البحوث

الأصول والضوابط العقدية والشرعية للعيش المشترك في الإسلام

الأصول والضوابط العقدية والشرعية

للعيش المشترك في الإسلام

 إعداد  

أ.د. حمزة بن حسين الفعر الشريف

بحث مقدم إلى

الدورة الخامسة والعشرين

للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

الفترة من 23-27 /12/ 1436هـ
الموافق: 6-10/ 10/ 2015م

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد..

فإن أمر العيش المشترك بين المسلمين وبين غيرهم مما ظهرت الحاجة إلى بيانه وتأصيله، وهو ما يعرف بـ(التعايش)، وقد كتبت فيه بحوث ومقالات عديدة، وتناوله مجلس الإفتاء الأوروبي في دورات سابقة، ونظراً لأهميته والحاجة إليه خاصة بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في الغرب جرت إعادة الاستكتاب فيه في هذه الدورة، وما من شك في أن التواصل والتعاون ضرورة بشرية خصوصاً لمن كانوا يعيشون في مجتمع واحد ،تنتظمهم مصالح عديدة ، وتحركهم حاجات كثيرة ، والمسلمون أحوج ما يكونون إلى تعرف جوانب هذه القضية؛ لأنهم ليسوا كغيرهم ، فلهم دين يلتزمون به يفرض عليهم أموراً لا يسوغ التهاون فيها ، وهو في الوقت نفسه يفسح لهم آفاقاً من التوسعة في المعاملة والسلوك الرشيد يؤدي التزامهم بها إلى معرفة من يساكنونهم  ويعايشونهم بحقيقة دينهم ، ويجعلهم لبنات صالحة في مجتمعاتهم يسهمون في البناء ويتعاونون مع غيرهم على ما فيه مصلحة الجميع ، وهذا أسلوب دعوي ناجح للتعريف بالإسلام والدعوة إليه.

والبحث يتوخى الوصول إلى ها المعنى وبالله التوفيق..

                                                                            الباحث

عموم رسالة الإسلام للخلق جميعاً في كل الأزمنة والأمكنة :

إنَّ أحكام الشريعة المطهَّرة التي أنزلها الله على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله شاملة لكل الخلق في زمن الرسالة ، وفيما يأتي بعده من أزمنة إلى ان يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ؛ لأن الرسول الذي جاء بها مرسلٌ إلى بني البشر كافة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف : 158] ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾[سبأ : 28] .

ولأن ما تضمنته من أحكام هو الدين المحكم الثابت الذي ارتضاه الله لعباده ولا يقبل من أحدٍ سواه ، ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾[المائدة : 3] ، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ﴾[آل عمران : 19] ، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾[آل عمران : 85]([1]) .

وهذا كما يشمل المكلفين من الإنس يشمل المكلفين من الجن ، لأنه عليه السلام مرسل إليهم أيضاً ، لقوله تعالى : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات : 56] ، ولقوله : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً.بهدي الى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا احدا﴾[الجن : 1،2] ، وقوله ﷺ : «أعطيت خمساً لم يعطهنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي ، نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة»([2]) .

ومن هنا يجب علينا الإيمان الصادق واليقين الجازم بصلاحيتها لحل كل ما يجدُّ في دنيا الناس ، مما لم يكن لهم به سابق عهد بالرد إلى أصول الشريعة المحكمة وقواعدها الثابتة ومقاصدها الحكيمة ، فليست كل الأحكام قد تناولتها نصوص خاصة بينت حكمها ، بل هناك جملة منها كذلك ، وبقية القضايا تعرف أحكامها بالاستدلال عليها بوجه من وجوه الاستدلال الراجعة إلى الأدلة فإن لم يمكن فإنه يستدل عليها بالقواعد العامة والمقاصد الشرعية المقررة عملاً بقوله تعالى : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء : 83] .

وقد واجه العلماء المسلمون المستجدات في العصور المختلفة بهذا المنهج ، ولم تضق أدلة الشريعة ولا قواعدها عن دخول الحوادث الجديدة تحت كنفها ، ولم يقف العلماء عاجزين عن بيان الحكم الشرعي بدليله في تلك الأحوال كلها .

ولقد وجدت أحكام عديدة تتناول علاقة المسلمين بغيرهم منها ما هو منصوص عليه ،ومنها ما استنبطه العلماء وألحقوه بالنصوص بوجه من وجوه الاستدلال كما تقدم .

ومن ذلك حرمة تولية الكافر شؤون المسلمين أخذاً من قوله تعالى : ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾[النساء : 141] .

فإن هذه الآية قد أورد المفسرون فيها أوجهاً عديدة من البيان ، كلها مقبولة وجيهة ، ومنها : أن هذه الآية ظاهرها الإخبار ، وحقيقتها الإنشاء – أي: إنشاء حكم شرعي بتحريم تولية الكافر على المؤمنين حتى لا يكون له سبيل عليهم بالتسلط والتجبر([3]) .

والحكم على هذا الوجه باقٍ ثابت لكنه مقيد بالحال التي يمكن للمسلمين فيها دفع هذه المفسدة عنهم ، أمَّا لو غلبوا على أمرهم فإن الحكم ينتفي في حقهم يومئذٍ ، ومن هذا القبيل حال الأقليات المسلمة في ديار الغرب ونحوها فإنه لا سبيل لهم إلى دفع هذا الأمر لوجود أكثرية تحول بينهم وبين هذا المراد ، ولكون تلك البلاد تحكمها قوانين تمنع من حكم المسلمين لهم ، ومن تطبيق شرع الله عليهم ، و لو تمكنوا من خلال تلك القوانين من الوصول إلى سدة الحكم فإنه لا بد من التزام أحكام تلك القوانين التي ليست مستندة إلى الإسلام ، فلا يسوغ والحال ما ذكر إلزام المسلمين بهذا المقتضى ، لوجود المانع من ذلك أو لعدم تحقق الشروط التي يحتاج إليها تطبيق الحكم([4]) .

ومن ذلك وجوب الحكم بالشريعة الإسلامية فإن هذا من مقتضيات الإيمان بالله ورسوله ، لقوله تعالى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾[المائدة : 44] ، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة : 45] ، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾[المائدة : 47] . وهذا أمر لا نزاع فيه حال الاختيار وهو من محكمات الدين ، ولكن الأمر في أمثال هذه المجتمعات لا يمكن معه تحقيق هذا المقتضى ، كما هو معلوم؛ لأن السيطرة والسلطة فيها لغير المسلمين ، ولما تقدم من كون هذه المجتمعات تحكمها قوانين بشرية تواضع أهلها عليها ورضوا بها ، وليس بالإمكان حكمها بالشريعة الإسلامية . ومثل ذلك يقال أيضاً في مسألة التحاكم إلى هذه القوانين والمؤسسات التي تطبقها ، والإذعان لما يصدر عنها ، مع أن الله سبحانه قال في محكم كتابه : ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء : 65] ، وتحكيم الرسول عليه السلام هو تحكيم لشرع الله .

ومثل ما تقدم يقال في قضايا عديدة في التعليم والاقتصاد والاجتماع ، وليس هذا من باب تغير أحكام الله أو التساهل في تطبيقها، ولكنه واقع يفرض على المسلمين الذين يعيشون في مثل هذه الديار ، وعلى من يفتيهم في شؤون دينهم ملاحظة هذه المتغيرات والموانع ، ومن ثم البحث عما هو الأقرب إلى تحقيق مقاصد الشريعة بحسب الإمكان .

يضاف الى ذلك أن أحوالاً كثيرة قد تبدَّلت، أو تحولت، أو طرأ عليها تغيير كبير ، ومن ذلك العلاقة بين المسلمين وبين غيرهم من الأمم ، فإنها كانت فيما مضى في الأعم ألأغلب مبنيَّة على أن بلاد الكفر ديار حرب ، ولهذا فلا يجوز السفر إليها إلا لحاجة أو ضرورة ، ولا يدخلها المسلم إلا بعقد أمان ، وكذلك أهلها لا يدخلون ديار المسلمين إلا بأمان ، ولا ينبغي للمسلم أن يغامر فيدخلها بدون أن يستوثق لنفسه وحياته بأمان ، ولا يسافر إليها بالمصحف خشية من أن يعرضه للتدنيس والامتهان ([5]) .

أمَّا الآن فالحال مختلف عمَّا مضى ، فغالب هذه الديار بينها وبين المسلمين اتفاقيات ، وتمثيل ديبلوماسي ، ويضمن لكل أهل بلد في البلد الآخر حق الرعاية والمحافظة على نفسه وماله ، وتجب العقوبة والتعويض حال الاعتداء عليه ، أو على شيءٍ من ماله أو مصالحه ، إضافة إلى المواثيق والعهود الأممية التي تلتزم بها دول العالم المنضوية تحت رابطة هيئة الأمم ، والتي تدعم وتقوي جانب رعاية الحقوق لكل داخل بطريق نظامي إلى بلد غير بلده .

هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإن المسلمين أصبحوا في تلك الأقطار مواطنين بالعيش مدة طويلة تتيح لهم بحسب الأنظمة المعمول بها أن يحصلوا على حق لمواطنة بالتجنس بجنسية تلك البلاد ، وبذلك فإن لهم الحق في أن يعيشوا فيها متمتعين بالحقوق لتي يتمتع بها غيرهم ، ومن باب أولى أبناؤهم الذين ولدوا هنالك ، وأصبحوا مواطنين .

بل إنَّ وجود المسلمين فيها تجاوز مسألة التجنس والميلاد إلى دخول أعداد كبيرة من أهل البلاد الأصليين في دين الإسلام ، فلم يعدا لمسلمون مهاجرين وطارئين ، بل أصبحوا جزءاً من نسيج تلك المجتمعات ، ولهذا فإن مسألة السفر إليها والإقامة والعيش فيها أصبح يختلف كثيراً عما سبق ، فلا بد أن يتم التعايش بين المسلمين وبين غيرهم ممن هو معهم في بلد واحد على أساس سليم يؤدي إلى أن يكونوا لبنات صالحة ، يؤدون حق المواطنة ، ويتعاونون وينفعون أنفسهم وغيرهم في ضوء أحكام شريعتهم التي تتسع لكل مجالات الخير ، ولكل ما فيه حق ونفع للآخرين مع المحافظة على هويتهم وشعائر دينهم .

وهذا يتطلب بيان معنى التعايش وأهميته في الحياة البشرية وعمارة الأرض والإفادة مما أودعه الله فيها .

معنى التعايش :

التعايش في اللغة مأخوذ من العيش ، وهو الحياة .

يقال: عايشه: عاش معه([6]) .

والتعايش على وزن (تفاعل) وهو يفيد وجود العلاقة المتبادلة بين الأطراف المتعايشة([7]) .

أمَّا في الاصطلاح: فهو في أصله مصطلح سياسي ، شاع في هذا العصر باسم : التعايش السلمي ، وهو يعني البديل عن العلاقات العدائية بين الدول ذات النظم المتخالفة ، وهذا لا يمنع من استعماله في مجال العلاقات الاجتماعية بين أتباع الديانات والمذاهب([8]) .

ويعرِّفه بعضهم : بأنه اجتماع مجموعة من البشر في مكان معين تربطهم وسائل العيش المشترك وأساسيات الحياة بغض النظر عن الدين والانتماءات الأخرى([9]) .

ومما ينبغي التنبيه عليه أن التعايش بين الأديان مما يدخل أيضاً في هذا الإطار بحيث يؤدي ذلك إلى ثبوت الحق في إظهار الشعائر ، وحرية الاعتقاد ، وعدم الاهتضام ، أو الطغيان من طرف على آخر ، في مثل هذه المجتمعات التي ليس لها مرجعية دينية تحكم تصرفات أهلها لا يستطيعون خلافها([10]) .

ومن خلال ما تقدم يمكن القول بأن المقصود بالتعايش هو الاعتراف بحق الآخر في العيش المشترك وحرية التصرف والاعتقاد ، بما لا يعارض حقوق الآخرين والتعاون في كل ما يؤدي إلى رقي الحياة ومنع التصارع والعدوان .

وهذا المعنى وإن لم يكن ظاهراً محدداً في البيئات التي يعيش فيها المسلمون أقليات في ظل دول ليست إسلامية ، إلا أنَّ تطوُّر الحياة ، وتزايد الاحتكاك والتفاعل بين المسلمين وبين غيرهم أوجب تأصيله وتفصيله ، وبيان حدوده حتى يرتفع الحرج عن كواهل المسلمين في هذه البلدان وحتى يكونوا على بصيرة من أمرهم .

ولدى التأمل في نصوص الشرع ، وفي سيرة الرسول ﷺ فإنَّا نجد أنَّ هناك دلالات هادية عديدة تؤصل لهذا الأمر ، ومن أهمها ما يلي :

أولاً : وثيقة المدينة: التي يذكر أن النبي ﷺ عقدها بين سكان المدينة جميعاً بمن فيهم اليهود ، بيَّن فيها الحقوق والواجبات الثابتة لكل فريق دون هضم أو ظلم ، وجعلهم شركاء في مالهم وما عليهم ، ولهذا يعتبرها بعض الباحثين أول دستور مدني ينظم علاقة المسلمين بغيرهم ، ويؤسس لحياة مشتركة تقوم على العدل ، واستشعار المسؤولية .

ومع أنَّ هذه الوثيقة تفتقر إلى صحة ودقة الثبوت من الناحية الحديثية إلا أنَّ أجزاء عديدة من نصوصها قد وردت في عدد من كتب الحديث بأسانيد صحيحة ، إضافة إلى أنها مروية في مدونات السيرة الكبيرة ، وقد تدولها كتَّاب السير ولم يُظهر أحدٌ منها فيها طعناً ولا إنكاراً ، وأهم من ذلك أنَّ الأدلة والقواعد الشرعية تشهد لما ذكر فيها من بنود ، وما هي عليه من الاتساق والترابط فهي بهذا تصلح لأن تكون مرجعاً يبنى عليه في التعرف على حدود وضوابط مسألة التعايش بين المسلمين وبين غيرهم([11]) .

ومن البنود الواضحة فيها مما يمكن الاعتماد عليه في بناء التعايش بين المسلمين وبين غيرهم ما يلي :

1 – التأكيد على العدل والقسط بين المشتركين في الوثيقة ،وأنه لا يؤخذ أحدٌ بجريرة غيره .

2 – التعاون في الإنفاق للمصلحة العامة والدفاع عن المدينة .

3 – الإقرار بأنَّ للمسلمين دينهم وأنَّ لليهود دينهم ، وأنَّ لليهود الداخلين في هذه الوثيقة النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم .

ثانياً : الأدلة الشرعية المتكاثرة: التي تأمر بالعدل والإحسان ، وتحض على كرم الخلق ، وأداء الحقوق ، والبعد عن الظلم ، والتعاون على البر وغيرذلك([12])، مما يُظهر بجلاء ووضوح أنَّ هذا الأمرو إن لم يرد فيه نصٌّ خاصٌّ يدل على مشروعيته إلا أنَّ الأدلَّة الشرعيَّة من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الرسول ﷺ وأصحابه وسلف الأمة ترفع الشك والارتياب  عنهاوتجعلها في مقام الأمور المقطوع بصحتها وثبوتها .

الأصول العقدية للتعايش في الإسلام:

إنَّ من أهمِّ شروط التعايش ثبات القيم والمعتقدات وعدم الذوبان بمعنى أن يكون لكل طرف شخصيَّته المستقلَّة ومبادئه التي لا يقبل المساومة عليها أو الانتقاص منها حتى يمكن عدّ هذا العمل تعايشاً حقيقياً ، أمَّا حين يعدو التعايش على العقيدة أو الثوابت فإنه تعالٍ واضطهاد لا ينسجم مع التعامل بالندية ، والاعتراف بالحقوق المشروعة ، وفرق بين ما كان من باب العقيدة والثوابت الراسخة وبين ما كان من باب المعاملة .؛

فإن الأول لحق الله سبحانه وتعالى لا يجوز المساس به ولا المداهنة فيه ، بل لا بدَّ من أن يبقى سليماً لا يعتريه نقص ، وذكره والتنصيص عليه هنا-كما سياتي- من باب بيان اهميته التي لابد من استحضارها والتاكيد عليها.

أمَّا ما كان من باب المعاملة فإنَّ المصلحة فيه دنيوية ولذلك يجري فيه الاجتهاد والقبول ببعضه وترك البعض الآخر بحسب مايستطاع.

1 – ومما يدل للمعنى الأول قوله تعالى : ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم : 9] . وهذا بيان وتحذير من الله سبحانه وتعالى لنبيه عليه السلام ، يوضح حال هؤلاء الكفار وما يتمنونه من الرسول عليه الصلاة والسلام من المصانعة والمجاملة التي تهدم الدين وتبين عدم ثباته وصحته ، وهذا غاية ما يسعون له ، روى القرطبي عن الحسن رحمه الله في معناها : ودُّوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم ، وعنه أيضاً : ودُّوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم([13]) .

وقوله تعالى : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾[النساء : 89] ، وقوله تعالى : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة : 109] .

2 – لا يجوز أن يكون من بنود التعايش حذف بعض شعائر الإسلام كالصلاة والزكاة ، ولا تغيير هيئتها ولا مواقيتها ونحو ذلك .

ولا الإقرار بحل أو حرمة ما جاءت الشريعة بخلافه ، فإن هذا الأمر مما يعود على أصل الدين بالنقص .

3 – لا يجوز أن يدخل في بنود التعايش ما يدل على صحة وصواب ما ثبت بطلانه في شريعة الإسلام من العقائد والأمور المنافية للإسلام ، كالإقرار بصحة ما عليه أصحاب الديانات التي جاء الإسلام ببيان تحريفها ، وزيفها كاعتقاد أن لله ولداً ، أو أن الله ثالث ثلاثة ونحو ذلك ، لأن الله جل وعلا قد أبطل ذلك وألزم المسلمين بما أنزله عليهم فيما جاءهم به رسولهم ﷺ وكما قال تعالى : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران : 19]، وقوله : ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران : 85] .

فكل أمرٍ باطل في شريعتنا لا يجوز الإقرار به ولا القبول بصحته ، وأعظمه ما يتعلق بذات الله وصفاته وما يجب له من التنزيه والتعظيم .

4 – لا يجوز أن يكون من بنود التعايش التي يقبل بها المسلمون ما يدل على اختصاص أهل دين أو نحله به في الملبس أو الهيئة أو التصرف ؛ لأن ذلك يدخل القابل له في عداد من اختصوا به لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن عمر رضي الله عنه «من تشبَّه بقومٍ فهو منهم» ([14]).

أما ما شاع ولم يظهر اختصاصه بأحد فإنه لا حرج فيه ، والعرف مؤثر في مثل هذا ؛ لأنه هو الذي يحدد الاختصاص هنا فإذا تغير العرف ولم يعد هذا اللباس ونحوه دالاً على خصوصية معينة تغير حكم المنع إلى الجواز .

ومما لا يجوز القبول به في التعايش أيضاً موالاة غير المؤمنين من دون المؤمنين ، والمودة القلبية التي تقضي إلى قبول الباطل ، وتفضيله على الحق الذي جاء به دين الإسلام .

﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة : 22] .

﴿لاَ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ﴾ [آل عمران : 28]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ [النساء : 144].

والمقصود بهذه الآيات وأمثالها ما تقدم في صدر هذه الفقرة من تقديم الباطل على الحق الثابت في دين الله ، وموالاة من يعادي دين الله من دون المؤمنين .

ويلتحق بهذا الاحتفال بالأعياد الدينية لغير المسلمين والفرح بها ، ورفع شعاراتهم فيها مثل : إله الحب (فينوس)، وعيد الكريسماس ، والفصح وغيرها ؛ لأن هذه الأعياد اصطبغت بعقائد دينية لا يقرها الإسلام ، فالقبول بها والفرح والمشاركة لأهلها نقض لدين الله .

روى المفسرون عن أبي العالية ، وطاووس ، وابن سيرين ، والضحاك ، والربيع بن أنس ، في تفسير قوله تعالى في وصف عباد الرحمن : ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾[الفرقان : 72] . قالوا : هي أعياد المشركين ([15]).

إن مما يقتضيه التعايش الصحيح بين المسلمين وبين غيرهم عدم دخول ما تقدم في بنود المهاودة ،أو الانتقاص كتابة وعرفاً ، وغاية ما يمكن القبول به في هذا هو ان يكون لكل فريق الحرية فيما يعتقده من غير تعرض لغيره ، ولا يلزم من عدم تعرض المسلمين لعقائد غيرهم في هذا إقرارهم بصحتها ، بل المسلمون على عقيدتهم فيها ، وأهلها هم من يُسألون عنها ويتحملون تبعتها ، قال الإمام الماوردي في تفسير قوله تعالى : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾[الكافرون : 6] . فيها وجهان :

أحدهما : لكم دينكم الذي تعتقدون من الكفر ، ولي ديني الذي أعتقده من الإسلام .

والآخر : لكم جزاء عملكم ، ولي جزاء عملي([16]) .

وقال الإمام ابن القيم تعليقاً على تفسير هذه الآية :

«غلط في تفسير هذه الآية خلائق ظنوا أنها منسوخة بآية السيف ، لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم ، وظن آخرون أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب ، وكلا القولين غلط محض فلا نسخ في السورة ، ولا تخصيص ، بل هي محكمة ، وعمومها نص محفوظ ، وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها ؛ فإن أحكام التوحيد التي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ في مضمونها ، وهذه السورة -سورة الكافرون- أخلصت التوحيد لله ، ولهذا تسمى سورة الإخلاص»([17]) .

المرتكزات الني تستند إليها مشروعية التعايش في الإسلام:

هذه المرتكزات كثيرة متشعبة ، تشمل جوانب حياتية كثيرة لكن يمكن إجمالها في خمسة مرتكزات رئيسة تندرج تحتها أمور عديدة تتعلق بها :

أولها : العدل : وهو ضد الجور ، وهو القسط الذي أمر الله به ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾[الحجرات : 9] . وجاء في الحديث الشريف : «المُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَومَ القِيَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا أَقْسَطُوا فِي الدُّنْيَا»([18]) .

والعدل قامت به السماوات والأرض ، وقد أمر الله به ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى﴾ [النحل : 90] .

وألزم الله به حتى في حال الخلاف والخصومة مع الكفار . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾[النساء : 135] . ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة : 8] . وفي الحديث القدسي : «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا»([19]) .

والتزام هذه الخصلة الحميدة إضافة إلى أنه طاعة لله بتحقيق أمره ، هو دليل على استقامة الشخصية وتجرد صاحبها عن الهوى الذي يقود إلى الضلال والغواية وما يبغضه الله .

وهو يتأكد هنا في باب التعايش لأن المسلم قد يبتلى بما يدفعه للجور فإذا تذكر حدود الله ارتدع وارعوى ، وعلم الناس بأن له ديناً يدعوه إلى ذلك ، وإذا انساق وراء شهوة نفسه عصى ربه وفقد التأثير الذي يسعى إليه .

ومن المآثر الخالدة في تاريخ المسلمين مما يظهر ثبات هذا المعنى ورسوخه ما حدث في عهد عمر بن عبد العزيز –رحمه الله- عندما دخل الجيش الاسلامي سمرقند ،حيث شكى اهل سمرقند الى الخليفة ان الجيش دخل بلدهم قبل ان تنتهي مهلة الانذار التي بينهم وبين المسلمين فارسل عمر رحمه الله الى الوالي ليعرض الامر على القاضي ليفصل بينهم وبين الجيش في القضية فنصب لهم القاضى جميع بن حاضر التاجي، فلما حضروا لديه ونظر في الامر تبين له صحة ما ادعاه أهل سمرقند فحكم بخروج الجيش وخرج الجيش من البلد في مشهد لم يعرف له التاريخ مثيلا ؛ان يخرج جيش منتصر تمكن من البلاد ،واستتب له الامر بحكم قاض!وكان من نتيجة ذلك أن أسلم غالب أهل سمرقند ،ورضوا بحكم المسلمين لهم ([20]).

الثاني : الإحسان ،وهو ضد الإساءة :

وينقسم الى مرتبتين :الأولى هي احدى مراتب الدين و التي هي أعلاه ، كما جاء في حديث جبريل «أن تعبد الله كأنك تراه،فان لم تكن تراه فانه يراك..»([21]) .

والثانية: إحسان في حق الخلق ، بأن يبذل ما يستطاع من المنافع لهم ، وهو متفاوت ، ومنه إتقان العمل كما قال ﷺ : «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»([22]).

وقد أمر الله بالإحسان في مواطن عديدة من كتابه ، منها قوله جل ذكره : ﴿وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾[المائدة : 93] ، وقوله : ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى﴾[النحل : 90] .

وبيَّن أنه يحب المحسنين ، ﴿وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾[آل عمران : 134] .

وأنه يجازي على الإحسان بمثله : ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾[الرحمن : 60]

ولهذا المرتكز أثره البالغ في الناس خاصة في اطفاء نار العداوة ،وجلب المحبة، ويتأكد هذا عندما تقابل الإساءة بالإحسان ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[فصلت : 34] ، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون : 96] .

وأعظم شيء فيه ثبوت معية الله لأهله ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾[النحل : 128] ، وكل من يبتلى بمعاملة الناس لا غنى له عن أن يكون له نصيب وافر من هذه الخصلة الكريمة ، حتى تسير أموره على الوجه المطلوب ، وتستقيم حياته وعلاقاته ،كما انه يؤثر كثيرا على من يتعامل المسلمون معة،حيث يستلب مافي نفوسهم من الحقد والبغضاء ،ويقرب  بينه وبينهم‘كما قال الشاعر:

أحسن الى الناس تستعبد قلوبهم               ***              فطالما استعبد الانسان احسان

ومجال الإحسان واسع كبير يشمل القول والفعل، والاغضاء، والصبر وأمورا كثيرة من هذا القبيل مما يعزز ويقوي مسالة  التعايش وفق هدي الشريعة.

الثالث : الرحمة :

هذا المرتكز يدل دلالة واضحة على ارتباط هذه الشريعة بالخالق الحكيم الذي صدرت عنه ، فإن الرحمة صفة من صفات الله (الرحيم) ، وهي شاملة للخلق جميعاً ، جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبوهريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول : «جعل الله الرحمة مئة جزءاً فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً ، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً ، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه»([23]) .

ومن رحمة الله لعباده إرساله محمداً ﷺ لهدايتهم وارشادهم الى صراطه المستقيم كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء : 107] .

روى أبوهريرة أيضاً في الحديث الصحيح عنه ﷺ «من لا يرحم لا يُرحم»([24]) .

وروى عبدالله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»([25]) . وبذل ما يحقق هذه الصفة الكريمة للخلق جميعاً، بني البشر، والدواب، وسائر المخلوقات مما يجلب محبة الله ورحمته ، ويرقق القلوب لفعل لخير ويشعر بنعمة الله وفضله على من يقوم بذلك.

 وأن التأمل فيما تقدم من نصوص تدعوا إلى الرحمة وتمجِّد فعلها يبين أنها لم تخصص للمسلمين بل إنها جاءت شاملة لكل الخلق وعلى هذا فالمشاركة في كل فعل تتحقق به الرحمة من مساعدة المحتاجين وإطعام الجياع ومعالجة المرضى ، وتعليم الجاهلين، والعمل على ما يخفف معاناة الناس منهج واضحٌ للإصلاح ولجلب رضوان الله أولى به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، وقد جاء في الحديث : أنَّ امرأة زانية سقت كلباً بلغ به العطش حداً لا يطاق فشكر الله صنيعها وغفر لها([26]) .

وقد قرر العلماء رحمهم الله جواز الصدقة والوقف على أهل الذمة([27]) وكل من مدَّ يده لتحقيق هذا الوصف من البشر فالمشاركة معه وبذل المستطاع لدعمه متعين .

الرابع : التعاون :

وهو مما أمر الله به وجعل المحمود منه ما كان على البر ؛ لأن التعاون قد يكون بين بعض البشر على خلاف ذلك ، فجاء القرآن الكريم موضحاً ما يطلب فعله ،ويمدح فاعله، وما ينهى عنه ، ويذم فاعله ، قال تعالى : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة : 2] .الأصول والضوابط العقدية والشرعية للعيش المشترك في الإسلام الإسلام الأصول والضوابط العقدية والشرعية للعيش المشترك في الإسلام 5905b46db1e52

ومن طبيعة الحياة الاجتماعية والأعمال النافعة أنه تحتاج إلى التعاون ؛ اذبه تتوحد الجهود المتفرقة فتصبح شيئاً واحداً قوياً ، وبه يمكن تحصيل ما لا يمكن للفرد الواحد تحصيله ، وقد يكون هذا التعاون مادياً محسوساً كما في التعاون على حمل الأثقال ، أو دفع المعتدي ، ونحو ذلك ، وقد يكون معنوياً بالكلمة ونحوها ، وكلها تؤدي إلى تحصيل مقاصد نافعة لا يستطيع الفرد في أحيانٍ كثيرة أداءها بدون إعانة غيره .

ومن المجالات الكبيرة التي يثمر فيها التعاون ثماراً طيبة درء المفاسد ، مثل مكافحة المخدرات ، والمحافظة على الممتلكات ، والدفاع عن الأوطان ، وغير ذلك .

وكلها من الأمور المتسقة مع الشريعة الإسلامية التي لا حرج من تعاطيها وهي مما يرسخ علاقة المسلمين بالمجتمعات التي يعيشون فيها ويزيد من تأثيرهم ويقوي مكانتهم فيها ، وقبل ذلك يكسبهم مرضاة الله .

الخامس : التحلي بمكارم الأخلاق :

شأن الخلق الحسن في الإسلام شأن عظيم فقد أعلى الله منزلته ، وأثنى على رسوله ﷺ به فقال جل ذكره مخاطباً رسوله عليه السلام : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم : 4] ، وقال جل ذكره ممتناً على المؤمنين : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة : 128] .

وجاء في الحديث الذي رواه أبوأمامة عن رسول الله ﷺ قال : «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً ،وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»([28]) .

وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال : «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً..»([29]) .

إنَّ هذا المرتكز جماع خير كثير؛ لأنه يدخل في جميع مناحي الحياة ويؤثر وجوده في زرع المحبة والثقة وأشاعة الألفة ، وتقوية الروابط ، ومنه حسن المنطق ، ولين الكلام ، وبشاشة الوجه ، والصدق ، والوفاء بالعقود والعهود والكرم ، وهي جميعها وغيرها مما تكاثرت وتضافرت نصوص الشريعة على إثباته والدعوة إليه ، ومن مكارم الأخلاق البعد عن أضداد هذه الأخلاق الكريمة .

وإن عمل المسلمين في البلدان التي يعيشون فيها على هدى هذه المرتكزات مما يقوي مسيرة الإصلاح ، وعمارة الأرض ، ويسهم في درء الكوارث ، وتطوير العلاقات الاجتماعية ، والاقتصادية ، بما ينفع البلاد والعباد .

وقد شرع الله لعباده هذا العمل مع غير المسلمين لرفع الحرج عنهم فيه ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة : 8] .

ومن خلال ماتقدم يتبين بحلاء ان دين الاسلام وشرائعة شاملة لكل مجالات الحياة ،يجد فيها المسلمون الجواب الكافي لكل ما يشكل عليهم،ويجدون فيه الدواء الشافي لكل العلل ،والامراض ، التي تعترض طريق الحياة الانسانية الكريمة، وتكدر حياة الخلق .

وان على المسلمين في بلاد الاقليات أن يسرعوا وان يبادروا الي خوض غمار المشاركة والمعايشة مع من يعيشون معه مستهدين بما ذكر من حدود وضواط مستندة الي الشرع المطهر،وسيكون لهذا اثره الطيب البالغ في دفع عجلة الحياة وعمارة الارض ،ونفع الخلق،ودفع التهم الظالمة التي توجه الى الاسلام بانه دين جامد منغلق لايصلح للحياة المعاصرة،ولا يمكن التعامل والتعاطي مع معتنقيه .

 وبالله التوفيق وعليه الاعتماد،،،

ثبت المراجع

القرآن الكريم

أحكام أهل الذمة – ابن القيم

الأدب المفرد – البخاري

الإسلام والتعايش بين الأديان في أفق القرن الحادي والعشرين – عبدالعزيز التويجري

إيضاح الدلالة في عموم الرسالة – ابن تيمية

بدائع الفوائد – ابن القيم

تاريخ الأمم والملوك – الطبري

التعايش السلمي في ضوء مقاصد الشريعة – محمد عبدرب النبي

تفسير الماوردي

تفسير بن كثير

الجامع لأحكام القرآن – القرطبي

السلسلة الصحيحة – الألباني

سنن ابن ماجه

سنن أبي داود

سنن الترمذي

صحيح البخاري

صحيح السيرة النبوية – إبراهيم العلي

صحيح مسلم

فتوح البلدان – البلاذري

لسان العرب – ابن منظور

المجتمع المدني في عهد النبوة – أكرم ضياء العمري

المحلى – ابن حزم

المستدرك على الصحيحين – الحاكم

مسند الإمام أحمد

مسند البزار

المصاحف – ابن أبي داود

المعجم الكبير – الطبراني

المعجم الوسيط

موطأ الإمام مالك

الوسائل الاقتصادية في التعايش مع غير المسلمين – صبحي أفندي الكبيسي وزميله

الفهرس

الموضوع الصفحة
المقدمة 1
تمهيد : عموم رسالة الإسلام للخلق جميعاً في كل الأزمنة والأمكنة  2
معنى التعايش 6
دلالات التعايش مع غير المسلمين
      أولاً : وثيقة المدينة 7
      ثانياً : الأدلة الشرعية المتكاثرة 8
الأصول العقدية للتعايش في الإسلام 9
المرتكزات التي تستند إليها مشروعية التعايش في الإسلام
      أولها : العدل 13
      الثاني : الإحسان 14
      الثالث : الرحمة 16
      الرابع : التعاون 17
      الخامس : التحلي بمكارم الأخلاق 18
الخاتمة 19
ثبت المراجع 20
الفهرس 21

([1])  للإمام ابن تيمية رحمه الله كتاب أسماه (إيضاح الدلالة في عموم الرسالة) وهو في مجموع الفتاوى 9/19 .

([2])  صحيح البخاري 1/74 برقم (337) ، كتاب التيمم .

([3])  انظر : المحلى 10/228 .

([4])  لأنه لابد لتطبيق الحكم من تحقق الشروط وانتفاء الموانع كما قرر ذلك الأصوليون .

([5])  المصاحف لابن أبي داود 1/413 ، وأخرج البخاري في الجهاد والسير ، برقم (2990) ، ص573 ، ومسلم في الإمارة برقم (1869) ، ص779 ، ومالك في الموطأ ، كتاب الجهاد ، باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ، ص357 ، .

([6])  لسان العرب لابن منظور ، حرف الشين فصل العين 6/321 .

([7])  انظر : المعجم الوسيط 2/646 .

([8])  د.محمد عبدرب النبي بحث بعنوان : التعايش السلمي في ضوء مقاصد الشريعة .

([9])  د.صبحي أفندي الكبيسي وزميله ، بحث بعنوان : الوسائل الاقتصادية في التعايش مع غير المسلمين .

([10])    انظر : د.عبدالعزيز التويجري ، الإسلام والتعايش بين الأديان في أفق القرن الحادي والعشرين .

([11])    انظر : إبراهيم العلي ، صحيح السيرة النبوية 138-158 .

      وقد نقل المؤلف عن د.أكرم ضياء العمري ، في كتابه : المجتمع المدني في عهد النبوة ، أنّ أسلوب هذه الوثيقة ينمُّ عن أصالتها وبعدها عن أن تكون لمصلحة طرف دون طرف ، إضافة إلى التشابه الكبير بين أسلوبها وأساليب كتب النبي ﷺ مما يبعث على الثقة بها وأنها ليست مزورة . انظر : ص158 .

([12])    سيأتي مزيد تفصيل وبيان لهذه الأدلة في المباحث اللاحقة .

([13])    القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 18/214 .

[14] رواه أبو داود (اللباس / 3512)

[15] – تفسير بن كثير ج 3 ص 2097

([16])    تفسير الماوردي 6/358 .

([17])    بدائع الفوائد لابن القيم 1/140 .

([18])    مسند البزار 1/333 برقم (2340) .

([19])    رواه مسلم 4/1994 برقم( 2577 ) في كتاب البر والصلة : باب تحريم الظلم ، والترمذي ( 2497) ، وأحمد 5/154 ، وابن ماجه (4257) ، والبخاري في الأدب المفرد1/172 برقم(490) .

[20] – القصة ذكرها عدد من المؤرخين منهم الامام الطبري في تا ريخه والبلاذري في فتوح البلدان

[21] – صحيح البخاري برقم 4777

[22] – السلسلة الصحيحة – الألباني برقم (1880).

([23])    صحيح البخاري 8/8 برقم (6000) باب جعل الله الرحمة مائة جزء ، ومسلم 4/2108 برقم (2752) باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه .

([24])    صحيح البخاري 8/7 برقم (5997) باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته ، ومسلم 4/1808 برقم (2318) باب رحمته صلى الله عليه وسلم بالصبيان والعيال .

([25])    سنن الترمذي 4/323 برقم (1924) وقال الحاكم : هذا حديث حسن صحيح ، وقال الألباني : صحيح ، سنن أبي داود 4/285 برقم (4941) باب في الرحمة .

([26])    صحيح البخاري 4/158 (3321) ، ومسلم 7/43 (2245) ، وأحمد 2/507 .

([27])    أحكام أهل الذمة لابن القيم 1/301 .

([28])    سنن أبي داود 4/253 ، برقم (4800) ، والطبراني في الكبير 8/117 برقم (7488) .

([29])    سنن الترمذي 4/370 برقم (2018) وقال الألباني : صحيح .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق