البحوث

التطبيقات المعاصرة للشركات

التطبيقات المعاصرة للشركات

 

بقلم

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

أستاذ بكلية الشريعة  بجامعة قطر

والحائز على جائزة الدولة ، والخبير بالمجامع الفقهية

وعضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث

ورئيس لعدد من الهيئات الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية

بحث مقدم

للدورة الثامنة عشرة للمجلس – باريس

جمادى الثانية/ رجب 1429 هـ / يوليو 2008 م

 

  إذا كان ما ذكرنا دور حول الشركات في الفقه الإسلامي، وتطبيقاتها في القرون السابقة، فإن الشركات اليوم قد تطورت تطوراً هائلاً ، وأصبحت العمود الفقري للاقتصاد القومي، ولا سيما الشركات المساهمة، وهذا التطور ما دام لا يخرج عن إطار الثوابت الشرعية والمبادئ العامة فلا مانع منه شرعاً ، وذلك لأن الأصل في المعاملات الاباحة، وهذا ما صدرت به قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حيث نص قرار رقم 64/1/7 في سنة 1412هـ على ما يلي : ( 1ـ بما أن الأصل في المعاملات الحلّ فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مشروعة أمر جائز) .

ونحن هنا نتحدث عن التطبيقات المعاصرة من عدة جوانب :

 الجانب الأول :

  تطبيق عقود المشاركة في الفقه الإسلامي بكل أنواعها والاستفادة منها ، وهذا ما تقوم به البنوك الإسلامية حيث تشارك بعقود نمطية في بعض المشاريع الخاصة على ضوء قواعد شركة العنان بأحكامها وشروطها ، حيث تطبق البنوك الإسلامية قواعد شركة العنان ، لأنها الأنسب لها، أما غيرها من الشركات فهو لا يتلاءم مع كبية البنوك إلاّ في حالات نادرة ، وذلك لأن شركة العنان تمكن البنك الإسلامي من المساهمة في المشاريع القائمة ، أو المزمع قيامها ، وتفويض الشريك لكافة المهام الاستثمارية بحيث يكتفي البنك بدور الرقابة العامة والمتابعة الإجمالية والتدخل عند اللزوم[1] .

وكذلك تطبق عقود المضاربة والمزارعة والمساقاة من خلال عقود نمطية .

والبنوك الإسلامية تطبق صيغة المشاركة العادية الدائمة بطريقتين هما :

  1. المشاركة في رأس مال المشروع .
  2. المشاركة في صفقة معينة .

أولاً ـ المشاركة في رأس مال المشروع :

  وتلك تتحقق بأن يشارك البنك في مشروع معين بنسبة من المال مثل 50% أو أكثر ، أو أقل ، والطرف الثاني أو الأطراف الأخرى تدفع الباقي ويكون الربح والخسارة على قدر رأس المال ، وفي الغالب تحرص البنوك الإسلامية على أن لا يتجاوز نصيبها من المشاركة على 70% ضماناً لرأسمالها .

 وقد يشتري البنك الإسلامي نسبة من المشروع فيصبح شريكاً فيه .

 ثم قد يشترك البنك في الاشراف والإدارة ، وقد يخول الطرف الآخر بإدارة الشركة مع المحافظة على حق الإدارة والرقابة العامة[2] .

 وكذلك يستفيد البنك من المضاربة .

ثانياً ـ المشاركة في صفقة معينة :

  وذلك بأن يدخل البنك شريكاً في عمليات استثمارية مستقلة عن بعضها حتى بالنسبة للمشروع الواحد ، حيث تختص بنوع معين ، أو عدد محدد من السلع ولهذا النوع مميزات جيدة ، من حيث أنه يؤدي إلى سرعة تصفية العمليات ، وضمان سرعة معدل دوران رأس مال البنك والربح المناسب ، لأن سرعة دورانه تؤدي إلى تشجيع المستثمرين في طلب المشاركة من البنك ، إضافة إلى توزيع المخاطر نتيجة توزيع العمليات الاستثمارية على فئات عريضة من المستثمرين والعملاء ، كما يمكن البنك من تحقيق نوع من المراقبة والاشراف باعتباره شريكاً ، ويحرص البنك في مثل هذه المشاركات على أن لا تكون نسبة مشاركته تزيد على 70% كما ينتهي هذا النوع من المشاركة في بعض الأحيان إلى أن يبيع البنك جميع حصصه إلى الشريك أو الشركاء بعقد جديد[3] .

