض هؤلاء القوم المظلومين من يأجوج ومأجوج، فقال تعالى: (فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدًّ۬ا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيۡرٌ۬ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَہُمۡ رَدۡمًا (٩٥) ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِ‌ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْ‌ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُ ۥ نَارً۬ا قَالَ ءَاتُونِىٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرً۬ا (٩٦) فَمَا ٱسۡطَـٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَـٰعُواْ لَهُ ۥ نَقۡبً۬ا) ﴿الکھف: 94 -97). فتعفف عن أخذ المال منهم وتطوع بالإحسان إليهم وبناء السد لهم وعاونهم في رفع الظلم عنهم.

هذه شواهد جديرة بالاقتداء، لمن أراد امتثال قوله تعالى: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام:90) وعليه فإن الوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين هو إحياء لسنة النبيين.

ثالثا: التخلق بأخلاق رسول الله وصحبه الكرام:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمثل القمة السامقة والذروة العالية في البر والإحسان لكل إنسان ومن الشواهد التي تعتبر غيضا من فيض مما يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يلي:

  1. كان الرسول قبل الإسلام وبعده: «يصِلُ الرَّحِمَ وَيَحْمِلُ الْكَلَّ وَيَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» ([110])، وهي نفس الكلمات التي قالها ابن الدغنة لأبي بكر لما همّ بالهجرة من مكة، فكان مما ذكره أنه -أي أبي بكر-: «يُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ»، وابن الدغنة يومئذ غير مسلم يشهد لأبي بكر أن خيره وعطاءه يتجاوز المسلمين إلى عموم المحتاجين.
  2. ما رواه مسلم([111]) عن المنذر بن خبيب عن أبيه قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فِي صَدْرِ النَّهَارِ قَالَ فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوْ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنْ الْفَاقَةِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلالاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا» -وَالآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ- «اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ»، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ» -حَتَّى قَالَ:- «وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». والحديث ليس فيه أن هؤلاء القوم كانوا مسلمين أم لا، وغَضَبُ النبي رحمةً بهم وشفقةً عليهم، وجمع المسلمين لحثهم على التبرع والتطوع، ولما جاءت أموال كثيرة تهلل وفرح من تجاوب الصحابة.
  3. ما رواه مسلم([112]) عن أبي سعيد الخدري قال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ»، قَالَ فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ.
  4. فهذا الرجل لا يُعرف اسمه ولا نسبه ولا دينه لكنه محتاج، وهنا حثّ النبي على بذل الفضل لهذا المحتاج حتى قال أبو سعيد الخدري: «حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ» أي: إذا وُجدت الحاجة العامة تجب كفالة صاحبها قبل الاستمتاع بالفضل.
  5. روى مسلم بسنده عن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته من شيء، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا في العام الماضي قال: كلوا وأطعموا وادخروا؛ فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها”[113]. “وقد ذهب إلى ذلك الشافعي في الرسالة[114] والباجي في المنتقى[115] والطحاوي في معاني الآثار[116]، والغزالي في شفاء الغليل[117]، وابن تيمية في القواعد النورانية[118]، حيث يرون أن إطعام الجوعى واجب، وتحريم الادخار من لحوم الأضاحي بعد ثلاث يعود بعد الإباحة إذا تكررت الحاجة، ويرتفع بارتفاعها فالأمر يدور مع العلة حيث دارت”[119].
  6. وھنا نجد ٲن رسول الله صلى الله عليه وسلم فزع عندما رأى قوما ينتمون إلى بني الإنسان وهم في هذه الحالة من الفقر والجوع والعوز فينهى أصحابه أن يدخروا شيئا من الهدي الذي ذبحوه وكانت النتيجة هي أن حرَّم ادخار شيء منه كي يطعموا إخوانهم في الإنسانية من هذا الخير. وإذا جازت العطية في الحياة جازت الوصية بعد الوفاة.
  7. روى أبو عبيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود فهي تجري عليهم”[120].
  8. في عهد أبي بكر كتب خالد بن الوليد صلحا لأهل الحيرة بالعراق، وكانوا من النصارى، جاء فيه: (وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله)[121] ولم ينقل إنكار ذلك.
  9. روى البلاذري[122] أن عمر بن الخطاب عند مقدمه الجابية من أرض دمشق مرَّ بقوم مجذومين من النصارى، فأمر أن يعطوا من الصدقات، وأن يجرى عليهم القوت[123].
  10. كتب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطاة[124] عامله على البصرة: (أما بعد، من قبلك من أهل الذمة من قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه..)[125].
  11. أورد ابن الأثير في الكامل([126]) عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن الله فرض للفقراء في مال الأغنياء قدر ما يسعهم فإن منعوهم حتى يجوعوا أو يجهدوا حاسبهم الله حسابًا شديدًا وعذبهم عذابا نُكرًا.
  12. يرى الإمام الجويني في كتابه الغياثي([127]) أنه لو جاع فقير واحد حتى هلك بين ظهراني أغنياء علموا بحاجته أثموا من عند آخرهم، وكان الله طليبهم وحسيبهم يوم القيامة، وتوجد عبارات مماثلة لدى فقهائنا مثل ابن حزم الأندلسي الظاهري، وابن قدامة المقدسي الحنبلي، والنووي الشافعي، ومحمد بن الحسن الشيباني الحنفي، والكاساني الحنفي، وابن العربي المالكي وغيرهم وهم لا يفرقون في عباراتهم الفقهية الدقيقة بين مسلم وغير مسلم.
  13. هذه هي أخلاق النبوة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، وعلماء الأمة حيث حرضوا وبذلوا المال سخيا لكل محتاج دون السؤال عن دينه أو نسبه أو حسبه، بل هو العمل الإنساني الإسلامي في وقت واحد.

رابعا: التخلق بأخلاق القرآن:

ورد في القرآن الكريم (133) موضعا فيها حث على الإنفاق والبذل وذم البخل والشح.[128] ويمكنني بالاستقراء لهذه المواضع كلها استنباط ما يلي:

  1. لا يوجد آية واحدة تقصر الانفاق على المسلم دون غيره، وترد الآيات بصيغة العموم والإطلاق مثل قوله تعالى: (كَلَّا‌ۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيم…) ﴿الفجر: 17﴾، قوله تعالى: (فلا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ *وَمَآ أَدۡرَٮٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوۡ إِطۡعَـٰمٌ۬ فِى يَوۡمٍ۬ ذِى مَسۡغَبَةٍ۬ * يَتِيمً۬ا ذَا مَقۡرَبَةٍ * أَوۡ مِسۡكِينً۬ا ذَا مَتۡرَبَةٍ۬) ﴿البلد: 16۔11﴾، فالإكرام والإطعام لأي يتيم أو مسكين أو قريب مسلما كان أو غير مسلم، ومنه قوله تعالى: (وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآٮِٕلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ) ﴿البقرة: 177﴾، وقد أورد علماء التفسير من أسباب نزول هذه الآية أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن البر فنزلت الآية وهو قول منقول عن قتادة[129]، والآية نص جلي الدلالة على أن البر يشمل كل محتاج من ذوي القربى واليتامى والمساكين مسلمين أو غير مسلمين.
  2. في كثير من الآيات لم يأت المفعول به الثاني وما في حكمه وهو آخذ الصدقة، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ*وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ* فَسَنُيَسِّرُهُ ۥ لِلۡيُسۡرَىٰ) ﴿اللیل: 7-5﴾ ، فالمفعول به الأول وهو الشيء الذي يعطى من مال أو نفع والمفعول به الثاني وهو من يأخذ هذه العطية، يأتي مطلقا مما يضاعف اليقين بأنه عطاء مفتوح للمسلمين وغير المسلمين.
  3. إذا كان البعض يمكن أن يسمى هذا من العموميات التي لا تفيد إلا الظن الراجح فقد جاءت نصوص أخرى تجعل القضية قطعية دلالة وثبوتا في الإنفاق والإرفاق والإطعام بالمسلم وغير المسلم، ومن ذلك قوله تعالى: (ويُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينً۬ا وَيَتِيمً۬ا وَأَسِيرًا) ﴿الإنسان: 8﴾، فكلمة الأسير دليل قطعي على جواز الإطعام لغير المسلم ولعلي هنا استصحب ما أوردته د.زغريد هنكه نقلا عن الألماني عالم الفلسفة اللاهوتية “أوليفروس” من كولونيا على نهر الراين بألمانيا الذي بهره ما اكتشفه من المروءة والفروسية العربية إبان الحروب الصليبية عندما تغلبوا على الصليبين بعد كل ما فعلوه في المسلمين فلم يقتصوا منهم، إنما أطعموهم في مسغبتهم وكانوا يرسلون كل يوم للجنود الصليبيين ثلاثين ألف رغيف ومواد غذائية أخرى، ويصف هذا المشهد بقوله:

منذ تقادم العهود لن يسمع المرء بمثل هذا الترفق والجود، خاصة إزاء أسرى العدو اللدود … ومن ذا الذي يشك لحظة في أن مثل هذا الجود والرحمة من عند الله … إن الرجال الذين قتلنا آباءهم وأبناءهم وبناتهم وإخوانهم وأخواتهم وأذقناهم مر العذاب ، لما غدونا أسراهم، وكدنا نموت جوعًا راحوا يؤثروننا على أنفسهم على ما بهم من خصاصة وأسدوا إلينا كل ما استطاعوا من إحسان، بينما نحن تحت رحمتهم لا حول لنا ولا سلطان ) [130].

وهو اعتراف أن هذا من أخلاق الإسلام العظيم وهو ما بهره وبهر د. هونكه وأمثالها من المنصفين ، ونحن بحاجة إلى تأسيس أخلاق القرآن في أي مكان ننزل فيه، كما يقول العز ابن عبد السلام: “أخلاق القرآن ضربان: أحدهما:

  1. التخلق بخصائص العبودية كالذل والإذعان.
  2. والثاني: التخلق ببعض صفات الربوبية كالعدل والإحسان.

وبين أن صفات الإله سبحانه نوعان:

أحدهما: مختص به، كالأزلية، والأبدية، والغنى عن الأكوان.

والثاني: يمكن التخلق به، وهو الذي وردت الشريعة به كالجود والحياء والحلم والوفاء، فالتخلق بذلك على حسب الإمكان مرض للرحمن، مرغم للشيطان، ويدل على ذلك التخلق آيات القرآن، واتفاق أهل المعرفة والإيمان”[131].

ويفصل ذلك في باب كامل بعنوان: “التخلق بصفات الرحمن” يقول فيه: “لا يصلح لولاية الديان من لم يتأدب بآداب القرآن، ولم بتخلق بصفات الرحمن على حسب الإمكان؛ فإنه محسن أمر بالإحسان، مفضل أمر بالإفضال، نافع أمر بالنفع… فمن تخلق بصفات ذاته صلح لولايته ورضوانه”[132].

أحسب أن امتثال أخلاق القرآن توجب البذل والإحسان لكل إنسان، بل حثَّت السُنة على الرحمة بكل ذي كبد رطبة، من حيوان أو طير أو غيرهما، فهو منهج يقوم على الرحمة والإحسان بغاية الإمكان.

 خامسا: الوصية لغير المسلمين إحسان وهداية:

مما لا شك فيه أن الإنسان جُبِل على حب من أحسن إليه، وهذا الحب يفتح القلوب للتعرف على منهج من أحب وأحسن إليه، يقول الشاعر:

أحسن إلى الناس تسعبد قلوبهم         فطالما استعبد قلوب الناس إحسان

فإذا كان هذا أمرا فطريا فإننا نجد ذلك في نصوصنا الشرعية ومن ذلك ما يلي:

  1. لما دخل يوسف عليه السلام السجن لم يعش شعور الضحية منكبا على نفسه، وإنما كان محسنا لمن معه في السجن كما قال تعالى: (وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِ‌ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَٮٰنِىٓ أَعۡصِرُ خَمۡرً۬ا‌ۖ وَقَالَ ٱلۡأَخَرُ إِنِّىٓ أَرَٮٰنِىٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِى خُبۡزً۬ا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُ‌ۖ نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦۤ‌ۖ إِنَّا نَرَٮٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ) ﴿یوسف: 36﴾، فمارس الدعوة معهم، وكان هذا الإحسان لغير المسلمين سببا في خروجه من السجن وتقريبه إلى الملك وتوليه إدارة الشؤون المالية في البلاد بعدل وإنصاف، هذا الإحسان إلى من معه في السجن كان أثره كبيرا جدا على سيدنا يوسف ونشر رسالته بأوسع نطاق؛ مما يؤكد أن إحساننا بالوصية لغير الوارثين من الوالدين والأقريبن قد يؤدي إلى آثار إيجابية كثيرة في هداية كثير من عباد الله.
  2. روى مسلم بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “قال رجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية. لأتصدقن بصدقة ، فخرج بصدقته. فوضعها في يدي غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني ، فقال : اللهم لك الحمد ، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فأتي: فقيل له: أما صدقتك على سارق: فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية: فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني: فلعله يعتبر، فينفق مما أعطاه الله”[133].

يقول الشيخ العز بن عبد السلام تعليقا على هذا الحديث مظهرا المقاصد الحسنة للإحسان في هداية الناس إلى الرحمن: “الغرض من الصدقات تحصيل مصلحة المتصدق عليه، فإذا كانت الصدقة وسيلة إلى الكف عن الزنا وعن حده، وعن السرقة وحدها، وكانت حاثَّة للغني على التصدق، فالوسائل تشرف بشرف المقاصد؛ فأكرم بالتوسل إلى المنع من الزنا والسرقة وبما يحث عليه من التصدق والإحسان”[134].

  1. يقول: “برُّ الكفار الذين لا يحاربون إحسان لهم وتأليف لهم على الإسلام”[135].

وأحسب أن المسلمين الذين يعيشون بين غير المسلمين أحوج ما يكونون إلى هذا الإحسان خاصة إلى أقاربهم وأرحامهم، وهذا أعظم طريق للدعوة وهداية هؤلاء إلى طريق الله عز وجل.

ومن الأمثلة العملية على ذلك هذه القصة الواقعية التي سمعتها بنفسي من الحاج سلطان شيخ قبيلة في دولة (بنين) غرب أفريقيا حيث حدثت مجاعة كبيرة للبلد كلها، وذهبت هيئة من هيئات الإغاثة الإسلامية لتوزيع لحوم الأضاحي على المسلمين المنكوبين، فجاء شيخ القبيلة “سلطان” المجاورة للمسلمين، وهو آنئذ وثني يعبد هو وقبيلته الأصنام وطلب بعضًا من الطعام لقبيلته فقال أحد الموظفين :”لا حق لكم في صدقات المسلمين ما دمتم غير مسلمين”، لكن الموظف الآخر -وكان على علم ووعي- قال: لا بل يجب أن نطعمهم ولا توجد آية ولا حديث إلا وفيها عموم الإطعام لكل الفقراء أينما كانوا ومهما كانوا، فقبل صديقه هذا الفهم، وأعطوهم طعامًا ولحوما وأغدقوا عليهم  وذهب الرجل ينقل الحوار لقبيلته، وبعد أن أكلوا أسلم شيخ القبيلة، وأسلمت معه القبيلة كلها وكان عددهم فوق الأربعمائة؛ فكان هذا الإحسان سببا في هدايتهم إلى الإسلام.

وهذه قصة واحدة من قصص كثيرة نراها رأي العين ونسمع عنها كل يوم عن هؤلاء الذين أسلموا بعد أن رأوا مواقف رائعة من الإحسان والبر بهم.

وهناك قصة أخرى رواها لي أحد أصدقائي أنه كان عائدا من “واشنطن” إلى ولاية أخرى حيث يعيش، وذلك بعد الثالثة ليلا، وكان الجو باردا جدا والمطر شديدا، ووجد رجلا يقف على جانب الطريق أمام سيارته مستغيثا وتردد أول الأمر خشية أن يكون مجرما يستدرج الضحية كما يحدث كثيرا، لكن صديقي هذا غلبته مروءته، وسبق عزمه على الخير تخوفه من وقوع الشر، وهداه الله أن يقف وأدخل الرجل إلى سيارته، ولما سأله عن شأنه قال: تعطلت سيارتي ووقفت ولم يغثني أحد، ودخلت السيارة مرة أخرى من شدة البرد والمطر ووجدت البرد شديدا في سيارتي وأيقنت بالموت وخرجت يائسا أن يغيثني أحد، وسأله: ما الذي دفعك إلى الوقوف مع خطورة ما فعلت؟ فقال صديقي الكريم: ما أوقفني إلا إسلامي وأخلاقي التي تأمرني بذلك، وهنا أسلم الرجل على الفور!.

والحق الذي لا مراء فيه أنه لو لم يسلم هؤلاء فإن الإحسان في الوصية للأقارب غير المسلمين والبِر بهم يرضي الله أولا، ويجني المسلم أجره كاملا في الآخرة إن شاء الله تعالى، وهذا يشيع الخير في المجتمع ولو لم يكن مسلما، ويستل السخيمة من نفوس غير المسلمين الذين تشبعوا بالإعلام الكاذب المشوه للمسلمين، ومن الإنصاف أيضا أن نقول أيضا هذا الإحسان مهم لإزاحة الصورة السلبية التي سبَّبَها بعض المسلمين لسوء أخلاقهم سواء فيما بينهم أو مع غيرهم.

الخلاصة

  • الوصية هي تصرف مضاف لما بعد الموت وتصح للمسلم ولغير المسلم مالم يكن محاربا، وتدل النصوص الشرعية على وجوبها على المسلم نحو والديه وأقاربه غير المسلمين، ولا صحة لدعوى النسخ لهذه النصوص المحكمة منها قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٲلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ‌ۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ) ﴿البقرة:180﴾، وكل ما يمكن قبوله هو تخصيص هذه النصوص بآيات المواريث وحديث “إن الله أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث” فيبقى غير الوارثين من الوالدين والأقربين على الوجوب، وقد ناقشت الدراسة دعاوى النسخ والقول بالندب ورجحت الوجوب الشرعي.
  • ضوابط الوصية للوالدين والأقربين غير الوارثين هي نفس أركان وشروط الوصية عامة، لكن يضاف شرط جوهري بألا يكون الموصى له محاربا لله ورسوله والمؤمنين، أو يساعد من يفعل ذلك سواء كان شخصًا حقيقيًا أو اعتباريًا، مثل الصهاينة في فلسطين أو غيرها من البلاد وكل الأشخاص والهيئات التي تساعدهم على بغيهم وظلمهم.
  • هناك الكثير من المقاصد التربوية والدعوية للوصية للوالدين والأقربين من غير المسلمين أهمها: التخلق بأخلاق الله تعالى في الإحسان للخلق أجمعين، والتخلق بهدي أنبياء الله أجمعين خاصة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، كما أن في ذلك إحسان وهداية لغير المسلمين وتحسين صورة الإسلام عندهم، وقد أوردت الدراسة من النصوص الشرعية والقصص التاريخية والواقعية ما يؤكد هذه المقاصد التربوية والدعوية.

المحتوى

  • مقدمة.
  • المبحث الأول: الوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين تعريفًا وأحكامًا.
  • المطلب الأول: تعريف الوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين.
  • أولاً: الوصية لغة.
  • ثانيًا: الوصية اصطلاحا.
  • ثالثا: الأقربون لغة.
  • رابعا: الأقربون اصطلاحا.
  • المطلب الثاني: أحكام الوصية للوالدين والأٌقربین غير المسلمين.
  • أولا : الوصية الواجبة المتفق عليها عند العلماء:
  • ثانيا: اختلاف العلماء في وجوب الوصية أو ندبها وأدلتهم:
  • المطلب الثالث : مناقشة وترجيح:
  • المبحث الثاني: الضوابط الشرعية للوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين.
  • المطلب الأول: أركان وشروط الوصية:
  • الركن الأول: الموصِي.
  • الركن الثاني: الموصَى له.
  • الركن الثالث: الموصَى به.
  • المطلب الثاني: مبطلات الوصية:
  • أولا: مبطلات الوصية بسبب يرجع إلى الموصي.
  • ثانيا: مبطلات الوصية بسبب يرجع إلى الموصى له.
  • ثالثا: مبطلات الوصية بسبب يرجع إلى الموصى به.
  • رابعا: مبطلات ترجع إلى صيغة الوصية.
  • المطلب الثالث: موانع الوصية.
  • المبحث الثالث: المقاصد التربوية والدعوية للوصية للوالدين والأقربين غير المسلمين.
  • أولا: التخلق بأخلاق الله في الجود والكرم على عباده أجمعين.
  • ثانيا: التخلق بأخلاق أنبياء الله.
  • ثالثا: التخلق بأخلاق رسول الله وصحبه الكرام.
  • رابعا: التخلق بأخلاق القرآن.
  • خامسا: الوصية لغير المسلمين إحسان وهداية.
  • الخلاصة.
  • المحتوى.

[1] “لسان العرب” لابن منظور المصري، مادة “وصى”، طبعة الشعب، والمعجم الوسيط –  مجمع اللغه العربية، “وصى”، الطبعة الثالثة.

[2] “فتح الباري بشرح صحيح البخاري” لابن حجر العسقلاني – طبعة دار المعرفة – لبنان – ترقيم الشيخ محمد فؤاد عبدالباقي، (355).

[3] “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع” لأبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي (7/330) – دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1406 هــ .

[4] “شرح قانون الوصية” – دراسة مقارنة لمسائله وبيان لمصادر الفقهية / الشيخ محمد أبو زهرة – دار الفكر العربي سنة 1398 هــ ص (10) .

[5] . القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب.

[6] http://feqh.al-islam.com/dictionary.asp?ID=112&ItemID=113&GroupID=1

[7]الحديث رواه مسلم ـ كتاب الوصية ـ باب وصول ثواب الصدقات الى الميت ص (11/83) شرح النووي على صحيح مسلم .

[8] المحلى لابن حزم (9/313، 314).

[9]  صحيح ابن ماجه للألباني، رقم: 2207، حديث حسن.

[10]  صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب أَنْ يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ، رقم: 2780.

[11] “المغني” لابن قدامه المقدسي – تحقيق د. عبدالفتاح الحلو، د. عبدالله التركي (8/390). طبعة دار هجر،  وأورد مثله ابن حجر في الفتح (5/359) لأبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي الأنصاري.

[12] “الجامع لأحكام القرآن” للقرطبي (1/637)، طبعة دار الشعب.

[13] “أحكام القرآن” لابن العربي (1/71)، طبعة دار الفكر – تحقيق على محمد البجاوي.

[14] “تفسير الطبري” تحقيق أحمد محمد شاكر (2/121)، دار الفكر – لبنان، سنة 1408 هــ .

[15] المحلي لابن حزم (9/312) المسألة رقم (1749 ).

[16] التفسير الكبير للرازي (5/68) .

“[17] الجامع “لابن بركة (2/588) .

[18] “المصنف” للكندي (28/112).

[19] “العقد الثمين”  للإمام نور الدين السالمي (3/382) .

[20] تفسير المنار (1/101-114) يرى الشيخ رشيد رضا وجوب الوصية للوالدين من الأقربين الوارثين وغير الوارثين لأنه يرى أن آية الميراث لا تتعارض معها، والحديث {لا وصية لوارث} خبر آحاد لا ينسخ هذه الآية .

[21] راجع: تفسير الطبري (2/116ـ122) أحكام القرآن لابن العربي (1/71) أحكام القرآن للجصاص (1/64)، التفسير الكبير للفخر الرازي (5/63-68)، “هميان الزاد” لمحمد بن يوسف الوهبي (2/496)، تفسير القرطبي (1/635-640) “المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز” لابن عطية الاندلسي (2/93،95)، تفسير أبي السعود (1/197)، تفسير المنار (1/101 ــ 141)، و”فتح الباري” لابن حجر (0/358) و”المحلي” لابن حزم (9/312-316) و”المغني” لابن قدامة (8/63)، و”الجامع” لابن بركة (2/588)، و”المصنف” للكندي (28/112)، و”تفصيل وسائل الشيعة” للحر العاملي (19/263)، وهو اختيار الشيخ محمد باقر المجلسي في بحار الأنوار (100/199) يقول: “أعلم أن الوصية حق واجب عل كل مسلم، ومن لم يفعلها فقد ختم عمله بمعصيته”.

[22] “الموطأ” للإمام مالك بن أنس -. (2/673).

[23] “المحلي” لابن حزم (9/315).

[24] “المغني” لابن قدامة (8/390).

[25] تفسير القرطبي (1/637).

[26] “فتح الباري” لابن حجر (5/358).

“[27] شرح النووي على صحيح مسلم” (11/74).

“[28] المبسوط” للسرخسي (27/142).

[29] “فتح الباري” لابن حجر (5/358،373).

“[30] أحكام القرآن” لابن العربي (1/71)، تفسير القرطبي (1/644)، “فتح الباري” لابن حجر (5/358) .

[31] تفسير القرطبي (1/637).

[32] الحديث رواه ابن ماجه – كتاب الوصايا – باب الوصية بالثلث، رقم (2700) (2/904) من حديث أبو هريره رضي الله عنه، و”نيل الأوطار” للشوكاني (6/38) ونسبه إلى الدارقطني من حديث أبي الدرداء.

[33] “المبسوط” للسرخسي (27/142).

[34] نفسه (27/142)، وقد جاء في “مجمع الأنهر” أنها مندوبة لأنها تتردد بين التبرع للأجنبي والهبة للقريب وكله مندوب والوصية للقريب أحب (2/692).

[35]  صحیح مسلم ۔ کتاب الوصیّة، رقم: 1627.

[36] تفسير القرطبي (1/137).

[37] “المحلى” لابن حزم (9/312).

[38] نفسه ص (312 -315).

[39] صحيح مسلم – كتاب الإيمان – باب من أعتق عبيدا له لم يبلغهم الثلث. ورواه مالك – كتاب العتق – باب من أعتق رقيقا ولا يملك مالا غيرهم (2/774).

[40] “أحكام القرآن” لأحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي – طبعة دار الكتاب العربي، بيروت (1/164).

“[41] التفسير الكبير” للفخر الرازي (5/63).

[42] “أحكام القرآن” للجصاص (1/164).

[43] “المبسوط”  للسرخسي (27/142).

[44] “أحكام القرآن” للجصاص (1/165).

[45] “أحكام القرآن” لابن العربي (1/71).

[46] تفسير القرطبي (1/640).

[47] شرح النووي على صحيح مسلم (11/74)

[48] “المغني” لابن قدامه (8/391).

[49] “تفصيل وسائل الشيعة” للحر العاملي (19/290) وأورده الشيخ محمد باقر المجلسي في “بحار الأنوار” (100/200).

[50] راجع: “التفسير الكبير” للفخر الرازي (5/67)، تفسير أبي السعود (1/197)، كشف القناع للبهوتي (4/335 ) “المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز” (2/959) “هيميان الزاد” لقطب الأئمة الوهبي (2/497)، الجامع لابن بركة (2/583).

[51] “نيل الأوطار” للشوكاني (6/41).

[52] وردت تعريفات متقاربة للنسخ في كتب الأصول واخترت هذا التعريف من بينها راجع :”المحصول” للرازى (3/379 ـ 392) تحقيق د. طه جابر العلواني. “الأحكام” للآمدي تحقيق د.سيد الجميلي (2/111-119)، “الإبهاج” للسبكي / تحقيق د. شعبان محمد إسماعيل (2/247ـ 250)، “أصول الفقه الاسلامي” د. وهبة الزحيلى (2/933 ـ 935) .

[53] راجع: “البرهان في علوم القران” للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ـ المكتبة العصرية ـ بيروت (1/209 – 210) .

[54] تفسير المنار (1/109).

[55] راجع هذه القواعد في الكتاب الثاني من “الأشباه والنظائر” للسيوطي تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، ص (201 – 297)، وقد أفرد للقاعدة “إعمال الكلام أولى من إهماله” عشر صفحات وحدها، وقد أعد في القاعدة وحدها الشيخ محمود مصطفى عبود هرموشي رسالته للماجستير بعنوان: “القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله”. وطبعتها المؤسسة الجامعية للدراسات ـ بيروت.

[56] سنن الترمذى ـ كتاب الوصايا ـ باب من جاء لاوصية لوارث رقم (2203)، وقال حديث حسن ورواه أبو داود ـ كتاب الوصايا ـ في الوصية لوارث رقم (27509)، وقال في إسناده إسماعيل بن عياش، هناك اختلاف في الاحتجاج بحديثه، وذكر أن الترمذي قال عن الحديث: حسن صحيح، والحق أنه حسن فقط، وذكر ابن حجر في الفتح (5/372) أن للحديث طرقا لا يخلو إسناد منها عن مقال لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلا.

[57] هو اسماعيل بن عياش أبو عتبه العنسي الحمصي عالم أهل الشام ولد سنة 106 هـ، وأخذ عن شرحبيل بن مسلم وروى عنه سفيان الثوري أبو إسحاق وهما من شيوخه، قال الهيثم بن خارجة: سمعت يزيد بن هارون يقول: مارأيت أحدا أحفظ من إسماعيل بن عياش، وقال عباس عن يحيى: ثقة وروى عن ابن معين: ليس به بأس في أهل الشام، وقيل هو في الشاميين غاية وخلط عن المدنيين، قال البخاري: إذا حدت عن أهل بلده فصحيح وإذا حدث عن غيرهم فقيه نظر، وقال أبو حاتم: لين ما أعلم أحدا كف عنه إلا أبو اسحاق الفزاري، وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن حبان كثير الخطا في حديثه وقال ابن خزيمة لا يحتج به، وقد صحح الترمذي لإسماعيل غير ما حديث من روايته عن أهل بلده خاصة منها حديث: “لاوصية لوارث “.. مات سنة181 هـ، راجع: “ميزان الاعتدال في نقد الرجال”. لأبي محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي تحقيق علي محمد البجاوي ـ دار المعرفة، بيروت (1/240 _ 244)، رقم (923)، وجاء عنه في التعريف برواة مسند الشاميين د.علي محمد حجاز، ص (48)، رقم (39) ما يدل على اختلاف العلماء فيه بين توثيقه وتضعيفه وذكر أن له فى مسند الشاميين ( 28) حديثا وأنه ولد سنة 102هـ وليس سنة 106هـ، كما ذكر الذهبي في الميزان.

[58] فتح الباري لابن حجر (5/372)، وقد أورد الإمام أبو العلي المباركفوري صاحب تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي كلاما مستفيضا عن الحديث وإسماعيل بن عياش، راجع التحفة (6/309 ـ 316).

[59] “المبسوط” (27 /143).

[60] تفسير أبي السعود (1/197).

[61] التفسير الكبير للفخرالرازى (5/67).

[62] توجد رسالة ماجستير بعنوان: “حجية الظن عند الأصوليين، إعداد صالح محمد أمين إشراف الأستاذ الدكتور محمد بلتاجي حسن، وهى متميزة في هذا الموضوع فليراجعه من أراد التفصيل .

[63] “إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول” للشوكاني (142).

[64] “إرشاد الفحول” للشوكانى (143).

[65] نفسه (143).

[66]  صحيح ابن ماجه للألباني، رقم: 2207، حديث حسن.

[67] راجع هذه الشروط الشرعية لصحة الوظائف المالية ( الضرائب)، مع فرائض شرعية كثيرة في المال سوى الزكاة في: “سلطة ولي الأمر في الشريعة الإسلامية في فرض الضرائب” ـ دراسة فقهية مقارنة ـ صلاح الدين سلطان، طبعة سلطان للنشر 2004م

[68]  صحیح مسلم، کتاب الوصیّة، 1627.

[69] صحيح مسلم ـ كتاب الوصية ـ الباب الأول، ص (11/749 ) من شرح النووي.

[70] “المحلى” لابن حزم (9/312).

[71] رواه مسلم ـ كتاب الجهاد والسير ـ باب قوله النبي صلى الله عليه وسلم ـ “لا نورث ما تركناه صدقة” رقم (1758). وهو من حديث عائشة وفيه أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر فيسألنه ميراثهن، فقالت عائشة الحديث.

[72] “المحلى” ( 9/313).

[73] صحيح البخارى ـ كتاب الوصايا ـ الباب الاول، رقم ( 2739).

[74] “المحلى” (9/313) ولكني لم أجد هذه الرواية في الموطأ، وإن جاءت في صحيح مسلم ـ كتاب الوصية الباب الأول ـ عن نافع عن عبدالله بن عمر (11/115) من شرح النووى.

[75] راجع رسالة الدكتوراه بعنوان: “مدى حجية الأدلة الاجتهادية المختلف عليها في الشريعة الإسلامية”، إعداد: صلاح الدين سلطان ـ إشراف الأستاذ الدكتور: محمد بلتاجي حسن عميد كلية دار العلوم السابق، وراجع أيضا رسالة الماجستير للباحث: خميس الحديدي بعنوان: “مذهب الصحابي وأثره في الفقه الاسلامي”، إشراف الأستاذ الدكتور: محمد فتحي الدريني 1995م ـ الجامعة الأردنية ـ كلية الدراسات العليا.

[76] “الدر المنثور” للسيوطي (6/113،114)، “فتح القدير” للشوكاني (5/86/87)، “روح المعاني” للألوسي (1/9)، “أحكام القرآن” لابن العربي (2/1730).

[77] “أحكام القرآن” للجصاص (3/411).

[78] “المغني” (8/395) ، وذكره ابن حجر في الفتح (5/358).

[79] صحيح مسلم بشرح النووى (11/74).

[80] تفسير القرطبى (1/637).

[81] راجع : التفسير الكبير للرازي (5/68)، وفتح الباري لابن حجر (5/373)، وصحيح مسلم بشرح النووى (11/208).

[82] نفسه (9/314).

[83] نفسه (9/314).

[84] “الأم” للشافعي (4/111).

“[85] تفصيل وسائل الشيعة” للحر العاملي (19/401 )، رقم (24844)، “بحار الأنوار” لمحمد باقر المجلسي (100/207).

[86] “المصنف” للكندي (28/118)

[87] “العقد الثمين” للسالمي (3/388).

[88] “الجامع” لابن بركة (2/588).

[89] “أحكام المواريث” للشيخ مصطفى شلبي (398).

[90] بدائع الصنائع للكاساني (7/335).

[91] سبق تخريجه.

[92] سبق تخريجه.

[93] شرح النووي على صحيح مسلم (5/159)، ونفس المعنى في المغنى لابن قدامة (8/404)، مسألة رقم (956).

[94] المحلى لابن حزم (9/317-320)، مسألة رقم (1753).

[95] في أحكام التركات والميراث والوصية دراسة مقارنة ص (156).

[96] شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال، العز بن عبد السلام، تحقيق حسان عبد المنان، بيت الأفكار الدولية، ص156.

[97] بدائع الصنائع للكاساني (7/339).

[98]  صحيح ابن ماجه، رقم: 1677، صحيح.

[99] “المحلى” لابن حزم (9/322)مسألة رقم (1756) والحديث رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة بنص:”في كل ذات كبد رطبة أجر”راجع:كتاب الأدب-باب رحمة الناس والبهائم،وهذه من عظائم الإسلام؛حيث يروي في هذا الحديث نفسه أن رجلا سقى كلبا يلهث ويأكل الثرى من العطش فشكر الله له فغفر له.

[100]  وعلى كل فقد راجع المجلس الأوربي للإفتاء ما كان شبه معلوم لدى الدارسين بالضرورة أنه لا توارث بين المسلم وغيره لاختلاف الدين، حتى أورد ابن قدامة المقدسي أن هذا أمر مجمع عليه، لكن البحث المتأني والتدقيق السديد يبين أن دعوى الإجماع غير صحيحة فقد قال بجواز ميراث المسلم لغير المسلم سيدنا عمر ومعاذ ومعاوية ومحمد بن الحنفية وعلي بن الحسين وسعيد بن المسيب ومسروق وعبد الله بن معقل والشعبي ويحيى بن معمر وإسحاق، وقد ناقش الكثير من علماء المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث هذه القضية من خلال بحوثهم وعلى رأسهم فضيلة العلامة الشيخ القرضاوي في كتابه: “في فقه الأقليات المسلمة”، ص126-131- دار الشروق، وانتهى الحوار إلى قرار المجلس بجواز التوارث بين المسلم وغير المسلم ما لم يكن حربيا.

[101] “الأم” للشافعي (4/120).

[102]  شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال، العز بن عبد السلام، تحقيق حسان عبد المنان، بيت الأفكار الدولية، ص25.

[103]  رواه ابن مردويه، وروى عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضا، تفسیر ابن کثیر للآية:  126 من سورة البقرة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة : الثانية 1420هـ – 1999 م.

[104] صحيح البخاري: كتاب الأدب: باب الصبر على الأذى، رقم: 6009، صحيح مسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار: باب في الكفار، رقم: 2244.

[105] سنن الترمذي – رقم: (2320)، صحيح غريب من هذا الوجه.

[106] شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال، العز بن عبد السلام، تحقيق حسان عبد المنان، طبعة بيت الأفكار الدولية، ص39.

[107] السابق، ص40، والحديث اتفق عليه الشيخان.

[108] السابق، ص48.

[109] السابق، ص49.

[110] رواه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي. رقم:3.

[111] صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة، رقم: 2398.

[112] صحيح مسلم، كتاب اللقطة، باب استحباب المواساة بفضول المال. رقم: 1728.

[113] رواه مسلم – كتاب الأضاحي – باب النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث ونسخه، ورواه أبو داود – كتاب الضحايا – باب حبس لحوم الأضاحي، رقم (2812)، وفي رواية أبي داود (وفي ناس ..) أي جماعة أقحمتهم المجاعة وأقدمتهم السِنة.

[114] وقد أفاض الشافعي في التعليق على هذا الحديث حيث استغرق في الرسالة من الفقرة (658 إلى 673).

[115]  “المنتقى في شرح موطأ مالك” للباجي، ص (3/93).

[116]  “معاني الآثار” (3/188).

[117]  “شفاء الغليل” ص (24).

[118]  “القواعد النورانية” ص (177).

[119]  راجع كتابي “سلطة ولي الأمر”، الطبعة الثانية, سلطان للنشر، 2003م، ص (469-470).

[120]  أبو عبيد: الأموال ص613.

[121]  أبو يوسف: الخراج ص144.

[122]  أحمد بن يحيى البلاذري (000-279هـ) مؤرخ، جغرافي، نسابة، له شعر، من أهل بغداد، جالس المتوكل العباسي، ومات في أيام المعتمد، وله في المأمون مدائح، وكان يجيد الفارسية وترجم عنها كتاب عهد أزدشير. من كتبه فتوح البلدان، وأنساب الأشراف. الذهبي: سير أعلام النبلاء 13/162، وابن كثير: البداية والنهاية 11/65، والزركلي: الأعلام 1/265.

[123]  البلاذري: فتوح البلدان ص177.

[124] هو أبو واثلة عدي بن أرطأة الفزاري: أمير من أهل دمشق، كان من العقلاء الشجعان، ولاه عمر بن عبد العزيز على البصرة سنة 99هـ، انظر الذهبي: سير أعلام النبلاء 5/53، والزركلي: الأعلام 4/219.

[125]  أبو عبيد: الأموال ص45، 46.

[126] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2 ، ص 565.

[127] إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم (الغياثي)،تحقيق شيخنا الدكتور عبد العظيم الديب رحمه الله تعالى ،راجع فقرة «339».

[128] ذكرت موضعا حيث إن هناك عدد من الآيات اعتبرتها موضعا واحدا مثل قصة أصحاب الجنة في سورة القلم، اعتبرتها موضعا واحدا في ذم البخل ومنع الفضل عن المساكين، راجع دراستي المستفيضة الوصفية والتحليلية والاستنتاجية في كتابي: “سلطة ولي الأمر في الشريعة الإسلامية”، ص180-201.

[129] راجع: “لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص(23)، و”أسباب النزول” للنيسابوري ص(30)، “الدرر المنثور” للسيوطي (1/169)، تفسير الطبري (2/94)، “الجامع لأحكام القرآن” للقرطبي (1/237)، حاشية العلامة الصاوي على الجلالين (1/79)، أحكام القرآن للجصاص الحنفي (1/130)، فتح القدير للشوكاني (1/172).

[130] كتاب “الله ليس كذلك”، مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام، ألمانيا الاتحادية، ترجمة د. غريب محمد غريب، الطبعة الثانية، 1419 هـ، ص25.

[131] شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال، العز بن عبد السلام، تحقيق حسان عبد المنان، طبعة بيت الأفكار الدولية، ص13.

[132] السابق، ص25.

[133]  صحيح مسلم، كتاب الزكاة، ثبوت أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة في يد غير أهلها، رقم: 1698.

[134] شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال، العز بن عبد السلام، تحقيق حسان عبد المنان، طبعة بيت الأفكار الدولية، ص186.

[135] السابق، ص198.