الأخبار

المرابحة وآفاقها التنموية في فرنسا من منظور إسلامي

المرابحة وآفاقها التنموية في فرنسا من منظور إسلامي

 

الدكتور طاهر مهدي

  

بحث مقدم للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث

الدورة العادية الـ20 مؤجل من الدورة 19

اسطنبول ـ تركيا 2010

 

 

المرابحة ودورها في التنمية في الغرب

 

عناية الإسلام بالمال وتنميته:

جاء الإسلام ليكون دينا و منهج حياة للمسلمين جماعات وأفرادا. فقد شمل العقائد والعبادات و الأخلاق و المعاملات لإنشاء المجتمع المزدهر الذي يتميز بالرخاء والأمن والكفاية الاقتصادية.

فكان بناء الإنسان أولا هو القاعدة الأساسية لهذا المجتمع المدني المتحضر،وكانت تنمية الأموال عن طريق تنويع أساليب الاستثمار والمبادلات التجارية من أهم الوسائل. هذا خارج إطار الزكاة المفروضة والنفقات الواجبة.

وقد تضافرت بعض الفرائض الدينية مع ممارسة العقود الاقتصادية من أجل إنقاذ الفقراء من الجوع والحاجة بل والتكفل لهم بتعميم النفع عن طريق إنماء المال وتوفير الدخل وترويج التعامل الواسع لتحقيق الانتعاش الاقتصادي الدائم في مجالات كثيرة مثل الزراعة و الصناعة و التجارة بأنواعها المختلفة، وغيرها من أنشطة العمل الحر والمهن الحرة التي يمكن أن تخترع للغرض التنموي نفسه.

فالعمل هو الوسيلة التي اختارها الإسلام لاكتساب الرزق وتحقيق مقاصد الشرع الكبرى التي لا تقوم إلا على توافر المال وكفاية النفس والأسرة والأهل بهدف صون الكرامة الإنسانية التي هي أيضا من مقاصد الشريعة الإسلامية.

ومن أجل توسيع دائرة الاستثمارات المالية ارشد الإسلام إلى ضرورة تنمية بعض أنواع المال التي لا يهتم بها عادة مثل أموال القُصّر والعجزة والغائبين والمحبوسين ونحوهم.

والهدف من وراء ذلك كله هو التحرز عن ترك هؤلاء المذكورين عالة على الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، ولتوفير مداخيل معيشية لائقة بهم.

وقد جاءت نصوص كثيرة تسند هذا الاتجاه التنموي والاستثماري لمصادر الثروة وموارد المال نذكر منها:

منها حديث «تسعة أعشار الرزق في التجارة»[1]

ومنها حديث «اتجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة»[2]

وفي رواية «أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ»[3].

وكانت عقود المرابحة بضوابطها وقيودها الشرعية المعروفة لدى المتخصصين – المانعة من التعامل بالحرام أو الربا، أو الفائدة البنكية التي يدفعها المقترض لقاء قرض زراعي أو عقاري أو صناعي أو تجاري – من أهم أدوات الاستثمار قصيرة الأجل في المصارف الإسلامية، و ليس مطلقا.

وهذا النجاح التنموي الشامل الذي حققته المصارف الإسلامية عن طريق عقود المرابحة يبرهن على مدى صلاحية تطبيق المنظومة المالية الإسلامية في كل زمان ومكان، بل وقدرتها على إصلاح الاقتصاديات الفاسدة و تحقيق حاجات الناس في التعامل.

إن دور عقود المرابحة لا يمكن نكرانه حيث يؤدى إلى تنشيط الاستثمار والتنمية، فيستفيد واضعو الودائع الاستثمارية من تشغيل أموالهم بطرق مشروعة متفق عليها بين الطرفين، كما أن المشتري يستفيد من تسديد أقساط البيع على فترات زمنية في المستقبل تدخل في إمكانياته، حيث يوجه تشغيل مدخرات أمواله الباقية في مشاريع أخرى صناعية وتجارية وزراعية ونحوها.

ولهذا فإن الطلب على إدخال بعض المعاملات المالية الإسلامية في منظومات البنوك الغربية أصبح ملحا حيث يقوم الرسميون وبعض الجمعيات المدنية بتنظيم لقاءات وندوات يحضرها متخصصون في مختلف مجالات الأعمال ورجال المال ورؤساء وممثلو البنوك الكبرى لمعرفة كيفية دمج تلك المعاملات المالية الإسلامية في النظام المالي الغربي. وكان آخر لقاء قد جرى في أحد أكبر المعاهد العالمية للأعمال والمال وهو الـ ESSEC بمدينة سارجي بضواحي باريس وقد حضرت إليها بنفسي.

ولقد تطرق المحاضرون إلى أن المشكلة العويصة في البنوك الفرنسية مثلا تتلخص في صعوبة إمكانية أن تقوم المصارف الفرنسة بتطبيق نفس أسلوب البنوك الإسلامية في استخدام عقود بيع المرابحة المقترنة بوعد بالشراء من المشتري، وذلك بأن يقوم البنك الفرنسي بشراء السلع حسب المواصفات التي يريدها العميل المسلم أو غيره، ثم تبيعها مرابحة له لوعده بالشراء بمقدار ثمنها الأول، مضافاً إليه التكلفة المعتبرة شرعاً، وضم هامش ربح متفق عليه سلفاً بين الطرفين، فهذا يمنعه القانون المصرفي الفرنسي الحالي.

لأن المسموح له به هي الأعمال المصرفية فقط والتي يمكن أن تصنف إلى مجموعتين:

المجموعة الأولى: مجموعة الخدمات المصرفية.

والمجموعة الثانية: مجموعة الخدمات الائتمانية.

أما المجموعة الثالثة: وهي ما يستثنى من الخدمات البنكية في الغرب فهي الخدمات الاستثمارية.

طبعًا هذا التصنيف شكلي لأنه ليس هناك فواصل حقيقية في واقع التنفيذ في البنك، ليس هناك إدارة أو مجموعة متخصصة في الخدمات المصرفية، ومجموعة متخصصة في الخدمات الائتمانية، وإنما هو تنظيم لفهم أعمال البنك المختلفة، والتداخل فيما بين هذه الخدمات أمر يعرفه ذوو الخبرة.

في الخدمات المصرفية المجموعة الأولى:

يتلقى البنك النقود، فتكون هذه الخدمات هي نقطة الانطلاق لعمل البنك، فيبدأ بتلقي النقود عن طريق الخدمات المصرفية، ثم يضخها في الأسواق عن طريق الخدمات الائتمانية بالإقراض.

فهذه الخدمات المصرفية والخدمات الائتمانية هي الخدمات التي يقتصر عليها عمل البنوك بشكل عام ولا تستطيع أية مؤسسة أخرى أن تقدم هذين النوعين من الخدمات: الخدمات المصرفية، والخدمات الائتمانية.

بينما مجموعة الخدمات الاستثمارية التي تتداول في المصارف الإسلامية تعتبر خارجة عن عمل البنك في فرنسا، ولذلك لا تدخل في مركزها المالي ولا تخصصها المصرفي.

وإنما يقدمها البنك كنوع من الخدمة للعملاء عن طريق القروض ويقومون هم بالاستثمار بأنفسهم.

بل إن القانون الفرنسي يمنع البنوك من أن تزاول النشاط الاستثماري (الخدمات الاستثمارية) بسبب تكدس الأموال لديها والتي تُمكّنه – لو سمح له دخول المنافسة الاستثمارية والأسواق التجارية – أن يزاحم التجار في الاستثمار، والهدف هو توزيع الأدوات الاستثمارية في المجتمع وليس تمكين البنك من الاحتكار المطلق لكل وسائل ومعاملات الإنتاج والاستثمار.

ولذلك إذا اقتنعوا أو اضطروا إلى السماح ببعض المعاملات المصرفية الاستثمارية الإسلامية بالدخول إلى البنوك الفرنسية فلا بد من تغيير القوانين وإنشاء لوائح خاصة بتنظيم تلك المعاملات الجديدة.

وكذلك، كما يقول الخبراء فلابد من إنشاء صناديق أو محافظ استثمارية بمعزل عن مهام البنك المصرفية البحتة حتى يسهل تسييرها ولا تختلط الأمور.

فبما أن الصناديق والمحافظ الاستثمارية أصلًا ليست من خصائص عمل البنك، فوضعها حيز التنفيذ يحتاج إلى خبرة فنية ومتخصصين لهذا الغرض.

ولذلك ومنذ الأزمة المالية الحالية والخبراء والساسة يتحدثون عن الطرق الكفيلة بجلب رؤوس أموال إسلامية إلى باريس كما هو حاصل في بريطانيا وأمريكا منذ مدة من الزمن.

والأمر الخطير الذي ينبغي أن ينتبه إليه هنا هو أنهم لا يريدون التخلي نهائيا عن نظامهم الرأسمالي الربوي، ولكن ترقيعه بأموال المسلمين ريثما يسترد عافيته.

ولذلك فأول ما يدعون إليه هو القيام بما يسمى بالبنوك المختلطة أو المعاملات المصرفية المركبة التي تضمن لهم سيولة مالية كبيرة ولا تذهب بنظامهم الرأسمالي المترهل.

فلقد رأيت خبراءهم يتحدثون عن القواعد المنظمة للمعاملات المالية الإسلامية ويتحاشون أن يذكروا مصدرها الديني حيث يقولون مثلا تقول القاعدة المالية الإسلامية: «لا تبع ما لا تملك ولا تشتر ما لا ترى حتى يثبت التقابض.» وهم يتعمّدون تحاشي ذكر الرسول (ﷺ) والقرآن الكريم حتى لا يقال لهم كيف تعتمدون على أفكار جاء بها محمد ﷺ منذ أربعة عشر قرناً وأنتم في القرن الواحد والعشرين وبخاصة أن الفرنسيين جعلوا من علمانيتهم دينا فوق كل الأديان.

ولذلك فنيات القوم مبيتة ولا ينبغي أن ينخدع المستثمرون المسلمون بالدعاوى والدعايات البنكية الغربية وأتباعهم من المستغربين.

العقود المحتمل قبولها من طرف البنوك الفرنسية:

1- عقد المرابحة:

تعريف المرابحة ومشروعيتها:

المرابحة: عقد يتم فيه اتفاق على التبايع بثمن يساوي رأس المال الأصلي، أي سعر التكلفة، زائداً الربح، بمقدار مقطوع محدد أو بنسبة مئوية معينة ويجوز أن يكون الشراء بأمر موجه من طالب سلعة معينة، مقترن بوعد بشراء ما أمر به، بشرط نفاذ عقد البيع الأول الذي يثبت به التملك والقبض، ثم يتبعه نفاذ عقد البيع الثاني الذي تنتقل به ملكية المبيع أخيراً للطرف الواعد بالشراء.

 والمرابحة نوعان: عادية، وللآمر بالشراء:

أما بيع المرابحة العادية: فهي بيع بمثل الثمن الأول وزيادة ربح متفق عليه، وتتكون من طرفين هما: البائع والمشتري، من غير وجود وعد سابق بشرائها، ثم يعرضها بعد ذلك للبيع مرابحة وربح يتفق عليه، وهي أحد عقود بيوع الأمانة المشروعة باتفاق الفقهاء.

وأما بيع المرابحة المقترنة بوعد أو للآمر بالشراء:

فهو البيع الحاصل بناء على إبداء شخص رغبته بشراء سلعة بمواصفات معينة، مع وعد بالشراء، وقبول بدفع ربح معين، ويتكون من ثلاثة أطراف:

البائع، والمشتري، والبنك المستثمر أو التاجر الذي يكون وسيطاً بين البائع الأول والمشتري ولكن لا يقدم البنك على شراء السلعة إلا بعد إعلان المشتري رغبته فيها، وإصدار وعد سابق بالشراء، ويسمى العميل الراغب بالشراء: الآمر بالشراء.

وأول من صرّح بمشروعية هذا النوع هو الإمام الشافعي في كتابه (الأم) حيث قال فيه : (وإذا أري الرجلُ الرجلَ السلعة، فقال: اشتر هذه وأربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل فالشراء جائز، والذي قال: أربحك فيها، بالخيار: إن شاء أحدث فيها بيعاً وإن شاء تركه.)

وهكذا إن قال: اشتر لي متاعاً، ووصفه له، أو متاعاً أي متاع شئت، وأنا أربحك فيه، فكل هذا سواء يجوز البيع الأول، ويكون فيما أعطى من نفسه بالخيار.

وسواء في هذا ما وصفت إن كان قال: ابتعه وأشتريه منك بنقد أو دين[4] يجوز البيع الأول، ويكونان (أي : الطرفان) بالخيار في البيع الآخر، فإن جدداه جاز)[5]

ويظهر من هذا النص الفقهي أن العميل هو الذي عرض على البائع اشتراء السلعة وضم ربح فيها، ولا يلزم بهذا، ويظل مختاراً في شراء هذه السلعة بعد شرائها من البائع بين شرائها من جديد وبين ترك الشراء.

والمصارف الإسلامية في هذا لها طريقان : إما الأخذ بالمرابحة على هذا النحو الذي قرره الإمام الشافعي دون إلزام بالوعد، وبقاء الخيار لراغب الشراء بين إبرام البيع أو عدم إبرامه.

وإما العمل بالمرابحة مع إلزام الواعد بالشراء، أخذاً برأي القائلين بإلزامه ديانة وقضاء كابن شبرمة القائل:

الوعد كله لازم ويقضى به على الواعد ويجبر[6]، لأن خُلْفَ أو إخلاف الوعد من علامات النفاق. وجعل الغزالي في الإحياء الوعد الكاذب من آفات اللسان، والله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ (المائدة،1)

وذكر البخاري في صحيحه أن ابن الأشوع قاضي الكوفة[7] قضى بالوعد، ونسب ذلك للصحابي الجليل سمرة ابن جندب t، وقال به عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد العادل، ومال ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين إلى وجوب الوفاء بالوعد.

الاتجاه الحديث في المرابحة :

اتجهت أغلب المصارف الإسلامية إلى العمل بإلزام الوعد من العميل، وهو ما نص عليه قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم (40-41) عام 1409هـ /1988م ونصه:

أولاً: إن بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور، وحصول القبض المطلوب شرعاً، هو بيع جائز، طالما كانت تقع على المأمور مسؤولية التلف قبل التسليم، وتبعة الرد بالبيع الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم، وتوافرت شروط البيع وانتفت موانعه.

ثانياً: الوعد – وهو الذي يصدر من الآمر أو المأمور على وجه الانفراد – يكون ملزماً للواعد ديانة إلا لعذر، وهو ملزم قضاءً إذا كان معلقاً على سبب، ودخل الموعد في كلفة نتيجة الوعد، ويتحدد أثر الإلزام في هذه الحالة إما بتنفيذ الوعد، وإما بالتعويض عن الضرر الواقع فعلاً بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر.

ثالثاً: المواعدة – وهي التي تصدر من الطرفين – تجوز في بيع المرابحة بشرط الخيار للمتواعدين، كليهما أو أحدهما، فإذا لم يكن هناك خيار، فإنها لا تجوز، لأن المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه، حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكاً للمبيع، حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي عن بيع الإنسان ما ليس عنده.

وهذا التوصيف للمرابحة يطمئن البنوك الفرنسية ويجعلها تقبل بهذه المعاملة وبخاصة أن الضمانات المالية التي تحقق لها المحافظة على حقوقها في حال عدم التزام الآمر بالشراء واضحة المعالم في عقود المرابحة كما بيناها.

مؤتمرات المصارف الإسلامية:

عقدت عدة مؤتمرات مصرفية إسلامية، تضمنت إقرار العمل بالمرابحة للآمر بالشراء، منها مؤتمر المصرف الإسلامي الأول في دبي عام 1399هـ/1979م ونص فتواه ما يأتي:

يطلب المتعامل من المصرف شراء سلعة يحدد جميع أوصافها، ويحدد مع المصرف الثمن الذي سيشتريها به وكذلك الثمن الذي سيشتريها به المتعامل من البنك بعد إضافة الربح الذي يتفق عليه بينهما.

وكانت التوصية هي:

إن مثل هذا التعامل يتضمن وعداً من عميل المصرف بالشراء في حدود الشروط المنوه عنها، ووعداً آخر من المصرف بإتمام هذا البيع بعد الشراء طبقاً للشروط.

إن مثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاءً طبقاً لأحكام المذهب المالكي، وهو ملزم للطرفين ديانة طبقاً لأحكام المذاهب الأخرى. وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك، وأمكن للقضاء التدخل فيه.

وهذا بالضبط ما تلح عليه المصارف الفرنسية في حال قبولها ببعض المعاملات المالية الإسلامية.

ومنها مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني بالكويت عام 1403هـ/1983م ونص توصيته هو:

يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة وحيازتها، ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق، هو أمر جائز شرعاً، طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسؤولية الهلاك قبل التسليم، وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي.

وأما بالنسبة للوعد وكونه ملزماً للآمر أو للمصرف أو كليهما، فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات، وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل، وإن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعاً وكل مصرف مخير في الأخذ بما يراه في مسألة القول بالإلزام حسبما تراه هيئة الرقابة الشرعية فيه.

ومنها الندوة الفقهية الأولى للشركة الأولى للاستثمار في الكويت عام 1422هـ/2001م وهي أحدث ما وجد في شأن المرابحة.

ونص توصيتها ما يأتي:

عقد المرابحة من بيوع الأمانة، وهو مؤصّل في الفقه الإسلامي، ولا حرج في تطبيقه إذا تمت مراعاة شروطه الشرعية، والضوابط التي وصفت من قبل المجامع الفقهية والهيئات الشرعية لإبراز دور المؤسسة المالية الإسلامية في هذه العملية، وإبعاد الصورية في التطبيق، التي يترتب عليها الوقوع في الشبهات بسبب الإخلال بتلك الضوابط الشرعية عند التطبيق.

ثم تضمنت التوصية ما ينبغي مراعاته في المرابحة الدولية وهو:

أ- التحقق من تملك المؤسسة للسلعة محل العقد قبل إبرام بيع المرابحة لتجنب الوقوع في بيع الإنسان ما لا يملك.

ب- التأكد من قبض المؤسسة للسلعة قبضاً حقيقياً كلما أمكن ذلك، أو القبض الحكمي عند الحاجة بحيث تدخل في ضمان المؤسسة وتتحمل تبعة الهلاك.

ج- أن تقوم المؤسسة بإجراءات التملك ودفع الثمن مباشرة منها إلى البائع الأصلي(المصدر) ولا تلجأ إلى التوكيل وبخاصة توكيل العميل إلا في الحالات التي يتعذر فيها قيام المؤسسة بذاتها بالتملك دون توكيل.

إجراءات المرابحة:

المرابحة نوعان: محلية ودولية أو خارجية:

وإجراءات المرابحة المحلية هي:

1- مرحلة العرض: يحدد الراغب في الشراء مواصفات السلعة التي يريدها ويطلب من البائع أن يحدد ثمنها فيرسل البائع فاتورة عرض أسعار محددة بوقت معين.

2- إنجاز الوعد: يصدر الراغب في الشراء وعداً بشراء السلعة من البنك مرابحة، بتكلفتها، مع زائد الربح المتفق عليه، فيدرس البنك المطلوب ويحدد الشروط والضمانات المطلوبة للموافقة.

3- إبرام البيع الأول: يعبر البنك للبائع عن موافقته على شراء السلعة، ويدفع الثمن حالاً أو حسب الاتفاق، فيعلن البائع الأصلي موافقته على البيع ويرسل فاتورة الشراء.

4- تسلم السلعة: يرسل البائع السلعة إلى مكان التسليم المتفق عليه فيقوم البنك أو وكيله بتسلم السلعة.

5- إبرام المرابحة: يتم إبرام المرابحة بين البنك والراغب في الشراء بحسب الاتفاق الحاصل في وعد الشراء.

أما إجراءات المرابحة الدولية فهي ما يأتي:

1- اتفاق مبدئي بين الواعد بالشراء وبين البنك الإسلامي على توفير السلعة للواعد.

2- توكيل الواعد بالشراء بإبرام العقد مع البائع المصدر للسلعة، أو يتم تعاقد البنك مباشرة مع بائع السلعة.

3- فتح اعتماد مستندي لدى البنك الممول أو لدى بنك آخر لتغطية ثمن السلعة.

4- تسلم البنك الممول مستندات التعاقد باسمه ثم تظهير مستندات الشحن للواعد، لتخليص السلعة من الميناء وتسلمها لنفسه.

5- قيام البنك الممول بدفع الثمن مباشرة للبائع المصدر.

6- حيازة البنك للسلعة بالقبض الحقيقي أو الحكمي (تسلم مستندات الشحن) وتأمين المبيع وتحمله تبعة الهلاك.

7- بيع السلعة للواعد بالشراء من طريق المرابحة (الثمن الأصلي وزيادة ربح).

8- تسجيل المبيع باسم العميل بعد حصول البنك على ضمانات كالرهن.

وهذه القواعد والإجراءات كلها توافق عليها البنوك الفرنسية ولكن لا بد من انتظار تغيير القوانين السارية المفعول حتى يتسنى اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل بالعقود الإسلامية من مرابحة وغيرها. لأن وظيفة البنوك الأساسية هي مصرفية بحتة وليست تجارية استثمارية خشية احتكارها واكتساحها للأسواق لما تتوافر عليه من سيولة كبيرة تؤدي حتما إلى منافسة التجار وبخاصة الصغار منهم.

شبهات هذا العقد:

قد يتردد بعض الناس ويشك في سلامة هذا العقد ومدى مشروعيته، ويظن أنه مجرد حيلة لأخذ الربا ودفعه، والواقع غير ذلك، فهو ليس من أجل الحصول على النقود في مظلة عقد البيع، لأن الله تعالى فرق بين البيع والربا، فأحل الأول وحرّم الثاني، قائلاً: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (البقرة،275).

فطالب الشراء يريد شراء السلعة حقيقة، ولا يتخذ الشراء جسراً للربا أو حيلة أو صورة، لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فإن كان قد نوى ما أحل الله فلا بأس وإن نوى ما حرم الله، وتوصل إليه بحيلة فإن له ما نوى كما قال رسول الله في حديث عمر المشهور: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمريء ما نوى…» و كما أكد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية فيما يتعلق بالحيل[8] ولا ينظر إلى وجود تشابه بين هذا البيع، والاقتراض بفائدة أو ربا، لأن البيع تم بثمن قطعي دون احتمال زيادة في الثمن إذا تأخر المشتري عن الوفاء بقسط أو أكثر، ولأن المبيع إذا هلك يكون ضمان البائع قبل تسليمه إلى المشتري، ويتحمل البائع أيضاً تبعة الرد بالعيب إذا ظهر فيه عيب.

وفي الجملة: تطبق أحكام البيع على المرابحة، ولا يخضع العقد لأحكام القرض الربوي أو بفائدة، كما هو الحاصل في التعامل مع البنوك الربوية.

وليس الربح المشروع ربا، وإلا حرم كل ربح يضمه البائع إلى السلعة زيادة على ثمنها الأصلي، لكن لا بد من سلامة النية في هذا النوع من التعامل، وعدم الإكثار منه، وألا يتخذ جسراً فعلياً إلى التمويل الربوي، وكل هذا يدرك من القرائن والظروف والملابسات.

كذلك ليس في عقد المرابحة اشتماله على تركيب عقدين في عقد، فهذا حرام منهي عنه شرعاً، وإنما المرابحة عقد واحد، وإن سبقها وعد بالشراء، وإن كان الوعد ملزماً لأحد الطرفين، المهم ألا يكون هناك مواعدة ملزمة للطرفين، لأنها حينئذ في صورة العقد ومعناه وإن أجازه بعض المعاصرين.

وليس في المرابحة أيضاً شبه ببيع العينة الذي هو بيع بثمن مؤجل أكثر من الثمن النقدي، ثم شراء السلعة مرة أخرى من المشتري نفسه بثمن أقل، فيكون الفرق بين الثمنين ربا، وذلك لعدم وجود هذا المعنى في المرابحة.

ويكفينا أن الإمام الشافعي رحمه الله أقر هذا النوع من التعامل دون حرج ولا خشية تورط في الحرام، ما دام العقد أو التعامل مشتملاً على الخيار لأحد الطرفين، فإن القول بإلزام الوعد لطالب الشراء مقبول منعاً من إضرار البنك الذي اشترى السلعة بناء على وعد طالبها بشرائها منه، فدفع الضرر أو رفعه واجب شرعاً وبخاصة عند ضعف التدين وعدم احترام الأمانة كما هو الشأن في أيامنا هذه.

هذا والله أعلم..

[1]-كنز العمال، الفصل الثالث: في أنواع الكسب

[2] -أخرجه مالك في الموطإ، باب زكاة أموال اليتامى والتجارة لها فيها

[3] – أخرجه الترمذي، باب ما جاء في زكاة اليتيم

[4] – أي بثمن مؤجل.

[5] – الأم 3 / 33.

[6] – المحلى لابن حزم: المسألة (1125).

[7] – هو سعيد بن عمرو بن الأشوع قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد القسري على العراق بعد المائة.

[8] – الفتاوى 29 / 446 وما بعدها النسخة الالكترونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق