البحوث

الأزمة العالمية والمضاربة الشرعية بديلاً عن الودائع البنكية والتأمينات التجارية

الأزمة العالمية والمضاربة الشرعية

بديلاً عن الودائع البنكية والتأمينات التجارية
أ.د/  صلاح الدين سلطان

المستشار الشرعي للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية

في مملكة البحرين

www.salahsoltan.com

مقدمة

)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ((الأنعام:1)، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد…

فمن أهم واجبات المسلمين اليوم أن يبادروا إلى طرح الحلول الإسلامية والبدائل الشرعية لأزماتهم اليومية، وإذا كانت الأزمة المالية العالمية قد استفحلت وتربعت على اهتمام العالم كله، السياسيين والاقتصاديين والإعلاميين والاجتماعيين، وتضرب بأطنابها في جذور الأرض كلها وضروب الحياة بأنواعها، فلا يصح في هذه الأزمات أن نقف عند وصف حجم الأزمة أو تحليل أسبابها – وإن كان ذلك مهما كمقدمات ـ بل يكون حوارنا الأغلب عن الحلول الجذرية، وإذا كانت الأحكام الجزئية والقواعد الكلية في الشريعة الإسلامية تستوعب كل جديد من الأزمات في أي زمان أو مكان، فقد انتدبت نفسي أن أبحث سريعا في حجم ومظاهر الأزمة المالية العالمية، ووقفت على تحليل أهم أسبابها، ومدى استعداد العالم لتبني بعض الحلول الإسلامية، لكني جعلت الميدان الأكبر في هذا البحث لواحدة من أهم البدائل الشرعية للأزمة المالية العالمية وهي المضاربة الشرعية خاصة ما يتعلق بالودائع الربوية، والتأمينات التجارية، وأحسب أن هذا من أَمَسْ حاجات العصر ليس فقط أن  يُطَّهِّر المسلمون أموالهم من رجس الربا، بل ينخلعوا من هذا الداء الذي يحرك عجلة الاقتصاد العالمي، وعمت به البلوى حتى ظن بعض المنهزمين من المسلمين فضلاً عن غيرهم أنه لا اقتصاد بغير ربا، بل يجب أن نقدم البدائل الشرعية التي تنقذ العالم من هذه الأزمة الطاحنة؛ لأننا أمة ابتعثنا الله للعالم رحمة بهم وإشفاقًا على معاشهم ومعادهم، كما قال الله تعالى:) كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ([آل عمران:110]، وقوله تعالى:)وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ( [الأنبياء:107] .

وقد اقتضى ذلك أن أقسم  بحثي منهجيًا إلى ما يلي:

المبحث الأول: الأزمة المالية العالمية بين الوصف والتحليل.

  • مدخل تمهيدي: أزمة عالمية تبحث عن حل.
    • المطلب الأول: بعض مظاهر الأزمة المالية العالمية.
    • المطلب الثاني: أهم أسباب الأزمة المالية العالمية.
    • المطلب الثالث: العالم مستعد للتمويل الإسلامي.
  • المبحث الثاني: أحكام المضاربة في الشريعة الإسلامية.
    • المطلب الأول: المضاربة لغة واصطلاحا.
    • المطلب الثاني: دليل مشروعية المضاربة وحكمتها.
    • المطلب الثالث: شروط صحة المضاربة.
    • المطلب الرابع: أنواع المضاربة من حيث الشروط.
    • المطلب الخامس: أحكام تتعلق بالعامل وتصرفاته في المال.
    • المطلب السادس: صور المضاربة.
    • المطلب السابع: انتهاء المضاربة.
  • المبحث الثالث: كيفية الاستغناء بالمضاربة عن الودائع البنكية والتأمينات التجارية.
    • المطلب الأول: أحكام الودائع البنكية والمضاربة بديلا شرعيًا.
    • المطلب الثاني: أحكام التأمينات التجارية والمضاربة بديلا شرعيًا.
  • النتائج.

وأخيرًا فهذا جهدي، واللهَ أسأل أن يغفر لي زللي وتقصيري، ويسعدني أن يقوِّمني أساتذتي وإخواني في المجلس الأوربي للإفتاء الذي أشرف أن أتعلم من شيوخه الأجلاء، وإخواني العلماء، ونسأل الله أن يستعملنا جميعًا لحل أزمات الأمة والعالم كله، وهو وليُّ ذلك والقادر عليه، وهو: ) نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ( [الأنفال:40].

                                                                                                  صلاح الدين سلطان

                                                                                                  مملكة البحرين

                                                                                            8/6/1430هـ، الموافق 1/6/2009م

تمهيد:

      لابد لي قبل أن أدخل في نطاق المعاملات المالية في الإسلام، أو في بعض صورها أن أبيِّن بعض الأسس الإسلامية التي لاغنى عنها في تطبيق أحكامه, وأهم هذه الأسس ما يلي:-

أولاً: خلق الله الإنسان وابتلاه في دينه ودنياه، قال تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك:2).

وقد يسَّر للإنسان ما يساعده على خوض تجربة الابتلاء بنجاح – إذا شاء العبد ذلك – فوهبه المال، كنعمة تساعده على العبودية لله جل وعلا، وجعل المال قوام الحياة، قال تعالى :(وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً) (النساء:5) .

ثانيًا: ولما كان من طبيعة المال أن يفتن الإنسان، وطبيعة الإنسان أنه محب للمال لقوله تعالى:(وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً) [الفجر:20]، وقال تعالى:(وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) [العاديات:8]، فقد جعل الله تعالى من ركائن الإيمان أن يؤمن المسلم أن المال مال الله، وأنه ليس إلا مستخلفًا على هذا المال بعهد وشرط، قال تعالى:(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) (الحديد:7)، ولما كان الإنسان مستخلفًا على المال، فيحب ألا يتصرف فيه إلا بما يُرضي صاحب المال الحقيقي, وهو الله تعالى، تمامًا مثل المحاسب الذي يكون تحت يده مبالغ مالية ضخمة، لكن لا يستطيع التصرف فيها إلا وفقًا للقرارات التي تصدرها المجالس الإدارية العليا، وإلا حوكم وسجن وغرِّم جزاء مخالفته.

ثالثًا: أن صاحب المال يجب أن يستيقن تمام اليقين أنه حينما يطبق قواعد الإسلام في كل كسب للمال وصرفه، فإن في ذلك الخير كل الخير، كما أن العكس صحيح .

رابعًا: أن الله قد أباح التملك الفردي ـ ملكية استخلاف لا حقيقة ـ مراعاة لطبائع النفس البشرية، وتنشيطًا للهمم، وتحفيزًا للتنمية والاستثمار، ونرى صور الملكية الفردية في القرآن كثيرة، ومنها إضافة المال إلى الإنسان، قال تعالى:(وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)(الذاريات:19)، فأضاف الضمير العائد على المال إلى الإنسان، لكنه مع هذا لم يترك الحبل على الغارب في تملك المال ـ كما هو عند الرأسمالية ـ لكنه ضبط ذلك بطرق كسب معينة، ونفقات، وزكوات، وغيرها بصورة تجعل المصلحة الفردية متفقة مع المصلحة الجماعية العامة في إطار خُلقي بديع لا نظير له .

خامسًا: أن دعوى المصلحة ومراعاتها لتحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله هي دعوى مرفوضة! وأن مراعاة قواعد المصلحة يجب أن تظل في نطاق القواعد الشرعية التي تراعي المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية ومكملاتها، وتراعي مع هذا التيسير على الناس، رفع الحرج، وتحقق العدل الشامل كما أن على أي باحث أو مجتهد أن يعلم بأن الله أعلم بمصالح عباده، وأن العبد لا يكون أرحم بالناس من الله عز جل، كما أنه يجب أن يعلم أن هناك مصالح ملغاة مع ما قد يبدو من صلاحها من بعض زواياها.

سادسًا: أن أحكام الإسلام شاملة لكل نواحي الحياة كما أنها مترابطة مع بعضها البعض، ولذا فإن تطبيق جزء من الإسلام دون الآخر لا يعطي الوجه الإسلامي الجميل للصورة الإسلامية، وذلك مثل استيراد جزء من التشريع الوضعي وتطبيق بعض الإسلام، فهذا جمع بين أمشاج متناقضة، وعليه فإن تطبيق النظام الإسلامي الاقتصادي بغير بقية قوانين الإسلام في جميع المجالات العقدية والأخلاقية والتشريعية، لن يبرز أحكام الاقتصاد الإسلامي بصورته الحقيقية .

سابعًا: أن الناس لن ينهضوا من ركودهم الاقتصادي إلا إذا أخلصوا وجهتهم إلى اللهU الذي خلقهم، وساروا على نهج رسول الله e في كل المجالات، لقوله تعالى:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) (الأعراف:96) .

ثامنًا: أن جميع ما يجدُّ من أحداث، وما يستفحل من أزمات له حكمٌ وحلٌّ في شرع الله، لأن القرآن والسنة جاءا بالكليات التي تحتوي على كل جزئية تظهر، على أن يتوصل إلى حكم الجزئية باجتهاد صحيح من مجتهد فيه الكفاية .

تاسعًا: أن الأزمات المالية المتوالية تنبأ بها القرآن الكريم والسنة النبوية، ومن ذلك قوله تعالى:( يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)(البقرة:276)، وقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)(البقرة: 278-279)، ومنه ما رواه ابن ماجه[1] بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ t عَنِ النَّبِيِّ “صلى الله عليه وسلم” قَالَ: «مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا إلاَّ كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إلَى قِلَّةٍ»، رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وفي لفظ له قال: «الرِّبَا وَإنْ كَثُرَ، فَإنَّ عَاقِبَتَهُ إلَى قُلّ». وقال فيه أيضًا: صحيح الإسناد، فلن تتوقف الأزمات إلا عندما نُخضع أموالنا لقانون رب الأرض والسموات .

المبحث الأول

الأزمة المالية العالمية بين الوصف والتحليل

 مدخل تمهيدي : أزمة عالمية تبحث عن حل:

المطلب الأول: بعض مظاهر الأزمة المالية العالمية.

المطلب الثاني: أهم أسباب الأزمة المالية العالمية.

المطلب الثالث: العالم مستعد للتمويل الإسلامي.

المبحث الأول: الأزمة المالية العالمية بين الوصف والتحليل

مدخل تمهيدي: أزمة عالمية تبحث عن حل

لم يبق أحد في عالمنا المعاصر إلا تأثر بشكل أو بآخر بالأزمة المالية العالمية التي تعتبر نتاجًا لسياسات تحررت من التعاليم السماوية والإنسانية، وتنذر بآثار رهيبة لا يستطيع أحد مهما كانت خبراته أن يتوقعها.

وإذا كان العالم كله بقياداته ونخبه السياسية والاقتصادية مشغولاً بملاحقة تداعياتها وتحليل أسبابها ووضع حلول لإسعاف مخاطرها وإسعاف العالم من آثارها، فإنني – فيما يلي – سوف أقدم – بإذن الله – إشارات حول مظاهر الأزمة المالية وأسبابها الرئيسية خاصة فيما يتعلق بقطاع البنوك وشركات التأمين، ثم أقدم بين يدي هذا العالم المتعثر واحدًا فقط من الحلول الإسلامية الرئيسية وهي المضاربة الشرعية بديلاً عن جانبين من جوانب الخلل الكبرى ومسببات الأزمة، وهما الودائع البنكية والتأمينات التجارية.

والحق أن العالم المعاصر منذ اعتمد على الربا في أشكاله المختلفة سواء من خلال معاملات البنوك أو شركات التأمين ونظم المعاملات المالية لم يسلم العالَم من أزمات حادة مرهقة متوالية، ومن هذه الأزمات الاقتصادية الطاحنة ما حدث في السنوات: (1810م، 1814م، 1825م، 1836م، 1857م، 1873م، 1882م، 1890م، 1900م، 1907م، 1913م، 1920م)، وكان أسوأها ما عُرف بالكساد العظيم سنة 1929م، ثم أزمة البورصة المصرية 1959م، إلى أزمة سوق المناخ 1982م، إلى الاثنين الأسود 1987م، إلى أزمة المكسيك 1994م، إلى أزمة النمور الآسيوية 1997م ، إلى الثلاثاء الأسود في البورصة السعودية 2006م.

وأخيرًا، وليس آخرًا هذه الأزمة المالية العالمية (2008/2009م) التي ضربت بجذورها في كل بقاع الأرض لأنها جاءت على أكتاف وأجنحة العولمة التي جعلت من ثورة الاتصالات والمعلومات سببًا في ربط العالم كله بمنظومة عالمية قاسية تجعل الإله الأعظم المعبود في الأرض من دون الله ليس عيسى بن مريم وإنما الدولار الأخضر مع رَبط اقتصاد العالم به، وفرضته القوى الأرضية الوحيدة – أمريكا – على العالم كله، وفرضت على الدول الشيوعية أو الاشتراكية أن تسير في كوكبة الخصخصة والرضوخ لاتفاقيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي واتفاقيات “الجات”، وليس ذلك إلا لعولمة النموذج المالي الغربي الليبرالي الذي زاد من شراهة أصحاب الشركات متعدية القارات لتنتهك العِرض الاقتصادي لكل بلد، وتُقلص صلاحيات الملوك والرؤساء والأمراء لحساب الدولار والشركات والنظام الاقتصادي، حتى صار رجل واحد مثل “جورج سورس” الملياردير اليهودي قادرًا على إنهاك عدد من النمور الآسيوية وتعريض دولة بأكملها مثل أندونيسيا – أكبر دولة إسلامية – إلى الإنهيار الكامل اقتصاديًا عام 1994م،  وصار أثرياء العالم الذين لا يزيدون عن 450 شخصًا يمتلكون أكثر من 80% [2] من الموارد البشرية كلها ويتحكمون في القرارات السياسية، والحملات الانتخابية والثورات الاجتماعية, وتجاوبوا مع أكبر تجارة رابحة في العالم وهي التجارة في الجنس والمخدرات والسلاح وليست في الغذاء أو السقاء أو الكساء أو الدواء أو التعليم ومحو الأمية ومواجهة الفقر والتخلف، فكان طبيعيا أن يصل العالم بعد هذه المظالم إلى هذه الأزمة الطاحنة التي مثلت غولا يأكل الأخضر واليابس!. وفيما يلي – إن شاء الله – أستعرض بعض مظاهرها وأسبابها الجوهرية.

المطلب الأول: بعض مظاهر الأزمة المالية العالمية

من هَوْل الأزمة أن أحدًا مهما كان مركزه السياسي أو ثقله الاقتصادي أو عمقه العلمي أن يتوقع أو أن يعرف المدى الذي وصلت إليه الأزمة المالية الحالية وإلى أين تنتهي؟! وما هي إلا تكهنات وتخرصات لكنها تُجمِع على أننا أمام أكبر أزمة اقتصادية مالية في تاريخ العالم المعاصر. وفيما يلي أعطي أمثلة سريعة من بين هذا الركام الهائل من المعلومات الفياضة عن حجم هذه الأزمة:

  • “أول خطة إنقاذ لقطاع الاستثمار العقاري في الاقتصاد الأمريكي تحتاج إلى 700 مليار دولار تم ضخها بالكامل دون أن تعيد للقطاع عافيته!”.[3]
  • “تحتاج البنوك الأمريكية لإعادة الانتعاش إلى 500 مليار دولار، وبنوك منطقة اليورو تحتاج 725 مليار دولار، و250 مليار دولار لبنوك المملكة المتحدة، و225 مليار إلى بقية بنوك أوربا”.[4]
  • “وصف صندوق النقد الدولي في تقرير له بعنوان: “الاقتصاديات المتقدمة تتعرض لانكماش حاد في عام 2009م” أن الأزمة الحالية هي أزمة ثقة وأن الاقتصاد العالمي يسجل أكبر انكماش للمرة الأولى منذ 60 عاما”. [5]
  • نشرت منظمة العمل الدولية في إبريل 2009م مقالا بعنوان “آثار الأزمة المالية والاقتصادية على البلدان العربية”، من إعداد: كرستينا برنت، وطارق الحق، ونورا كامل، جاء في مقدمته أن: “الأزمة المالية العالمية قد أثرت بقوة على الأسواق المالية في منطقة الشرق الأوسط مع هبوط المؤشر المركب بأكثر من 60% في شهر فبراير 2009م مقارنة بفبراير 2008م….، وأن معدل البطالة في صفوف الشباب بلغ 20,4% سنة 2007م، وهو في تزايد مع الأزمة المالية، وأن سعر برميل النفط وصل إلى 140 دولارًا في يوليو 2008م ليرجع إلى 40 دولارًا في يناير 2009م” [6] .
  • “مُنِيت الأسهم في طوكيو بأكبر خسائر منذ انهيارها في عام 1987م .وتوِّج ذلك بانهيار شركة التأمين “ياماتو لايف” مع بداية الأزمة العالمية، وقالت الحكومة أنها قد تحيي قانونًا لانقاذ البنوك يعود إلى أزمة البنوك في التسعينات لمساعدة البنوك الصغيرة. وذكرت إحدى الصحف أن طوكيو قد تنشيء صندوقا حجمه 100 مليار دولار.

وانتشر الذعر في الأسواق الآسيوية مثل انتشار النار في الهشيم. وهوت أسهم هونج كونج 7%، فيما أعلنت سنغافورة أنها تواجه ركودًا للمرة الأولى منذ 6 سنوات، وتزايدت الضغوط على مجموعة الدول السبع الغنية لوقف أزمة مالية عالمية متفاقمة وتباطؤ النمو. وحاول بنك اليابان المركزي فكَّ جمود التمويل بالنظام المصرفي بضخ 4.5 تريليون ين (45.5 مليار دولار) قبل عطلة في اليابان مدتها ثلاثة أيام أثارت قلق المستثمرين بشأن ما يمكن أن يحدث خلالها. وانهارت “ياماتو لايف” تحت وطأة ديون بلغت 2.7 مليار دولار، وبلغت المبالغ التي أنفقتها الحكومة على إنقاذ البنوك 47 تريليون يَن (475 مليار دولار)”. [7]

  • “أعلنت شركة “ايه آي جيAIG ” الأمريكية للتأمين خسائر بقيمة 61.7 مليار دولار للأشهر الثلاثة الأخيرة من 2008م، في أكبر خسارة ربع سنوية تسجلها الشركة في تاريخها. وستحصل الشركة على دعم مالي إضافي من الحكومة الأمريكية بقيمة 30 مليار دولار كجزء من دفعة إنقاذ جديدة. وكانت الشركة قد حصلت على 150 مليار دولار كمساعدات مالية حكومية، وهي أكبر خطوة مساعدات تحصل عليها شركة حتى الآن”. [8]
  • “أعلنت شركة الخطوط الجوية البريطانية عن أكبر خسائر سنوية منذ تخصيصها في العام 1987م، بقيمة 401 مليون جنيه استرليني (636 مليون دولار)، وكانت الشركة قد سرَّحت 2500 موظفًا منذ موسم الصيف الماضي”. [9]
  • “أعلن الرئيس الأميركي يوم 1/5/2009م تقدُّم شركة “كرايسلر” للسيارات بدعوى إفلاس للحماية من الدائنين, في أول حالة تشهدها صناعة السيارات الأميركية المتأزمة”[10]، كما “تقدمت يوم 1/6/2009م شركة “جنرال موتورز” أكبر مصنع للسيارات في الولايات المتحدة بطلب رسمي للحماية من الدائنين وإعلان الإفلاس. ويأتي الإعلان بعد أن وافق معظم حاملي السندات في الشركة على خطة الحكومة الأميركية لإعادة هيكلتها. وتبلغ ديون جنرال موتورز أكثر من 38 مليار دولار”[11]، والجدير بالذكر أن شركة “جنرال موتورز” قد تأسست سنة 1908م وواجهت الكساد العالمي سنة 1929م، وباعت في 2008م أكثر من 8,3 مليون سيارة بأرباح تقترب من 150 مليار دولار، وها هي تنهار أمام هذا الكساد الأعظم وتحتاج إلى أكثر من خمسين مليارًا لتعود إلى الإنتاج.
  • “أعلن البنك البريطاني “رويال بنك أوف سكوتلاند” عن تحقيق خسارة صافية بمبلغ 34 مليار دولار خلال عام 2008م، وهي أكبر خسارة في تاريخ البنوك والشركات البريطانية. وكان “رويال بنك أوف سكوتلاند” على وشك الانهيار خلال عام 2008م، واضطرت الحكومة البريطانية للتدخل لإنقاذه بشراء نحو 70% من أسهمه”. [12]
  • “أعلنت خمسة بنوك أمريكية جديدة في 28/6/2009م، والتي يصل حجم أصولها إلى 1.04 مليار دولار إفلاسها ليرتفع عدد البنوك المفلسة منذ بداية العام الجاري إلى 45 بنكا، جراء تداعيات الأزمة المالية العالمية”. [13]
  • “أُعلن في مؤتمر القمة في الكويت (19-20 يناير 2009م) أن العالم العربي قد خسر في هذه الأشهر ما لا يقل عن 2,5 تريليون دولار بعد أن أعلنت كثير من دولها أن اقتصادها لن يتأثر بالأزمة العالمية”!.[14]
  • “تأثرت شركه “أمريكان إنترناشيونال جروب” الأمريكية – أكبر شركة تأمين في العالم – بالأزمة المالية تأثرًا كبيرًا حتى اضطر البنك المركزي الأمريكي إلى إقراضها 85 مليار دولار، ليجنبها مضار الأزمة“.[15]
  • “أعلن وزير المالية الألماني أن حجم الديون الجديدة التي ستتحملها الحكومة الألمانية خلال العام الجاري ستتجاوز 50 مليار يورو، وتشير توقعات الخبراء إلى تراجع عائدات الضرائب في ألمانيا بنحو 316 مليار يورو حتى عام 2013م”. [16]
  • “توقع (كريستوفر والين) العضو المنتدب لشركة أبحاث “تحليلات المخاطر المؤسسية” أن يتم إغلاق ما يقرب من 110 بنكًا تصل قيمة أصولها إلى حوالي 850 مليار دولار. ويصل العدد الإجمالي لمؤسسات المال الواقعة تحت مظلة التأمين الفدرالي إلى 1800 مؤسسة تستحوذ على ما يقرب من 13 تريليون دولار من الأصول والممتلكات، وأن إجمالي الدين الحكومي الداخلي والخارجي في الولايات المتحدة قد بلغ أكثر من 11 تريليون دولار”.[17]

أقول هذا غيضٌ من فيضٍ مما يتوارد في الأخبار اليومية عن تقديرات الأزمة العالمية الحالية، وفيما يلي ننتقل من منهجية الوصف للواقع إلى منهجية تحليل أسباب الأزمة.

 

المطلب الثاني: أهم أسباب الأزمة المالية العالمية

صدرت تحليلات عديدة لتفسير أسباب الأزمة المالية العالمية، ويمكن ذكر أهم أسبابها فيما يلي:

أولاً: التوسع في الاقتصاد المالي “الربوي” على حساب الاقتصاد العيني “البيع”: يقوم الاقتصاد العيني على وجود أصول عينية مثل الأراضي والسلع والمصانع والطرق والمأكولات والملبوسات وغيرها، وقد احتاجت إلى وسيلة تسهِّل تبادل هذه السلع فابتُكرت النقود لهدف واحد، وهو تسهيل تبادل السلع والأصول العينية. وهذا هو البيع بألوانه المختلفة في الفقه الإسلامي وغيره من القوانين العالمية، لكن الربا صار صبغة الاقتصاد العالمي ويدار من خلال البنوك وشركات التأمين، حيث لا يقوم البنك أو شركة التأمين بأي نوع من أنواع التعامل في الأصول أو السلع بل يقترض النقود بفائدة محددة ويعيد إقراضها إلى مستثمرين بفائدة أعلى، ويحصل أصحاب البنك على الفرق بين سعر الفائدة التي تُعطى للمودع في البنك وسعر الفائدة التي يأخذها من المستثمر، وبهذا تحولت النقود من وسيلة لمزيد من تحريك السلع وتنشيط الخدمات إلى غاية تُحدث بذاتها التربح دون أن توجد سلع أو أصول تنمو وتتكاثر. والله I يقول:)ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا([البقرة:275]، والربا في الإسلام سبب رئيسي من أسباب المحق والبوار والخسران لقوله I:)يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ([البقرة:276] وقال  eفيما رواه ابن ماجه َبسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ t عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: «مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا إلاَّ كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إلَى قِلَّةٍ»[18]. يؤكد هذه الحقيقة الشرعية الدكتور مراد هوفمان بقوله: “يمنع الإسلام الفائدة على رأس المال، وعمليات البيع والشراء الوهمية – وما تجلبه من مكسب في جانب يساوي خسارة في جانب آخر، لأن المجموع صفر- والتي لا تمثل إضافة حقيقة للاقتصاد ولا تقوم على عمل منتج”[19]، وقد بدأت بواكير الأزمة عندما توسعت البنوك في التعامل الربوي في العقارات؛ الأمر الذي أدى إلى ارتفاع شديد في أسعارها، فانهمرت البنوك في إغراء المواطنين بشراء البيوت عن طريق الربا، والأصل أن يقدم كل مشترٍ أو طالب للقرض ما يفيد قدرته على السداد لكن الجشع المشترك من البنوك والعملاء وضعف الرقابة من البنك المركزي، أديا إلى التساهل مع طالبي القروض، وأنشئت شركات على الإنترنت تدفع لها 55 دولارًا فقط فتعطيك عقدًا على أنك مقاول مستقل، وإشعارات بالرواتب لتكون دليلاً على دخلك الكبير، وإذا أردت أن يقوم أفراد من الشركة بالرد على البنوك ليعطوهم عنك صورة وردية أنك صاحب دخل كبير وتاريخ نظيف، فلا تحتاج إلا إلى 25 دولارًا إضافيًا، والنتيجة هو إفراط في البيع دون احتياط ثم عجز عن السداد؛ فاستولت البنوك على البيوت المرهونة وأعادتها للبيع فلم تجد مشترين؛ لأنها مرهونة لأكثر من بنك؛ فانخفضت أسعار البيوت وشاعت أجواء الريبة وعدم الثقة فهرع الناس إلى البنوك ليستردوا أموالهم، لكن البنوك فشلت في توفير طلبات السحب الكثيرة من المودعين على الرغم من أن بنكي الاحتياط الفدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوربي قد ضخ 12,106 مليار دولار لوقف نزيف سحب الأموال من البنوك لكن النتيجة هي انهيارات بالجملة في أكبر البنوك العالمية حتى التي صمد منها أمام الأزمة الكبرى سنة 1929م.

ثانيا: الرهن العقاري المتعدد: من المعلوم أن من يشتري بيتًا عن طريق التمويل الربوي من البنك يكون البيت مرهونًا للبنك، لكن النظام المالي المبني على الجشع والطمع جعل البنك وصاحب البيت معا يقومان برهن جديد على هذه العقارات، فكلما توفرت للبنك رهون على عدد من العقارات يقوم باقتراض مبالغ من بنوك أو أفراد، بل تحولت إلى أسهم مطروحة في البورصة على هذه الرهون المجتمعة والمحافظ المتعددة، هذا في الوقت الذي يقوم فيه صاحب البيت باقتراض مبالغ من بنوك أخرى بضمان البيت رغم أنه مرهون بالبنك الأصلي، وتوسع هذا البيع للرهون حتى إن هناك بيعًا على عقار واحد زاد عن 60 مرة، رغم أن الشريعة الإسلامية ـ بعدالتها ـ تُحرِّم أن يكون على عقار واحد رهنٌ أو رهونٌ بأكثر من قيمة العقار الفعلية، ولا يجوز أن ينشأ رهن جديد بقيمة العقار حتى يُسقط الراهن الأول حقه للثاني، لكن أزمة الرهون العقارية قد تضاعفت إلى الحد الذي صارت تجارة مستقلة وربحًا سريعًا على أوهام من الرهون، ومع انخفاض ثمن البيوت بسبب عدم سداد أصحابها وكثرة المعروض تهاوت كل الرهون والمحافظ التي تأسست عليها.

ثالثا: التوسع في تجارة المشتقات المالية: وهي كما يعرِّفها صندوق النقد الدولي “عقود تتوقف قيمتها على أسعار الأصول المالية محل التعاقد ولكنها لا تقتضي أو تتطلب استثمارًا لأصل المال في هذه الأصول . وكعقد بين طرفين على تبادل المدفوعات على أساس الأسعار أو العوائد ، فإن أي انتقال لملكية الأصل محل التعاقد والتدفقات النقدية يصبح أمرًا غير ضروري “[20]، وهي من التفكير الشيطاني الرهيب الذي يُنشيء عقودًا لا ترتبط لا بالأصول العينية ولا بالأصول المالية، بل تتعلق بحقوق مالية محلها حقوق مالية أخرى، وأهمها العقود الآجلة، والعقود المستقبلية، وحقوق الاختيار، والمبادلات المؤقتة، بالإضافة إلى مجموعة من الأدوات الهجينة كحقوق اختيار المبادلاتSwaptions) )، وحقوق الاختيار طويلة الأجلLEAPS) )، والتزامات الرهن العقاري المضمونة(CMO)، وتتجلى الوظيفة الأساسية للمشتقات المالية في مساعدة المستثمر أساسًا على التوقي من المخاطر، وتحقيق قدر من الاستقرار في العائد على الاستثمار[21] ، وهي نوع من أنواع الرهان والمقامرة .

ولتوضيح حجم الرهان والمقامرة نفترض أن أحد البنوك يتملك أسهمًا ويمنح عملاءه من خارج البلد حق المراهنة على هذه الأسهم من خلال عقود المشتقات، وذلك بأن يدفع العميل نسبة معينة (10% أو أكثر) مع بداية العقد، فإذا ارتفع السهم الذي راهن عليه العميل بعد حلول الأجل وانتهاء العقد، فإن العميل يأخذ الأرباح الناتجة عن ارتفاع أسعار السهم دون أن يتملك أيًا من أصل الأسهم، وكذلك الأمر إذا هبط سعر السهم، فإن العميل يتحمل خسارة الفرق بين سعر السهم في بداية العقد مع نهايته دون تأثير على أصول الأسهم التي يتملكها البنك. فإذا وصلت قيمة الخسارة إلى النسبة التي دفعها العميل في بداية العقد، فإن العقد يعتبر منتهيًا ويخسر العميل أمواله التي دفعها.

إذن المشتقات لا ترتبط بالنشاط الحقيقي لسلعة ما، بل تقتصر على تبادل المخاطر، فنمو المشتقات أسهل بكثير من نمو الاقتصاد، حيث بلغت قيمتها أكثر من 600 تريليون دولار حول العالم، لغياب الضوابط والقوانين التي توقف هذا الهوى والجشع والشره في كسب المال مهما كانت الآثار وخيمة على العالم كله.

رابعا: ضعف وغياب الرقابة من البنوك المركزية: يذكر الدكتور عبد الحميد الغزالي في مقاله “الأزمة المالية العالمية..التشخيص والمخرج”: “أن السبب الأول يتمثل في الإهمال غير المسؤول، بل عدم الاكتراث الذي يكاد أن يكون متعمدًا من قِبَل البنك المركزي الأمريكي في القيام بواجباته الإشرافية والرقابية والتفتيشية لكي يتأكد من التوفيق بين اعتبارين متناقضين: الثقة والسيولة من ناحية، والعائد أو الربحية من ناحية أخرى. وفي غياب هذه الرقابة سعت البنوك للحصول على أقصى ربح وأسرعه وأفرطت في تقديم كم ضخم للغاية من القروض للأفراد خاصة في مجال الرهن العقاري، وعدم التأكد من قدرة الأفراد على السداد، بالإضافة إلى التوسع المحموم في المقامرة في “وول ستريت” وانتشار المشتقات التي قامت على إعادة بيع القروض العقارية وغيرها من القروض المشكوك فيها في شكل أوراق مالية، سعيًا وراء الربح العاجل والمرتبات الخيالية، حيث وصلت على سبيل المثال مرتبات ومكافآت رئيس بنك “ليمان برذر” إلى 486 مليون دولار في العام 2007م، كل هذه الأعمال تمت في شبه غياب الرقابة من السلطات النقدية على العمل المصرفي الذي تمت أربعة أخماسه خارج بنود الميزانية فلم تخضع لأية رقابة مما ساهم في هذا الكساد العالمي الذي يصغر أمامه تماما الكساد العالمي العظيم سنة 1929م”[22].

هذه أهم الأسباب وراء هذه الأزمة التي ستظل في حاجة إلى أبحاث وحوار وعمق في التحليل وشجاعة في التخلي عن الأسباب الحقيقية التي قادت العالم إلى هذه الوهدة، ولا رافع لها إلا بالعودة إلى الميزان الرباني والعدل الإلهي، والهدي النبوي في الاستثمار، وهذا ما سأقدمه  في الصفحات التالية إن شاء الله تعالى .

المطلب الثالث: العالم مستعد للتمويل الإسلامي

إذا كان الفكر الاقتصادي سابقا قد اهتدى بالدراسات العقلية الرياضية الاقتصادية البحتة إلى أن تخفيف أزماته مرتبط بشكل ضروري لإنهاء سعر الفائدة، وهو ما يعني التوقف عن التعامل بالربا فإن هذا الفكر الاقتصادي قد تحوَّل في واقعنا المعاصر بعد هذه الأزمة الطاحنة إلى مطلب ينادي به أعلى القيادات الاقتصادية والسياسية والدينية في العالم، وفيما يلي أعرض بعضًا من الآراء الجادة حول أهمية تقليل أو إيقاف سعر الفائدة ثم ألحقه ببعض الجهات المسؤولة سواء في الجانب الديني أو الاقتصادي أو السياسي عن ضرورة تبني نظم التمويل الإسلامي:

أولاً: من آراء المفكرين الاقتصاديين العالميين قبل الأزمة:[23]

  • يقول “كينز”[24]عالم الاقتصاد الشهير وصاحب النظرية المشهورة: إن سعر الفائدة يُعدُّ من أسباب التقلبات العنيفة في الاقتصاد الغربي، وإن الاقتصاد الغربي يصل إلى عافيته إذا اقترب سعر الفائدة من الصفر.
  • يقول “سيمنز” الاقتصادي الأمريكي المشهور في دراسته عن الكساد العظيم 1929م: إن الكساد يرجع إلى التمويل عن طريق الاقتراض قصير الأجل بفائدة، وأن العلاج يكمن في التمويل الذاتي عن طريق الأرباح غير الموزعة في المشروعات أو عن طريق المشاركة بحصة في المشاريع أي الأسهم .
  • ويقول “ميليسكي” الاقتصادي الأمريكي: إن التقلبات التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي ترجع بالأساس إلى التقلبات في سعر الفائدة، وأن المخرج من ذلك هو الأخذ بنظام المشاركة.
  • أما “فريدمان”[25] فيُرجع أسباب أزمة الثمانينات إلى التقلبات الطائشة في سعر الفائدة .
  • ويقول “تير” إن سعر الفائدة يعد معيارًا رديئًا في تخصيص الموارد، ويجب أن يستبدل بالربح أي الربح الناتج عن النشاط الحقيقي بدلاً من الفائدة.
  • ويقول د. مراد هوفمان في إطار حديثه عن اقتصاد السوق في الإسلام وتحريم الفائدة: “نظرًا لطبيعة الحياة الاقتصادية المتغيرة إذا قرأنا نظريات آدم سميث، ودافيد ريكاردو، وتوماس مالتوس، وكارل ماركس، وجون ماينارد كينز، وبول أ- ساميلسون، سنكتشف أننا نقرأ تاريخ الأخطاء الاقتصادية وليس تاريخ الاقتصاد مع أن كلا منهم ادعى ـ ومعه الكثيرون ـ أن نظريته صحيحة. وينقل عن “ماكس فيفر” “ومولار أرماك” أنه يمكن اعتبار كل من النظام الرأسمالي والاشتراكي اليساري نظاما ماديا غير ديني ولكنه قائم على أسس دينية فاسدة، ثم يقول: يستطيع الإسلام أن يعيد التوازن في العلاقة بين الأفراد والدولة، فقد أسس في المدينة المنورة منذ 1400م سنة مجتمعا قائما على العدل الاجتماعي والاقتصادي، ما كان ماركس يستطيع أن يحلم به”[26].

ثانياً: القيادات الدينية والاقتصادية والسياسية بعد الأزمة تدعو للتعامل بالنظام الإسلامي:

  • أكد الفاتيكان أنه يتوجب على البنوك الغربية النظر بتمعن في القواعد المالية الإسلامية، من أجل العمل على استعادة ثقة عملائها في خضم الأزمة العالمية الحالية، بما يعد أحد أهم التحولات البارزة التي تشهدها صناعة المال الإسلامية.وجاء في تقرير بصحيفة الفاتيكان الرسمية المعروفة باسم “أوسيرفاتور رومانو” : قد تقوم التعليمات الأخلاقية، التي ترتكز عليها المالية الإسلامية، بتقريب البنوك إلى عملائها بشكل أكثر من ذي قبل، فضلاً على أن هذه المبادئ قد تجعل هذه البنوك تتحلى بالروح الحقيقية المفترض وجودها بين كل مؤسسة تقدم خدمات مالية.[27]
  • “أشادت دراسة أعدَّها مركز أبحاث الكونجرس الأميركي عن “التمويل الإسلامي” بالبنوك الإسلامية لكونها “أكثر صلابة في مواجهة التراجع الاقتصادي العالمي والأزمة المالية الدولية مقارنة بالبنوك التقليدية”، وأشارت الدراسة إلى اعتقاد كثير من المراقبين بأن “التمويل الإسلامي يمثل عجلة للتعافي من الأزمة المالية الدولية”، كما توقعت الدراسة بأن “تعزز صناعة البنوك الإسلامية مكانتها في السوق الدولي في ظل بحث المستثمرين والشركات عن مصادر بديلة للتمويل” خلال الأزمة الراهنة وفي المستقبل”.[28]
  • “قالت صحيفة “ر.ب.ك ديلي” الروسية: إن هناك جملة أسباب وراء نجاح البنوك الإسلامية في تحجيم الخسائر في ظل الأزمة المالية الدولية، يأتي في مقدمتها احتكام البنوك الإسلامية إلى الشريعة الإسلامية التي تحرم الربا، وعدم اعتمادها على القروض المصرفية “.[29]
  • أما “بوفيس فانسون” رئيس تحرير مجلة ( تشالنجز ) 5 / 10 / 2008م – فيقول بكل جرأة ووضوح: إننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن الكريم بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا، لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا من كوارث وأزمات، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري لأن النقود لا تلد النقود.
  • ينادي “رولان لاسكين” رئيس تحرير صحيفة (لو جورنال دي فينانس) بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم والتي سببها التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير الشرعية (يقصد المضاربات بالمفهوم الغربي وليس المضاربة كأحد طرق التمويل الإسلامي) .
  • دعا مجلس الشيوخ الفرنسي إلى ضم النظام المصرفي الإسلامي للنظام المصرفي في فرنسا وقال في تقرير أعدته لجنة تعنى بالشئون المالية في المجلس أن النظام المصرفي الإسلامي المستمد من الشريعة الإسلامية مريح للجميع سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين .
  • تطرَّق “موريس اليا”[30] الاقتصادي الفرنسي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد خلال أزمة الثمانينات إلى أن الأزمة التي يشهدها الاقتصاد العالمي بقيادة الليبرالية المتوحشة تجعل الاقتصاد العالمي على حافة بركان مهددًا بالانهيار تحت وطأة الأزمة المضاعفة (المديونية والبطالة)، وهي نفس أعراض الأزمة المالية الحالية بل إن الأزمة الحالية أعمق من أزمة الثمانينات. وقد اقترح للخروج من الأزمة وإعادة التوازن شرطين هما :
    • تعديل سعر الفائدة إلى حدود الصفر.
    • مراجعة معدل الضريبة إلى ما يقرب من 2 %.[31]

لعل ما أقر به كبار الاقتصاديين في العالم قبل الأزمة، وما نادى به الفاتيكان والأبحاث العلمية الدقيقة والكونجرس الأمريكي ومجلس الشيوخ الفرنسي و”موريس اليا” الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد بعد الأزمة لعل هذا يقدم خطابًا تأسيسيًا يعتمد على الأدلة العقلية التي تؤسس اليقين بالأدلة النقلية، وتؤكد أننا بحاجة إلى التخلية قبل التحلية، تخلية عن الإيمان بالطاغوت العالمي سواء كان أمريكيا أوربيًا ليبراليا أو روسيا شيوعيا فهذا كله يفصل بين حق الله عز وجل خالقًا وآمرا، فالنظام الشيوعي يؤمن كما جاء في أول مادة في دستور الاتحاد السوفييتي منذ 23/10/1917م، وحتى انهياره في 26/12/1992م أنه لا إله والحياة مادة، وعليه فإن الله عندهم لا له الخلق ولا الأمر. أما النظام الليبرالي العلماني الذي تتبناه أمريكا فيرى أن الله U له الخلق لكن ليس له الأمر، فلا سلطان لله على الناس في تصريف أوقاتهم وأموالهم وملكاتهم، وكأني بهم يحملون نفس المعنى الذي قاله قوم شعيب: )أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء([هود:87]، فقد تصرفت أمريكا كأنها الحاكم الأوحد مكان الله U داخل وخارج أمريكا، وفرضت نموذجها الاقتصادي الجشع الشره المتسلط على العالم كله، وها هي تجره إلى أزمة طاحنة لا مخرج لها إلا هذا الإسلام العظيم، كما قال تعالى: )سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ([فصلت:53]، وفيما يلي أنتقل من خطاب التأسيس إلى خطاب الترسيخ الذي يؤمن بالوحي ويستصحب الاجتهاد الأصولي الصحيح لبيان واحد من أهم البدائل الإسلامية للأزمة العالمية في جانبين من أخطر أسباب الأزمة وهي الودائع البنكية الربوية والتأمينات الاجتماعية.

 المبحث الثاني
 أحكام المضاربة في الشريعة الإسلامية

المطلب الأول:  المضاربة لغة واصطلاحا

المطلب الثاني: دليل مشروعية المضاربة وحكمتها

المطلب الثالث: شروط صحة المضاربة

المطلب الرابع: أنواع المضاربة من حيث الشروط

المطلب الخامس: أحكام تتعلق بالعامل وتصرفاته في المال

المطلب السادس: صور المضاربة

المطلب السابع: انتهاء المضاربة

 

المبحث الثاني: أحكام المضاربة في الشريعة الإسلامية

المطلب الأول:  المضاربة لغة واصطلاحاً:

المضاربة لغة: من ضارب مضاربة، فاعل مفاعلة، وضارب فلان لفلان في ماله، أي اتَّجَر فيه وقارضه، من ضرب في الأرض يضرب ضربًا وضربانًا ومَضربًا بالفتح خرج فيها تاجرًا أو غازيًا[32] .

والضرب مصدر ضربته ضربًا، وضربت في الأرض أبتغي الخير من الرزق، قال تعالى: )وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض( (النساء:101) أي سافرتم، والضرب يقع على جميع الأعمال إلا قليلا: ضَرَبٌ في التجارة، وضَرَبٌ في سبيل الله[33] .

والمضاربة أن تعطي إنسانًا من مالك ما يتجر فيه، على أن يكون الربح بينكما، وكأنه مأخوذ من الضرب في الأرض لطلب الرزق قال تعالى:(وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل:20)، وعلى قياس هذا يكون العامل مضاربًا لأنه هو الذي يضرب في الأرض، وجائزٌ أن يكون كل واحد منهما يضارب صاحبه، قال النضر: “المضارب صاحب المال والذي يأخذ المال، كلاهما مضارب، فهذا يضاربه وذاك يضاربه” [34] .

هذا ويذهب البعض إلى أن العامل هو المضارب فقط، وأنه لم يشتق للمالك منه اسم فاعل، لأن العامل يختص بالضرب في الأرض، فعلى هذا تكون المضاربة من المفاعلة التي تكون من واحد مثل عاقبت اللص[35]، وإلى هذا أمِيل .

والمضاربة لغة أهل العراق، أما أهل الحجاز فيسمونه قِراضًا ومقارضةً، جاء في منح الخليل: “القراض والمقارضة بصيغة المفاعله الدالة على وقوع الفعل من الجانبين، وهذا اسمه عند أهل الحجاز، وأهل العراق لم يقولوا قراضًا ألبتة، ولا عندهم كتاب القراض، وقالوا مضاربة، وكتاب المضاربة، أخذًا من قوله تعالى:(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ)(النساء:101)، وقوله تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ)(المزمل:20)” [36] .

أما عن القِراض فهو من القرض، يقال: قرضه يقرضه قرضًا قطعه، وهذا هو الأصل فيه، ثم استعمل في قطع الفأر، والسفر، والشِعر، قال الزمخشري: “أصلها من القرض وهو المقطع، والمقارضة المضاربة، وقد قارضتُ فلانًا قراضًا: أي دفعت إليه مالاً، ليتجر فيه، ويكون الربح بينكما على ما تشترطانه، والوضيعة على رب المال”[37] .

وفي التهذيب: القراض في كلام أهل الحجاز المضاربة، ومنه حديث الأزهري: “لا  تصلح مقارضة من طُعْمَتُه الحرام”[38] يعني القراض.

والقِراض من القطع في حق رب المال، حيث يقطع جزءًا من ماله ليتجر فيه، وفي حق العامل، حيث يقطع الأرض سعيًا طلبًا للرزق .

وأخيرًا أجدني أستريح إلى إطلاق لفظ “المضاربة” على هذا النوع من العقود، لأنها قريبة من المعنى القرآني: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل:20)، وإن كنت لا أوافق على أن الآية نص أو دليل على المضاربة كما سيأتي إن شاء الله [39].

وللمضاربة اصطلاحًا أو في الشرع عدة تعريفات عند فقهاء المذاهب، وقد جاءت هذه التعريفات متأثرة بما يذهب إليه أصحابها في بعض أحكامها أو جزئياتها ويبدو ذلك مما يلي :

  1. عند الحنفية: “المضاربة عقد شركة في الربح بمال من جانب رب المال، وعمل من جانب المضارب “[40].
  2. عند المالكية: القراض شرعًا: توكيل على تجارة في نقد أي بذهب أو فضة مضروب مسلَّم بجزء من ربحه[41]، ويتميز هذا التعريف بالنص على المضاربة بالمال المضروب دون العَروض.
  3. عند الشافعية: ” المضاربة أي موضوعها الشرعي هو العقد المشتمل على توكيل المالك الآخر على أن يدفع إليه ما يتجر فيه، والربح مشترك بينهما”[42]، وفي التعريف نلاحظ اشتراط الدفع إلى العامل.
  4. عند الحنابلة: المضاربة هي دفع مال ـ وما في معناه ـ معيَّن، معلوم قدره، لا صبرة (صُرة) نقد ولا أحد كيسين، وفي كل واحد منها مال معلوم إلى من يتجر فيه بجزء معلوم من ربحه له أو لعبده أو لأخيه [43].

ويلاحظ أن هناك اتفاقًا على أن المضاربة يجتمع فيها ما يلي:

  • أنها عقد توكيل .
  • أنها تسليم مال معلوم إلى المضارب أو العامل .
  • أنها من أجْل التجارة.
  • أنها على جزء معلوم من الربح بالنسبة بالتقدير.

كما يلاحظ أن المعنى الشرعي للمضاربة أو الاصطلاحي يطابق المعنى اللغوي، إلا أنه في الاصطلاح الشرعي مقيَّد بالشروط التي تجعل العقد صحيحًا أو فاسدًا في حكم الشرع .

المطلب الثاني: دليل مشروعية المضاربة وحكمتها:

كانت المضاربة موجودة في الجاهلية، بل شائعة بينهم وقد جاء أن رسول الله r خرج في مال خديجة t قبل بعثته مضاربة على عادة ما كانت تفعل مع من يخرج في مالها آنذاك[44] .

وجاء الإسلام فأقرَّ هذا النوع من التعامل، يقول ابن حزم: “القراض كان في الجاهلية فأقرَّ رسول الله r ذلك في الإسلام، وعمل به المسلمون عملا متيقنًا لا خلاف فيه، ولو وجد فيه خلافٌ ما التُفت إليه، لأنه نقْلٌ عن كافة إلى زمن رسول الله r وقد خرج r في قراضٍ بمال خديجة t”[45]، ويقول ابن رشد: “ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض وأنه مما كان في الجاهلية فأقرَّه الإسلام”[46].

أما عن دليل مشروعيتها، فقد قال الكاساني في ذلك: “القياس أنه ـ أي القراض ـ لا يجوز استئجار بأجر مجهول[47]، لكن تركنا القياس، بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله I: )وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ((المزمل:20)، وقوله I:)فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ((الجمعة:10)، وقوله I:)لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ( (البقرة:198).[48]

وقد أكدَّ السادة العلماء في هيئة المراجعة والمحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية بمملكة البحرين، في كتاب “المعايير الشرعية”، على هذه الأدلة نفسها من القرآن الكريم[49]، وإذا كنت أتفق مع الكاساني والسادة العلماء في هيئة المراجعة والمحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية بأدلة مشروعية القراض من السنة النبوية، فيبدو لي أن هذه الآيات ليست نصًا أو دليلاً في جواز المضاربة لأنها آيات عامة في جواز العمل والسعي الحلال، سواء كان بيعًا أو شراء أو مضاربة أو شركة أو مرابحة أو عملا، لذا يبدو لي أن جواز المضاربة يأتي من طريق السنة النبوية، أما عن الآيات فأتفق مع صاحب “مسالك الإفهام إلى آيات القرآن” حيث يقول بعد ذكر هذه الآيات بعينها: “وشيء من تلك الآيات لا يدل على ذلك ـ أي القراض ـ إلا أنه يقال إنها دلت على رجحان التكسب، وهو أعم من أن يكون بمال الإنسان نفسه، أو بمال غيره، ومع هذا ففي استفادة منها ذلك تأمل”.[50]

وأما في السنة النبوية فما روي عن ابن عباس t أنه قال: “كان سيدنا العباس بن عبد المطلب إذا دفع المال مضاربة، اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرًا، ولا ينزل به واديًا ولا يشتري به دابة ذات كبد رطبة، فإن فعل ذلك ضَمِن”، فبلغ شَرْطُه رسول الله r فأجاز شَرْطُه”[51]، وكذا بُعث r والناس يتعاقدون فلم ينكر عليهم، وذلك تقرير لهم على ذلك والتقرير أحد وجوه السنة .

وقد رُوي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم دفعوا مال اليتيم مضاربة، منهم سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبيد الله بن عمر وسيدتنا عائشة t ولم ينقل أنه أنكر عليهم من أقرانهم أحد ومثله يعد إجماعًا[52].

هذا ما قاله الكاساني عن دليل جواز المضاربة، ويلاحظ أن الأحاديث التي جاءت في المضاربة قليلة، ولذا يقول الشوكاني: “وليس فيها ـ أي المضاربة ـ شيء مرفوع إلى رسول الله  rإلا ما أخرجه ابن ماجه من حديث صهيب، عن أبيه قال: قال رسول الله r: ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وأخلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع”[53].

وقد أورد الإمام مالك في الموطأ أثرين صدَّر بهما كتاب القراض [54]:

 الأثر الأول: عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب t في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرَّا على أبي موسى الأشعري “رضي الله عنه”، وهو أمير البصرة فرحب بهما وسهَّل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بل ها هنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون الربح بينكما، فقالا وددنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب “رضي الله عنه” أن يأخذ منهما المال، فلما قدما المدينة، باعا فربحا فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: أكلُّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟!، أدِّيا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك هذا يا أمير المؤمنين!، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه، فقال عمر أدِّياه، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر ـ قيل هو عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضًا، فقال عمر: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف الربح.

الأثر الثاني: عن علاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عثمان بن عفان t أعطى ماله قِراضًا يعمل فيه على أن الربح بينهما[55] .

من مجموع هذه الآثار ـ التي يقوِّي بعضها بعضًا ـ أنتهي إلى أن القراض أو المضاربة مشروعة بالسنة النبوية وعمل الصحابة وليس الإجماع أيضا كما ذهب البعض إلى ذلك، ولا بالإجماع فقط كما روي عن ابن حزم[56].

حكمة مشروعيتها: شُرعت المضاربة، للحاجة إليها[57]، إذ قد يوجد مع أحد مال ولا يقدر على تنميته والتجارة فيه، أو ليس عنده وقت للتجارة، أو ليست عنده خبرة كافية للعمل فيه، في مقابل أن يوجد من ليس له مال مع وجود الخبرة والفراغ والحاجة إلى العمل والتكسب، وبهذا تكون المضاربة بشروطها مفيدة لصاحب المال في تنمية ماله وإبرائه من إثم الاكتناز لقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ)(التوبة:34- 35)، وهذا يؤكد أن إنفاق المال في الاستثمار أو الصدقات من الفروض الشرعية .

كما أن المضاربة مفيدة للعامل في تكسبه وحصوله على لقمة العيش من كدِّ يده، بالإضافة إلى إبعاده عن البطالة التي هي من أعضل الأمراض في المجتمع، لما رواه البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله  عنهما أن رسول الله “صلى الله عليه وسلم”: ” نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الفراغ والصحة”[58].

والمضاربة مفيدة للمجتمع كله في أنها وسيلة للرقي الاقتصادي حيث سينمو المال وتروج السلع بكثرة التجارة والعمل والإنتاج.

وإذا كانت المضاربة مفيدة على هذا النحو فهل لها شروط وأركان تحقق الخير المرجو منها ؟ هذا ما سوف نتحدث عنه في الفصل التالي إن شاء الله تعالى .

المطلب الثالث: أركان وشروط صحة المضاربة:

لابد للمضاربة كتعامل شرعي من أركان وشروط لا تصح إلا إذا توافرت جميعا، وهي ستة أركان: الأول رب المال لأنه تتحرك في نفسه الرغبة في نماء ماله عن طريق المضاربة فيتجه إلى عامل يرتضيه فيكون الركن الثاني، فيتفق معه على عقد المضاربة بصيغة معينة، وهي الركن الثالث، ثم يُسلِّم المال وهو الركن الرابع فيبدأ العامل التجارة في المال وهو الخامس، ثم يكون الربح أخيرًا، إن وجد وهو الركن السادس، وفى كلٍّ شروطٌ وقيود، وإليك تفصيل ذلك:

الركن الأول: رب المال: يشترط في صاحب المال أن يتوفر فيه أهلية التوكيل[59]، ولذا لا يصح عقد المضاربة من مختل العقل لجنون أو عَتَه، كما لا يصح من الصبي الذي لا يعقل أصلاً، ولا من فاقد الإرادة عمومًا لفوات أهلية مباشرة العقد، وكذلك لا تصح وكالة المحجور عليه لسفهٍ أو غفلة[60] .

أما عن كونه مسلمًا أم غير مسلم فلم يمنع من ذلك بعض الحنفية[61] فتصح المضاربة بين أهل الذمة والمسلم والحربي المستأمن، وقد كره الشافعية مشاركة المسلم لغير المسلم لعدم تحرز غير المسلم عن البيع والشراء بالحرام كما كرهه المالكية[62] بحجة أن تأجير المسلم نفسه عند غير المسلم فيه إذلال له، وما ينبغي لمسلم أن يذل نفسه، ويبدو لي أن المضاربة تصح مع غير المسلم ما لم يكن حربيًا مثل الصهاينة ومن يدعمهم بالمال، فهؤلاء حربيون لا يجوز غير قتالهم لاعونهم على القوة الاقتصادية، والأولى في جميع الأحوال أن يكون التعامل مع المسلم الصادق الأمين الورع عن اقتراف الشبهات فضلاً عن المحرمات .

الركن الثاني: العامل: كما اشترط الفقهاء في صاحب المال أهلية التوكيل اشترطوا في العامل ما اشترطوه في الوكيل، وذلك لأن العامل ينوب عن رب المال في التصرف بماله فأشبه الوكيل من هذه الناحية، ولذا فيشترط فيه أن يكون عاقلاً مسلمًا غير مرتد. أما إذا كان العامل غير مسلم فقد كرهه بعض الحنفية، يقول السرخسي: “وكره للمسلم أن يدفع المال إلى النصراني مضاربة وهو جائز في القضاء كما يكره أن يوكل النصراني بالتصرف في ماله، هذا لأن المباشر للتصرف هنا هو النصراني وهو لا يتحرز عن الزيادة ولا يهتدي إلى الأسباب المفسدة للعقد، ولا يتحرز عنها اعتقادًا، ويتصرف في الخمر والخنزير، لكن هذه الكراهة ليست لعيْن المضاربة والوكالة، فلم تمنع صحتها في القضاء”[63] .

ولا أوافق السرخسي ـ من الحنفية ـ على ذلك وأضيف أن المسلم لو اضطر أن يضارب الذمي أو غيره من غير المسلمين فيمكن الاحتراز عن المحرمات بأن يشترط عليه من الشروط ما يجعل الربح حلالاً من الناحية الإسلامية فإن خالف ذلك ضمن العامل .

وقد عاش المسلمون في مكة والمدينة يتعاملون ماليًا مع غير المسلمين بدون حرج شرعي، وقد قال الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ:”إنني أُفضِّل التعامل مع نصراني ملتزم بالقيم الأخلاقية والوفاء بالوعد عن التعامل مع مسلم متحلل من القيم والأخلاق” .

الركن الثالث: صيغة العقدتتم بتحقيق ركنيْ العقد، وهما الإيجاب والقبول، أي برضا العاقدين، يقول الكاساني: “وأما ركن العقد فالإيجاب والقبول وذلك بألفاظ تدل عليهما، أو ما يقوم مقامهما”[64].

والإيجاب هو لفظ المضاربة أو المقارضة أو المعاملة أو ما يؤدي معاني هذه الألفاظ بأن يقول له رب المال خذ هذا المال مضاربة على أن ما رزق الله من ربح أو أطعم منه فهو بيننا على كذا من نصف أو ربع أو ثلث أو مثل ذلك من الأجزاء المعلومة، ويقول العامل رضيتُ أو قبلتُ أو كتب ما يوحي بذلك كما جاء في نظام المضاربات الإسلامية الحديثة حيث يتم التعامل بالكتابة والإمضاء والختم وهذه تقوم مقام ألفاظ المضاربة .

وكذلك تجوز إشارة الأخرس المفهومة أو المكتوبة وكذا الأعمى سواء أكان مضاربا أم صاحب مال .

واشتراط ألفاظ بعينها ليست شرطًا “فالعبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني” كما يقول الأصوليون .

الركن الرابع: رأس المال: يشترط في رأس المال أربع شروط جمعها صاحب فتح العزيز في قوله: “هي أن تكون نقدًا مُعيَّنًا معلومًا مسلَّمًا”[65].

أما عن كونه نقدًا سائلاً فهذا احترازٌ عن العَروض “البضاعة” حيث يرى جمهور الفقهاء أنه لا تجوز المضاربة بالعَروض وجوَّزه ابن أبي ليلى[66]. ويعلل ابن رشد حجة الجمهور بقوله:” إذا كان عروضًا كان غررًا لأنه يقبض وهو يساوي قيمة، ويرد وهو يساوي قيمة غيرها فيكون المال والربح مجهولاً”[67].

أما إذا كان يباع فقد جوَّزه الحنفية ومنعه مالك والشافعي[68] وحجة مالك أن البيع جهد زائد من العامل لحساب رب المال وهذا لا يجوز عنده[69]، أما الحنفية فلهم مبرر مقبول وهو أن المضاربة جائزة لأنها لم تضف إلى العَروض[70].

أما كون رأس المال معيَّنا أي ليس دينًا في الذمة عند العامل أو عند آخر فلا يجوز عند الشافعية والمالكية[71]، ويعلل ذلك الإمام مالك بأن الديْن إذا كان لدى العامل وطلب منه صاحب المال أن يُقِرَّه عنده قراضا، فقد يكون ذلك مخافة أن يكون أعسر بماله فهو يزيده فيه[72]، أي مظنة الربا واستحلاله من هذا الباب بطريق التحايل، كأنه يعطي رجلاً ديْنًا ينوي أن يأخذ عليه فائدة ربوية فيقول له خذ هذا المال قرضًا، وبعد فترة يقول له قد جعلت ما عندك قراضًا، وربما يعلم أنه قد أنفقه واستهلكه فيكون منْع ذلك من باب سد الذرائع.

    أما إذا كان الديْن عند غير العامل فقد منعه الإمام مالك لأن استرداده منفعة لا تجوز[73]، وعند الأحناف يجوز[74]، وأظن أنه لا حرج في المضاربة بالديْن عند غير العامل، بشرط أن يُعطى أجرًا على تحصيل الديْن إن طلب العامل ذلك .

    أما كون رأس المال معلوما فيُجمع الفقهاء على ذلك بحيث يكون معلومًا لهما معًا، لأن عدم معلومية رأس المال يؤدي إلى الجهالة في رأس المال والربح بما يؤدي الغرر الفاحش وهذا باطل بقول الشافعي: “لا يجوز أن أقارضك بالشيء جذافًا لا أعرفه ولا تعرفه”.[75]

    وكذا لو ضارب رجلٌ رجلاً على كفين من الدراهم، وصبرة مجهولة أو كيسين معلوم أحدهما فلا يجوز ذلك عند الجمهور.[76]

    أما كون رأس المال مُسَلَّما فقد اشترطه بعض الفقهاء بمعنى أن تكون يد العامل على المال كاملة لا يد لرب المال فيها كما يقول الشافعية، ولذا فقد أبطلوا المضاربة التي يشترط صاحب المال أن يعمل مع العامل لأن المال لن يخلُص للعامل، ولأنه انقسام في التصرف يقضي إلى انقسام اليد ويبطل الاستقلال، وإلى هذا ذهب الأحناف[77] والشافعية.[78]

    ويبدو لي ـ والله أعلم ـ أن رب المال لو اشترك مع العامل في العمل بغير سلطان عليه لكونه صاحب المال، جاز لأنه جمع بين الشركة والمضاربة وإذا جاز لرب المال أن يعطي ماله لاثنين أو أكثر مضاربة (مال ويدان أو أكثر) فما المانع أن يكون أحدهما؟! أليس ذلك أولى؟ وعموما فقد أجاز الحنابلة[79] أن يضارب الرجلُ الرجلَ بالمال على أن يعمل معه بغير تضييق عليه.

الركن الخامس: العمل: الذي يقوم به العامل ليس مرسلاً بلا شروط، وإنما يشترط فيه شروط أهمها:.

  1. ألا يحدد بمدة معينة، فلا تصح عند أكثر الفقهاء أن تضارب أحدًا إلى سنة أو إلى سنتين أو أكثر أو أقل، فإن بدا لأحدهما أن يترك الآخر ويأخذ كلُّ ذي حق حقه فعل دون أي حرج، لذا فقد أبطل الحنفية المضاربة بالتأقيت، وإلى مثل هذا ذهب الشافعية والمالكية والظاهرية[80]. وعند الحنابلة يجوز تأقيت المضاربة بسنة، مثلاً بأن يقول للعامل: (ضاربتك على هذه الدراهم سنة فإذا انتهت فلا تَبعْ ولا تشترِ)[81]، ويبدو لي أنَّ اشتراط المدة لا حرج فيه لأنه حق لصاحب المال والعامل معا، ومن حق صاحب المال والعامل أن يأخذ كلٌّ ماله بعد سنة أو في أي وقت، وهو أدعى لاستقرار العمل الاستثماري، وفي العصر الحديث يوجد في بعض صور المضاربات اشتراط التأقيت ويجوِّز ذلك السيد محمد باقر الصدر[82]، فيشترط أن يظل المال لدى البنك الإسلامي مدة لا تقل عن ستة أشهر، حتى يتمكن البنك من الاستثمار، وإلا لم يأخذ ربحًا، ويكتفي بأخذ أصل ماله فقط، على شرط أن يُعْلمهم قبلها حتى يأتوا له بماله، ويقول الإمام مالك: “إن كان المال بضاعة انتظره حتى يبيعه”.[83]
  2. أن يكون العمل في التجارة لا في غيرها مثل الزارعة والصناعة لأنها يمكن أن يستأجر عليها فتمتنع فيه المضاربة[84]، وهذا يتضح من تعاريفهم جميعا للمضاربة، وهذا ما عليه الفقهاء إلا أن المالكية[85] لا يروْن بأسًا أن يزرع العامل في مكان أمن وعدل بمال المضاربة لا بموضع ظلم أو عدوًّ فيضمن المال، وهذا الشرط لدى الفقهاء غير المالكية مع وجاهته إلا أني أرجح التوسع في المضاربة في أي مشروع زراعي أو صناعي أو ….. بشرط الالتزام بشروط المضاربة والمزارعة وعقود الاستصناع خاصة أن نظام البنوك الزراعية[86] يعمل الآن ويقوم بخدمات جليلة للفلاح ونحتاج أن نطهر هذا القطاع من رجس الربا، وفي المضاربة مع المزارعة مندوحة .
  3. ألا يضيِّق على العامل وذلك عن طريق الشروط التي تجعله محدودًا في بيعه وشرائه مما يؤثر على المضاربة وربحٍها، وتدخل هذه تحت ما يسمى المضاربة المقيَّدة، وسأبيِّن إن شاء الله ما يجوز من هذه الشروط وما لا يجوز بعد ذلك .

الركن السادس: الربح: يشترط في الربح عدة شروط أهمها ما يلي:-

الشرط الأول: أن يكون الربح معلومًا بالجزئية لا بالتقدير، كأن يقول صاحب مال لرجل خذ هذه الألف وأعمل بها على أن الربح بيننا نصفان، أو لك أربعون في المائة ولي ستون أو أكثر أو أقل، أما إن قال له: خُذ هذه الألف وتاجِر بها وسأرضيك[87]، أو سأعطيك مثل ما يعطي الناس، أو لي خمسون جنيها مثلاً بطل العقد، فلابد أن يكون الربح معلومًا لا بالتحديد لكن بالنسبة بحيث يزيد ويقل على حسب الربح، يقول ابن حزم: “ولا يجوز القراض إلا بأن يسميا السهم الذي يتقارضان عليه من الربح كسدس أو ربع أو ثلث أو نصف ونحو ذلك، وبيَّنا ما لكلٍ منهما من الربح، لأنه إن لم تكن هكذا لم يكن قراضا، ولا عُرِف ما يعمل العامل عليه فهو باطل”[88].

 وحول هذه النقطة أريد أن أفصِّل القول، لأن الكثير تحايل على المضاربة من هذه الزاوية فأجاز أن يحدد الربح بالتقدير، كأن يعطي رب المال للعامل مليونًا على أن يأخذ منه كل سنة خمسين ألفًا أو مائة ألف كنسبة محدودة بالتقدير لا بالجزئية كما سبق، إلى مثل هذا ذهب الشيخ محمد عبده ولفَّ لفَّه جمعٌ من العلماء منهم الشيخ عبد الوهاب خلاَّف حيث يقول: “إن الإيداع في صندوق التوفير هو من قبيل المضاربة، فالمودعون هم أصحاب الأموال، ومصلحة البريد هي القائمة بالعمل، والمضاربة عقد شركة بين طرفين، على أن يكون المال من جانب، والعمل من جانب آخر، والربح بينهما، وهو عقد صحيح شرعًا واشتراط الفقهاء لصحة هذا العقد أن لا يكون لأحدهما نصيب معيَّن اشتراط لا دليل عليه، وكما يصلح أن يكون الربح بينهما بالنسبة يصح أن يكون حظًا معيَّنًا”، والأستاذ الإمام محمد عبده يقرر أن عدل الله يأبى أن يكون هذا التعامل النافع للعامل ولرب المال محرمًا[89].

ويعود الشيخ عبد الوهاب خلاَّف فيقول:”إذا أعطى إنسان ألف جنيه لتاجر أو مقاول ليعمل بها في تجارته أو أعمال أخرى على أن يتجر ويعمل فيها ويعطيه كل سنة خمسين جنيها، أرى أن هذا مضاربة وشركة بين اثنين”، ويعترض على هذا بأن المضاربة يشترط لصحتها أن يكون الربح نسبيًا لا قدْرًا معيَّنًا، وأيَّد هذا الاعتراض بوجوه:

  1. أن هذا الاشتراط لا دليل عليه من القرآن أو السنة، والمضاربات تكون حسب اتفاق الشركاء، ونحن في زمان ضعفت فيه الذمم، ولو لم يكن لرب المال نصيب معين من الربح أكله كله .
  2. أن الفقهاء ذكروا أن المضاربة إذا فسدت لفقد شرط من شروطها صار العامل بمنزلة أجير لرب المال، وصار ما يأخذه بمنزله أجرة، فليكن هذا، وسيان أن يكون مضاربة أو إجارة، فهذا التعامل صحيح فيه نفع لرب المال والعامل، وليس فيه ظلم لأحد، والله لا يحرم على الناس ما فيه مصلحتهم.[90]

ويرى الدكتور محمد يوسف موسى أن الأخذ بهذا الرأي ـ تحديد قدر الربح ـ لا يصح مطلقًا إذ لا يوافق على الاقتراض بفائدة محدودة لتوسيع التجارة أو الصناعة على حين يوافق عليها في المشروعات الكبيرة والمؤسسات العامة التي تقوم بها الدولة وتصدر من أجلها سندات بفائدة محدودة مضبوطة.[91]

أما الدكتور أحمد شلبي فيرى الأخذ بالتحديد إذا كانت الثقة غير كاملة، يقول: “فلا بأس أن نحتاط للمالك فنحدد الربح حتى لا يتردد في المساهمة في هذه الصفقات التي تعود على العامل وعلى المجتمع بالخير”.[92]

هذا ما انتهى إليه الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر عندما كان مفتيًا، حيث لم يأتِ بجديد عما ذكر .

هذه جملة من آراء بعض علماء العصر حين ينطلقون من الاجتهاد التسويفي لا التشريعي، وعندي استدراكات عليهم أهمها ما يلي : –

  1. إن مصالح العباد لا تكون إلا في التزام شرع الله بحذافيره في كل صغيرة وكبيرة وتطويع النفس البشرية وما يجدُّ من أحداث لشرع الله تعالى الذي قال I: )أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ((الملك:14)، والله وحده هو الذي يعلم كل المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية للفرد والجماعة والأمة والعالم، أما أن ننصِّب أنفسنا حراسًا على مصالح الناس بإلغاء بعض الشرع فهذا هو البوار بعينه فضلاً عن التغافل عن بعض المصالح التي ألقاها الشارع.
  2. إن شرط تحديد الربح بالنسبة لا بالتقدير شرط صحة فإذا سقط بطُل العقد، والمضاربة التي كانت في الجاهلية والتي جرت في عهد الرسول “صلى الله عليه وسلم” وأقرها، وفي عهد الصحابة من بعده لم يُذكر في حالة واحدة من بينها تحديدٌ للربح، وكان يمكن أن نجد حالة أو أكثر حينما تكون الثقة غير كاملة ـ والثقة دائما غير كاملة إلا في الأنبياء ـ كما يذهب إلى ذلك د.أحمد شلبي. أو حينما يكون المشروع كبيرًا كما يقول د. محمد يوسف. لكنا لم نجد ألبتة حالة واحدة لذلك أجازها الفقهاء، هذا مع وجود اتفاق لا يعرف له مخالف على أن تحديد القدر يبطل العقد تماما كما سبق، وأضيف نصوصًا أخرى تؤكد ذلك وترد على المتساهلين في هذا الشرط :
  • يقول ابن رشد راويًا الإجماع في ذلك: “وأجمعوا على أن صفته ـ أي القارض ـ أن يعطي الرجل المال على أن يتجر فيه على جزء معلوم يأخذه من الربح أي جزء مما يتفقان عليه، ثلثًا أو ربعًا أو نصفًا”[93].
  • يقول الإمام مالك: “في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضا، واشترط عليه فيه شيئا من الربح خالصا دون صاحبه، فإن ذلك لا يصلح، ولو كان درهمًا واحدًا، إلا أن يشترط نصف الربح له ونصفه لصاحبه أو ثلثه، أو ربعه، أو أقل من ذلك بكثير، فإذا سمي شيئا من ذلك قليلاً أو كثيرًا فإن كل شيء سمَّى من ذلك حلال وهو قراض المسلمين لكن إذا اشترط درهما واحدا فما فوقه خالصا له دون حاجة، وما بقي فهو بينهما نصفان، فإن ذلك لا يصلح، وليس على ذلك قراض المسلمين”[94]، أعتقد أنه لا يجوز بعد ما أخرجه العلماء من دائرة قراض المسلمين إذا اشترط صاحب المال درهمًا واحدا لنفسه على العامل، أو أن يخرج الزكاة من حصة ربحه، لا يجوز لأحد من علماء العصر أن يتساهل في هذا الشرط الجوهري الذي ينقل المعاملة من الحلّ إلى الحرمة .
  • يستطيع أي دارس أن يجد الفكرة نفسها – تحديد النسبة لا القدر- موجودة في كل كتب الفقه التي تتحدث عن المضاربة في أي مذهب من مذاهبنا الفقهية المعتمدة[95] .
  1. أن تحديد الربح وجعله مضمونا يجعله ربا نسيئة، مثل ربا النسيئة الجاهلي الذي كان الزمن فيه يُبادَل بزيادة رأس المال، ولا يغيِّر من هذا الحكم ما جاء في أذهان الذين يبحثون هذا النوع الحديث من المعاملة بحجة عدم احتوائه على استغلال أو ظلم، بل فيه غبن لأحدهما فإما أن يكون قد ربح العامل أو صندوق التوفير أو البنك أكثر من القدر المدفوع فيقع الغبن والظلم على رب المال، وإذا كان أقل فيقع الغبن والظلم على العامل أو البنك ولن يرحمه رب المال إذا خسر لأنه ضامن للربح، وإن تسامح البعض كما يدعو إلى ذلك د.أحمد شلبي، فلن يتسامح غيره، فسد الذرائع يوجب أن نسير على النظام الإسلامي الخالص، وأن نحتشد لتغيير النظم الموجودة لتوافق كلمة الله إذا أردنا الله والدار الآخرة .
  2. أن القول بضمان الربح المحدد في المؤسسات الدولية والشركات الكبيرة دون المشروعات الصغيرة قول لا دليل عليه، وهو ساقط من بابه إذ ما يحرم كثيره فوزن الذرة منه حرام، وما أحل قليله فملؤ الأرض منه حلال إن لم يدخل في نطاق الحرام من باب آخر.
  3. أن قول الشيخ خلاَّف بأن فساد عقد المضاربة يجعله إجارة، وسيان إن كان مضاربة أو إجارة، المهم أن أخذ رب المال قدْرًا محددًا جائز قول معكوس، لأن فساد المضاربة يجعل للعامل أجرة مثله، ويكون الربح كله ورأس المال لصاحب المال، ويعطي العامل أجر المثل، وليس صاحب المال هو الذي يأخذ أجر المثل .
  4. أن ضعف الذمم أو فسادها لا يتحمله شرع الله، لكن على الناس أن تصلح نفسها، وأن يختار رب المال من يغلب على ظنه الصدق والأمانة، أما اشتراط أن تكون الثقة غير كاملة لتحديد الربح فقول مردود لأن الثقة المطلقة لا توجد إلا في المعصوم، ثم إن بيَد رب المال أن يضمِّن العامل رأس المال إذا خالف الشروط، فهل ثمة حاجة للتحديد بعد هذا؟! .
  5. أن هناك شركات مضاربة وعقود شرعية أخرى معاصرة في كثير من البنوك والشركات الإسلامية بما يزيد عن ترليون أي ألف مليار دولار قد قامت فعلاً دون تحديد العوائد نسبة إلى رأس المال، ودون أن يكون في ذلك حرج أو ضيق مع تحقيق مصلحة طرفي العقد، وهذا واجبنا ألا نبقى ترسًا في عجلة النظام العالمي، فإذا نهض فبدعمنا، وإن انهار انهرنا أولاً، فيكون الغُنم للنظام العالمي، والغرم لنا أولاً، كما هو واقع الآن في الأزمة العالمية الحالية (2008/2009م) .
  6. أن كبار الاقتصاديين والسياسيين ورجال الدين في العالم يدعون إلى تبنِّي نظم التمويل الإسلامية ـ والمضاربة منها بلا شك ـ فهل آن الأوان لعلمائنا وشيوخنا أن يعتزوا بما لدينا، وأن يجاهدوا في البيان الشافي حتى نقدم لهم نموذجًا عمليًا حيًا يساعد العالم على التخلص من أزماته التي تورمت بسبب الربا وغيره من المحرمات في شريعتنا الإسلامية ؟! كما جاء في المبحث الأول.

الشرط الثاني: في الربح أن يكون مخصوصًا بالعاقدْين فلا يصح أن يقارض الرجل الرجل على أن له ثلث الربح وللعامل ثلث الربح ولأجنبي ثلث آخر إلا أن يشترط أن يعمل الأخير مع العامل[96] وتكون من قبيل المضاربة مع أكثر من عامل “مال ويدان”[97]

وإذا اشترط جزءًا من الأجنبي دون عمله بطلت المضاربة تمامًا، وقد فصَّل في ذلك ابن قدامة فقال:” إذا اشترط جزءًا من الربح لغير العامل نُظِرَ فإن شرطاه لعبد أحدهما أو لعبديهما صح، وإن كان مشروطًا لسيده، فإن جعل الربح بينهما وبين عبديهما أثلاثًا كان لصاحب العبد الثلثان وللآخر الثلث، وإن شرطاه لأجنبي أو لولد أحدهما أو امرأته أو قريبته وشرطا عليه عملاً مع العامل صح وكانا عاملين وإن لم يشترطا عليه عملا لم تصلح المضاربة”.[98]

الشرط الثالث: أن يكون نصيب العامل في الربح مشروطًا من الربح لا من رأس المال، لأنهم لو اشترطوا الربح من رأس المال للعامل فسدت المضاربة[99] فمن المعروف أن الخسارة تقع على العامل بخسارة جهده، وعلى رب المال بخسارة ماله، ولا يدفع من المال شيئا للعامل إلا أن يكون ربحا .

هذه الشروط جدُّ ضرورية وإلا أُخرجت المعاملة من القراض أو المضاربة إلى القرض الذي جرَّ نفعًا وهو عين الربا، وأتعجب من محاولة البعض التخفف من الشروط الأصلية التي تعامل بها النبي e في مال خديجة t، واشتُهر بين العرب، وقام به الصحابة رغم هذا الفرق الواضح بين المضاربة والربا في أمرين اثنين كما يبيَّن الجدول التالي :

م وجه الفرق عقود الربا عقود المضاربة
1 ضمان أصل رأس المال هناك ضمان لأصل رأس المال (قرض)  

لا ضمان إلا عند التفريط

2 تحديد العائد فائدة محددة بنسبة من رأس المال ربح محدد بنسبة من الأرباح وليس من رأس المال

فإذا غاب واحد من هذين صار ربًا محرمًا شرعًا .

المطلب الرابع: أنواع المضاربة من حيث الشروط:

تنقسم المضاربة من حيث الشروط إلى نوعين: –

النوع الأول: مضاربة مطلقة

وهي التي لم تُقيَّد بقيد معين، كمكان دون مكان، أو زمان دون آخر، أو نوع من التجارة دون الآخر أو بعض الأشخاص يتاجر معهم، ويعطي العامل الحرية الكاملة في التصرف، وللعامل في هذه الحالة أن يبيع ويشتري ويوكل ويسافر ويودع لإطلاق العقد[100]، ولا يحده إلا الضوابط الشرعية، والأعراف التجارية الصحيحة .

 النوع الثاني: مضاربة مقيَّدة

وهي التي يشترط فيها رب المال على العامل شرطًا أو شروطًا من شأنها أن تقيِّد الإطلاق الذي سبق، وأصل جواز ذلك ما روي عن حكيم بن حزام أنه كان إذا أعطى الرجل مالاً مضاربة يشترط عليه ألا يجعل ماله في كبد رطبة، ولا يحمله في بحر، ولا ينزل به “بطن مسيل”، فإن فعل شيئا من ذلك كان ضامنًا[101].

وكذا ما روي عن العباس أنه كان إذا دفع مالاً مضاربة اشترط من الشروط ما يرى فيها حفاظا على ماله، وأنه قد رفع ذلك إلى رسول الله “صلى الله عليه وسلم” فأقره، بيْد أنه يشترط فى إنفاذ الشروط أن تكون مفيدة للعقد، أو مرجوحة الفائدة، فإن لم تكن ثمة فائدة فتصح المضاربة ويفسد الشرط أو كأنه لغو، ويعبرِّ عن ذلك صاحب فتح القدير في عبارة موجزة يقول: “إذا كان في التخصيص فائدة يخصص”[102].

     والمضاربة المقيَّدة حكمها حكم المضاربة المطلقة في كل شيء، لا تفارقها إلا في قدر القيد، والأصل فيها أن القيد إن كان مفيدًا ثبت لأن الأصل في الشروط اعتبارها ما أمكن. كما تختلف من حيث النظرة في الشروط هل هي صحيحة أم فاسدة؟[103]، ولعل فيما يلي توضيح للفرق بينهما :

أولا: الشروط الصحيحة

  • التقيُّد بنوع من التجارة دون نوع: لرب المال أن يشترط على العامل أن يتاجر في نوع من السلع دون غيره، كأن يقول له: تاجر في الكتب ولا تتاجر في الأطعمة، وهنا لا بد للعامل أن ينزل على هذا الشرط إذا لم يكن في ذلك إضرار بالمضاربة أو بأصل العقد، كأن يضيِّق عليه باشتراط عدم التجارة إلا في سلعة معينة وهي نادرة، مثل أن يقول له: لا تتاجر إلا في دوائر المعارف البريطانية، لم يصح، وفي هذا المعنى يقول صاحب المغني: “إذ اشترط ألا يشتري إلا من رجل بعينه، أو سلعة بعينها أو ما لا يعم وجوده كالياقوت الأحمر، والخيل البلق لم يصح؛ لأنه يمنع مقصود المضاربة وهو التقليب وطلب الربح”[104]، وإلى مثل هذا ذهب الإمامان الشافعي ومالك، أما أبو حنيفة فلا يوافق على ذلك، ويرى أن يلتزم العامل بمثل هذه الشروط، ويبدو لي – والله أعلم – أن العامل لو رضي به وقت العقد لزم إنفاذه فإن لم يرضَ لم ينفُذ، ويجب أن تكون هناك صراحة كاملة في هذا العقد، فإن كان ثمة تضييق نبَّه عليه، وإن لم يكن فلا[105].
  • التقيُّد بمكان دون الآخر: مثل أن يشترط رب المال على العامل ألا يخرج من بلد أو قِطْرمعين دون الآخر وهكذا فإن شرط عليه فيرى الأئمة الأربعة[106] عدم خروجه منه والتقيُّد بما اشترط عليه، حتى لو اشترط عليه أن يجلس في حانوت كان عليه الالتزام بذلك، وإلا ضَمِنَ على حد تعبير الإمام مالك .

ويتعلق بهذه النقطة ما إذا سافر المضارب ـ وكان له ذلك ـ هل يجوز النفقة من المال؟

يرى الحنفية[107] عدم جواز ذلك، لأنه يؤدي إلى الغرر، وأجازها البعض في السفر دون الحضر، لأن السفر مجلبة للنفقة الزائدة، فيحتاج إلى مؤنة خاصة إذا كان قد خرج بمال المضاربة وحده، ويرى الحنابلة[108] – وهو رأي وجيه – أنه لو اشترط النفقة كان له ذلك، أما الإمام مالك فله رأي من أحسن الآراء في هذه النقطة ـ كما يبدو لي ـ وهو أنه يشترط شرطين للإنفاق من مال المضاربة:

أولاً: أن يكون في السفر لا في الحضر.

ثانياً: أن يكون المال كثيرًا يحتمل النفقة على أن يكون ذلك بالمعروف، وهذا يجعل الغرر يسيرًا يمكن التساهل فيه، ويبدو لي أن أي سفر لمصلحة تقليب المال، وتوسيع التجارة وزيادة الأرباح، وفتح الفروع يجب أن تكون المصروفات ـ بالمعروف ـ من مال المضاربة .

  • التقيُّد بشخص لا يشترى إلا منه: إذا اشترط رب المال على العامل ألا يشتري إلا من شخص واحد، ولا يبيع إلا إليه لم يصح، وهذا موافق لمقتضى العقود لأن ذلك يمنع الربح، لأن الذي باع له بثمن لن يشتري منه إلا بأرخص[109]، أما إذا اشترط ألا يشتري إلا من فلان ويبيع كما يشاء ـ في الحدود الإسلامية ـ لمصلحة العقد جاز الشرط ووجب النزول عليه .

ثانياً: الشروط الفاسدة

هناك شروط تفسد المضاربة أو تسقط الشروط وتصح المضاربة، وهذا أصل عام عند الحنفية، وسواء كانت المضاربة فاسدة أم يفسد الشرط فقط، ففيما يلي ذكر أهم الشروط الفاسدة:.

  1. اشتراط قدر معين من الربح: إذا اشترط أحدهما لنفسه قدرًا معينًا من الربح دون الآخر يبطل العقد حتى لو كان جنيها أو دينارًا واحدًا، وقد فصَّلت هذه النقطة سابقا.
  2. اشتراط الضمان على العامل عند التلف أو الخسارة: هذا الشرط مخالف لأصل العقد لأن القراض أو المضاربة تجعل من العامل أمينًا على المال[110]، وإذا ضمن انقلب القراض إلى قرض، ويكون كل قرض جر نفعًا فهو ربا كما ورد عن رسول الله “صلى الله عليه وسلم” أنه قال: “كل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا”[111]، وبناء على هذا إما أن يضمن العامل المال في مقابل ألا يأخذ صاحب المال أي قدر زائد، وإما ألا يضمن العامل رأس المال في مقابل أن يشترك معه في الربح، أما أن يجمع بين الضمان والاشتراك في الربح فهذا باطل ومنافٍ للعمل بجهده في مقابل خسران رب المال ماله الذي كان من الممكن أن يخسره وهو في يده، وقد فصَّل ابن رشد في ذلك فقال: “إذا اشترط رب المال الضمان على العامل فقال مالك: لا يجوز القراض وهو فاسد، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: القراض جائز والشرط باطل، لأنه شبهه بالشرط الفاسد في البيع على رأيه في أن البيع جائز والشرط باطل، اعتمادًا على حديث بريرة”.[112]

ولذلك لا أتفق مع الكاساني من قريب أو بعيد حينما يضرب أمثلة للاحتيال على الضمان حتى يجعله رب المال قرضًا على العامل مع اشتراكه في الربح[113]. وهذا مخالف للعقود الإسلامية التي تجب فيها الصراحة والوضوح وعدم الاحتيال والخلو من كل شائبة مكرًا وخداعًا .

كذلك لا أتفق مع السيد محمد باقر الصدر، حيث يريد أن يبحث عن جهة تضمن المال لصاحبه في عقود المضاربة الإسلامية مع البنك، ولما كان العامل لا يضمن المال وإلا فسد العقد، فقد اقتُرح في نظام البنوك الإسلامية أن يكون البنك ـ باعتباره غير عامل ـ ضامنًا للمال، وبناءً على هذا فقد منع أن يكون البنك مضاربا أولاً، لأنه يريد أن يضِّمنه المال ويدفع للبنك حصة من الربح أو جُعل لأنه ليس عاملاً، يقول: “من حق البنك أن يطلب مكافأة من العامل وصاحب المال على أساس الجُعالة”، واقترح أن يزيد جُعل البنك اللاربوي، لأن البنك الربوي لا يضمن المال بل يضمن العامل (جهة الاستثمار) على حين يتحملها البنك اللاربوي فيستحق جعلاً أكبر”.[114]

أحسب أن البحث عن جهة أخرى تضمن رأس المال في المضاربة – من باب الكفالة – أمر يحتاج إلى اجتهاد جديد، حيث إن الشروط في المضاربة الإسلامية واضحة، وعدم الضمان لرأس المال هو الأصل، هذا فضلاً عن أن البنك قد يضارب بنفسه واشتراط ألا يضارب يخالف ما يحدث في البنوك حاليًا في الصور التي تسير على نهج الشريعة الإسلامية .

  1. اشتراط منفعة للمالك على العامل أو العكس: كأن يشترط رب المال على العامل أن يعطيه عربته في سفره وتنزهه، أو يؤجره بيته وما إلى ذلك من منافع المضاربة التي بينهما، فهذا يفسد المضاربة عند الإمام مالك لأنه يؤدي إلى الغرر والجهالة الزائدة على حد تعبير ابن رشد[115]، هذا إذا لم تكن هذه المنفعة على وجه المعروف، فإن كانت كذلك فلا بأس .
  2. اشتراط الاشتراك في الربح والخسارة: إذا اتفق العامل مع صاحب المال على أن الربح بينهما بنسبة محدودة، والخسارة بنفس النسبة أو أقل أو أكثر، المهم أن صاحب المال لو اشترط عليه أن يحمل في الخسارة شيئًا من رأس المال بطل العقد[116] إذ أن الخسارة تقع على العامل في بوار جهده، وعلى رب المال في ضياع ماله، أما أن يضيع جُهد العامل ويدفع غُرمًا فهذا ظلم لا يجوز بحال من الأحوال إلا إذا خالف العامل الشروط الصحيحة فيضمنه في حالة الخسارة والربح، لكن في غير هذا لا يجوز فكما يدخل العامل المضاربة واضعًا جهده ووقته دون ضمان له فإن صاحب المال ينبغي أن يدخل المضاربة كذلك ويتحمل ضمان رأس المال، وهو ليس بأغلى من جهد الكادحين[117]، وهذا هو عين العدل ألا تقل قيمة جهود الكادحين عن أحوال الموسرين، وهذا ما يحق للمسلمين أن يفخروا به في مواجهة عالم جعل الإله الأكبر هو المال والكل عبيد له، يخضعون لبريقه، ويركعون لسلطانه .

وفيما يلي تلخيص يوضح شروط المضاربة الصحيحة والفاسدة:

شروط المضاربة
م الشروط الصحيحة الشروط الفاسدة
1 التقيُّد بنوع من التجارة دون نوع اشتراط قدر معين من الربح
2 التقيُّد بمكان دون الآخر اشتراط الضمان على العامل عند التلف أو الخسارة
3 التقيُّد بشخص لا يشترى إلا منه اشتراط منفعة للمالك على العامل أو العكس
4 اشتراط الاشتراك في الربح والخسارة

 المطلب الخامس: أحكام تتعلق بالعامل وتصرفاته في المال:

للعامل في عقد المضاربة أحكام متعددة أهمها: [118]

  • أنه أمين من ساعة استلامه المال إلى أن يبدأ العمل فيه .
  • أنه وكيل حين يبدأ العمل فيلتزم ما اشترطه عليه موكله (رب المال) من شروط صحيحة .
  • أنه شريك إذا ربح بعمله يمتلك جزءًا من المال , ويأخذ حصته ساعة تقسيم الأرباح بينه وبين رب المال على ما اشترط عليه .
  • أنه أجير إذا فسدت المضاربة لأي شيء يفسدها، ويأخذ أجر المثل ويكون المال وربحه كله لرب المال .
  • أنه غاصب إذا خالف ما اشترط عليه، لأنه تعدى على مال غيره.

أما عن تصرفات العامل في المال ففيها التفصيل التالي:

العامل وكيل، وبموجب ذلك فهو يتصرف وفقًا لشروط عقد المضاربة، والشروط التي يسمح له بها رب المال، ولذا فهناك تصرفات لا تحتاج إلى إذن لأنه ثبت بموجب عقد المضاربة، وهناك تصرفات تحتاج إلى إذن عام وأخرى تحتاج إلى إذن خاص، وإليك البيان: .

أولاً: تصرفات لا تحتاج إلى إذن:[119]

  1. البيع والشراء؛ لأن عقد المضاربة يكون على التجارة، وهي بيع وشراء على أن يكون في الحلال المباح وفي حدود الشروط المشروطة عليه .
  2. التوكيل؛ لأنه من عادة التجار – حيث يحدث كثيرًا- أن يوكل من ينوب عنه في استلام البضاعة، أو دفع الأجور أو ما إلى ذلك.
  3. الاستئجار؛ لأن العامل ربما لا يقدر على القيام بأعباء العمل وحده فيستأجر من العمال من يساعدونه على ذلك .
  4. الإبضاع[120] فله ـ أي العامل ـ أن يدفع المال بضاعة، لأن “الإبضاع من عادة التجار” كما يقول الكاساني، وهو طريق من طرق الربح، وكما يملك الاستئجار فالإبضاع أولى .
  5. الإيداع، فله أن يودع المال أو مثله عند من يأمنه .
  6. الرهن بأن يرهن بديْن عليه في المضاربة من مال المضاربة، وأن يرتهن بديْن له منها على رجل، وليس له أن يرهن، بعد نهي رب المال عن العمل، ولا بعد موته .
  7. البيع بالنسبة لأنه معتاد، غير أن الإمام مالك اشترط الإذن بذلك[121] وكذا ابن أبي ليلى[122]ـ على غير رأي الحنفية ـ حيث يذهبان إلى أن المضارب ضامن إن باع نسيئة بدون إذن إلا أن يأتي ببينة أن رب المال قد أذن له في النسبة.

 ثانياً: تصرفات تحتاج إلى إذن عام: إذا قال رب المال للمضارب أو العامل: اعمل في المضاربة برأيك كان له ثلاثة حقوق، يقول الكاساني: “أما القسم الذي للمضارب أن يعمله إذا قيل له اعمل برأيك وإن لم ينص عليه، فالمضاربة والشركة والخلط[123]، فله أن يدفع مال المضاربة شركة عنان[124]، وأن يخلط مال المضاربة بمال نفسه، وليس له أن يعمل شيئًا من ذلك إذا لم يقل له ذلك”.[125]

ثالثاً: تصرفات تحتاج إلى إذن خاص:[126]

بمعنى أن ينص عليها رب المال، أو يستسمح العامل رب المال فيها فيأذن له نصًا، وأهم ذلك ما يلي: .

  • الاستدانة على رأس المال إذا احتاج إلى مبلغ آخر، فليس له أن يستدين إلا بعد إجازة رب المال، لأن الاستدانة تجعل صاحب المال يضمن مالاً أكثر مما دفعه، وزيادة الضمان تحتاج إلى إذن، فإن أجاز رب المال ذلك استدان وضمن رب المال كل مال المضاربة .
  • الهبة والصدقة، فلا يصح للعامل أن يهب المال من يحب، أو يتصدق على ذي حاجة من مال المضاربة إلا بإذن صاحب المال، يقول الكاساني في ذلك: “والهبة والصدقة لا تجوز في مال المضاربة، لأن كل واحد منهما تبرع، ولا يأخذ سُفتُجة[127] لأن أخذها استدانة وهو لا يملك الاستدانة” .
  • العتق، لأنه في معنى التبرع، ولأنه ليس بتجارة كذلك لأن التجارة مبادلة مال بمال، وهذا مقابلة رقبة بمال، فلا يجوز إلا بإذن من صاحب المال .

المطلب السادس: صور المضاربة

     المضاربة كمعاملة مالية ليس لها نظام واحد، لكن يجوز أن تكون المضاربة خالصة أو محضة، ويجوز أن ندخل معها شركة، وهذا يجعلنا نتعرض لأهم صورها، حتى يكون هناك يسر يحقق المصالح الاقتصادية في تنمية المال واستثماره على صور المضاربة الممكنة حين نضطر إلى صورة دون الأخرى، أو عدة صور مع بعضها، وأهم صور المضاربة كما يلي : ـ

  1. المضاربة المحضة أو الخالصة، حيث يجتمع فيها مال من طرف، وعمل من طرف آخر، كأن يعطي رجل رجلاً ألف جنيه مضاربة، والربح بينهما على ما يشترطان من نسبة معلومة، وهذه هي الصورة الأصلية من صور المضاربة. لكن هذه الصورة ـ كما يبدو لي ـ يمكن أن تكون معاملة اقتصادية بين الأفراد ويصعب إيجادها في الأعمال الاقتصادية الكبيرة والبنوك إذ يلزمها مال من أكثر من جانب أو أيادٍ متعددة .
  2. أن يجتمع فيها مال وبدنان فأكثر، كأن يعطي رجل لرجلين أو أكثر ماله مضاربة أي يشارك مجموعة بدلاً من مضاربة رجل واحد فقط، وفي هذه يكون المضاربان شريكين في الربح بمال غيرهما على حسب ما يتفقان، ويجوز أن يكون لأحدهما أكثر من الآخر في الربح، على قدر خبرة كل منهما، أو مقدار العمل، وهذه تسمى شركة الوجوه .
  3. أن يجتمع فيها مالان ـ أو أكثر ـ وبدن (عكس الثانية)[128]، حيث يعطي رجلان مالهما لرجل آخر مضاربة ويكون للعامل النصف ولهما النصف ويوزع النصف بينهما على قدر نسبة مالهما، فلو أعطى رجل ألف جنيه لمضارب وأعطاه آخر ألفين ثم اشترطا النصف للمضارب والنصف الباقي بينهما وربحت المضاربة ستمائة جنيه، يكون للعامل ثلاثمائة ويعطي صاحب الألف مائة جنيه، وصاحب الألفين مائتي جنيه، وجدير بالذكر أن نظام البنوك الإسلامية والشركات تقوم على هذا النوع من المضاربة حيث يجمع البنك أو أية هيئة استثمارية، المال من أكثر من مودع، ثم يعمل فيها البنك ـ ويضارب بها ـ ويقسم الربح بين أصحاب الأموال على حسب نسبة مالهم، فهذا تعامل صحيح شرعًا.
  4. اشتراك بدنين بماليهما، وهذه شركة العنان، وصورتها أن يتفق رجلان على العمل في عشرة آلاف جنيه سويًا ويكون أحدهما قد دفع نصف المبلغ أو ثلثه أو ما إلى ذلك، ودفع الآخر الباقي، وهي شركة متفق على جوازها كما ذكر ابن قدامة، ويكون الربح بينهما على قدر عملهما ومالهما، لأنه لا يشترط أن يتساوى المالان أو عمل كل منهما. وشركة العنان مبنية على أساس الوكالة والأمانة، لأن كل واحد منهما يأذن لصاحبه في التصرف فيكون وكيلاً عن الآخر في حدود الشروط المشروطة بينهما، أما الأمانة فتأتي بعد أن يدفع كل واحد المال للآخر وبهذا يكون قد أمنه .
  5. أن يشترك مالان وبدن أحدهما، فهذه الصورة تجمع بين شركة مضاربة، كأن يدفع رجل ألف جنيه إلى رجل آخر وبدوره يدفع ألفًا فوق السابقة، ويعمل هو في الألفين، فإذا اتفقا على أن نصف الربح للعامل باعتبار عمله ونصف ربح أحدهما باعتباره صاحب مال جاز ويكون للعامل ثلاثة أرباع، ويكون لصاحب المال ـ في هذا المثال ـ الربع فقط .
  6. أن يشترك بدنان بمال أحدهما مثل أن يعمل رجلان في ألف دفعها أحدهما والربح بينهما، فيكون لصاحب الألف العامل الثلثان، وللعامل فقط الثلث، وهي جائزة عند الحنابلة، ومنعها بعض الفقهاء بحجة أن صاحب المال لابد أن يسلم المال للعامل ويطلق له التصرف، وفي عمله تضييق، وعدم تسليم المال له مع بقاء يد صاحب المال فيه، وهذا يفسد عقد المضاربة عندهم [129]، ولكن الحنابلة ردوا عليهم – وقد سبق ذلك – ويبدو لي أن هذه الصورة جائزة.[130]
  7. يدفع المضارب المال إلى مضارب آخر بأن يأخذ العامل مبلغًا من المال ثم يدفعه إلى عامل آخر، وهذه جائزة بإذن رب المال نصًا أو إذنًا عامًا على ما قدمت من قبل. وهذه الصورة يمكن أن تكون وسيلة من الوسائل الحديثة في التعامل مع البنوك الإسلامية، ويكون البنك الإسلامي مضاربًا بالنسبة للمودعين، وصاحب مال بالنسبة لشركات الاستثمار التي تعمل في المال، وفي هذه الحالة يأخذ البنك ما يتبقى من فرق بين المضاربين وشروطهما في الربح، وقد منع الحنابلة أن يأخذ المضارب الأول (البنك) أي شيء من هذا الباب لأنه لم يضارب ولا يكون منه العمل[131]، وقد أجاز ذلك الحنفية [132]والشافعية[133]، وفصَّلوا القول في ذلك، لأن العامل الأول في بحثه عن العامل الثاني ومتابعة سير العمل وتنظيم الاستثمارات واختيار أحسنها، وفي ذلك جهد كبير، فوق أن صاحب المال إن أخذ حصته فماذا يضره بعد ذلك إن أخذ العامل الأول جزءًا من الربح وأخذ العامل الأخير ما اشترط له، وذلك مثل أن يودع رجل في البنك مليون دينار على أن له نصف الربح فيأخذها البنك ويودعها شركة استثمار مضاربة على أن لها الثلث وللبنك الثلثين، فإذا أربحت ثلاثمائة ألف دينار، فإن صاحب العمل الأخير (الشركة) يكون له مائة ألف دينار، ولرب المال مائة وخمسون ألف دينار ويبقى للبنك خمسون ألف دينار، وهي جائزة كما سبق.

وفيما يلي أقدم جدولاً مع مثال عملي يسهل فهم أنواع المضاربة والفروق بينها:

م صورة المضاربة فقهيًا صورة المضاربة تطبيقيًا

(رأس المال مليون دينار، والربح مناصفة)

كيفية توزيع الأرباح

(الربح مائة ألف)

1 المضاربة المحضة أعطى “محمد” (رب المال) رأس المال إلى “أحمد” (العامل) ليتاجر فيه. لكلٍّ خمسون، وإذا خسر مائة ألف دون تفريط يستلم محمد تسعمائة ألف ويخسر “أحمد” جهده.
2 مال وبدنان فأكثر يعطي “محمد” (رب المال) رأس المال لمجموعة أشخاص مضاربة والربح مناصفة. يأخذ “محمد” خمسين ألفًا وتوزع الخمسون ألفًا الأخرى على العاملين في المضاربة حسب اتفاقهم ومستوى مشاركتهم.
3 مالان فأكثر وبدن يشترك عشرة في رأس المال يدفعونها “لمحمود” مضاربة. توزع خمسون ألفًا على المساهمين بالمال حسب حصصهم، ويأخذ “محمود” وحده خمسين ألفًا.
4 بدنان فأكثر بماليهما

(شركة عنان)

يدفع شخصان رأس المال ويقومون هم بإدارة هذا المال وفقًا لنظام الشركة، ونصف الأرباح بحسب حصص رأس المال، والنصف الآخر حسب  مقدار الجهد والخبرة من كلٍّ. توزع خمسون ألفًا لرأس المال حسب حصة كل واحد، والخمسون ألفًا الأخرى على أصحاب رؤوس الأموال حسب جهودهم وخبرتهم واتفاقهم.
5 مالان فأكثر وبدن أحدهم

(شركة ومضاربة)

يشترك اثنان فأكثر في رأس المال، ويُدفع لأحدهم ليعمل فيه مضاربة والربح مناصفة. توزع خمسون ألفًا على أصحاب رؤوس المال حسب حصصهم، وينفرد العامل بالخمسين ألفًا الأخرى.
6 بدنان بمال أحدهما يدفع صاحب رأس المال لشخصين فأكثر ويكون هو أحد العاملين في المضاربة. تعطى خمسون ألفًا لصاحب رأس المال ويوزع الباقي على كل العاملين حسب نسبة جهودهم وخبرتهم واتفاقهم بمن فيهم صاحب رأس المال باعتباره عاملاً وليس ممولاً.
7 المضارب يدفع المال إلى مضارب آخر

(مضاربتان)

يقدم “محمد” رأس المال إلى “محمود” والربح مناصفة، ويدفعها “محمود” إلى “عمر” مضاربة والربح سبعون في المائة لرأس المال “محمود” وثلاثون في المائة للمضارب “عمر”. “محمد” يأخذ خمسين ألفًا، ويأخذ “محمود” عشرين ألفًا و”عمر” ثلاثين ألفًا.

 المطلب السابع: انتهاء المضاربة

أولاً: أسباب انتهاء المضاربة: تنتهي المضاربة للأسباب التالية :-

  1. إرادة أحد المتعاقدين، فإنه يجوز لكل واحد منهما أن يفسخ العقد متى شاء لأن المضاربة تصرف في مال الغير بإذنه، فمن حق كل واحد منهما فسخه كالوديعة والوكالة، وإن لم يرضَ أحدهما أجبر على ذلك.[134]
  2. موت أحدهما أو جنونه، لأن الموت والجنون يسقط الوكالة، وإن مات رب المال أو جُنَّ ، وأراد الوارث أو الوليُّ أن يعقد القراض والمال عَرضٌ (بضاعة)، جاز على الأرجح.[135]
  3. إذا تلف رأس المال قبل الشراء انفسخت المضاربة، ولا ضمان على العامل فيما تلف، ولو تلف كله، وإن تلف بعد العمل أو خسر فيه ـ بغير تقصير من العامل ـ فلا بأس على العامل، ويتحمل ذلك رب المال وينفسخ العقد لذلك .

ثانياً: شروط انتهاء المضاربة

  1. إذا بطُلت المضاربة أو انفسخت لجنون أحدهما أو موته، فلا يقسَّم المال إلا إذا علم الآخر بهذا الفسخ، وإن أخذ العامل شيئا من الربح من غير علم الآخر بهذا الفسخ، فهو ضامن كما يقول الإمام مالك[136] وكذلك لا يحق لصاحب المال أن يأخذ من الربح شيئًا إلا بإذنه، هذا إن كان يعمل معه أو له يد على المال .
  2. نضوض رأس المال[137] بمعنى جعله نقودًا أو دراهم معدودة، وإن كان المال عَروضًا يُباع حتى يصير نقودًا ليُعرف رأس المال والربح بكل دقة، فلا تحدث جهالة أو غرر.
المبحث الثالث
 كيفية الاستغناء بالمضاربة عن الودائع البنكية والتأمينات التجارية

 

المطلب الأول : أحكام الودائع البنكية والمضاربة بديلاً شرعيًا.

المطلب الثاني : أحكام التأمينات التجارية والمضاربة بديلاً شرعيًا.

 لقد تعددت صور الربا في العصر الحديث، واختلفت أشكاله، ونحن في أَمَسِّ الحاجة إلى تعقب كل أنماطه، ثم إيجاد البدائل الإسلامية التي تنساب معها مصالح الخلق ولا يمرون بأي حرج أو أزمات ماحقة ساحقة تأكل الأخضر واليابس.

المطلب الأول: أحكام الودائع البنكية والمضاربة بديلاً شرعيًا

يتفق علماء الشرق والغرب على أن البنوك “التقليدية” هي مؤسسات تقترض المبالغ بفائدة تحت اسم الودائع، ثم تقرضها من جديد بفائدة تزيد على الأولى، ويكون ربحها من الفرق بين الفائدتين، وهي تقترض لكي تُقرض.

وسأحاول إن شاء الله أن أعرض أهم صور الربا التي أدت إلى الأزمة العالمية الحالية وكيف نستبدل المضاربة بهذه المعاملات الربوية:

أولاً: قبول الودائع: تقوم البنوك باستقبال الودائع من المودعين، وهي في حقيقتها الشرعية والقانونية ليست الوديعة التي تعني وضع مبلغ أو شيء أمانة لدى آخر لا يجوز له استعمالها، ويجب أن يردَّ عينها لا مثلها، وإن ضاعت أو هلكت بغير تقصير من المودع لديه فلا ضمان عليه، وهذا يخالف تمامًا ما يسمى “ودائع البنوك” وينقلها في حقيقتها الشرعية والقانونية إلى أنها قرض، وعليه اتفاق علماء الشريعة والقانون أن القرض هو أي مبلغ من المال مضمون إرجاع مثله، يوضحه ما جاء في القانون المصري مادة (627): “إذا كانت الوديعة مبلغا من النقود أو أي شيءٍ آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودع له مأذنونا له في استعماله، اعُتبِر العقد قرضا”.

وفي الجدول التالي توضيح للفروق الجوهرية بين الوديعة والقرض:

م الوديعة القرض
1 وضع مبلغ أو شيء مما يهلك بالاستعمال لدى آخر إعطاء مبلغ لآخر
2 لا يجوز له استعمالها يجوز له استعماله
3 يجب أن يرد عينها لا مثلها يرد مثله
4 لا ضمان إن هلكت لدى المودع بدون تقصير هناك ضمان في كل الأحوال هلكت أو لم تهلك

إذن ما يسمى “الودائع البنكية” ليست هي الودائع شرعًا أو قانونًا بل هي قروض بالمفهوم الشرعي والقانوني أيضاً.

وتتنوع الودائع البنكية – أي القروض – إلى ثلاثة أنواع، وسنبيِّن موقف الإسلام من كل نوع وكيف