   وكذلك يستفيد البنك الإسلامي من صيغ المضاربة والمساقاة والمزارعة سواء كان البنك فيها مضارباً أم رب المال ..

الجانب الثاني :التطبيقات المعاصرة للشركات شركات التطبيقات المعاصرة للشركات bigstock Islamic finance  1

  تطبيق المشاركة مع إدخال الجديد فيها مثل المشاركة المنتهية بالتمليك وتسمى (المشاركة المتناقصة) والمشاركة ـ مع الوعد بالتمليك ـ وهي تختلف عن المشاركة الدائمة في الاستمرارية حيث لا يريد البنك أو المستثمر منذ التعاقد الاستمرار في المشاركة .

فالمشاركة المتناقصة ، هي المساهمة في مشروع مع إعطاء الحق للشريك في أن يجعل محله في ملكية المشروع دفعة واحدة ، أو على دفعات حسبما تقتضيه الشروط المتفق عليها وطبيعة العملية ، وعلى أساس إجراء ترتيب منتظم لتجنيب جزء من الدخل المتحصل كقسط لسداد قيمة الحصة[4] .

  فالبنك الإسلامي في هذا الأسلوب يتمتع بكامل حقوق الشريك العادي وعليه جميع التزاماته غير أنه لا يريد منذ التعاقد البقاء والاستمرار في المشاركة إلى حين انتهاء الشرة بل يعطي الحق للشريك ليحل محله في ملكية المشروع .

  وهذا الأسلوب صالح للقيام بتمويل المنشآت الصناعية والمزارع والمستشفيات وكل ما من شأنه أن يكون مشروعاً منتجاً، كما أنه اسلوب مناسبة لكافة عمليات الاستثمار الجماعية في عصرنا الحاضر، لأنها تحقق للبنك أرباحاً دورية على مدار السنة، كما أنه يشجع الشريك على الاستثمار الحلال، ويحقق طموحاته المتمثلة في انفراده بامتلاك المشروع على المدى المتوسط ، كما يفيد المجتمع في تصحيح المسار الاقتصادي بتطوير أسلوب المشاركة الايجابي عوضاً عن الأساليب الربوية ، كما أنه يحقق العدالة في توزيع النتائج[5] .

  والبنوك الإسلامية حينما تدخل في مثل هذه المشاركات تضع نصب أعينها مجموعة من الشرائط ، وهي :

  1. أن تتوافر المقدرة والخبرة الإدارية في الشريك لإدارة العملية .
  2. أن يحتفظ الشريك بحساب منفصل ومنظم لعملية المشاركة ، وإدارة المخازن بطريقة سليمة مع الاحتفاظ بحق البنك في الاشراف الفعلي على المخازن .
  3. أن يلتزم الشريك بكتابة تقارير دورية عن كل ما يتصل بعمل الشركة .
  4. أن يلتزم الشريك بتوريد حصيلة المبيعات للبنك حسب الاتفاق ، وان تكون المشتريات طبقاً لما هو منصوص عليه في العقد .

 كما أن البنك عادة يحدد مدة معينة للشركة يجب على الشريك الالتزام بها وإذا أخل فللبنك الحق في اتخاذ إجراءات مناسبة، كما أن العقود التي يبرمها البنك تتضمن التفاصيل المطلوبة[6] .

صور المشاركة المتناقصة :

  ناقش مؤتمر المصرف الإسلامي الأول الذي عقد بدبي ( الإمارات العربية المتحدة ) في الفترة 23-25 جمادى الثانية 1399هـ الموافق 20-22 مايو 1979 موضوع المشاركات المنتهية بالتمليك فوافق على ثلاث صور منها ، وهي:

الصورة الأولى :

   يتفق المصرف مع متعامله على تحديد حصة كل منهما في رأس مال الشركة وشروطها .

  وقد رأى المؤتمر أن يكون بيع حصص المصرف إلى المتعامل بعد إتمام الشركة بعقد مستقل بحيث يكون له الحق في بيعها للمصرف أو لغيره وكذلك الأمر بالنسبة للمصرف بأن تكون له حرية بيع حصصه للمتعامل شريكة أو غيره .

الصورة الثانية :

  يتفق المصرف مع متعامله على المشاركة في التمويل الكلي أو الجزئي لمشروع دخل متوقع وذلك على أساس اتفاق المصرف مع الشريك الآخر لحصول المصرف على حصة نسبية من صافي الدخل المحقق فعلاً مع حقه بالاحتفاظ بالجزءالمتبقي من الايراد أو أي قدر منه يتفق عليه ليكون ذلك الجزء مخصصاً لتسديد أصل ما قدمه المصرف من تمويل.

الصورة الثالثة :

  يحدد نصيب كل من المصرف وشريكه في الشركة في صورة أسهم تمثل مجموع قيمة الشيء موضوع المشاركة ( عقار مثلاً ) يحصل كل من الشريكين (المصرف والشريك) على نصيبه من الايراد المتحقق من العقار… وللشريك إذا شاء أن يقتني من هذه الأسهم المملوكة للمصرف عدداً معيناً كل سنة بحيث تكون الأسهم الموجودة في حيازة المصرف متناقصة إلى أن يتم تمليك شريك المصرف الأسهم بكاملها فتصبح له الملكية المنفردة للعقار أو المصنع دون شريك آخر .

شروط المشاركة المتناقصة :التطبيقات المعاصرة للشركات شركات التطبيقات المعاصرة للشركات bigstock Islamic finance  1

ويشترط إضافة إلى شروط الشركة العامة :

  1. أن لا تكون مجرد تمويل بقرض ، حيث لا بدّ من وجود إرادة فعلية للمشاركة وإن كانت مؤقتة ، وأن يتحمل جميع الأطراف الربح والخسارة أثناء فترة المشاركة .
  2. أن تكون ملكية البنك لحصته في المشاركة ملكية تامة ، وأن يكون لها دور إما في الإدارة والتصرف ، أو في المراقبة والمتابعة في حالة توكيل الشريك .
  3. وأن لا يتضمن العقد رد الشريك رأس مالك البنك في الشركة بالكامل ، أو مع جزء من الربح .

ولكن لا مانع من وجود وعد ، او تعهد ببيع الحصة ، أو إجارتها ، ثم بيعها[7] .

الخطوات العملية للمشاركة المتناقصة :

  1. تقديم الدراسات
  2. وعد من أحد الطرفين ببيع حصته في آخرالمدة التي يحددانها ، أو بيع أسهمه أو جزء من نصيبه إلى الطرف الآخر سنوياً .
  3. التوقيع على ( مذكرة التفاهم ) وعقد المشاركة .
  4. بيع الحصة أو السهم بعقد جديد في الوقت المتفق عليه .

([1]) أدوات الاستثمار الإسلامي ، إعداد : عز الدين خوجه ، مراجعة د. عبدالستار أبو غدة ط. دلة البركة ص 91

([2]) المصارف الإسلامية لنصر الدين فضلالمولى ط. دار العلم بجدة ص 113-114 ، وكيف نتعامل مع بنك فيصل الإسلامي السوداني ص3 وسياسات الاستثمار في أحد البنوك الإسلامية ص 3

([3]) موسوعة البنوك الإسلامية (1/28)

([4]) الطبيعة المتميزة للبنوك الإسلامية د. سيد الهواري  8

([5]) أدوات الاستثمار الإسلامي ص 111

([6]) عبدالرحيم حمدي : المرجع السابق ، ونصر الدين فضل المولى ، المرجع السابق ص 115

([7]) عزالدين خوجة : أدوات الاستثمار الإسلامي ، مراجعة الدكتور عبدالستار أبو غدة  ، ط. دلة البركة بجدة ص 13-14

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق