البحوث

الضوابط الأخلاقية العامة في التعامل الاقتصادي

الضوابط الأخلاقية العامة في التعامل الاقتصادي

 

بقلم:

أ.د. علي محيي الدين القره داغي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيّبين وصحبه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان الي يوم الدين، وبعد:

فإن الاقتصاد الإسلامي مع أنه يمتاز عن غيره بكونه اقتصاداً يولي عنايته نحو الاقتصاد العيني، وتحقيق قيم مضافة في مجال التنمية والتعمير … لكن الميزة العظمى له هي أنه اقتصاد قائم على القيم السامية والأخلاق الراقية، وعلى العقيدة القاضية بربط المال وكل الأنشطة الاقتصادية بتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة .

وقد أثبتت الأزمة المالية العالمية المعاصرة أن فصل القيم الدينية والأخلاقية عن الاقتصاد كان له الدور الكبير في نشأتها وازدياد آثارها، حتى ذكر الكثيرون من الرؤساء والاقتصاديين: أن سببها: الأزمة الأخلاقية التي يمرّ بها العالم، وذلك لأن معظم وكالات التصنيف والمدققين ونحوهم كانت تغض الطرف عن بيان الحقائق والافصاح لأجل المصالح، وأن بعض الرؤساء التنفيذيين للشركات والبنوك يبالغون في تضخيم الأرباح، ويلعبون بالمعلومات.

ولذلك فإن تفعيل دور القيم الدينية والأخلاقية لا يعود أثرها على النجاح والفوز في الآخرة فحسب، بل يعود أثرها على الاقتصاد بصورة واضحة، ومن هنا أولى الإسلام العناية القصوى بالأخلاق والقيم في المعاملات حتى حصر الدين في أنه المعاملة، لأنها هي النتيجة البارزة في الدنيا للدين، بل إن الرعيل الأول من شدة اعتنائهم بالقيم والأخلاق في المعاملات اشتهر في العالم الإسلامي مصطلح: ( بيع المسلم ) الذي يعني: الصدق والأمانة والافصاح والشفافية والبيان .

ونحن في هذه العجالة نتحدث عن أصول الأخلاق بصورة عامة، وتطبيقاتها، وآثارها في الاقتصاد الإسلامي وفي المعاملات المالية. متضرعين إلى الله تعالى أن يكتب لنا التوفيق والسداد، وأن يعصمنا من الخطإ والزلل في العقيدة والقول والعمل وأن يتقبّل منا بفضله ومنّه إنه حسبناً ومولانا فنعم المولى ونعم النصير.

                                                                  كتبه الفقير إلى ربه:

                                                               على محيي الدين القره داغي

 

أصول الأخلاق في الإسلام، وتطبيقاته في التعامل الاقتصادي:

الأخلاق، لغة من الخُلق ـ بضم الخاء[1] ـ، يقول علماء فقه اللغة إن الخَلْق، والخُلُق في الأصل واحد، لكن خُصّ الخَلق ـ بفتح الخاء ـ بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، خُصّ الخُلق ـ بضم الخاء ـ بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة [2] والأخلاق في الاصطلاح لا تخرج عن دائرتها اللغوية، فقد عرفها الماوردي بأنها: « غرائز كامنة تظهر بالاختيار، وتظهر بالاضطرار »[3]  وعرفها الغزالي بأنها: « عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويّة »[4].

فالأخلاق هي الصفات الجيدة أو السيئة التي يتصف بها الإنسان، وتنبثق من الداخل المتمثل بالقلب والنفس، ثم إن هذه الصفات تكون في بعض الناس غريزة وفطرة، وفي بعضهم لا تتحقق إلاّ بالترويض والتهذيب والاجتهاد[5]

وبعبارة أدق: أن بعض الناس تبقى عندهم الفطرة السليمة في الأخلاق، من خلال التربية والأسرة والبيئة الصالحة، وتسمى الأخلاق الجبلية، وهذا ما يفهم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأشجّ عبد القيس: « إن فيك خلتين يحبهما الله: الحِلم، والأناة » قال: يا رسول الله: أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما ؟ قال: «بل الله جبلك عليهما » قال: «الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله »[6] قال بن القيم: «فدل على أن من الخلق ما هو طبيعة وجبلة وما هو مكتسب» [7] .

وهناك أخلاق مكتسبة، وهذا ما يفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «…. ومن يستعفّ يُعفّه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يُصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً واوسع من الصبر»، وذكر ابن القيم أن الأخلاق تكون كسبية وذلك بالتخلق والتكلف حتى تصير له سجيّة وملكة[8] .

وقد أقر علماؤنا أن الأخلاق الطيبة من أجمل أنواع الجمال وأكثرها بهاءً، ونظارة، وذكر ابن القيم: أن الجمال ينقسم قسمين ظاهراً وباطناً، فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته، وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله تعالى من عبده وموضع محبته كما في الحديث الصحيح: « إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى  قلوبكم وأعمالكم »[9] وهذا الجمال يزين الصورة الظاهرة وإن لم تكن ذات جمال، فتكسو صاحبها من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتسبت روحه من تلك الصفات، …..، وهذا أمر مشهود بالعيان، فإنك ترى الرجل الصالح المحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة وإن كان أسود أو غير جميل»[10].

غرس مكارم الأخلاق في النفوس هو مهمة الرسل والأنبياء:

فقد بيّن الله تعالى أن من أهم أهداف إرسال الرسل هو: تزكية النفوس فقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ (الجمعة،2) وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ (آل عمران،164) بل إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حصر رسالته في إتمام مكارم الأخلاق فقال: « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق »[11] .

 فالأخلاق تعد من أهم مقومات الشرعية الإسلامية ومكوناتها الأساسية، ولذلك جاء أعظم وصف للرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ﴿  وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ (القلم،4) وجاءت الصفات الأخلاقية ( الفعلية والقولية ) لعباد الرحمن في بداية الصفات قبل الاتصاف بالصلاة، وبقية العبادات ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ (الفرقان،63).

بل إن الله تعالى جعل الأخلاق والسلوكيات الفاضلة أثراً وغاية ونتيجة للالتزام بالعبادات فقال تعالى في دور الصلاة: ﴿ž اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ  ﴾ (العنكبوت،45)، وقال تعالى في دور الصيام: ﴿  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة،183)، وقال تعالى في شأن الزكاة: ﴿  خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ (التوبة،103)، وهكذا..

وحتى الإيمان بالله تعالى يجعل المؤمن به رقيقاً طيباً لطيفاً رحيماً بمخلوقاته، لأنه يفعل الخير، ويلتزم بالأخلاق حباً لله تعالى وتنفيذاً لأوامره، وطمعاً في حنيته، وخوفاً منه، ومن عقابه وناره. وأما الإيمان بصفاته التي يمكن تطبيقها حباً لله تعالى، والإيمان بالله الرحمن الرحيم الرؤف ـ مثلاً ـ يجعل صاحبه رحيماً رؤوفاً ساعياً لتحقيق هذه الصفات الجميلة.

فقد وردت مجموعة من الأحاديث الصحيحة الدالة على أهمية الأخلاق الإسلامية، وانها أركانه، ومن أهم مقاصده وغاياته، منها:

عن النواس بن سمعان رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: سألت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم عن البر والإثم. فقال  » البر حسن الخلق. والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس«[12] .

وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: لم يكن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول:  « إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً»[13] .

وعن أبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: « ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن اللَّه يبغض الفاحش البذِيّ»[14] .

وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: سئل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة. قال: « تقوى اللَّه، وحسن الخلق وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار. فقال: الفم، والفرج»[15]

وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم:  « أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم »[16]

وعن أبي أمامة الباهلي رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم  « أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»[17] .

وعن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: » إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون « فقالوا: يا رَسُول اللَّهِ قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: : »المتكبرون«[18].

بل لو نظرنا إلى كتب السنة النبوية لوجدنا فيها عشرات الكتب والأبواب الخاصة بالأخلاق، وأنواعها من الصبر، والصدق، والتقوى، والاستقامة، وأداء الأمانات والعهود، وقضاء حوائج الناس، والتواضع، والحياء، والقناعة، والعفاف، والحلم، والأناة، والرفق، وطيب الكلام وطلاقة الوجه، والشجاعة، والكرم، والوقار والسكينة، وإكرام الآخرين، ونحو ذلك، بالإضافة إلى النهي عما يضاد هذه الصفات من الكبر، والعجب، والغضب، والبخل الخ .

وبناء على ذلك نستطيع أن جمع هذه الأخلاق في مجموعة من الأصول، فقد جمع ابن القيم أصول الأخلاق المحمودة كلها في الخشوع، وعلو الهمة، والعفة، والصيانة، والجود، والحلم، والعفود، والصفح، والاحتمال، والايثار، وعزة النفس عن الدناءات، والتواضع، والقناعة، والصدق، والاخلاص، والمكافأة على الإحسان، والتغافل عن زلات الناس، وترك الانشغال بما لا يعنيه، وسلامة القلب من تلك الأخلاق المذمومة، ونحو ذلك، فكلها ناشئ عن الخشوع، وعلو الهمة[19].

وقد ربط علماء الأخلاق المسلمون بين طبيعة الأرض الخاشعة التي خلق منها الإنسان حيث إنها تربو وتزداد بهجتها بنزول الغيث عليها، وبين الإنسان نفسه عندما يخشع فينزل على قلبه الرحمة فيلين، وحينئذ يزداد جمالاً وروعة وبهاءً [20].

كما جمع أصول الأخلاق المذمومة في الكبر، والمهانة، والدناءة، فالفخر، والبطر، والأشر، والحسد، والبغي، والخيلاء، والظلم، والقسوة، والتجبر، والإعراض، وإباء قبول النصيحة، والاستئثار، وطلب العلو، وحب الجاه والرئاسة، وأن يحمد بما لم يفعل، وامثال ذلك كلها ناشئ من الكبر .

وأما الكذب، والخسّة، والخيانة، والرياء، والمكر، والخديعة، والطمع، والفزع، والجبن، والبخل، والعجز والكسل، والذل لغير الله، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، ونحو ذلك، كله ناشئ من المهانة والدناءة وصغر النفس[21].

أصول الأخلاق في المعاملات المالية:

أستطيع القول بان جميع أنواع الأخلاق التي ذكرناها لها علاقة بالمعاملات المالية، ولكن الأخلاق التي لها علاقة مباشرة بها وعليها أدلة صريحة هي ما يأتي:

  • وجوب الصدق، وحرمة الكذب.
  • وجوب البيان والشفافية، وحرمة الكتمان، والاخفاء .
  • حرمة الغش والتدليس والتغرير، والتحايل بأي وسيلة كانت.
  • حرمة الربا باعتباره ظلماً واستغلالاً لحاجة المدين، وأضراراً بالمجتمع
  • حرمة الإكراه.
  • حرمة الجهالة الفاحشة، والغرر في المعاوضات، باعتباره مؤثراً في الإرادة والرضا.
  • حرمة بيع النجش باعتباره تحايلاً وتغريراً .
  • حرمة بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان منعاً للغش، والإضرار بالسوق، والتحايل على الجاهل.
  • منع الغبن الفاحش، ومنع الغبن مطلقاً في عقود القصر، والأوقاف، تحقيقاً للجانب الأخلاقي.

10- منع بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها، حفاظاً على الحقوق ومنعاً للاستغلال.

11- تشريع بعض الأحكام الخاصة بالقصر والمسترسل والأوقاف، وبالعقود القائمة على الأمانة[22].

12- وجوب وضع الجوائح[23]: أي التزام البائع برد ثمن المقدار الذي أصابته الجائحة من الثمار، منعاً للاستغلال، وتحقيقاً للجانب الأخلاقي والتكافلي .

ولا يسع المجال في هذا البحث الخوض في تفاصيلها، ولكن أستطيع القول بان هذه الأخلاق تعود إلى أصلين أساسين هما:

(1) حسن العلاقة مع الله تعالى من خلال التقوى والإحسان الذي فسره الرسول صلى الله عليه وسلم: « أن تعبد الله كأنك تراه وإن لم تكن تراه فإنه يراك»[24] ومن خلال الإحساس بحب الله، وإرضائه بطاعته، وبعدم خالفته في الايذاء، والاضرار، وأكل أموال الناس بالباطل، بالإضافة إلى الخشية من الله التي هي منبع الحُكم، ومانع الأذى والشرور.

(2) حسن العلاقة بالناس من خلال أنه يجب على المسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه وغير ذلك من التعاليم العظيمة التي تجسد الأخلاق العظيمة فيه، وقد وضع الإسلام لذلك معياراً وهو معيار « أن تحب لأخيك ( في الإسلام أو الإنسانية ) ما تحب وتعمل لنفسك، وأن تكره لأخيك ما تكره لنفسك، وأن تتعاون على تحقيق البر والتقوى والاحسان، وترفض أيّ تعاون على الاثم والفساد والعدوان».

إلزامية الأخلاق، وآثارها على المعاملات:

إن الأخلاق المحمودة في الإسلام ليست مجرد شعائر، أو آداباً عامة أو خاصة، بل هي التزامات، وواجبات شرعية أمر الله تعالى بها، ونهى عن أضدادها، وأن مصدر هذا الالتزام هو القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة المطهرة بالإضافة إلى الفطرة السليمة، والاجماع، فنرى القرآن الكريم ينهي عن اتباع الهوى في آيات كثيرة، يقول الله تعالى: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص،26)، ويقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ (النساء،135) كما نجد مئات الآيات والأحاديث تأمر المسلمين بالصدق، والأمانة، والعدل، ونحوها، وتنهاه عن الكذب، والغش والظلم والجور، ….الخ[25]

 وبناءً على هذه الإلزامية ترتبت على مخالفة الأخلاقيات السابقة الحرمة، والبطلان، أو الفساد على خلاف في التوسع، أو التضييق، أو التوسع في نطاق البطلان أو الفساد، أو عبارة الأصوليين أن الأخلاق تتعلق بها من الحكم التكليفي الايجاب والفرض بالنسبة لأمهات الأخلاق المحمودة المذكورة، والحرمة وكراهة التحريم للأخلاق المذمومة، وكذلك يتعلق بها من الحكم الوضعي بالنسبة للمعاملات ( المالية أو غيرها ) الصحة إذا توافرت فيها الأخلاق المحمودة إضافة إلى أركانها وشروطها بالإجماع، أما إذا تخفلت فيها الأخلاق المطلوبة مثل الصدق، والبيان، وعدم الغش والتدليس والتغرير والغبن الفاحش، والغرر، والاكراه، فإنها يتعلق بها من الحكم التكليفي البطلان والفساد على خلاف بين الفقهاء.

 فمثلاً ان الفقه الإسلامي قد حمى الضعفاء في العقود والمعاملات من آثارها تطبيقاً للجانب الأخلاقي، فحكم ببطلان عقود وتصرفات الذين لم يتحقق فيهم العقل والبلوغ، والتميز[26] وحكم بعدم نفاذ عقود المعاوضات التي فيها احتمال الضرر إذا لم بها هؤلاء الذين لم يتوافر فيهم الرشد، والعقل وإن كان لديهم التميز[27] وحمى كذلك ورثة المريض مرض الموت بتحديد تصرفاته القائمة على التبرع، أو المحاباة بالثلث[28] كما حمى أصحاب القعود القائمة على المانة مثل المرابحة، حيث حكم بتأثير الكذب، أو عدم البيان والافصاح والشفافية فيها بالفساد، أو بحق الفسخ، على خلاف في التفصيل[29] .

وحكم الفقه الإسلامي بالإجماع على بطلان العقود المالية للمكره، أو فسادها، وعلى بطلان عقوده غير المالية عند الجمهور[30].

 وأكثر من ذلك فإن الفقه الإسلامي بالإضافة إلى تحريمه للغش والتدليس والتغرير، والخداع، والحيلة والخلابة ـ فقد حكم ببطلان بعض العقود التي يوجد فيها الغش، أو التدليس الفعلي، أو القولي، أو يحق الفسخ فيها ـ  على خلاف وتفصيل في ذلك[31].

الضوابط الأخلاقية العامة في الاقتصاد الإسلامي:

إن من أهم مميزات الاقتصاد الإسلامي في نظامه، وفي تطبيقاته، وفي أنشطته الالتزام بالقيم الأخلاقية السامية، ونحن هنا نذكر أهم هذه القيم الأخلاقية مع ربطها بالجانب التطبيقي بقدر الامكان .

أولاً ـ ارتباط الاقتصاد الإسلامي من حيث النظام بالقيم الأخلاقية:

فالاقتصاد الوضعي قد انفصل منذ قرون عن القيم الروحية، والأخلاقية، وبني على المصالح المادية الفردية، أو الجماعية، ولذلك لا يهم الشركات الرأسمالية أن يعيش ثلث العالم في فقر، وخمسه تحت الصفر، ومئات الملايين يموتون، أو لا يجدون عندهم ما يسدون به رمقهم من الدواء والغذاء، وان بِضْعَ مئات من الشركات والأفراد تهمين على ثلاثة أرباع ثروات العالم الذي يقدر عدد نفوسه بأكثر من ستة مليارات نسمة، لا يهم هذه الشركات الرأسمالية إلاّ المزيد من الربح، ولذلك تغرق مئات الأطنان من الحبوب والسكر في البحار حتى لا تنزل الأسعار في الوقت الذي يموت الملايين بسبب الجوع وسوء التغذية والأدوية ؟ !! فهذا لا يقبل به الإسلام حتى مع أشد أعدائه.

ولا أدلّ على ذلك أن الهدف الأسمى من إنزال رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرحمة للعالمين مسلمهم وكافرهم، بل تشمل الحيوانات والجمادات والكون كله فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء،107) ولذلك سمى القرآن الكريم المال بالخير وبقيام المجتمع، والتجارة والربح بفضل الله فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة،10)

ولهذا الجانب الأخلاقي فرض الله تعالى في الأموال حقوق الفقراء والمساكين فقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)﴾ (المعارج،24-25) كما فرض حقوقاً أخرى لتحقيق التكافل ليس من بين المسلمين فقط، بل بين كل من يعيش على أرض الاسلام .

ولذلك جعل الأغنياء مسؤولين أمام الله تعالى إذا مات فقير واحد بسبب الجوع، وأن الذي يجمع المال فقط دون إعطاء حقوقه للفقراء والمساكين وتنمية المجتمع لهم عذاب شديد حتى ولو كانوا مؤمنين قال تعالى: ﴿ ۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ (التوبة،34).

فقد أولى الإسلام عناية قصوى بهذا الجانب الإنساني والاجتماعي ونظمه من خلال تشريعاته المالية الخاصة بإعادة التوزيع حتى عبر القرآن الكريم تعبيراً رائعاً يدل بوضوح على أن المسلم يعمل بكدّ، ويتعب نفسه في التجارة والزراعة والصناعة لأجل تحقيق الزكاة للفقراء والمساكين فقال تعالى في وصف المفلحين: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾ (المؤمنون،4)[32] أي أنهم يفعلون ويعملون ويشتغلون لأجل الزكاة وتحقيقها حتى يقوموا بواجب التكافل وادخال السرور في قلوب المستضعفين.

كما أولى عناية كبيرة بالجانب الأخلاقي على مستوى الفرد من حيث الصدق والأمانة، والسماحة، وحسن القضاء، وعدم الغش والخيانة، والاحتكار والتدليس،و غير ذلك مما يؤدي إلى تهذيب النفس، وتزكية الداخل، وإزالة آثار الحقد والحسد، والجشع من خلال الخوف من الله تعالى واستشعار رقابته، والتقوى والاحسان الذي فسره الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: « أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك »[33] .

يقول الاستاذ محمد المبارك: « إن من خصائص النظام الإسلامي في مجال الاقتصاد استهدافه لأهداف أخلاقية بدلاً من هدف الانتاج، والربح المادي، وجعل الدوافع الأخلاقية والانسانية محركات للنظام، وتوليد شعور أخلاقي يساعد على حسن تنفيذ النظام »[34] .

ويقول العلامة الشيخ يوسف القرضاوي: «مما يميز نظام الاسلام …..، أنه لا يفصل أبداّ بين السياسة والاقتصاد والأخلاق، كما أنه لم يفصل بين العلم والأخلاق، ولا بين السياسة والأخلاق، فالأخلاق لحمة الحياة الاسلامية، وسداها، ذلك لأن الإسلام رسالة أخلاقية …. وهذا الاقتران بين الاقتصاد والأخلاق يتجلى في كل الحالات الاقتصادية »[35].

 قصة قارون وما فيها من قيم أخلاقية، ومبادئ اقتصادية، وخصائص للاقتصاد الاسلامي:

تتضمن الآيات الكريمة التي تتحدث عن قارون مجموعة من المبادئ، والقيم الأخلاقية، والخصائص للاقتصاد الاسلامي، حيث أن الآيات ( 76 – 84) من سورة القصص التي تتحدث عن قارون تكشف لنا منهج التوازن الكامل حيث تثبت ما يأتي:

أ ـ ان الاقتصاد المادي البعيد عن العقيدة الاسلامية والأخلاق يؤدي إلى ما يأتي:

  1. إن قارون قد جمع ثروة كبيرة جداً، فبغى على قومه بظلمهم، وغصب أراضيهم ونحو ذلك من المحرمات، وهذا يدل على أن الغنيّ إذا ابتعد عن العقيدة والأخلاق فلا يهمه الحرام، وإنما يهمه الجمع فقال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ  ﴾ (القصص،76).
  2. إن قارون لم يكن يؤدي حقوق الله تعالى في هذه الأموال الكثيرة، وهذا معنى الكنز الذي لا ينفق منه في سبيل الله، بل يدخر ولا يستعمل.
  3. إن هذه الأموال الكثيرة أدت إلى طغيان قارون فأصبح بطراً وفخوراً بنفسه، حتى نصحه قومه: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾ (القصص،76) والمقصود بالفرح هنا « الزهو المنبعث من الاغترار بالمال والاحتفال بالثراء، والتعلق بالكنوز، والابتهاج بالملك والاستحواذ »[36] فقد شغل المال قلبه ونفسه وهيمن على عواطفه وجوارحه .
  4. إن الشخص الاقتصادي الذي ليس لديه الايمان والأخلاق يكون همه ـ في الغالب ـ  الوحيد اظهار زينته، واسرافه والتفاخر، دون التفكير في التنمية وخدمة المجتمع والارتقاء.
  5. إن كثرة المال البعيدة عن العقيدة والأخلاق تجعل الشخص مغتراً بنفسه ومسنداً كل الأمور إليه بدل أن يسندها إلى الله تعالى الذي هو الخالق له ولأمواله، حيث يقول قارون في جواب نصيحة قومه: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ (القصص،78) وهي كلمة تحمل شتى معاني الفساد والإفساد، أي « أنني حصلت على هذا المال بجهدي الخاص، وعقليتي الجبارة، وابداعاتي العلمية، وبالتالي فما لكم ولا لربكم أي حق عليّ » وهذا قول المغرور المطموس الذي ينسى مصدر النعمة، وخالقها، وخالق صاحبها، فمن الذي خلقه ؟ ومن الذي أعطاه العلم ؟
  6. المجتمع الاقتصادي الذي لا يبنى على العقيدة والأخلاق، يكون ـ في الغالب ـ مجتمع تفاخر قائماً على طبقية، ويجعل المال الميزان الوحيد لوزن الناس وحظهم فقال تعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ (القصص،79) فمثل هذا المجتمع المبهور المتهافت قد سقط بفتنة المال وتهاوى، يقول سيد قطب: « وعندما تبلغ فتنة الزينة ذروتها، وتتهافت أمامها النفوس وتتهاوى، تتدخل يد القدرة لتضع حدا للفتنة، وترحم الناس الضعاف من إغرائها، وتحطم الغرور والكبرياء تحطما. ويجيء المشهد الثالث حاسماً فاصلاً: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ ﴾ (القصص،81) هكذا في جملة قصيرة، وفي لمحة خاطفة: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ (القصص،81) فابتلعته وابتعلت داره، وهوى في بطن الأرض التي علا فيها واستطال فوقها جزاء وفاقا . وذهب ضعيفا عاجزا، لا ينصره أحد، ولا ينتصر بجاه أو مال… وهوت معه الفتنة الطاغية التي جرفت بعض الناس؛ وردتهم الضربة القاضية إلى الله، وكشفت عن قلوبهم قناع الغفلة والضلال. وكان هذا المشهد الأخير: ﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾ (القصص،82). وقفوا يحمدون الله أن لم يستجب لهم ما تمنوه بالأمس، ولم يؤتهم ما آتى قارون . وهم يرون المصير البائس الذي انتهى إليه بين يوم وليلة . وصحوا إلى أن الثراء ليس آية على رضى الله. فهو يوسع الرزق على من يشاء من عباده ويضيقه لأسباب أخرى غير الرضى والغضب . ولو كان دليل رضاه ما أخذ قارون هذا الأخذ الشديد العنيف . إنما هو الابتلاء الذي قد يعقبه البلاء . وعلموا أن الكافرين لا يفلحون. وقارون لم يجهر بكلمة الكفر ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(84)﴾ (القصص،83-84) ولكن اغتراره بالمال، ونسبته إلى ما عنده من العلم جعلهم يسلكونه في عداد الكافرين، ويرون في نوع هلاكه أنه هلاك للكافرين[37].

ب ـ تضمنت القصة الشروط المطلوبة للاقتصاد الرباني، وهي:

  1. اقتصاد قائم على الإيمان بالله وأنه الخالق لكل شيء والقادر عليه، وهو المنعم الحقيقي والمالك الحقيقي للأموال كلها، وما الانسان إلاّ بمثابة المستخلف الذي أكرمه الله تعالى بنعمة الاستخلاف، وزوده بالفعل والإرادة والاختيار، والعلم، وبالتالي فلا يجوز أن يغفل المسلم صاحب المال عن هذه الحقائق .

ويترتب على هذا الايمان عدم البطر، وعدم الاغترار بالنفس، وبما ذكره القرآن الكريم عن قارون الذي أسند العلم إلى نفسه، وأظهر الزينة والتفاخر بين الناس .

  1. اقتصاد ملتزم بالمشروعية في الاكتساب والاستثمار، وجميع الأنشطة الاقتصادية، فلا ظلم ولا بغي، ولا ارتكاب للمحظورات شرعاً، ولا ضرار ولا اضرار لا بالإنسان، ولا بالبيئة ولا بالحيوان، بل اقتصاد قائم على الحلال الطيب، والطيبات من الرزق، وخدمة الناس وإسعادهم.
  2. اقتصاد قائم على القيم الأخلاقية السامية، فلا بطر، ولا اغترار ولا تفاخر بالمال ﴿ Ÿ ۞ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (القصص،76).
  3. اقتصاد قائم على التوازن المطلق بين الدنيا والآخرة، بين حظ النفس وحظوظ الآخرين، اقتصاد يخدم الانسان في دنياه، وفي الآخرة ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (القصص،77).

فالاقتصادي المسلم لا ينسى نصيبه من زينة الحياة الدنيا، ومن الطيبات فلا يعيش في رهبنة واعتزال وتقشف، بل في ربانية، فيجعل قلبه مشغولاً بالله تعالى وذكره، كأنه يموت الآن، ويودع الدنيا بعد قليل، وجوارحه تعمل كأنه يعيش أبداً فقال تعالى ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ (الأعراف،32) بل أمر الله تعالى أن نأكل ونتمتع بالطيبات فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة،172).

هذا التوازن لم يستطع أي نظام سوى الاسلام أن يحققه، فالناس إما في رهبانية، وتقشف وعزلة، أو مستغرق في متع الدنيا، ويريد أن يجعل جنته في الدنيا فقط، وهذا التوازن يترتب عليه آثار كثيرة جداً منها:

أ ) السعي لنيل السعادة في الآخرة بالإنفاق الكبير والأعمال الصالحات، والصدقات الجارية، بل يكون السعي لها أكثر، لأن متاع الحياة الدنيا قليل، وأما الآخرة فهي دار الخلود.

ب ) عدم ارتكاب المحرمات من الظلم والطغيان والفساد والافساد خوفاً من الحساب والعذاب في الآخرة.

  1. اقتصاد قائم على الجودة، والمنفعة، والإحسان إلى الناس ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (القصص،77) والمقصود بالإحسان هنا هو ايصال الخير والمنفعة في مختلف مجالات الحياة بأحسن طريقة ووسيلة فالإحسان هو قمة الجودة والاتقان، وهذه الآية تدل على أن الاقتصاد الإسلامي هو اقتصاد لخير الفرد والمجتمع، وانه يستهدف تحقيق ثلاثة أمور أساسية هي:

أ ) تحقيق المنفعة والمصلحة والطيبات للفرد والمجتمع، والدولة والبيئة، وأنه قائم على الاحسان، وأن همه الوحيد هو البحث عما ينفع الناس، فكما أحسن الله إليه فهو كذلك خليفة الله في الأرض يحسن إلى كل من هو تحت تصرفه.

 ومن هنا فإن على الاقتصاد الاسلامي وضع جميع استراتيجياته وخططه لتحقيق ما ينفع الناس جميعاً، والاحسان إليهم، وتوفير ما يحتاجون إليه، بل توفير الزينة والرفاهية المشروعة للجميع، فهو اقتصاد يجب أن يحقق الغاية من الرسالة المحمدية وهي ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ (الأنبياء،107).

ب ) الإتقان والجودة، لأن الإحسان فسره الرسول صلى الله عليه وسلم ببذل الجهد المخلص الذي يبلغ الغاية فقال في جواب جبريل حينما سأله: « ما الإحسان ؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»[38] فالعبادة هنا بمعناها الشامل تشمل كل عمل صالح حينما تؤدى بهذه الطريقة إنما تؤدى على أحسن وجه وأخلصه.

فالإسلام يشجع كثيراً على الإتقان، والجودة، والسعي الدائم للتقدم المستمر، ويعتبر التوقف تأخراً فقال تعالى: ﴿ƒ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾ (المدثر،37) ولم يقل « أو يتوقف » لأن التوقف هو عين التأخر.

ج ) الشمولية حيث أطلق القرآن الاحسان فقال ( أحسن ) دون تقييده لا بالنوع ولا بالشخص، بل ان مقارنته بإحسان الله تعالى الشامل للإنسان تؤكد هذه الشمولية، والإطلاق كماً وكيفاً ونوعاً .

  1. اقتصاد بعيد عن الفساد في الأرض، والافساد في الكون، والاضرار بالإنسان والبيئة والحيوان، فقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (القصص،77).

ولعل اليوم يدرك العالم أهمية هذه الآية الكريمة التي ربطت الاقتصاد الذي يريده الاسلام بالإصلاح وعدم الإفساد، وبكل ما لا يترتب عليه الاضرار بالآخر، من خلال المشاكل البيئية، وما يتعلق بخطورة النقص في غازات أوزون بسبب الافراط في تكوين الثروة، واستغلال البيئة دون رعاية حقوقها وهذا في نظر الاسلام عقوق نحو الأصل الذي خلقنا منه، حيث ان الارض أمنا التي يرجع إليها أصلنا فقال تعالى: ﴿ ۞ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ﴾ (طه،55).

  1. اقتصاد يبني مجتمعاً متوازياً ومتوازناً لا يتأثر بأهل البغي والسرف والغرور والطغيان، فقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ (القصص،80).

وهؤلاء المؤمنون الذي آتاهم الله العلم لم يتأثروا بطغيان الطغاة وزينتهم، بل حذروهم ووبخوهم وقالوا لهم ( ويلكم ) أي الويل والخسارة والندامة لكم فكيف تضيعون آخرتكم بدنياكم الفانية فقالوا: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾ (القصص،80).

  1. اقتصاد قائم على العلم، والصبر، والتقوى، وعدم العلو في الأرض والفساد فقال تعالى ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ (القصص،83).
  2. وأخيراً فهو اقتصاد قائم على مبدأ العدل، ومبدأ الثواب لمن يعمل الخير والحسنة، والعقاب على عمل السيئات فقال تعالى ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الأنعام،160).

والخلاصة أن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد قائم على التوازن.

 ثانياً ـ القيم الحاكمة في التملك:

هناك قيم عقدية وأخلاقية كثيرة تخص أصل الملكية بأنها في حقيقتها لله تعالى وأن الإنسان مستخلف فيها ـ كما سبق ـ وكذلك تتعلق هذه القيم بجميع أسباب التملك، والملكية واحداً واحداً وهي أن تكون هذه الأسباب مشروعة كما أن من أهمها: ربط الأسباب الحقيقة بالله تعالى، والعدالة، والصدق، والبيان، وعدم الخيانة والغش والتحايل، ومنها حرمة الربا، والغرر، وأكل أموال الناس بالباطل، والقمار والميسر، وكل ما يضر بالآخر، حيث تمثل الأخلاقيات أساسية في السلوك الاقتصادي، فلا انحراف، ولا التواء، ولا تعسف في الحق والتصرف، ولا اعتساف، إضافة إلى ما يجب بسبب التملك من حقوق للآخرين من زكاة ونفقة.

والاقتصاد الإسلامي يقوم على قيم أخلاقية، لأنه نابع من شريعة جامعة بين المادة والروح، وقد اعترف بذلك المنصفون من غير المسلمين، يقول جاك أوستري: « الإسلام هو نظام الحياة التطبيقية والأخلاق المثالية الرفيعة معاً …. وهاتان الوجهتان مترابطتان لا تنفصلان أبداً، ومن هنا يمكن القول: ان المسلمين لا يقبلون اقتصاداً علمانياً، والاقتصاد الذي يستهدفونه من وحي القرآن يصبح بالضرورة اقتصاداً أخلاقياً … وهذا اللقاء بين الأخلاق والاقتصاد الذي يلح عليه (ج . برك) لم يوجد صدفة في الاسلام الذي لا يعرف الانقسام بين الماديات والروحيات »[39]

القيود الورادة على الملكية:

إن الأصل في الملكية هي الحرية، ولكن هذه الحرية قيدت استثناءً بقيود تعود في حقيقتها إلى قيود تحقق العدالة، والتكافل الاجتماعي، والتوازن بين مختلف فئات الشعب، وإلى عدم الاضرار بالآخر، وهي:

أ ـ قيود واردة على أسباب الملكية، حيث يجب أن لا تكون محرمة غير مشروعة، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم « وليس لعرق ظالم حق »[40]، فيجب أن تتحقق الملكية بأحد الاسباب المشروعة السابقة، وأن لا يكون فيها غش أو خداع، أو استغلال أو ظلم.

2ـ قيود على استعمال الملك، حيث أوجب الاسلام على المالك ما يأتي:

  • ‌أ- الاعتدال في الإنفاق، وحرمة الإسراف والتبذير، والبخل، فقال تعالى: ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26)إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا(27)﴾ (الإسراء،26-27) وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ﴾ (الإسراء،29).
  • ‌ب- عدم استعمال ما حرمه الشرع مثل استعمال الذهب ولبس الحرير للرجال، وأواني الذهب والفضة للرجال والنساء.
  • ‌ج- وجوب تنمية المال واستثماره، وعدم تعطيله في الجملة، يقول محمد بن الحسن الشيباني: « ثم المذهب عند جمهور الفقهاء أن الكسب بقدر ما لا بدّ منه فريضة»[41].
  • ‌د- عدم الإضرار بالغير، حيث لا يجوز أن يترتب على استعمال ملكه ضرر بيّن بالآخر سواء كان فرداً أم مجتمعاً، وذلك للحديث الصحيح الذي يعد من أهم قواعد الفقه الاسلامي، وهو « لا ضرر ولا ضرار »، فلا يجوز في الاسلام التعسف في استعمال الحق، ويدخل في هذا الباب أيضاً منع الاحتكار للطعام، ولكل ما هو من الضروريات، او الحاجيات العامة، يقول الشاطبي: « لأن طلب الانسان لحظه حيث أذن له لا بدّ فيه من مراعاة حق الله وحق المخلوقين »[42].

3 ـ قيود تتعلق بانتقال الملكية حيث يجب أن تكون أسبابه مشروعة، وأن لا يكون هناك إضرار بالآخر، ولذلك وضعت الشريعة بعض القيود عند الانتقال في الحالات الآتية:

أ. حالة ما إذا كان العاقد الناقل للملكية مفلساً، أو عليه ديون مستغرقة، حيث يمنع من البيع والهبة ونحوهما لمصلحة دائنيه عند جمهور الفقهاء ما عدا أبا حنيفة.

ب . حالة المريض مرض الموت حيث تقيد تصرفاته القائمة على الهبة والمحاباة بالثلث لأجل الورثة ـ كما سيأتي ـ .

ج . حالة المشاركة في العقار أو الجيرة، حيث تثبت الشفعة بالإجماع عند بيع الشريك حصته من العقار[43]، وبالجوار عند الحنفية.

ثالثاً ـ القيم الأخلاقية في الإنتاج:

وقد ربط الإسلام الإنتاج بالعقيدة القاضية بوجوب الايمان بإرجاع الخلق كله إلى الله تعالى مع وجوب الأخذ بالأسباب، وأن الرزق بيد الله تعالى، وأن الفقر والغنى من قدر الله تعالى، وأن المطلوب هو العمل الجاد المتقن، وانه لا تعارض بين الغنى والزهد، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «ليست الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، وإضاعة المال، وإنما الزهد أن تكون بما يد الله تعالى أوثق منك بما في يديك »[44] ويقول العزّ بن عبدالسلام: « الزهد في الشيء خلو القلب من التعلق به مع الرغبة عنه، والفراغ منه، ولا يشترط خلو اليد منه ولا انقطاع الملك عنه، فإن سيد المرسلين وقدوة الزاهدين مات عن فدك، والعوالي، ونصف وادي القرى، وسهامه من خيبر، وملك سليمان الأراضي كلها، وكان شغلهما بالله مانعاً لهما من التعلق بكل ما ملكا»[45].

وكذلك ربط الإسلام الإنتاج بمجموعة من القيم الأخلاقية السامية مثل قيم الصدق، والشجاعة، والثقة، والاعتدال، والعدل، والطاعة، والتعاون، والتقوى، والصبر، والاعتماد على النفس ـ بعد الله تعالى ـ والانتفاع بالزمن في أقصى طاقاته، وعدم الغش والخداع والخيانة والغرر، وعدم الاسراف في المال المودع عنده، والحفاظ على جميع الأمانات لديه، والمبادرة الذاتية والنصح بحق وأدب[46] .

وبالإضافة إلى هذه القيم فإن الإسلام حرّم إنتاج المحرمات وكل ما فيه ضرر بالنفس، وإضرار بالغير: إنساناً، أو حيواناً، أو بيئة، كما أن مفهوم الحرام في الإسلام لا تنحصر دائرته فيما يدخل تحت طاولة القانون، وإنما هو يشمل كل ما حرمه الله تعالى سواء علم به الآخرون أم لا، وبالتالي فلا يجوز التحايل عليه، بل إن التحايل عليه أشد عند الله تعالى من المحرم نفسه  .

وقد خلق الله تعالى داخل كل إنسان مسلم رقابة داخلية تسمى التقوى التي تجعل صاحبها في جميع تصرفاته وحركاته وسكناته كأنه يرى الله تعالى، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، كما قال سيدنا يوسف عليه السلام: ﴿ ۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ (الإسراء،23).

أهداف الإنتاج وتوجيهه في الاسلام وعلاقتها بالأخلاق:

يستهدف الإنتاج في ظل الاسلام الخروج من حدّ الكفاف إلى حد الكفاية لكل إنسان باعتبار أن ذلك واجب عبادي يجب على الفرد والمجتمع، والجماعة والدولة السعي لتحقيق التنمية الشاملة.

وهذا الهدف ليس آخر المطاف، بل هو هدف مرحلي أساسي للانطلاق منه إلى ما سماه الفقهاء ( تمام الكفاية ) أي: الرفاهية والتقدم، أو حسب التعمير القرآني للوصول إلى فتح بركات السماء والأرض ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (الأعراف،96) وقال الله تعالى على لسان نوح: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11)وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾ (نوح،10-12).

فالفكر الإسلامي لا يكتفي بحد الكفاية، وإنما يطلب تعمير الأرض كلها، والوصول إلى التمكين من الكون كله، والاستفادة من خيراته وبركاته، وما في داخله وباطنه وظاهره، لأن كل ذلك خلق للإنسان للاستفادة منه.

المؤمن ينتج لأجل إسعاد الآخرين:

وقد دل الكتاب والسنة على أن المؤمن المفلح هو الذي ينتج لأجل إسعاد الآخرين، فهو يعمل ويتاجر، ويزارع ويصنع، وينتج لأجل أن تكون له أموال فيؤدي زكاتها للمستحقين، فقال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) ﴾ (المؤمنون،1-4) أي أنهم يفعلون في كافة مجالات الحياة لأجل دفع الزكاة للمستحقين لإغنائهم وإسعادهم، ولذلك عبر القرآن الكريم بهذه الصيغة الدالة على ما قلت، ولم يعبر بقوله: « للزكاة مؤدون، أو مؤتون».

 رابعاً ـ المبادئ والقيم الحاكمة للتبادل في الاقتصاد الاسلامي:

وقد نظم الإسلام التبادل من خلال العقود المنظمة لها سواء كانت عقوداً ناقلة للملكية التامة كالبيع، أم للملكية الناقصة كالإجارة، أم من خلال عقود المشاركات، أم نحوها.

وقد أحاط الإسلام التبادل أيضاً بمجموعة من القيم الاساسية من الصدق والأمانة والنصيحة والرحمة والسماحة، وعدم الغش والتدليس والاكراه، كما حرم مجموعة من الاشياء مثل الربا، والغرر، والتطفيف، والنجش، والاحتكار في الطعام، ونهى عن تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي، وبيع ما لم يقبض وبيع ما ليس عنده وعن الغبن الفاحش وعن كل ما يضر بالآخر[47]

وأهم المبادئ الحاكمة للتبادل هي بإيجاز:

  • مبدأ العدل، وعدم الظلم، وهو مبدأ عام، بل هو أساس الشريعة، وعليه قامت السموات والأرض، ولأجل تحقيقه نزلت كل الشرائع السماوية، يقول ابن القيم: « فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم والمصالح في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ….، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور … فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده …. »[48] .

والمقصود بالعدل في التبادل والعقود هو أن يلتزم العاقدان بمقتضى العقد وآثاره الشرعية الأصلية، وأن يستغل أحدهما قوته، أو ضعف الآخر للإخلال بالتوازن بين حقوق الطرفين، فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن توزع الحقوق والواجبات ( الايجابيات والسلبيات) بين الطرفين، حيث إن لكل عقد ميزاناً له كفتان ففي كل كفة حقوق وواجبات ( ايجابيات وسلبيات ) فمثلاً أن عقد المضاربة له كفتان، ففي كفة رب المال حق وواجب، الحق ( الايجابية ) هو مشاركته في الربح الذي حققه المضارب، وواجب ( سلبية ) وهو أن يتحمل الخسارة إذا تحققت دون تعدي المضارب أو تقصيره، واما كفة المضارب ففيها حق ( ايجابية ) وهو أنه غير ضامن عند تحقق الخسارة إلاّ عند التعدي أو التقصير، ولكن عليه واجب ( سلبية ) وهو بذل كل الجهد، وأن يعطى النسبة المتفق عليها من الربح المحقق لرب المال.

وهذا الأمر في القرض حيث إن كفة المقرض فيها ايجابية الضمان على المقترض بمجرد القبض، وسلبية عدم استحقاقه لأي ربح أو فائدة، وفي كفة المقترض ايجابية أن الناتج كله له، وسلبية أن القرض مضمون عليه، فحينما يجتمع الحقان (الايجابيتان) في كفة المقرض، وهما ضمان رأس المال، وضمان زيادة له فقد اختل التوازن فعلاً وتحقق الظلم، وليس الظلم هنا ظلماً شخصياً، وإلاّ لما كان المقترض الراضي بالربا مظلوماً، ولما كان المقترض المحتاج ملعوناً، فهذا الظلم لحقه الله تعالى وهو له ولشريعته، ثم للمجتمع، حيث إن الربا يترتب عليه آثار خطيرة على المجتمع لا يسع المجال لذكرها.

  • مبدأ التملك والتمليك في عقود المعاوضات، وهو مبدأ من الأحاديث الدالة على منع التصرف فيما لا يملكه الإنسان، ومبدأ الغرم بالغنم في المشاركات، وهو مبدأ منبثق من حديث صحيح، وهو: ( الخراج بالضمان ) ومن مبدأ العدل، ولكن له أهميته، وخصوصيته وتطبيقاته في عقود المشاركات، ونحوها [49] .
  • مبدأ الرضا والتراضي في العقود، وهو مبدأ من المبادئ الحاكمة في التبادل والعقود[50] .
  • مبدأ وجوب البيان والافصاح أو ما يسمى في وقتنا الحاضر: الشفافية، حيث أوجب الاسلام على العاقدين أن يبنيا كل ما يتعلق بالمعقود عليه، ويكشفا العيوب المخلة بالمقصود، وأن لا يكتما شيئاً منها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من باع شيئاً فلا يحل له حتى يبين ما فيه، ولا يحل لمن يعلم ذلك أن لا يبينه»[51] قال السبكي: « لا خلاف بين العلماء في حرمة الكتمان عيب المعقود عليه، والأحاديث في تحريم الغش، ووجوب النصيحة كثيرة جداً، وحكمها معلوم من الشريعة، وكتمان العيب غش»[52]، وإضافة إلى تحريم الكتمان فقد عالج الفقه الاسلامي الموضوع من خلال: إثبات خيار العيب لمن وقع عليه الضرر[53] .
  • مبدأ وجود المعقود عليه عند التعاقد إذا كان وارداً على معين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « لا تبع ما ليس عندك»[54] وترتبط به مسائل القدرة على التسليم، والحيازة، والتملك، أما إذا كان وارداً على الذمة ـ مثل السلم والاستصناع ـ فهو جائز بشروطه وضوابطه.

وهناك مبادئ وقواعد أخرى تراجع في كتب القواعد ونظرية العقد.

 خامساً ـ القيم والمبادئ الاسلامية لترشيد الاستهلاك:

ظهر مما ذكرنا أن السلوك الاستهلاكي له آثاره السلبية، وان الاقتصاد الاسلامي لا يمنع من الاستهلاك وإنما يبذل جهده لترشيده.

ولكن الاقتصاد الإسلامي ينطلق لترشيد الاستهلاك من مجموعة من القيم والمبادئ الاسلامية من أهمها ما يأتي:

  • تربية الإنسان المسلم على الايمان بالله والقضاء والقدر، وعلى الرضا والقناعة، وعلى الشخصية القوية البعيدة عن الإمعة، واتباع الآخرين في كل شيء وعلى الزهد الايجابي، وعدم متابعة النفس في كل ما تشتهيه، أو كلما اشتهيتم اشتريتم.
  • مبدأ نبذ الأنانية، والإحساس بالآخرين، بحيث لا ينظر إلى نفسه فقط، بل يحس بالآخرين، يحب لهم ما يحب لنفسه تنفيذاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه »[55] بل يصل إلى مبدإ الإيثار كما قال تعالى في وصف الأنصار وبقية الآل والأصحاب: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر،9) وقال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾ (الإنسان،8).
  • مبدأ الالتزام بالاستهلاك المشروع، أي البعد عن النوع الثاني بقسميه.
  • الامتناع عن الاقتراض والاستدانة إلاّ للحاجيات مع القدرة على الرد في وقته، فالاستدانة ليست محبذة في الاقتصاد الاسلامي، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصلي على من مات مديناً من صحابته إلاَّ إذا ترك وفاء لدينه، أو ضمنه آخر[56]، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ من الدين ويقول في صلاته: « اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ ـ يا رسول الله ـ من المغرم ؟ قال: « إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف»[57] ذلك أن الاسلام يقر الحجر على المدين إذا أفلس، ويعاقبه بالسجن ان ماكل وهو موسر» [58].
  • الحث على الادخار لمستقبل الأولاد، فقد استأذن سعد النبي صلى الله عليه وسلم في الاستثمار، وأن يتصدق بجميع أمواله، فلم يأذن له، ثم بالنصف، فلم يوافق عليه، ثم أذن له في الثلث، وقال: « الثلث، والثلث كثير»[59] ويدل على أهمية الاستثمار ووجوبه من حيث المبدأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: « اتجروا في أموال اليتامي لا تأكلها الزكاة »[60]
  • ترشيد وسائل الاعلام وضبطها بالصدق والبيان والشفافية، وعدم المبالغة، وتغيير الحقائق، والالتزام بمصالح المجتمع العليا.
  • التركيز على منهج الاعتدال والتوسط بعيداً عن التقتير والاسراف والتبذير، فقال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴾ (الفرقان،67) وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ﴾ (الإسراء،29) بل جعل المبذرين إخوان الشياطين ـ كما سبق ـ.
  • تنظيم الانفاق والاستهلاك من حيث الأولوية بين الناس حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: « ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا….»[61] ومن حيث الأولوية للضروريات، ثم للحاجيات، ثم للمحسنات، ومن حيث الأولوية للإنتاج وإغناء الناس من خلال اعطائهم وسائل الانتاج بدل الاستهلاك، ومن حيث الأولوية لكل عمل نافع باق في الدنيا والآخرة حيث ينفق في سبيل الله الأهم فالأهم، ولذلك كان أجر الوقف أكبر من الصدقة العامة.

وبما ذكرناه يتبين لنا أن الاسلام لا يمنع الاستهلاك، وإنما ينظمه في دائرة فقه الموازنات، والأولويات، والمصالح والمآلات والنتائج، كل ذلك على مستوى الفرد والدولة، للوصول إلى الاستفادة من جميع الموارد الاستفادة القصوى .

سادساً ـ القيود الأخلاقية على السوق والانفاق لتحقيق التوازن:

إن الفكر الاقتصادي الاسلامي لا يعطي الحرية المطلقة للسوق وقانون العرض الطلب ـ كما هو الحال في الفكر الرأسمالي ـ ولا يلغيها ـ كما هو الحال في الفكر الاشتراكي ـ وكذلك الحال بالنسبة لسلطان الرضا والارادة والاتفاق، فلا يعطى له الحرية المطلقة ليفعل ما يشاء في الانشاء والشروط والقيود ـ كما هو الحال في الرأسمالية الحرة ـ ولا يكبته ـ كما هو الحال في الفكر الاشتراكي الشيوعي ـ وإنما يضع لكل واحد من السوق، والاتفاق قيوداً مناسبة في حدود تحقيق المصلحة، ودرء المفسدة، ففي نطاق السوق يضع النظام الاسلامي مجموعة من القيود والضوابط، من أهمها:

  • مراقبة السوق لتحقيق العدل والانصاف بعيداً عن الظلم والاعتساف من خلال ولاية الحسبة[62]، حيث كان للمحتسب جهاز إداري يقوم بمراقبة الأسواق والأحياء عرفته معظم المدن الاسلامية وعلى رأسها بغداد، وقد ألفت في الحسبة عدة كتب، لعل أولها: « نهاية الرتبة في طلب الحسبة » لعبد الرحمن الشيرزي (ت589 هـ ) في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي، وقد خصص الباب الثاني للحديث عن واجب النظر في الأسواق والطرقات، وتطرق إلى التسعير[63] .

وقبل الشيرزي تحدث الفقيه المالكي: يحيى بن عمر الكناني (ت289هـ) في كتابه: ( أحكام السوق ) عن دور المحتسب في السوق والتسعير[64] .

  • تدخل الدولة من خلال التسعير ونحوه من الاجراءات التي تمنع جشع بعض التجار والمنتجين، واحتكارهم.

فالرأي الراجح هو أن الأصل هو عدم تدخل الدولة في السوق، وعدم التسعير، ولكن التدخل، والتسعير استثناء مقيد بتحقيق المصلحة، ودرء المفسدة، يدل على هذا الأصل العام عدة أدلة، منها الآيات الدالة على جواز التجارة والعقود، وصحتها بتحقق التراضي ـ مع توافر بقية الأركان والشروط ـ مثل قوله تعالى: ﴿  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ (النساء،29) ومنها ما رواه أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح عن أنس قال: « قال الناس يا رسول الله: علا السعر فسعّر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال »[65].

ولذلك يرى جمهور الفقهاء: عدم جواز التسعير الجبري[66] وهذا مروي عن بعض الصحابة، منهم عمر، حيث قال لحاطب بن بلتعة: « … فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع »[67] وكتب كذلك عمر إلى والي « الأُبُلّة » حينما سعّر: « أن خلّ بينهم وبين ذلك، فإنما السعر بيد الله»[68].

ويدل على الاستثناء في حالة الظلم والاحتكار الأدلة العامة الدالة على وجوب رفع الظلم ودرء المفاسد، وتحقيق العدل، والمصالح[69].

وقد وضعت الشريعة بعض القيود في العقود لتحقيق العدل والمصلحة، وحمت الضعفاء من خلال منحهم حق الخيار لمدة ثلاثة أيام، والمستأمنين في عقود الأمانات بمنحهم حق الخيار في الفسخ، كما تدخلت الشريعة في العقود بمنع الشروط المخالفة لمقتضى العقد، أو لنص ثابت من الكتاب أو السنة، أو الإجماع[70].

سابعاً ـ القيم والمبادئ الإسلامية في إعادة التوزيع:

تعتبر هذه المرحلة في نظر الإسلام أهم المراحل لأنها تتعلق بالحقوق والواجبات على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، ولذلك وضع الاسلام لها القيم الآتية:

  1. قيم عقدية، وهي الايمان بأن المال مال الله في حقيقته وأن العبد مستخلف عليه، وبالتالي فلا يجوز له الاستئثار به دون رعاية حقوق الآخرين.

ويترتب على هذا الايمان ما يأتي:

  • أنه يسعى لإرضاء مالكه وخالقه وهو الله تعالى وبالتالي ينفذ أوامره في رعاية الفقراء والمحتاجين، ويكون قصده فقط ارضاء الله تعالى ولذلك يبحث عن أحوج الناس وأضعفهم الذي ليس هناك أي أمل في جزائه الدنيوي كما عن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(9)إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ (الإنسان،8-10) في حين أن الكافر لا يمكن أن يبحث إلاّ عن مصلحته وبالتالي لا يبحث عن الفقراء واليتامى حيث عبر القرآن الكريم عن ذلك ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) ﴾ (الماعون،1-3).
  • أنه يحس من خلال الايمان أنه جزء من جسد واحد وهو جسد المؤمنين « إن اشتكى منه عضو تتداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»[71] بل يحس بأخوة إنسانية ورحمة وشفقة لجميع مخلوقات الله تعالى، فيضحي بماله في سبيل انقاذهم ونجاتهم.
  • أنه من خلال ايمانه بالآخرة والجنة وحرصه على الثواب العظيم … لا يكتفي بالصدقات المفروضة، وانما يبحث عن مزيد من الصدقات والأوقاف حتى ينال رضاء الله تعالى، إن تأريخنا الاسلامي بدءاً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم أنموذج رائع ورائد في الايثار والتضحية بكل ما يملكه المسلم في سبيل الله تعالى، وإسعاد الناس، وإقامة الحضارة، واقامة المشاريع الوقفية في مجال المدارس والجامعات، والمستشفيات ونحوها التي كان لها دور رائد في التنمية والعمران، كما كان لها دور انساني رائع متنوع شمل مختلف الحاجات الانسانية، بل الحاجات الحيوانية[72] .
  1. إن أهم المبادئ الإسلامية الحاكمة في إعادة التوزيع هي:
    • مبدأ العدل في الأخذ والعطاء والتوزيع وإعادة التوزيع .
    • مبدأ المساواة بين الناس جميعاً في الحقوق والواجبات، وهذا لا يعني في الاسلام المساواة في المقدار، والعدد، دون رعاية المؤثرات الأخرى مثل: الكفاءة، والجدية، ونوعية العمل وكثرته وجودته، بل كل ذلك معتبر بمبدأ العدالة، وإنما المقصود بالمساواة في أصل الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب اللون والجنس ..
    • تحقيق مبدأ الموازنات والتوازن من حيث حيث مراتب الضروريات والحاجيات والمحسنات على مستوى الفرد، ومشاريع الدولة وسياستها .
    • مبدأ شمولية توزيع الثروة لجميع خلق الله تعالى حتى الحيوان بل وسعت كل ذي روح.

هـ) مبدأ تحقيق حدّ الكفاية في المعيشة لجميع رعايا الدولة الاسلامية .

والتاريخ يثبت من عهد الخلافة الرائدة، والخليفة عمر بن عبد العزيز إلى اليوم أن العدالة في إعادة التوزيع حققت مستوى الكفاية لجميع رعايا الدولة الإسلامية، وأن سوء التوزيع أو عدم التوزيع العادل هو السبب في الفقر والحرمان، وأن ما يسمى بالندرة يعود إلى سوء إعادة التوزيع مع سوء الإنتاج، وإلاّ فإن الله تعالى قدر في الأرض أقواتها وبارك فيها فقال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ﴾ (فصلت،10) وقال تعالى: ﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20)﴾ (الحجر،19ـ20).

  1. قيم أخلاقية من مراعاة الآداب الراقية عند الإعطاء دون منّ ولا أذى، ولا إذلال ولا استغلال، بل مع الاحترام والحفاظ على كرامة الآخذ، بل شكره على أخذه وباعتباره واجباً وأنه لولاه لما استطاع أن ينفذ أمر الله تعالى، ويكتسب أجراً، فقد وضع الله تعالى مجموعة من التعليمات الراقية في آخر سورة البقرة لمن أراد أن يكون له ثواب وأجر مضاعف سبعمائة مرة على صدقاته فقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) ۞ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)﴾ (البقرة،262ـ264) وكذلك أمر الله تعالى أن يكون الانفاق من أطيب ما لدى الانسان، ومن أحسنه، وأن لا يكون من المحرمات ولا من الخبائث، ولا من الأشياء الرديئة فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ  ﴾ (البقرة،267) ثم بين الله تعالى أن تكون بالخفية إذا أعطى للفقراء، وإذا أعطى علناً فلا بأس ولا سيما إذا أعطى للجهات العامة فقال تعالى: ﴿ إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ (البقرة،271).

كما وضع الإسلام مجموعة من الآداب الراقية عند الأخذ، منها: أن لا يقبل الشخص الصدقات إلاّ إذا كان محتاجاً حاجة شديدة، بل عليه الصبر والتعفف حتى يظنه الجاهل غنياً فقال تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة،273) ومنها عدم الإلحاح في الطلب، ومنها الشكر للمتصدق والدعاء له، ومنها وجوب الكف عن قبول الصدقة بمجرد زوال حاجته.

 ثامناً ـ القيم الأخلاقية المرتبطة بالنظام المالي والسياسة المالية:

 يستهدف الإسلام من خلال النظام المالي والسياسة المالية مجموعة من الأهداف الإنسانية الأخلاقية لتحقيق العدل والإحسان والرحمة للعالمين، نذكرها بإيجاز:

أهداف السياسة المالية الإسلامية وعلاقتها بالأخلاق:

 إن للسياسة المالية الإسلامية مجموعة من الأهداف والمقاصد العامة والخاصة امتزجت تماماً بالقيم الأخلاقية نوجزها فيما يأتي:

أولاً ـ الاقتصاد والاعتدال في الإنفاق العام ـ كما سبق شرحه ـ .

ثانياً ـ الاستخدام الأمثل لموارد الدولة، وأموالها لتحقيق المصالح العامة من خلال استهداف مجموعة من الأغراض من أهمها:

  • استكمل البنية التحتية للتنمية الشاملة من الشوارع، والمواصلات، والاتصالات، والقوانين المنظمة لحركة الادخار والاستثمار .
  • توفير الضمان الاجتماعي لجميع المواطنين من المسلمين وغيرهم .
  • الاستثمار الاجتماعي الذي يقصد به الاستثمار في تنمية الإنسان من الجوانب الاجتماعية والعلمية والثقافية والتربوية.
  • تحقيق التوازن بين جميع الأنشطة الاقتصادية، وبين طبقات المجتمع، وتدل على مجموعة من النصوص الشرعية العامة الدالية على ضرورة التوازن والتعادل والتكامل، والنصوص الخاصة، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة وجد المسلمين (الأوس والخزرج) يعملون في الزراعة تاركين الأسواق والصناعة لليهود، لذلك وجه المسلمين إليهما، حيث فتح سوقاً للتجارة، وأمرهم بالصناعة لتحقيق هذا التوازن، وحتى يكون لديهم الاكتفاء الذاتي بقدر الإمكان[73] .

ومن باب تحقيق التوازن بين الأغنياء والفقراء المعدمين ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في فيء بني النضير حيث وزعه على المهاجرين وحدهم دون الأنصار إلاّ رجلين فقيرين من الأنصار[74]، بالإضافة إلى الآيات والأحاديث الوارد في الإيثار منها قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (الحشر،9).

ثالثاً ـ الاستخدام الأمثل للموارد البشرية للأمة، وهذا يعني تحقيق التوظيف الكامل الفعال، وسعي الدولة بكامل أجهزتها لإيجاد عمل مناسب لكل من هو قادر على العمل.

 إن الاستخدام الأمثل للطاقات البشرية يحقق عدة أهداف في غاية من اللاأهمية، منها القضاء على البطالة، ومنها الاستفادة من الطاقات البشرية في أعلى صورها، ومنها توفير الحياة الكريمة لشرائح كبيرة داخل الدولة، ومنها زيادة الإنتاج والاستهلاك، والادخار والاستثمار، وبالتالي تحقيق التنمية والنهضة، يقول الأستاذ عمر شابرا: « إن تحقيق معدل مرتفع للنمو الاقتصادي ليس مهماً إلاّ في الحدود التي يسهم فيها هذا النمو في تحقيق التوظيف الكامل، والحياة الاقتصادية الطيبة على نطاق واسع، وفيما عدا ذلك يجب أن يوزن هذا المعدل بعناية، مقابل كل ما يترتب عليه من آثار معنوية، واقتصادية، واجتماعية، إن معدل النمو المرغوب به بعد أخذ كل هذه الآثار بعين الاعتبار يمكن ان يسمى بـ ( المعدل الأمثل )»[75] .

  فهذا في نظري من أهم أهداف السياسة المالية، وتدل عليه مجموعة من الآيات والأحاديث لا يسع المجال لشردها، منها جميع الآيات والأحاديث الدالة على تسخير الكون للإنسان، وبالتالي فإن مقتضى التسخير التمكين والاستفادة والانتفاع منه فقال تعالى: ﴿t¤‚y™ur /ä3s9 $¨B ’Îû ÏNºuq»yJ¡¡9$# $tBur ’Îû ÇÚö‘F{$# $Yè‹ÏHsd çm÷ZÏiB 4 ¨bÎ) ’Îû šÏ9ºsŒ ;M»tƒUy 5Qöqs)Ïj9 šcr㍩3xÿtGtƒ ﴾ (الجاثية،13) وقال تعالى: ﴿  اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32)وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ﴾ (إبراهيم،32ـ34) وكذلك الأحاديث الدالة على أهمية الكسب والأعمال[76] .

رابعاً ـ تحقيق التوزيع العادل للدخل والثروة لتخفيف التفاوت في الدخل والثروة بين الناس، وذلك من خلال جمع الزكاة وصرفها في مصارفها الثمانية، وكذلك بقية موارد الدولة، والضرائب العادلة، والصدقات والأوقاف والكفارات، والمواريث، والنفقات، ونحوها، بحيث توجه الدولة جميعها للتنمية الشاملة وتحقيق حد الكفاية لكل من يعيش على أرضها، ثم التوجه نحو تمام الكفاية، وبالتالي تحقق القضاء على الفقر تماماً كما فعل ذلك الخليفة عمر بن عبد العزيز خلال فترة وجيزة.

 وفي نظري تعتبر هذه الأهداف الأربعة مترابطة، ومتكاملة ومتلازمة، وان أي خلل في أي واحد منها سيكون له تأثيره على الآخر، فإذا وجد الإسراف والتبذير في الدولة والإنفاق العام، فإن بقية الأهداف تتأثر به، وهكذا بقية الأهداف.

ثم إن هذه الأهداف مرتبطة ومتأثرة بدرجة عالية جداً بالعقيدة والقيم الإسلامية، كما أنها متأصلة ومعتنى بها عناية قصوى في الإسلام حتى ربطت بالإيمان، فقال تعالى: ﴿ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ (التوبة،11) حيث ربطت الأخوة الإيمانية بدفع الزكاة، وحقوق الفقراء، وقال تعالى في وصف الكفرة المكذبين: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ(3)﴾ (الماعون،1ـ3).

وهذا الربط كما أنه تأصيل، فكذلك قوة دفع للمؤمن لأداء هذه الحقوق دون قوة القانون ورقابته وأجهزة ملاحقته، بل إن المؤمن يندفع نحو ذلك حتى يصل إلى حد الايثار، وما على الدولة إلاّ ان تكون محل ثقته، وتضع الخطة المناسبة لتحقيق سياسة مالية ناجحة تؤدي إلى تحقيق الرفاهية والسعادة للجميع .

خامساً ـ وجود أسواق أولية وثانوية منضبطة، وقادرة على تقديم جميع السلع والخدمات والأوراق المالية بشكل مشروع وعادل، ودون جشع ولا احتكار ضمن سياسة دقيقة ومراقبة مناسبة من الدولة.

والأسواق في الإسلام حرّة من حيث المبدأ، ولكنها مقيدة بقيود تعود بالمصالح على الجميع، وهنا يأتي دور الدولة في الاشراف والمراقبة والتوجيه دون تدخل مباشر إلاّ في حالات الضرورة أو الضرر العام، أو تجاوز الحدود الخاصة بالعقيدة والقيم الأخلاقية في المعاملات، ولذلك فالأصل هو عدم التسعير إلاّ في مثل هذه الحالات.

ولأهمية الأسواق في الإسلام أولى الرسول صلى الله عليه وسلم عنايته بها منذ بداية هجرته إلى المدينة المنورة، حيث أنشأها فيها وقال: «هذا سوقكم، فلا يُنْقِصَنَّ، ولا يُضربنّ عليه خراج »[77] كما عني صلى الله عليه وسلم بحريتها ومنع التسعير فيها، وتكافؤ الفرص فيها للجميع بعدل وانصاف حتى كان يداوم على تفقد أحوالها، ومراقبة الأسعار فيها، ثم سار على هذا المنهج الخلفاء الراشدون والحكام والولاة من بعدهم[78] .

وقد راعى الإسلام الأسواق من خلال عناية تنظيمية تتمثل في نظام الحسبة الذي وضع الضوابط والآداب العامة للعاملين والمتاجرين فيها، وأعطى للمحتسب بعض السلطات والصلاحيات لعلاج القضايا التي تضرّ بأهل السوق[79] بصورة عاجلة، تدخل الآن ضمن صلاحيات الشرطة، وتصل في بعض الأحيان إلى صلاحيات القضاء التجاري المستعجل في عصرنا، بالإضافة إلى وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات الظاهرة البينة، وكل ذلك في إطار تحقيق الأمن والعدل والحرية لجميع من له علاقة بالسوق .

شروط تحقيق التنمية الشاملة في الفكر الاسلامي:

إن الفكر الإسلامي ينطلق نحو التنمية من خلال قيمة الإنسان نفسه حيث يعتبره قطب الرحى، ومركز التوجيه والتركيز، والناهض بالتنمية إن أعدّ لها إعداداً جيداً، وهو السبب في نجاح التنمية بعد توفيق الله تعالى، وهو السبب في فشلها، لذلك فلا يلومنّ عند المصائب إلاّ نفسه، قال تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ (آل عمران،165).

فالفكر الإسلامي يربط بين الأسباب الظاهرة والنتائج، ولا يقبل بإسناد المسؤولية إلى خارج الإنسان فقط، وبالتالي فلا يجعل الآخر ( عدواً أو غيره ) شماعة يعلق عليها مصائب الأمة، بل يضع المسؤولية عن النتائج على المسلمين أنفسهم، ويربط بين الأسباب الظاهرة والنتائج، فهذه سنة الله تعالى التي جرت لعباده، بأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وأن النصر لا ينزل من السماء إذا كانت النفوس لم تتغير، ولم تعمل ولم تجاهد، ولم تصبر ولم تتق، وأن الله تعالى لا يغير النعمة إلى النقمة إلاّ بسبب تغير النفوس نحو الظلم والشرور والخبائث، والجرائم والعجز والكسل، كما أنه تعالى لا يُغَيِّرُ النقمة إلى النعمة  إلاّ إذا تغيرت النفوس نحو الإيمان والعمل الصالح والطيبات فقال تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ (الرعد،11)

لذلك فأي تنمية، وأي نصر، وأي تقدم، أو حضارة لن تتحقق في نظر الإسلام إلاّ بالإنسان وإعداده الإعداد الجيد، فقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ (الأنبياء،105) فكلمة ” عبادي ” تشير إلى جميع العقائد الصحيحة والقيم والأعمال الصالحات وكلمة ” الصالحون ” تشير إلى الإعداد الجيد الإيماني والعلمي والتقني حتى يكونوا صالحين لحمل الأمانة، وتحقيق العدل، وتعمير الأرض والشهادة على الناس بقسط وحق.

فقد قال ابن خلدون كلمات نيرات مضيئات لتحقيق التنمية في نظر الإسلام: «الملك لا يتم عزه إلاّ بالشريعة، والقيام لله بطاعته، والتصرف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشريعة إلاّ بالملك، ولا عزّ للملك إلاّ بالرجال، ولا قوام للرجال إلاّ بالمال، ولا سبيل للمال إلاّ بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلاّ بالعدل، والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة، نصبه الربّ، وجعل له قيماً، وهو الملك … فهذه ثمان كلمات حكيمة … ارتبط بعضها ببعض، وارتدت أعجازها إلى صدورها، واتصلت في دائرة لا يتعين طرقاتها» [80] .

فهذه الحلقات الثماني هي التي تستطيع ان تملأ الفراغ، وتحقق التنمية الشاملة بإذن الله تعالى .

ولذلك يعتبر من أهم شروط التنمية ومقوماتها ما يأتي:

الشرط الأول: الاعداد الإيماني والتربوي والأخلاقي لجعل الانسان الذي يقوم بالتنمية، والانسان الذي يجني ثماره صالحيْن قادريْن على الإنتاج والترشيد الاستهلاكي.

فعلى الدولة إن أرادت التنمية الشاملة أن يكون ضمن برامجها الأساسية التربوية الاعداد الشامل للجانب العقدي، والجانب الأخلاقي والسلوكي والوعي الحضاري، والفقه المقاصدي، للوصول إلى المؤمن القوي الهادي الهادئ الهادف .

علاقة الاعداد الإيماني والأخلاقي بالتنمية:

  • ان العقيدة الصحيحة هي التي تعطي للإنسان القيمة للحياة، وتمنحها الخلود، بحيث لا تنتهي بعمر قصير، بل تمتد إلى الآخرة، لذلك فهو يعمل لأجل هذا الخلود، ولتحقيق جنته في الدنيا والآخرة، كما أنه حسب عقيدته خليفة في الأرض، أو خليفة الله في الأرض للتعمير.
  • إن هذا الايمان يعطيه دفعة قوية لمزيد من العمل الصالح، بحيث إذا كان الكافر يعمل لدنياه القصيرة، ويبذل كل جهده، فماذا عليه أن يعمل لهذه الحياة الخالدة، كما أنه يجعله أمام هدف كبير وهو تعمير الكون على ضوء منهج الله تعالى .
  • إن إيمانه بالله، وباليوم الآخر وما فيه من نعيم ومقيم يمنعه من الظلم والفساد في الأرض، وأكل أموال الناس بالباطل ومن عامة المحرمات والخبائث والمؤذيات، فيصبح إنساناً صالحاً نافعاً غير ضار.
  • ان التربية الأخلاقية الصحيحة تجعل المسلم صالحاً نافعاً في تصرفاته، غير ضار بأحد من إنسان، أو حيوان، أو بيئة .

إذن فعلاقة الايمان والأخلاق بالتنمية من ناحيتين:

  • الايجابية من حيث الاندفاع نحو العمل الصالح النافع الكثير الدائم الباقي .
  • السلبية من حيث الامتناع عن الاضرار والجرائم والفساد في الأرض وكل ما فيه ضرر .

وإذا فصلنا في مجال العقيدة فيتبين لنا أن العقيدة تقوم بتحقيق ثلاثة أدوار، أو تهيئة النفوس لها، وهي:

الدور الأول: انها تعطي الأمن الداخلي والنفسي لصاحبها، وتجعله متوكلا ً على الله تعالى مع الأخذ بالأسباب مؤمناً بالقدر خيره وشره، فيكون في حالة الفقر والمصائب صابراً لا يجزع ولا ييأس، ولا يأسى، بل راضياً برضاء الله تعالى قانعاً بما رزقه، وفي حالة الغنى شاكراً خاضعاً متواضعاً لا يطغى ولا يستغني ولا يتكبر ولا يتجبر، بل ينفق أمواله في سبيل الله لتحقيق التوازن والخير للجميع.

وفي جميع الحالات لا يرتكب الجرائم لا بسبب الفقر والفاقة ولا بسبب القوة والطغيان فهو يخاف الله تعالى فيكون كما قال الله تعالى عن ابن آدم الصالح: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة،24).

فالأمن النفسي يساعد على الانتاج بشكل طيب، وأما عدم ارتكاب الجرائم فآثاره واضحة على الحفاظ على الأموال وتنميتها، وتشجيع الاستثمار بالنسبة للغير، حيث إن من أهم مقوماته عدم الخوف من الاعتداء على الأموال والأنفس إضافة إلى إيمان المؤمن بالبركات المعنوية التي تنزل من السماء عند الايمان والتقوى والاستغفار .

الدور الثاني: هو أن العقيدة الصحيحة تدفع نحو العمل الجاد، ولا تخدر الإنسان بالتواكل أو العجز أو الكسل الذي استعاذ منه الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما هي التي تفجر طاقات المؤمن وتدفعه إلى العمل الصالح والتقوى والعفاف والطهارة والنقاء مع توكله على الله، والحفاظ على مصالح الآخرين ولذلك لا يذكر الإيمان إلاّ والعمل الصالح مقرون به ملازمة لا ينفك عنه، فالآيات القرآنية علقت البركات والخيرات بالإيمان والتقوى التي هي قمة العمل مع الإخلاص، وربطت بين الإيمان، والعمل الصالح، وبين الحياة الطيبة في الدنيا، والأجر الأحسن في الآخرة، فقال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (الأعراف،96) وقال تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ(2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ(3) ﴾ (هود،2ـ3) فهذه الآيات واضحة في ربط المسببات والأسباب .

الدور الثالث: السعي الجاد لتحقيق الإحسان والأحسن في كل شيء فقال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) ﴾ (الملك،1ـ2).

وأما التربية الأخلاقية فهي تحقيق حسن النية، وحسن التعامل مع الناس، والايثار، والعفة، والبر والاحسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة .

وأما التربية الدينية حتى في مجال الشعائر فلها دورها الكبير على السلوك الدنيوي أيضاً ما دامت تؤدى في صورتها الصحيحة، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر بنص القرآن الكريم: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ (العنكبوت،45)، والزكاة عبادة مالية لتطهير النفوس والأموال ولأداء حقوق المستحقين فقال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ (التوبة،103) والصوم عبادة نفسية روحانية لتهذيب النفوس فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة،183)، وأما الحج فهو عبادة شاملة فقال تعالى: ﴿ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ (الحج،28).

فهذه العقائد والأخلاق والعبادات الإسلامية تهيئ الإنسان فعلاً ليكون شخصاً صالحاً لتعمير الكون وحمل الأمانة وتحقيق العدل… .

الشرط الثاني: العمل الصالح الذي لا ينحصر معناه لا لغة، ولا شرعاً في الشعائر التعبدية، وإنما حقيقته وجوهره هو كل ما عمل طيب نافع للإنسان والحيوان والبيئة ..

فالعمل الصالح تقع في قمته أركان الاسلام الخمسة، ثم بقية الواجبات، ثم المندوبات، ثم المباحات، مع مراعاة فقه الأولويات والموازنات، علماً بان جميع الأنشطة الاقتصادية تتوزع على الأحكام التكليفية من إيجاب وندب، وتحريم وكراهة وإباحة .

الشرط الثالث: الاعداد العلمي والتقني للإنسان في مجتمعنا الاسلامي من خلال التزود بالعلم النافع الشاكل لكل علوم الحياة الدنيوية والأخروية، ويدخل فيه تحقيق المهارات والقدرات على الابتكار، وصناعة التقنيات الجديدة، واختراعها، وقد أثبتت التجارب التي مرت بأمتنا، وبالأمم الأخرى أن النهضة الشاملة، أو التنمية الشاكلة لن تتحقق إلاّ بتغيير الأنفس من أنفس خاملة مضطربة إلى أنفس جادة مطمئنة، وتغيير العقول من الفوضى والتقليد والجمود إلى التنظيم والتجديد والابداع، وتشغيلها على أساس ديناميكية تحركها للبحث الدائم عن الأحسن ـ أحسن السيناريوهات في كل المجالات ـ وتغيير مناهج التعليم والتربية من التقليد والتبعية والاجترار والتكرار إلى مناهج بنّاءة قادرة على نصاعة الرجال والعلماء .

وكل ذلك لن يتحقق إلاّ بالعلم الذي جعله الله تعالى مفتاحاً للاستخلاف والتعمير، ونحن هنا نتحدث بإيجاز عما ذكرته أول سورة تنزل على رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من الشروط والضوابط فيما يأتي:

العلم هو الشرط الأساسي، وهو المفتاح للتمكين:

وليس المقصود به محو الأمية، الذي يُعدّ المرتبة الأدنى، ثم يأتي بعدها محو الجهل بالحقائق، ثم المرتبة الثالثة وهو العلم الشامل النافع المؤثر ولا سيما في مجال التقنيات والوسائل المؤثرة، أو ما يسمى بالتقنيات والتكنولوجيا المعاصرة .

وقد أشار القرآن الكريم إلى دور الرسول صلى الله عليه وسلم أمام أمته فقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ (الجمعة،2).

فالأمة الأمية التي لا تقرأ ولا تكتب، والجاهلة بحقائق الأمور وبواطنها ومآلاتها، والضالة في دينها ودنياها، لا يمكن أن تتحقق لها سعادة الدنيا والآخرة، ولذلك كان من وظائف الرسول صلى الله عليه وسلم القيام بما يأتي:

  • تزكية نفوسهم وقلوبهم وباطنهم بتخليتها من الحقد والحسد، والبغضاء، والفرقة والخلاف، ثم بتحليتها بجميع الفضائل والقيم السامية من المحبة والصفاء والنقاء والتواضع والاباء، ليكونوا كجسد واحد، وبالتالي ليتألفوا على منهج واحد ولتتكون منهم الأمة، لأن الأمة لن تتحقق بعصبيات متنافرة، وشعوب متفرقة، وقلوب متباغضة، ونفوس متشاحنة، وأرواح خبيثة، بل يقيم جامعة وأخلاقيات سامية، ونفوس طيبة، وعقول نيرة، وقلوب سليمة طاهرة .

وبينت الآية الكريمة أن الوسيلة لتحقيق هذا الهدف هو التربية الايمانية القائمة على تلاوة القرآن الكريم والعمل به ويدخل في القرآن الكريم بيانه المتمثل بالسنة المطهرة، والسيرة العطرة لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، التي تظهر لنا أخلاقه السامية حتى شهد الله تعالى بذلك فقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾(القلم،4).

  • التعليم للكتاب الذي يكون على رأسه القرآن الكريم، لكنه يشمل أيضاً كل كتاب نافع صالح للدين والدنيا.

وهنا يدخل جميع العلوم المكتسبة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال القرآن الكريم أعطى مفتاح العلوم كلها لهذه الأمة.

  • الحكمة هي كل شيء نافع، وبالتالي فهي تشمل العلوم إذا طبقت وذلك لأن نفع العلوم ليس في ذاتها وإنما من تطبيقها، فالعلم النافع هو الذي انتفع به صاحبه، ثم ينتفع به غيره، فهو يتعلم فيستفيد، ثم يعلم فيفيد، وإلاّ فالعلم الذي لا يطبقه صاحبه يكون وبالاً عليه فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾ (الصف،2ـ3) إذن تدخل في الحكمة الاستفادة من علوم العصر والتقنيات، والتكنولوجيا المعاصرة النافعة .

كما أن الحكمة تشمل التجارب النافعة من أي شخص كان، كما أنها تشمل المنهج النافع إذ الحكمة وضع الشيء المناسب في محله المناسب في وقته المناسب، وبأسلوب مناسب، وهذا هو المنهج الصحيح للوصول إلى الغرض المنشود.

إذن فهذه الآية الكريمة تضمنت معظم شرائط التنمية المتمثلة في محو الأمية، ورفع الجهل، وتحقيق العلم النافع، والقيم الأخلاقية السامية، والاستفادة من التجارب النافعة، والمنهج الصحيح من خلال خطة محكمة.

ويدل على أن العلم بالمعنى الذي ذكرناه هو مفتاح التنمية الشاملة، بل مفتاح التمكين والاستخلاف في الأرض ما يأتي:

أولاً ـ أن الله تعالى خلق آدم ليكون خليفة في الأرض وجعل له غاية ورسالة، فالغاية هي العبادة لله تعالى حيث بهذه العبودية تتزكى نفسه وتنصلح حاله فيكون صالحاً ومصلحاً .

وأما رسالته فهي تعمير الكون لصالح البشرية فقال تعالى: ﴿ ۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (هود،61)، ولتحقيق هذه الرسالة فإن الإنسان يحتاج إلى العلم الاستنباطي الذي يكتسبه الانسان من خلال اجتهاداته ومعارفه.

ومن هنا فالملائكة لديهم العبودية الكاملة ﴿ž يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَƒ ﴾ (التحريم،6)

ولديهم العلم اللدني من الله تعالى، ولذلك لما امتحنهم الله مع آدم نجح آدم بعلم الاستنباط ولم تنجح الملائكة، فأمرهم الله تعالى بالسجود له.

إذن فمعيار الاستخلاف ليس العبودية فقط، كما قال الملائكة حينما قالوا: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (البقرة،30) ـ وإنما المعيار هو العلم الاستنباطي مع العبادة لله تعالى الذين أعطاهما الله لآدم فاستحق أن يكون خليفة في الأرض.

وإذا كان الله تعالى أمر بسجود الملائكة ـ وهم أفضل الخلق بعد الرسل ـ لآدم بسبب العلم فإن في ذلك دلالة واضحة بأن الكون كله قد سخر الله تعالى بالعلم أيضاً.

ثانياً ـ اصلاح منهج العلم والتعليم في أول سورة من القرآن الكريم على عكس ما يتوقعه أي إنسان في نزول كتاب سماوي من أن يبدأ بتصحيح العقيدة، أو بتصحيح العبادة ….. تنزل أول سورة، وأول آية تقول: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ (العلق،1ـ5).

هذا التركيز على القراءة والعلم على نبيّ أمي، وأمة أمية، وفي بيئة جاهلية، وفي وقت كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء فهو كان بحاجة إلى بيان العقيدة والعبادة الصحيحة، ولكن الله تعالى ـ وهو أحكم الحاكمين ـ يختار هذه الآيات.

ولقد فكرت ملياً وعشت مع هذه الآيات سنين طويلة إلى أن اهتديت إلى الحكمة ـ والله أعلم بها ـ وهي بيان أن هذه الأمة أخرجت للناس لترث الأرض ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107) ﴾ (الأنبياء،105ـ107) وهؤلاء هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالاتفاق، وبالتالي فهم محتاجون لمفتاح التوريث والتمكين فبين الله تعالى لهم أن مفتاح ذلك هو إصلاح النظام التعليمي من خلال:

  • القراءة الشاملة للكتاب المقروء « القرآن الكريم »، والكتاب المفتوح «الكون» فقد كان من قبل الاسلام إما انهم في الغالب يحصرون أنفسهم على قراءة الكتب الدينية فيكونون بمعزل عن الحياة الدنيا، أو على قراءة الكون فيكونون بمعزل عن الآخرة، فجاءت هذه الآية آمرة بالقراءة مطلقاً، أي القراءة لكل شيء حيث حذف المفعول به لأقرأ فيراد به العموم.
  • القراءة المتجددة الحادثة في كل وقت، حيث يفهم من ذلك من الجملة الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد.
  • القراءة المتكررة المفهومة من أن الأمر يقتضي التكرار كما هو مذهب بعض الأصوليين[81].
  • عدم تضييع الوقت والفرص وعدم التأخير ولو لحظة، حيث يفهم من ذلك من صيغة الأمر الدالة على الفورية[82].
  • أن تكون القراءة بطريقة هادئة هادفة متسمة باللطف واللين، وبالتدرج المطلوب حيث أخذ ذلك من ربط القراءة بالربّ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ (العلق،1).
  • الاستفادة من كل ما جاء في القرآن الكريم ليس للأمور العقائدية والتعبدية فحسب، بل في الأمور الدنيوية والعلوم المتعلقة بالإنسان، والكون كله من خلال ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ (العلق،4) على تفسير بعض، ومن خلال ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ (العلق،5)[83] .
  • الاستفادة من كل مصادر المعرفة وهي الحواس، والعقل والتجارب المشار إليها في قوله تعالى: ﴿zO¯=tæ ÉOn=s)ø9$$Î/ ﴾.
  • الربط بين القراءة والعلم وبين كرامة الإنسان من خلال قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ (العلق،3) أي الذي أكرم الإنسان فأعطاه العقل والحرية والاختيار ـ في دائرة قدرة الله ـ مما يفهم منه العلاقة الكبيرة بين العلم المؤثر ـ الذي يترتب عليه الإبداع وبالتالي التمكين ـ وبين كرامة الإنسان وحقوقه المحفوظة، وذلك لأن الإنسان الذي ليس له حرية ولا كرامة: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ (النحل،76).
  • عدم وجود نهاية للعلم من خلال قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق،5) فالعلم بحر متلاطم الأمواج لا يصل الإنسان إلى نهايته بل: ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾(يوسف،76) لذا يجب عليه السعي الدائم الدائب للمزيد والمزيد، والمزيد، لذلك لا ينبغي الاكتفاء، بل يجب طلب المزيد مع السعي الحثيث .
  • أن تكون القراءة مرتبطة بالله تعالى وبرحمته حتى لا يتجاوز حدّه، فيتحول إلى الإضرار بالآخرين، كما حدث للغرب، حيث تضررت البيئة بسبب الاسراف في الصناعات المربحة لهم ولو كانت على حساب الآخرين.

وإذا نظرنا إلى القرآن الكريم والسنة المشرفة لوجدنا فيها مئات من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تتحدث عن فضائل العلم وأهميته، ونحيل القارئ الكريم إليها[84].

الشرط الرابع: حماية حقوق الإنسان وكرامته وحريته، إذ بدونها لا إبداع، ولا قدرة، بل يصبح الإنسان في ظل الاستبداد والدكتاتورية وكبت الحريات كالعبد الذي فقد حريته وإرادته وبالتالي بوصلته، فقد عبر القرآن الكريم عن خطورة الاستبداد والكبت تعبيراً رائداً ورائعاً فقال تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ (النحل،76).

ويرتبط بهذا الشرط تحقيق العدالة والابتعاد عن الظلم في الحقوق والواجبات من خلال أداء الحقوق إلى أصحابها بعدل وانصاف بعيداً عن هضم الحقوق والظلم والاعتساف .

 وباختصار شديد فإني على يقين بأن إصلاح النظام السياسي شرط أساسي لتحقيق التنمية الشاملة المستدامة .

إن منهج الإسلام يمكن إيجازه في أحد جوامع الكلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: «فأعط كل ذي حق حقه »[85] وقال تعالى: ﴿ ۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ (النساء،58).

كما أن منهج الإسلام دائماً يقوم على الحقوق المتقابلة، فكل من له حق فعليه حق وواجب، وأن المسلم يؤدي الحق تنفيذاً لأمر الله، كما أن مقابله كذلك يعطي الحق، وحينما يصل كل إنسان إلى حقه دون خصومة يعطي الحق، وحينما يصل كل إنسان إلى حقه دون خصومة ولا عناد و لا حاجة إلى المحاكم إلاّ في حالات نادرة .

  وبالحقوق المتقابلة يتم تشغيل الجميع، وتفعيله، وينال كل واحد ما له بعدما أدى ما عليه، لذلك يبدأ بنفسه لينطلق نحو المطالبة بحقوقه، كما أنه من خلالها تتحقق المسؤولية والمساءلة، فلا أحد يكون بمنأى عن المسؤولية وأداء ما عليه .

النمو مع المساواة:

هذا هو عنوان كتاب صدر عام 1993م من معهد « بركنجز » ألفه ثلاثة من كبار الاقتصاديين والمحللين الأمريكان وهم: مارت نيل بايلي، وجاري بيرتلس، وروبرت إليتان، وخلاصته كما يقول المؤلفون: « ابتلى الاقتصاد الأمريكي ـ على امتداد ما يقرب من عقدين ـ باتجاهين اقتصاديين للاضطراب: تباطؤ النمو والانتاجية، وتزايد عدم المساواة في توزيع الدخل » ويقولون أيضاً في الرد على الحلول السريعة: « إذ أن المشكلتين التوءم: تباطؤ النمو، وزيادة التفاوت في توزيع الدخل قد رافقتنا فترة زمينة طويلة، بحيث يتعذر حلهما بين يوم وليلة … حيث زعم المتحمسون في إدارة «ريجان» أن خفض معدلات ضريبة الدخل بكافة صورها، يحل المشكلة … وقدمت مقترحات أخرى … من وجوب تبني أمريكا لسياسة صناعية جديدة على غرار الياباني … »

ثم يقول المؤلفون: « ونحن نتبنى في هذه الدراسة مدخلاً أكثر حذراً وانتقائية لزيادة النمو طويل الأجل وفي الوقت نفسه: تحسين عدالة التوزيع … » ثم ربطوا بين النمو والعدالة من خلال مجموعة من التجارب والأدلة، وقالوا: « بل يوجد من الأسباب ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن السياسات الملائمة لزيادة النمو الاقتصادي، وتحسين توزيع العوائد الاقتصادية، ترتبطان معاً بروابط سياسية واقتصادية متينة، فالاقتصاد الأمريكي بإمكانه النمو بمعدلات أسرع إذا قدم مساعدات للعمال منخفضي المهارة والدخول، لاكتساب مزيد من المهارات … وإذا خصص مزيداً من الموارد لمعالجة المشكلات الخطيرة الأخرى مثل: انتشار الجريمة، وتعاطي المخدرات، ومحدودية فرص التعليم وقصور الرعاية الطبية التي تواجه شرائح السكان الأقل حظاً في المجتمع، والتي تشكل عبئاً جسيماً يعوق انطلاق عجلة النمو الاقتصادي ثم بينوا دور استتباب الأمن، وتوفير التعليم الممتاز، وتنمية قدرات الأطفال وابتكاراتهم في التنمية .. »[86] .

وقصدي من استعراضي لهذا الكتاب هو التأكيد على أن التنمية منظومة تحتاج إلى مجموعة من الامكانات والاستعدادات، وأن العدالة والمساواة وكرامة الانسان ورعاية حقوقه لها الدور الأكبر في التنمية.

علاقة حقوق الانسان بالتنمية:

إن إحساس الإنسان بحريته وكرامته وحقوقه المحفوظة والتعامل معه بعدل وإنصاف يجعله شريكاً فعلياً في العملية الإنتاجية، ونتائجه، وحينئذ يبذل أقصى جهده لنه شريك فعلاً وليس خادماً أو عبداً مأموراً، وقد ربط الله بين كرامة الإنسان ورزق الطيبات وتفضيله على كثير من المخلوقات، فقال تعالى: ﴿ ۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلً ﴾ (الإسراء،70) فالإنسان المظلوم مضطرب غالباً، ويسعى للثأر من ظالمه، والمقهور المستغل مشغول بنفسه، وبالتالي فلا يفكر، أو لا يمكنه الإبداع، وفعل الأحسن المطلوب شرعاً.

الشرط الخامس: رعاية الدولة للتنمية الشاملة رعاية كبرى لتحقيق الأولويات والموازنات، وذلك من خلال خطة محكمة معتدلة متوازنة بين التدخل المطلوب، وحرية الفرد  للترشيد والتوجيه دون التدخل المباشر، وذلك لأن الفكر الاسلامي الاقتصادي لا يرفض الخطة، واشراف الدولة كما هو الحال في الاقتصاد الحر، ولا يتبنى الخطة المركزية والتدخل المباشر كما هو الحال في الاقتصاد الاشتراكي الشيوعي.

وإنما على الدولة أن تضع خطة محكمة شاملة لمواردها، وموارد الأفراد للإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي في كل مجالات الحياة الاقتصادية، والصناعية، والزراعية، والتجارية، والتوازن بينها لتنتقل من حد الكفاية إلى تمام الكفاية لكل فرد يعيش على أرض الوطن، ثم إلى مزيد من التطوير والتقدم، أي من خلال المراتب الثلاث: الضروريات فالحاجيات، فالمحسنات .

وكذلك تتدخل في إعادة التوزيع، وفي ترشيد الانفاق، والاستهلاك في الحدود المشروعة، ولا تتدخل في قانون العرض والطلب وجهاز الثمن والسعر إلاّ في حدود ضيقة تتعلق بعدم تجاوز حدود الله تعالى.

فالملكية الخاصة مصانة، والتنافس الشريف الحر مطلوب ـ كما سبق ـ ودور الدولة هو التوجيه والاشراف والمساعدة للتنمية والتطوير، وتحمل البنية التحتية المادية والمعنوية[87] للبلاد حتى تهيئ الأجواء المناسبة للاستثمار.

الشرط السادس: التوجيه المركز نحو الإنتاج الكلي في مختلف المجالات وإبعاد ثقافة الترفيه المفرط والإسراف والتبذير، فقد  وصف الله تعالى الحضارات البائدة بقوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ (الحج،45) أي أن وسائل الإنتاج النافعة معطلة عن الإنتاج، مع وجود قصور فارهة شيدت، وفي ذلك إشارة إلى الخلل الحاصل، وتوجيه للأمة المسلمة بالابتعاد عن مثل هذا الخلل، ولكن مع الأسف الشديد نرى أن معظم السياسات الاقتصادية في عالمنا الإسلامي يسير على هذا الاتجاه القائم على التوسع في الرفاهيات مع عدم أو قلة المصانع وأدوات الإنتاج .

الشرط السابع: اختيار ( القوي الأمين ) أي: أهل الاخلاص والاختصاص للتعمير والانتاج وكل مفاصل النشاط الاقتصادي، إذ بدون الاخلاص لله تعالى يكون الفساد الاداري، وبدون الاختصاص لا يكون هناك التطور والابداع وكلاهما من ضروريات التنمية .

الشرط الثامن: إحياء الوقف الاسلامي الذي كان له الدور الأكبر في تحقيق الحضارة الاسلامية، حتى يمكن القول: ( بأن الحضارة الاسلامية هي هبة الوقف ) حيث نشط الوقف بمختلف أنواعه الكثيرة المتنوعة التي شملت رعاية الحيوانات، إلى رعاية المستشفيات (بيمارستان) والجامعات، فكان لها دور عظيم في التنمية الشاملة[88] .

الشرط التاسع: قيام الدولة بإنشاء بيوت الزكاة للجمع والتحصيل، وللتوزيع العادل من خلال هيئة مستقلة مخلصة متخصصة، بحيث تأخذ مقادير الزكاة من الشركات ومن جميع الأموال المتاحة، ووضع سياسة دقيقة مدروسة لتوجيه أموال الزكاة وبقية الأموال العامة لتحقيق التنمية الشاملة، من خلال وضع خطة محكمة واستراتيجية للقضاء على الفقر، أو التخفيف منه .

الزكاة من الصناديق الاستثمارية للدول الإسلامية:

لا شك أن أموال الدولة المرصودة لصرفها في المصالح العامة لا تجب فيها الزكاة، ولكن ثار خلاف قديم منذ عصر الإمام محمد بن حسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، حيث ذهب إلى أن الزكاة تجب في استثمارات الدولة بنسبة 2،5% باعتبارها ملكاً خاصاً لها[89] خلافاً للجمهور.

والذي يظهر لي رجحانه هو قول محمد بن حسن الشيباني وبالتالي فتجب الزكاة في كل استثمارات الدولة المستمرة المتمثلة في الأسهم والصكوك ( أو السندات ) وفي الصناديق الاستثمارية التي تسمى: الصناديق السيادية التي تقدر الموجودات العربية فيها قبل الأزمة المالية بحوالي 2،5 تريليون، وهي استثمارات دائمة، إذن فكيف تعفى عن الزكاة ؟

وهذا الرأي قال به بعض المعاصرين[90].

 فإذا أضيفت هذه الأموال إلى الزكاة فإنها كثيرة جداً وبالتالي فهي في مجموعها قادرة على القضاء على الفقر والبطالة، وتحقيق التنمية الشاملة .

والأموال الزكوية ليست قليلة إذا أخذت بشكل كامل، فإذا فرضنا أن الأموال الاسلامية المستثمرة في الخارج تريليون وخمسمائة مليار، فهذا يعني أن الزكاة 37.5 مليار دولار، فإذا أضيفت إليها بقية الأموال الزكوية، وبخاصة أموال الشركات الموجودة المستثمرة في بورصات العالم الاسلامي وبنوكه، فإن زكاتها في حدود مائة مليار دولار أي أن زكاة الأموال الموجودة للعالم الاسلامي في حدود 137،5 مليار دولار سنوياً .

فإذا وضعت لهذا المبلغ خطة محكمة للتحصيل، والتوزيع العادل، واستهدفت الخطة حل مشكلة الفقر من خلال ما ذكره الشافعية رحمهم الله وهو إعطاء الفقير تمام الكفاية، من خلال إعطائه أدوات الحرفة ان كان محترفاً، أو رأس مال التجارة إن كان تاجراً، يقول الإمام النووي: (والفقير والمسكين يعطيان ما تزول بهما حاجتهما وتحصل كفايتهما، ويختلف ذلك باختلاف الناس والنواحي حيث يعطي المحترف أدوات حرفته، والتاجر رأس ماله الذي يحسن التجارة فيه  )[91] .

الشرط العاشر: تخصيص جزء من واردات المعادن للتنمية الشاملة للأمة الاسلامية، وهذه الفكرة مرتبطة بالفقرة السابقة، طرحتها في بحث خاص بالموضوع[92] تتلخص في النقاط الآتية:

  1. ان الاسلام قد فرض في الركاز الخمس ـ أي 20% ـ وذلك من خلال حديث صحيح يدل على ذلك، يرويه البخاري ومسلم بسندهما عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «…وفي الركاز الخمس »[93] والركاز لغة، وحسب الراجح من أقوال الفقهاء ( الحنفية وبعض التابعين ) يشمل الكنوز والمعادن .
  2. وأن المعادن على الراجح من أقوال أهل العلم ( المالكية وغيرهم ) ملك لله تعالى، أو ما يسمى بالحق العام الذي تمثله الدولة، وأما الجمهور فقد فرقوا بين المعادن التي وجدت في أرض خاصة لشخص حيث تكون ملكاً له وحينئذ يجب فيما تنتجه الخمس، وفيما عداها ملكاً للدولة .
  • أن مصير ما يؤخذ من الركاز اما مصارف الفيء، أي المصالح العامة للأمة الاسلامية، أو مصارف الزكاة الثمانية .

فبناء على المقدمات الثلاث السابقة أن المعادن تكون لها حالتان:

  • أن تقوم الدولة نفسها ـ كما هو الحال في معظم العالم الاسلامي وغيره ـ باستخراجها واستثمارها وحينئذ تصرف عوائدها لمصالح الدولة العامة .

فإذا اعتبرنا خمس الركاز زكاة فيجب أن تصرف الدولة الخمس 20%  منه ـ بعد خصم جميع المصاريف التشغيلية والادارية ـ لصالح الزكاة، وحينئذ تصرف في المصارف الثمانية بدءاً بالبلد الذي فيه المعدن ثم إلى بقية العالم الاسلامي حسب قواعد نقل الزكاة، للقضاء على الفقر والبطالة ولتنمية العالم الاسلامي الذي هو في نظر الشرع عالم واحد، وأن الأمة الاسلامية أمة واحدة وجسد واحد، كما دلت على ذلك نصوص شرعية كثيرة لا تحصى .

وإذا اعتبرنا خمس الركاز فيئاً فيصرف أيضاً لمصالح المسلمين عامة حسب التسلسل السابق بدءاً بالبلد الذي فيه المعدن إلى بقية البلدان الاسلامية الأخرى وحسب قواعد نقل الزكاة السابقة .

  • أن تعطي الدولة المعدن لشركة ما لتقوم هي باستخدامها، واستثمارها، وحينئذ يجب أن تأخذ منها مالا يقل عن 20%.

ثم إن هذا الخمس 20% تطبق عليه القواعد السابقة حسب الاعتبارين السابقين.

إن فقهاء المسلمين لم يفصلوا في هذه المسألة كثيراً بناءً على أن الخلافة الإسلامية الراشدة، ثم الخلافة الأموية والعباسية، ثم السلطنة العثمانية كانت تمثل الأمة الإسلامية تقريباً، وعلى الأقل لم تكن هناك حدود بين العالم الإسلامي، فالمسلم يصول فيه ويجول دون حدود تمنعه تطبيقاً لقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ  ﴾ (الملك،15).

أما اليوم ففي  ظل وجود عدد كبير من الدول والدويلات الإسلامية، فأعتقد أن الأخوة الإيمانية تقتضي أن يكون للفقراء حق على الأغنياء تنفيذاً لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)﴾ (المعارج،24ـ25) وفي آية أخرى ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ (الذاريات،19) وكلة ( الذين ) تشمل الأفراد والمؤسسات والدولة أي الأشخاص الطبيعية والمعنوية، ان الأمة الاسلامية في نظر الإسلام ” أمة واحدة ” وجسد واحد، وأن المؤمنين اخوة، فلا يجوز أن تترك دولة غنية آتاها الله تعالى هذه الثروات، دولة فقيرة مسلمة دون أن تساهم في رفع الفقر والقافة والجوع والحرمان عن بقية المسلمين الفقراء المحتاجين الذين يهددهم الجوع في دينهم وعرضهم وحياتهم ..

  وهذه النسبة 20% من الأموال ليست قليلة، فلو حسبنا فقط البترول المباع في العالم الاسلامي رسمياً أنه ثلاثون مليون برميل يومياً وبمبلغ سبعين دولاراً للبرميل الواحد، فهذا يعني أن الدخل السنوي من البترول: 30×70 $ × 365 يوماً = 766،500.000.000 أن الخمس 20% يساوي 153.300.000.000 $ .

ولكن الخمس لا يحسب إلاّ بعد حسم جميع المصاريف الفعلية ومع ذلك فتبقى نسبة كبيرة لصالح مصارف الزكاة، أو الفيء .

فلو فرضنا أن 50% أو أكثر منها يعاد صرفها على مصارف الزكاة أو الفيء في الدولة القطرية، فإن ما يزيد عن حاجة الدولة ومتطلباتها يجب أن يكون فيه نصيب لفقراء العالم الاسلامي على شكل صدقات عينية من البترول والغاز، أو المعادن الأخرى، أو على شكل أثمانها

والرأي الذي أراه راجحاً هو أن هذا الخمس تطبق عليه قواعد الفيء، وليست أحكام الزكاة، وحينئذ يمكن للدولة القُطرية التي يوجد في أرضها المعدن أن تجعلها أثلاثاً: ثلث تصرف على أهل البلد  وللتنمية الشاملة مع بقية الأموال حسب برنامج محدد تضعه الدولة، وثلث يوضع في الاستثمار لصالح الأجيال اللاحقة من أهل البلد أيضاً، أو ما يتبقى لتنمية العالم الاسلامي من خلال برنامج مخطط دقيق

وهذا الذي توصلت إليه في مسألة التوزيع الثلاثي هو اجتهاد اعتمدت فيه على بعض الأدلة الدالة على ثلاثية التوزيع في موارد الوقف، وبالتالي فهو يقبل التعديل فيه حسب المصالح ورأي الخبراء، ولا أقصد بمثالي في البترول حصر القضية فيه، وإنما الشريعة أوجبت الخمس في كل ركاز في أي بلد، وبالتالي فيشمل الذهب والفضة، والحديد والغاز وجميع المعادن الكبيرة، وقصدي من ذلك أن جميع النصوص الشرعية توجب على المسلمين جميعاً التكافل والتضامن وتحقيق مقتضيات الاخوة الإسلامية، بل والإنسانية أيضاً.

صندوق للتنمية:

فلو وضعت خطة محكمة للعالم الإسلامي، وأسند تنفيذ هذه الفكرة من خلال صندق اسلامي للتنمية تشارك فيه الدول الاسلامية التي فيها هذه المعادن الكبيرة بالنسبة التي ذكرناها لَما بقي فقير في العالم الاسلامي خلال فترة وجيزة، فقد طبق الخليفة الخامس عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه الزكاة خلال سنيتن وستة أشهر وسبعة عشر يوماً فلم يبق في عصره فقير واحد .

صندوق القرض الحسن من الدول الغنية للدول الفقيرة:

وبالإضافة إلى ما سبق فإن مما هو مطلوب شرعاً إنشاء صندوق للقروض الحسن من الواردات المالية للدول الغنية، وتمنح هذه القروض الحسنة للدول الفقيرة، مع أخذ المصاريف الإدارية الفعلية فقط، وذلك بأن تنشأ لذلك إدارة، أو مصرف للقرض الحسن يختار لإدارة أهل الإخلاص والاختصاص وأن تحمل المصاريف الإدارية على المقترض، ومن التجارب الناجحة في هذا المجال تجربة البروفيسور “محمد يونس” في سبتمبر من عام 1983م في بنغلاديش، فأنشأ مؤسسة تحت اسم مصرف جرامين: Grameen Bank (وتعني بالبنغالية مصرف القرية)، حيث نال جائزتي نوبل، والملك فيصل رحمه الله، وهي تجربة ناجحة ينبغي الاستفادة منها مع الالتزام بأحكام الشريعة، ومن صاحبها .

الشرط الحادي عشر: التعاون والتكامل الاقتصادي بين الدول الاسلامية، حيث انه من الناحية الاقتصادية لا يمكن احداث تنمية شاملة لوطن صغير دون الاعتماد على الآخرين، وتشكيل وطن اقتصادي كبير، وهذا ما حدث لأوروبا حيث حققت نمواً اقتصادياً كبيراً من خلال السوق المشتركة .

ونحن المسلمين ـ بالإضافة إلى الجانب الاقتصادي ـ فإن ديننا الحنيف يفرض علينا التعاون والتكامل، بل الوحدة فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون،52) وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ (الحجرات،1) فالآيات والأحاديث في وجوب تجسيد هذه الأخوة لتصبح الأمة كجسد واحد، كثيرة لا يسع المجال لذكرها في هذه المقدمة.

مقومات التعاون الاقتصادي بين المسلمين:

إن هذا التعاون الاقتصادي لن يتحقق في عالمنا الاسلامي على وجهه المطلوب إلاّ إذا توافرت المقومات الآتية:

  • البدء بالخطوات الحثيثة العملية للوصول إلى سوق اسلامية مشتركة تقوم على الشراكة الحقيقية، والعملة الواحدة، ونحو ذلك من الخطوات العملية المطلوبة .
  • التعاون البناء والتكامل ما بين الدول الغنية بالموارد المالية، والدول الغنية بالموارد البشرية من خلال برامج عملية للتنمية والتدريب وسد الحاجات استيراداً وتصديراً داخل العالم الاسلامي بقدر الامكان، وتوجيه الملكية والنظم الاقتصادية وقضايا التمويل والانتاج لتحقيق هذا التعاون، والتشجيع على التكنولوجيا المعاصرة، وتبادلها بين الدول الإسلامية.
  • التوحيد السياسي أو التعاون المتكامل بأي صورة من الصور المقبولة وهذا يتطلب:
  • حسم الصراع الفكري والمذهبي، والاتفاق على الثوابت والمجمع عليه، وتحديد الهوية الاسلامية على أساس هذه الثوابت، وعدم الخوض في الخلافيات .
  • تحقيق التآخي والتكافل والتضامن الاسلامي بين مختلف الشعوب[94] .
  • عقد اتفاقيات تجارية وشراكة اقتصادية تلتزم بها الدول الاسلامية، وترتيب الآليات المناسبة الكفيلة بتنفيذها، والاتفاق على مرجعيات قضائية في حالة الخلاف والنزاع .
  • تقوية التجارة البينية بين الدول الاسلامية للوصول إلى التكامل والشراكة الحقيقية، حيث، تشير الاحصائيات الدولية والاقليمية إلى ضعف التجارة البينية بين الدول الاسلامية، وأنها لا تقارن بين التجارة بينها وبين الدول الأخرى، وأن شروط التبادل الدولي للبلدان النامية عموماً، ومن بينها البلدان الاسلامية في حالة تدهور مستمر تقريباً على مدى الأجل الطويل، فقد أكد المدير العام للمركز الاسلامي لتنمية التجارة بين الدول الاسلامية أن حجم التبادل التجاري فيما بينها عام 2003 لا يتجاوز 12% من التجارة الخارجية، وأن منظمة المؤتمر الاسلامي تسعى للوصول إلى 13%[95] ولا زالت إلى يومنا هذا في حدود هذا المستوى .

هـ) القضاء على العقبات التي تحول دون تطوير التجارة البينية والتكامل الاقتصادي والشراكة الحقيقية من خلال ما يأتي:

  1. السعي الحثيث من كل الدول الاسلامية منفردة ومجتمعة لتهيئة بنية تحتية متكاملة للمشاريع، تشمل كل متطلبات الاستثمار والتنمية مادياً ومعنوياً وتشريعياً .
  2. توحيد السياسات الجمركية بين الدول الاسلامية بشكل يحقق سهولة الاستيراد والتصدير فيما بينها، وإعطاء ميزات للمنتوجات الاسلامية .
  3. تسهيل عمليات التحويل الخارجي.
  4. توحيد العملات، أو الاتفاق على ربطها بسلة من العملات وبذل الجهود لمنع التضخم الضار الذي يقضي على التنمية والاستثمار.
  5. تحسين صناعة السلع والخدمات لتكون قادرة على المنافسة .
  6. تنشيط حركة المصانع المتوسطة والكبرى في مختلف الصناعات
  7. تنشيط حركة المواصلات والنقل بين الدول الاسلامية براً وبحراً وجواً.
  8. التعاون على القيام بمشروعات كبرى استراتيجية في مجال الزراعة والتجارة والصناعة .
  9. توحيد نظم الاستيراد والتصدير بين العالم الاسلامي، فالعالم الاسلامي يستطيع تشكيل قوة اقتصادية كبرى في العالم لو نفذت هذه البنود، وهذا لا يعني الاستغناء عن بقية الدول الأخرى، وإنما يعني تحقيق قوة داخلية لصالح الجميع وللقضاء على التخلف والحرمان، فهو قد حباه الله تعالى بموقع استراتيجي بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، ويهيمن على معظم المداخل والمضايق والبوابات البرية والبحرية بين العالم، وأنه يملك قدرة بشرية تصل إلى ربع العالم ( مليار وأربعمائة مليون نسمة ) ويملك 73% من احتياطي البترول، وينتج فعلاً منه أكثر من 38% ويملك ثمانين مليون هكتار صالح للزراعة، ولديه معظم مواد الخام، وله كل المقومات لإنشاء مصانع كبيرة تقضي على البطالة، ومزارع كبيرة استراتيجية توفر الغذاء الكامل ومشتقاته للعالم أجمع، ناهيك عن العالم الإسلامي.

الشرط الثاني عشر: فرض ضرائب عادلة معقولة على القادرين للتنمية، فيجوز للدولة الإسلامية فرض ضرائب عادلة معقولة على القادرين بحيث يستطيعون دفعها بسهولة، من باب الصدقات العامة التي يجوز للدولة إيجابها عند الضرورة أو الحاجة العامة، وهذا رأي جماعة من الفقهاء استندوا في جوازها على الحديث النبوي الشريف: « إن في المال حقاً سوى الزكاة »[96] ثم تلا الآية الكريمة  من سورة البقرة: ﴿۞ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة،177).

الشرط الثالث عشر: توفير البيئة المناسبة للاستثمار، والادخار من خلال توفير الأمن والأمان، وإصدار القوانين التي تحمي الحقوق، وتهيئة البنية التحتية المادية والمعنوية للتنمية والاستثمار، وتشجيع المشروعات الصغيرة، والمتوسطة، والكبيرة لاستيعاب رأس المال وتجميع الادخار وتوجيهه نحو النماء .

هذه هي الشروط والمقومات الأساسية ـ بإيجاز شديد ـ لتحقيق التنمية الشاملة لعالمنا الاسلامي، الذي لا ينقصه في مجموعه شيء من أسباب النهضة والتنمية من حيث الموارد المالية والبشرية إلاّ الإرادة الحاسمة والإدارة الناجعة، والنزاهة، والاخلاص، والعمل الجاد، والقضاء على العقبات التي سنذكرها فيما بعد.

تحدي الفساد بمعناه الشامل ( الفساد الاداري، والسياسي، والمالي، والبيئي، وما يمس أمن المجتمع اقتصادياً أو سياسياً):

التعريف بالفساد لغة واصطلاحاً:

الفساد لغة: له عدة معان، فهو يطلق على كل تصرف يترتب عليه اختلال، وضرر مباشراً أو غير مباشر للفرد أو الجماعة أو المجتمع وسواء كان الضرر مادياً أم معنوياً [97].

وقد تكرر لفظ الفساد في القرآن الكريم ومشتقاته خمسين مرة، في حين أن لفظ الصلاح ومشتقاته قد تكرر فيه أكثر من ثلاثة الأضعاف منه[98]، كما تكرر هذان اللفظان في السنة النبوية المشرفة بشكل أكثر تفصيلاً وبياناً [99].

وقد تناول النهي عن الفساد كل ما يعتبر إضراراً بالفرد أو الجماعة أو المجتمع سواء كان فساداً مالياً، أم سياسياً، أم اجتماعياً، وسواء كان فساداً إدارياً، أم فساداً فعلياً، وسواء كان إضراراً مباشراً، أم غير مباشر، كما في البيئة بحيث نستطيع القول بأن هذه النصوص تعطي صورة كاملة وشاملة وواسعة ومرنة لكل ما يدخل ضمن الاخلال بأن الفرد والمجتمع والدولة سواء أكان من الجوانب المالية أم السياسية أم غيرهما كما تبين أن مصدر الفساد هو الانسان وما كسبت يداه، نذكر منها بعض الآيات الكريمة:

  • قوله تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾(الروم،41) فبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن ظهور الفساد في البر والبحر يعود إلى أفعال الناس وتصرفاتهم السيئة الضارة، وان الله تعالى سيعجل بجزاء هؤلاء المفسدين، فيذيقهم .
  • قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف،56).
  • حيث يدل على النهي المطلق البات الشامل عن كل فساد في الأرض وقد أكد القرآن ذلك في أكثر من آية فقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ Ÿ﴾ (القصص،77)، كما أنه يدل على أن الله تعالى هيأ الأرض لمعيشة الناس، وأصلحها، وضمنها كل الخيرات، وقدّر فيها الأقوات، فلا تفسدوا فيها، ولا تحدثوا فيها خللاً يضركم في الدنيا والآخرة.
  • قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) ﴾ (البقرة،204ـ205) حيث يدل بوضوح أن من صفات الظلمة المتكبرين المتجبرين، والمنافقين: الفساد في الأرض، وافساد البيئة بإهلاك الحرث، وقتل الأنفس، في حين أن من صفات المؤمن الاصلاح في الأرض، وتعميرها بالزرع والانبات، مما يفهم من هذه الآية وغيرها من الآيات الواردة في سياق النهي عن الفساد: أن منع الفساد في الأرض لا يتحقق إلاّ بالعقيدة الصحيحة، والأخلاق الربانية، حيث ربط الله تعالى على الاعراض عن أمر الله وبين الفساد في الأرض، وقطع صلة الأرحام فقال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ (23) ﴾ (محمد،22-23).

فاتورة الفساد بسبب الغش التجاري في العالم العربي أكثر من 60 ملياراً، والفساد المالي العالم الإسلامي لا يحصى:

 أصدر مجلس الوحدة الاقتصادية العربية إحصائية في عام 2009 تثبت أن الاقتصاد العربي يخسر سنوياً أكثر من ستين مليار دولار بسبب الفساد الذي يسود الأسواق العربية بدءاً من الغش التجاري، ومروراً بالاحتكار والجشع والغلاء غير المبرر، ودخول سلع غير مطابقة للمعايير والمقاييس الدولية[100]، وأما الفساد المالي في العالم الإسلامي فلا يعدّ ولا يحصى، فقد دلت الإحصائيات على أن مئات المليارات تدخل في جيوب المفسدين من الحكام والمسؤولين وأصحاب المصالح، فعلى سبيل المثال دلت الإحصائيات على أن حجم الفساد في العراق قد بلغ ثلاثين مليار دولار في عام واحد .

وأهم أنواع هذا الفساد والذي يعتبر من أكبر التحديات، والعقبات في سبيل التنمية الشاملة، بل إنه في نظري يعتبر أخطرها، وأكثرها تأثيراً، هي:

  • الفساد الاداري والمالي والسياسي
  • الفساد السياسي المتعلق بأمن المجتمع
  • الفساد البيئي، وأثره على الاقتصاد .

 وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين،،

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،،

                                                                                   

                                                                                   كتبه الفقير إلى ربه

                                                                                  علي محيي الدين القره داغي

([1]) يراجع: القاموس المحيط، ولسان العرب، والمعجم الوسيط، مادة ( خلق )

([2]) لسان العرب (10/86) والتعريفات للجرجاني ص 104

([3]) التعريفات ص 104

([4]) احياء علوم الدين (3/53)

([5]) تهذيب الأخلاق ص 12، ويراجع: دستور الأخلاق في القرآن للدكتور محمد عبدالله دراز، ترجمة د. عبدالصبور شاهين، ط. مؤسسة الرسالة 1416هـ ص 35، والأخلاق الإسلامية وأسسها للشيخ عبدالرحمن حبنكة (1/33)

([6]) رواه بهذا اللفظ وبسند صح عن أحمد (4/205) وأبو داود (5225)، ورواه مسلم مقتصراً على المقطع الأول الحديث 17، 18، 25

([7])مدارج السالكين (3/315)

([8]) رواه البخاري ومسلم، يراجع: مشكاة المصابيح الحديث 1844

([9]) رواه مسلم بهذا اللفظ في صحيحه، كتاب البر 34 (4/1987) ط. الحلبي بالقاهرة، وابن ماجه في السنن (4/1388) ط. الحلبي، وأحمد (2/285)

([10]) الفوائد لابن القيم ص209-211

([11]) وفي رواية أخرى ( صالح الأخلاق ) الحديث رواه أحمد ( 8595) والبخاري في الأدب المفرد (273) والحاكم (2/612) والبيهقي في السنن الكبرى (10/192)

([12]) رواه مسلم 2553 وأخرجه الترمذي 2390

([13]) رواه البخاري (10/378)  ومسلم 2321 وأخرجه الترمذي 1976 وأحمد (2/161 و 189 و 193

([14]) رواه الترمذي 2003 و 2004، وفي سنده يعلى بن مملك لم يوثقه غير ابن  حبان، لكن أخرج الشطر الأول منه أحمد (6/442 و 446 و 448 ) وأبو داود 4799 من طريق آخر عنه، وسنده صحيح، وصححه ابن حبان 1921 وولشطر الآخر شاهد من حديث عبدالله بن عمرو عند أحمد (2/162 و199) وآخر من حديث أسامة بن زيد عند أحمد (5/202) وصححه ابن حبان 1974 فالحديث صحيح

([15]) الترمذي 2005 وأخرجه أحمد (2/291 و392 و442، وابن ماجه 4246 وإسناده حسن وصححه ابن حبان 1923

([16]) الترمذي 1162، وأخرجه أحمد ( 2/450 و 472 ) وسنده حسن، وصححه ابن حبان 1311، والحاكم (1/3) وله شاهد من حديث عائشة عند أحمد (6/47)، والترمذي 2615 والحاكم (1/35) بلفظ: « إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله »

([17]) أبو داود 4800، وسنده قوي، وله شاهد من حديث معاذ بن جبل عند الطبراني في الصغير ص 166، وآخر من حديث أنس عند الترمذي 1993

([18]) الترمذي 2019 وإسناده حسن، وفي الباب عن أبي ثعلبة عند أحمد (4/193، 194 ) وصححه ابن حيان 1917 وعن أبي هريرة عند (2/369)

([19])

([20])

([21])

([22])  يراجع: القره داغي: مبدأ الرضا في العقود ـ دراسة فقهية مقارنة ـ

([23])  الجوائح: هي الكوارث الطبيعية التي تصيب  الزروع قبل جذاذها، أو حصادها من الجراد، والنار، والريح، والفيضانات، ونحوها .

يراجع: المدونة (5/37 ) والذخيرة (5/212) والمقدمات (2/545) والشرح الكبير (3/185) وبداية المجتهد، ط.دار السلام (3/1698)

([24]) هذا جزء من الحديث المشهور بحديث جبريل، وهو حديث متفق عليه .

([25]) يراجع في هذه المسألة: الشيخ الدكتور محمد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن، حيث أفاض افاضة طيبة، ص 19-125، بل الكتاب جدير بالقراءة، فجزاه الله خيراً

([26]) يراجع لمزيد من التفصيل والتأصيل: أ.د. علي محيى الدين القره داغي: مبدأ الرضا في العقود، دراسة مقارنة، ط. دار البشائر الإسلامية / بيروت ج1 ص 273-406 ومصادره الفقهية والقانونية المعتمدة .

([27]) المرجع السابق (1/274 وما بعدها) ومصادره المعتمدة

([28])المرجع السابق (1/498 – 536 ) ومصادره المعتمدة

([29])المرجع السابق (1/648 – 659 ) ومصادره المعتمدة

([30])المرجع السابق (1/409 – 497) ومصادره المعتمدة

([31])المرجع السابق ( 1/600 – 705 ) ومصادره المعتمدة في الفقه والقانون

([32])  سورة  المؤمنون، الآية 4، حيث لم يقل ” مؤدون ” وإنما قال ” فاعلون ”

([33])الحديث متفق عليه، وهو جزء من حديث جبريل المستفيض، يراجع: فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/114)

([34])كتاب الاقتصاد، مبادئ وقواعد عامة ص 157

([35])دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي ص 57

([36])  في ظلال القرآن، سيد قطب (5/2711)

([37]) في ظلال القرآن، سيد قطب ط . دار الشروق، الطبعة الثالثة عشرة 1407هـ / 1987م ( 5/2713-2714)

([38]) جزء من حديث جبريل، ر واه البخاري

([39])جاك أوستري: الإسلام والتنمية الاقتصادية ص 46

([40])الحديث صحيح رواه عدد من الصحابة منهم سعيد بن زيد، وعائشة، وسمرة بن جندب، وعبادة بن الصامت، وغيرهم … انظر: سنن ابي داود الحديث 3073، والبيهقي (6/142) والترمذي (1/259) وأحمد (5/326) ويراجع: إرواء الغليل (5/353)

([41]) الكسب، تحقيق الدكتور سهيل زكار ط.دمشق ص 44، 63، ويراجع:  د. على القره داغي: حكم الاستثمار في الاسهم       ط. مطابع الدوحة الحديثة  ص 7 وما بعدها، والموسوعة الفقهية الكويتية (39/40) والدكتور عبدالسلام العبادي:      الملكية …  (2/20 ـ 415)

([42]) الموافقات (3/247)

([43]) المغني لابن قدامة (5/560 )

([44])  سبق تخريجه

([45])قواعد الأحكام ط. الريان / بيروت (1/161)

([46])  يراجع للأدلة على كل ذلك الأحاديث الواردة في : رياض الصالحين، بتحقيق شعيب الأرنؤوط ص 41 وما بعدها

([47]) يراجع: صحيح البخاري ومسلم، وكتب السنن في أبواب البيوع والتجارات

([48])  اعلام الموقعين (31/3)

([49]) يراجع لمزيد من التفصيل: الأشباه والنظائر للسيوطي .

([50]) وقد فصلت فيه في رسالتي الدكتوراه: مبدأ الرضا في العقود ـ دراسة مقارنة ـ ط. دار البشائر الاسلامية / بيروت، طبعة ثانية 2005م

([51]) رواه الحاكم في المستدرك ( 1/9، 10) وصححه، والبيهقي (5/320)

([52]) تكملة المجموع للسبكي (12/114-115) بتصرف في التقديم والتأخير

([53]) مبدأ الرضا في العقود ـ دراسة مقارنة ـ (1/660-664)

([54])  الحديث له عدة طرق وروايات، وهو حديث صحيح، يراجع: عون المعبود (9/401) وتحفة الأحوذي (4/430) والنسائي الحديث 4612 وأحمد (3/402) والبيهقي (5/267، 317 ) ويراجع لمزيد من التفصيل حول متن الحديث وسنده وطرقه وفقهه: أ.د. علي محيى الدين القره داغي: بحوث في فقه المعاملات المالية المعاصرة ط. دار البشائر الاسلامية بيروث، ص 61-107

([55]) رواه

([56])  يراجع: صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ (4/477، 467) ومسند أحمد (5/297)

([57]) رواه البخاري في صحيحه ـ مع الفتح ـ (5/60) كتاب الاستقراض

([58]) يراجع لمزيد من التفصيسل: د. علي القره داغي: مبدأ الرضا في العقود (1/546-572)

([59]) رواه البخاري في صحيحه ـ مع الفتح ـ (3/164) ومسلم (5/263)

([60])الحديث رواه الطبراني في الأوسط، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/67) نقلاً عن شيخه العراقي: ( إن اسناده صحيح، ويراجع: حكم الاستثمار في الأسهم / أ.د. علي محيى الدين القره داغي ص 19 وما بعدها

([61]) رواه مسلم بعدة روايات، انظر صحيح مسلم الأحاديث 994، 995 وما بعدهما

([62])  يراجع: التفصيل في نهاية الرتبة في طلب الحسبة للشيرازي ت 589ت، وآداب الحسبة للمالقي الأندلسي، ود. عبدالله محمد عبدالله: ولاية الحسبة ط. الزهراء بالقاهرة

([63])  نهاية الرتبة في طلب الحسبة ط.دار الثقافة، بيروت ص12، ويراجع: محمد أبو الهدى، أحكام التسعير في الفقه الاسلامي ط. دار البشائر الاسلامية ص 27-28

([64])  الكتاب مطبوع ونشر عدة مرات، منخا بتحقيق الشيح حسن حسين عبدالوهاب، ط. الشركة التونسية للتوزيع ص40

([65]) رواه أحمد في مسنده (3/156-286) الحديث رقم 3451، والترمذي، الحديث رقم 1314 وقال: ( هذا حديث حسن صحيح )، وابن ماجه، الحديث 2000، والبيهقي في السنن الكبرى ( 6/29) والمصنف للحافظ عبدالرزاق (8/205) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (8/217): ( واسناده على شرط مسلم ) والحسبة لابن تيمية ص 49-50

([66])  يراجع: بدائع الصنائع (5/129) والمنتقى للباجي (5/18) وروضة الطالبين (3/411) والمغني (4/280)

([67])  يراجع: كنز العمال، الحديث رقم 10076

([68]) أحكام السوق ليحيى بن عمر ص 104

([69])  يراجع: الحسبة لابن تيمية ص 42 وما بعدها، والفرق الحكمية لابن القيم ص 286-267، والبشرى الشوربجي: التسعير في الاسلام ط. القاهرة ص42 وما بعدها، والموسوعة الفقهية الكويتية مادة ” تسعير ” ومحمد أبو الهدى: بحثه السابق ص 126

([70])  يراجع لمزيد من التفصيل: الدكتور علي القره داغي: مبدأ الرضا في العقود

([71]) رواه البخاري في صحيحه ـ مع الفتح ـ (10/367) ومسلم الحديث 2586 وأحمد (4/270)

([72])  يراجع: الدكتور علي القره داغي: تنمية الأوقاف، واستثمارها، بحث مقدم إلى مجمع الفقه الاسلامي الدولي في دورته الخامسة عشرة، ومصادره المعتمدة

([73]) يراجع لمبادرة الرسول صلى الله عليه وسلم بإنشاء سوق المدينة غربي المسجد، وضرب فيه قبة، وقال لأصحابه: (هذه سوقكم): وفاء الوفاء للسمهودي (1/540) وأحكام السوق ليحيى بن عمر الكناني ط. تونس ص 10، ويراجع في سوق المدينة: مسند الدارمي ـ البيوع (2/165) ومجمنوع الزوائد الحديث 15580 ودلائل النبوة للبيهقي (4/22) ونيل الأوطار (6/47)

([74])  الخرج ليحيى بن آدم القرشي، تحقيق أحمد شاكر ط. دار المعرفة بيروت ص33، وفتوح البلدان للبلاذري، ط.دار الكتب العلمية بيروت 1983 ص 32

([75]) د. عمرا شابرا: المرجع السابق ص 49

([76]) يراجع: كتب السنة في أبواب التجارة والزراعة والصناعة والكسب

([77])  الحديث رواه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب الأسواق ودخولها (2/751) ويراجع مجمع الزوائد للهيثمي (4/76)

([78])  يراجع: وفاء الوفاء للسمهودي (1/540)

([79])  يراجع للمزيد: الرتبة في طلب الحسبة ط. دار الرسالة بالقاهرة 1423هـ ص 165 وأحكام السوق ليحيى بن عمر الكناني ص10 والحسبة لشيخ الاسلام ابن تيمية

([80])  نقله الدكتور محمد عمر شابرا وحوله إلى صورة علاقة دالة، فارجع إليها في كتابه: مستقبل علم الاقتصاد من منظور اسلامي، ط. المعهد العالمي للفكر الاسلامي عمل ب، ط. دار الفكر بدمشق 2004 ص 190-206

([81]

([82])

([83]) يراجع: تفسير الطبري                                   وتفسير الرازي

([84])  يراجع: العلامة: أ.د. يوسف القرضاوي: الرسول والعلم ط. مؤسسة الرسالة 1985، والدكتور علي القره داغي: مقدمة التحقيق لكتاب: أيها الولد للإمام الغزالي، ط. دار البشائر الاسلامية بيروت

([85])  هذا القول قاله سلمان الفارسي لأبي الدرداء، فنقله أبو الدرداء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( صدق سلمان ) رواه البخاري ـ مع الفتح ـ (4/182-185، 10/443) والترمذي الحديث رقم 2415

([86])  النمو مع المساواة، هدف السياسة الاقتصادية للقرن القادم، ترجمة د. محمد فتحي صقر، نشر مركز الأهرام للترجمة والنشر 1416هـ ص 13-17 وما بعدها

([87])  يراجع بحثنا: حول البنية التحتية

([88])  يراجع بحثنا في تنمية موارد الوقف المقدم إلى مجمع الفقه الاسلامي في دورته

([89])  المبسوط للسرخسي (3/52) ط. السعادة / القاهرة، ويراجع: أ.د. محمد سعيد رمضان البوطي: بحثه حول الزكاة في المال العام، المنشور في أبحاث وأعمال الندوة8 لقضايا الزكاة المعاصرة، دولة قطر 1418هـ ص392

([90]) المناقشات المذكورة في أبحاث وأعمال الندوة 8 ص 421

([91]) روضة الطالبين ( 2/ 324 )

([92])  وهو بحث: دور الزكاة في تنمية الأمة، عام 2006، ويراجع كذلك بحثنا الآخر حول: وجوب الزكاة في المعادن المنشور ضمن أبحا ث الندوة الثامنة عشرة للهيئة العالمية للزكاة .

([93]) رواه البخاري في صحيحه مع الفتح (3/364) ومسلم الحديث رقم 3226، 3227، وأصحاب السنن، وأحمد غيرهم

([94])  المراجع السابقة، والدكتور يوسف ابراهيم: المرجع السابق ص 223 وما بعدها

([95])  جاء ذلك في تصريح للدكتور الراشدي لموقع: الاسلام اليوم في 3/5/2003، ويراجع في هذا المجال: د.عبدالرحمن يسري: آفاق في التنمية الاقتصادية،  المنشور في دراسات في الاقتصاد الاسلامي، نشر المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الاسلامي 1405هـ ص 263

([96])  الحديث رواه الترمذي في جامعه، وترجم له: باب في ما جاء أن في المال حقاً سوى الزكاة، تحفة الأحوذي (3/326) والدارمي، كتاب الزكاة (1/324)

ولمزيد من البحث يراجع بحثنا: الضريبة والزكاة منشور ضمن كتاب: بحوث في فقه المعاملات المالية المعاصرة ط. دار البشائر الاسلامية بيروت 1422÷ ص 5 وما بعدها

([97])  القاموس المحيط، ولسان العرب، والمعجم الوسيط مادة ” فسد ”

([98])  يراجع: معجم ألفاظ القرآن في لفظ ” فسد ” و لفظ ” صلح ”

([99])  يراجع: معجم ألفاظ السنة النبوية في لفظ ” فسد ” ولفظ ” صلح ”

([100]) مجلة الاقتصاد الإسلامي العدد 343 شوال 1430هـ ص 52 وما بعدها