البحوث

الأَزْمَةُ المَالِيَّةُ العَالمِيَّةُ قِرَاءَةٌ في مَأزقِ الأَسبَاب والنَّتَائِج وبَحثٌ عَن مَخرَج

الأَزْمَةُ المَالِيَّةُ العَالمِيَّةُ

قِرَاءَةٌ في مَأزقِ الأَسبَاب والنَّتَائِج وبَحثٌ عَن مَخرَج

إعداد

أ. د   حَمزَة بن حُسين الفِعر الشَّريْف

بيتُ الخبرةِ العَالمي للاستِشَارَاتِ المصرِفيَّة الإسلامِيَّة

جدة – المملكةُ العربيَّة السُّعوديَّة

مقدمة :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الهدى وإمام التقى محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين .

     اضطربت أحوال العالم الاقتصاديَّةِ والاجتماعيَّةِ بالإعلان عن حدوث الأزمة الماليَّةِ العالميَّة في النصف الثاني من العام في 15/10/2008م ، وأدَّى هذا إلى أضرارٍ جسيمة ألحقت خسائر فادحة بالمؤسسات المالية ، وبالدول جميعها ، وإن كانت شدَّةُ هذه الخسائر تختلفُ من بلدٍ إلى آخر ، وقد تمثَّل هذا في عجزٍ ظاهرٍ في ميزانيَّاتِ دولٍ لم تكن كذلك ، وازداد حجم هذا العجز لدى دولٍ كانت تعاني منه ، وتكفي الإشارة إلى أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية -وهي اكبر متأثِّرٍ بهذه الأزمة – وصل عجز ميزانيَّتها أكثر من (359) مليار دولار في النصف الأول من عام 2008م ، وتزايدت المديونية الخارجية لها إلى أكثر من (3) ترليون دولار .

 ومع كل هذافأنَّ الأزمة لم تكن أمرًا مفاجئًا ، بل كانت امرا متوقعا نتيجة تصرُّفات مسيئة استرسلت فيها المؤسسات المالية ، والبنوك ،انطلاقا من الفلسفة المادية الرأسماليَّة التي تستند إلى مبدأ الحرية الاقتصاديَّة وما ينتج عنها من اعتماد اقتصاد السوق الذي يسمح بالملكية الفردية المطلقة ، فيبيح بناءًا على ذلك التعامل بكل أنواع التعاملات ، ويترك للسوق نفسه تحديد أسعار السلع والخدمات  دون تدخل من الدولة .

ويعد أهم مَن نادى بهذا المبدأ الفيلسوف الاسكتلندي الشهير (آدم سميث) الذي يوصف بأنه أبوعلم الاقتصاد .

ولا زالت الأزمة مستمرة ، ولا زالت كرة الثلج –كما يقال- تتدحرج لمَّا تستقرَّ بعدُ ، وبهذا فإنَّ الخسائر الحقيقية الناجمة عن هذه الأزمة لم تُعلم إلى الآن على وجه التحديد .

ولا شكَّ أن هنالك أسبابًا حقيقية عديدةً يمكن ذكرهاأدَّت إلى هذه الأزمة ، وآثارًا وتداعيات نجمت عنها ، كما نتج عنها أيضا قيام الدول بمحاولات عديدة لإصلاح وترميم آثارها ، ولذلك سيتناول هذا البحث :

– التعريف بالأزمة .

– وبيان الأسباب التي أدى إليها .

– والآثار التي نجمت عنها .

– والحلول التي اتخذت لتفاديها .

– والمنظور الإسلامي للمخرج الحق منها .

 الأزمة المالية : تعريف وتوضيح :

الأَزَمَةُ في اللُّغَةِ : الشِّدَّةُ والقَحْطُ([1]) .

وهي موصوفةٌ هنا بوصفين ، أولهما كونها مالية بمعنى : أنها متعلِّقةٌ بالمال بالدرجة الأولى ، والثاني كونها عالمية بمعنى أنها تشمل دول العالم جميعها ، حيث لم تسلم منها دولة .

أما تعريفها الاصطلاحيّ فيمكن أن يُقال فيه : أنه الانخفاض الكبير المفاجئ في أسعار نوعٍ أو أكثر من الأصول الماليَّة .

والأصول تنقسم إلى قسمين :

– أصولٌ هي : رأس مالٍ مادي يستخدم في عمليَّة الإنتاج مثل الآلات والمعدَّات والأبنية ، والأراضي ونحوها .

– وأصولٌ مبنية على رأس المال المادي مثل الأسهم والسندات ونحوها ، وقد تكون حقوق ملكية للأصول المالية نفسها ، وهي التي تسمى في البورصات والأسواق المالية بالمشتقات ، مثل : العقود المستقبلية (futures) لسلعة معيَّنة ، أو عملة ما ، وكذلك عقود الخيارات (options) ومن هنا فإن الانهيار الكبير فى قيمة أصل أو أصول معينة فجأة قد يؤدي إلى إفلاس أو انهيار المؤسسات التي تملكها([2]) .

والأصول الماليَّة منها ما يمثِّل الملكيَّة ، وهي ما يقابل الأصول الحقيقية نفسها مثل الأسهم التي تمثل حصة من الأصل ، ومنها ما يمثل مديونيَّةً مثل السندات ، كالأسهم والعقود المبنية على حقوق الملكية مثل المشتقَّات ، وقد يكون هذا الانهيار في أصلٍ معيَّن ، أو في عملةِ دولةٍ ، أو في سوقٍ معيَّن كالعقار مثلًا ، وقد يكونُ في مجموعةٍ من المؤسسات الماليَّة مما يتعدَّى أثره بعد ذلك إلى باقي الجوانب الاقتصاديَّةِ للدَّولةِ ، وكلَّما تشابكت الأسواق ، وكلَّما ازدادت علاقات الدول الاقتصادية ببعضها كلَّما أدَّى ذلك إلى انتقال هذه الآثار من مكانها الذي حصلت فيه إلى أماكن أخرى في الدولة نفسها وفي الدول المتصلة بها .

أسباب الأزمة المالية العالميَّة :

الاقتصاد ينقسمُ إلى نوعين :

1 – اقتصادٌ حقيقي ، أو اقتصادٌ عيني (realassets) وهو كل الموارد الحقيقية التي تشبع الحاجات بطريقٍ مباشر (السلع الاستهلاكية) أو بطريق غير مباشر (السلع الاستثمارية) مثل المصانع ، والمباني ونحوها ، فإنها لا تشبع الحاجات الإنسانية مباشرة بل بواسطة ما ينتج عنها ، وهذا النوع من الاقتصاد هو الأساس في حياة البشر ، وكلما وقع الاهتمام به ، ووُجِّهَ نحو الإنتاج النافع كلما استقرت الحياة وسَعُدَ الناس .

2 – اقتصادٌ غيرُ حقيقيّ : يتمثَّل في تجارة الديون ، والحقوق المشتقة من الأصول ، والمفترض في الأصول المحاسبية السليمة أن تكون هذه مستندةإلى حدٍّ أدنى من الأصول الحقيقية المملوكة ، إلا أنَّ الواقع المحموم لحرية التعامل في الأسواق الماليَّة سار بهذه المعاملات بعيدًا عن الأصول الحقيقية وضاعف منها حتى أصبحت تزيد على حجم الاقتصاد الحقيقي بعشرة أضعافه .

وهنالك نقطة جوهريَّة كبرى تنطلق منها أكثر أسباب الأزمة ، وهي أنَّ الاقتصاد الرأسمالي قائمٌ على أساس اعتماد الرِّبا أخذًا وإعطاءً ، فكل ما يشتقُّ من هذا المبدأ فهو مقبول ، مثل تجارة الديون ، وجدولة الديون ، والإقراض بفائدةٍ وغيرها .

ويمكن ذكر أهم أسباب هذه الأزمة المالية العالمية على النحو التالي :

1 – التَّوسُّعُ الكبير في البنوك الأمريكية على وجه الخصوص في منح الائتمان دون تطبيق القواعد والضوابط اللازمة لذلك ، وعلى سبيل المثال فإنَّ مجموع عمليَّات القروض العقارية والعمليَّات التي ترتَّبت عليها من توريق وإعادة توريق ونحوها بلغ أكثر من أربعة عشر تريليونًا من الدولارات ، بينما القيمة الحقيقية لهذه العقارات قرابة ثلاثة تريليونات فقط ، وهذا يدلُّ على أنَّ هذه العمليَّات لا تمثل السعر الحقيقي ولا تقترب منه بحال ؛ لأنَّ السعر الحقيقيَّ هو مجموع القيم الحالية للعائد المستقبلي المتوقع للأصل ، فإذا كانت القيمة الإيجاريَّة المتوقَّعة من العقار  (10000) دولار في السّنة ، فإنَّ القيمة الحقيقية له في حدود مليون دولار ، إذا اعتبرنا أنَّ الدخل السنوي في حدود (10%) من قيمة العقار ، لكن من غير المعقول ولا المتصوَّر أن تكون قيمته الحقيقية (10) أو (15) مليون دولار ، وهذا ما حدث بالفعل حيث بدأ البيع والشراء المتصاعد   يتسارع  بدرجة كبيرة جدابحثًا عن الأرباح الناتجة عن المضاربة على الأسعار وليس بناءًا على العائد المنتظم لهذا الأصل ، وهو (دخله السنوي أو الشهري) .

ومثل هذا يقال أيضا في أصول أخرى مثل الأسهم والسندات وغيرها .

وقد أطلق على هذا النوع من القروض اسم قروض النينجنا (ninjna)(noincom,nojop,noassets) .

2 – التوسع الكبير في عمليَّات المضاربات في الأسواق الماليَّة المنظمة –البورصات- وغير المنظمة –الأسواق الثانوية- الى الحد الذى افقدهذه الأسواق مصداقيتها ، فانحرفت عن المسار الذي وجدت من أجله ، وهو تعبئة المدَّخرات لمواجهة الحاجة إلى التمويل من قبل الشركات والمؤسسات وغيرها .

ونتج عن ذلك حبس الثروات عن التوجيه للاستثمارات النافعة من الزراعة والصناعة والتجارة الحقيقية ، وتحويلها للمضاربات التي تقوم على أساس كسب الرابحين على حساب الخاسرين ،بدون ان تكون لهذه المعاملات أية قيمة مضافة تنتج عنها .

وتذكر الاحصاآت ان التوسع في هذه المعاملات بلغ حدًّا فاحشًا زاد مائة ضعف على حجم الاتجار في السلع .

3 – انتشار ثقافة الربح السَّريع التي دفعت بكثير من الناس إلى الدخول في المغامرة بصفقات لا يتوافر فيها الضبط القانوني والإداري ، وأدى الحال ببعضهم إلى بيع أصولهم الحقيقية والدخول بقيمتها في هذه الصفقات رغبة في الحصول على ما يتوقع منها من الأرباح .

4 – الإقبال على الاقتراض والتوسع فيه لتلبية رغبة الاستهلاك الترفي مثل أن يحرص المقترض على تبديل سيَّارته أو تجديد أثاثه أو الإنفاق على نزهته وهكذا…

وقد استحوذ هذا النوع في أمريكا وحدها من بداية هذا القرن على حوالي (87%) من الناتج الإجمالي([3]) .

5 – ضعف الرقابة على المؤسسات المالية – (البنوك ، شركات التأمين ، شركات التمويل العقاري ، أسواق رأس المال ونحوها)- مع أنها أهم وأخطر المؤسسات المؤثِّرة في اقتصاد الدولة ، ولكنها لم تحض في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية بالرقابة الكافية من الجهات المعنية ، إضافة إلى أن ما يعرف ببنوك الاستثمار في الولايات المتحدة الأمريكية لا تخضع لرقابة البنك المركزي ، وقد توسَّعت بعض هذه البنوك في الإقراض لأكثر من (60) ضعفًا باعتبار حجم أموالها .

وقد كان تعثُّر بعض الأسواق والمؤسسات فيما مضى لا يؤثِّرُ إلَّا في محيطه ، فإذا انهارت شركة تأمين فإنَّها لا تؤثِّرُ إلَّا على سوق التأمين ، والأنشطة المتصلة به مباشرةً ، وكذلك الحال في البنوك ، وفي البورصات ، ولكن انهيار الحواجز التقليدية في العقود الأخيرة من القرن الماضي ، وبداية هذا القرن بين المؤسسات المالية والأسواق بسبب ظاهرة العولمة ، جعل التأثر في بعضها يسري إلى بقيتها ، في الدولة نفسها ، وفي خارجها .

6 – التدهور الكبير للاقتصاد الأمريكي وعلى الأخص في السنوات الثمان الماضية مما أفقده القدرة على الصمود أمام بوادر الأزمة ، وقد تمثل هذا التدهور فيما يلي :

أ – تراجع فائض الموازنة العامة للدولة من (255) مليار دولار عام2000م ، إلى (92) مليار دولار عام 2001م ، ثم تحول إلى عجز بلغ (230) مليار دولار عام 2002م ، وأخذ يتزايد حتى بلغ قرابة (700) مليار دولار عام 2008م .

ب – ارتفاع معدل التضخم حيث بلغ في عام 2008م حوالي (50%) .

ج – ارتفاع معدَّل البطالة خلال السّنوات الثمان الأخيرة إلى (5,5%) ، وقد صرَّح الرئيس باراك أوباما في كلمته الأسبوعيَّة بأنَّ الولايات المتحدة فقدت (2,6)مليون وظيفة عام 2008م .

د – تزايد العجز في الميزان التجاري حيث بلغ في عام 2007-2008م (850) مليار دولار ، وتزايد العجز في ميزان الحساب التجاري ، حيث بلغ في عام 2007-2008م (700) مليار دولار ، وتزايدت المديونية الخارجية إلى الحد الذي أصبحت فيه الولايات المتحدة الأمريكية أكبر دولة مدينة في العالم بما يقارب (3) تريليون دولار .

7 – ظهور وتنامي أدوات مالية جديدة تتعامل بها البورصات (derivatives) مثل توريق الديون (securitization) وتجارة الهامش (margintrading) والمشتقات التي تتيح المضاربة على أسعارالسلع ،والأسهم والسندات ، بل تتيح ما هو أخطر من ذلك وهو : المضاربة على أمور وهميَّة ، مثل : المؤشِّرات (1). ومما زاد من خطورة هذا الأمر عدم وجود تنظيم قانوني ، ورقابة كافية على هذه الأدوات .

_____________________________________

  • د/حمزة الفعر –الأحكام الشرعية لتجارة الهامش

تطور حجم المشتقات على الصعيد العالمي:

                   القيمة بالتريليون دولار

نهاية ديسمبر 2005م 2006م 2007م
إجمالي قيمة المشتقات 297.666 414.178 596.004
سوق الصرف 31.360 40.271 56.238
العقود الآجلة 15.873 19.882 29.144
عقود المبادلة 8.504 10.792 14.347
عقود الخيارات 6.984 9.597 12.748
سعر الفائدة 211.970 291.582 393.138
اتفاقات العقود الآجلة 14.269 18.668 26.599
عقود المبادلة 169.106 229.393 309.588
الخيارات 28.596 43.221 56.651
عقود الملكية المرتبطة 5793 7.488 8.509
العقود الآجلة والمبادلات 1.177 1.767 2.333
الخيارت 4.617 5.720 6.276
السلع 5.434 7.115 9.000
الذهب 0.334 0.640 0.595
أخرى 5.100 6.475 8.405
الآجلة والمبادلة 10909 2.813 5.629
الخيارات 3.191 3.663 2.776
مبادلة الديون 13.908 28.650 57.894
مؤسسات منفردة 10.432 17.879 32.246
مؤسسات متعددة 3.476 10.771 25.648
غير مخصص 29.199 39.740 71.225
إجمالي مبادلات المشتقات بالأسواق 31.360 40.271 56.238

      Source: bank of international settlements the annual report october2008

وقد تزايدت هذه المعاملات بشكل أخطر خارج الأسواق المنظمة (البورصات) فيما يسمى (oct) (over the conter transactions) (1).

ومن طبيعة هذه الأسواق أن المعاملات التي تتم فيها تكون خارج نطاق التحكم والسيطرة ؛ لأنها لا تظهر في القوائم المالية للبنوك ، والمؤسسات المالية الأخرى ، ووصل حجمها  في السنوات الأخيرة قرابة (600) تريليون دولار ، أي ما يزيد عن الناتج العالمي المحلي بعشرة أمثاله .

7 – تزايد المعاملات المالية من خلال المراكز المالية المغتربة

(off shore Finantion Centers) فهناك ما يعرف (باليورو دولار) و(اليورو بوند) و(اليورو ماركت) ، وهي تقوم على أساس إصدار أدوات مالية بالدولار الأمريكي خارج الولايات المتحدة ، وتأتي خطورتها من عدم خضوعها لرقابة البنك المركزي في الدولة التي تنشأ فيها ، وعدم خضوعها أيضًا لرقابة البنك المركزي الأمريكي .

8 – فساد وكالات التقييم (rating Agencies)الأَزْمَةُ المَالِيَّةُ العَالمِيَّةُ قِرَاءَةٌ في مَأزقِ الأَسبَاب والنَّتَائِج وبَحثٌ عَن مَخرَج المَالِيَّةُ الأَزْمَةُ المَالِيَّةُ العَالمِيَّةُ قِرَاءَةٌ في مَأزقِ الأَسبَاب والنَّتَائِج وبَحثٌ عَن مَخرَج unnamed 1

وهى الوكالات المختصَّة بتقييم الجدارة الائتمانية في الشركات والمؤسسات ونحوها ،و قدانتشرت فيها الرشوة والفساد فلم تعد تقديراتها وتقاريرها معبِّرة عن حقيقة الجدارة الائتمانية في الشركات والبنوك.. .

9 – فساد العديد من المديرين ، والمحاسبين ، ومكاتب المراجعة في الشركات العملاقة ، ومن أكبر ذلك إعلان شركة أنرون عن إفلاسها في عام 2005م ، وهي من أكبر الشركات في مجال الطاقة ،وقد ادين فى ذلك مكتب آرثر اندرسون للمراجعة.

وكذلك شركة وورلدكوم ، وهي ثاني أكبر شركة اتصالات في العالم ، حيث اعترفت بإخفاء نفقات (3,8) مليار دولار الأمر الذي جعلها على حافة الإفلاس ، وعزمت بسبب ذلك على التخلص من (17000) من العاملين ، الأمر الذي خفض أسعار أسهمها في السوق من (60) دولار للسهم إلى (10)سنت من الدولار .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-د/حمزة الشريف-تصوير واقع البورصات العالمية، وأحكام التعامل معها

وقد وصلت أصداء ذلك إلى أوروبا ، فبدأت شركات كثيرة تراجع تقاريرها ، وبدأت الشركات التي تعتمد معايير المحاسبة الأمريكية تتراجع عن تطبيق تلك المعايير([4]) .

10 – الزيادة الكبيرة والتكلفة الباهظة للإنفاق الحربي سواء في مجال التصنيع ، أو في مجال الحروب التي خاضتها وتخوضها الولايات المتحدة ، فهنالك حرب العراق التي كلَّفت الخزانة الأمريكية عددًا من التريليونات لمواجهة الإنفاق على الجيش المقاتل ، وقيمة السلاح والتعويضات التي تدفع للقتلى الذين تشير بعض التقارير إلى أنَّ عددهم الحقيقي قارب (70000) ولضعف هذا العدد أو أكثر من الجرحى والمعوقين ، و المرضى النفسانيين .

إضافة إلى نفقات أخرى تدفع للمتعاونين ، أو لدعم الحكومة القائمة ، ونحو ذلك .

ومن ذلك أيضًا الحرب على أفغانستان ، وطالبان في باكستان ، والتسليح والدعم غير المتناهي بأحدث الأسلحة والتقنيات لإسرائيل .

وقد ذكرت بعض الإحصائيات أن الولايات المتحدة تنفق كل ثلاث دقائق مليون دولار في حربها في العراق وحدها ، وبذلك فإنها تنفق (20)مليون دولار في الساعة ، و(480)مليون دولار في اليوم ، وهو ما يقارب نصف مليار([5]) .

تداعيات الأزمة ونتائجها :  

1 – يُعدُّ شح السيولة من أهم نتائج الأزمة المالية ، وهذا ما ظهر واضحًا في البنوك ، وفي شركات التأمين التي لم تستطع أن تدفع ما عليها من مستحقات ، وفي شركات الاستثمار ، وشركات التمويل العقاري .

وقد أدى ذلك إلى تسارع الانهيار في البورصات ، حيث اتجه كثيرٌ من المستثمرين في البورصات بسبب نقص السيولة إلى بيع جزء مما في محافظهم من أسهم وسندات ، فحدثت موجة بيع كبيرة أدت إلى كثرة العروض فانهارت بسبب ذلك الأسعار .

2 – أثر هذا الوضع على الاقتصاد الحقيقي (real assets) فانخفضت معدلات النمو الاقتصادي في مختلف دول العالم على تفاوت بينها ، ومن أهم مظاهر ذلك :

– نقص السيولة لدى الأفراد والمؤسسات .

– نقص الطلب على السلع ، والخدمات .

– تخفيض الإنتاج

– نقص الطلب على المواد الخام

– الاستغناء عن عدد كبير من العمالة .

وكل هذا أدى إلى تأثر التجارة الدولية ، ونقص الاستثمارات الخارجية .

3 – تأثر ميزانيات الدول ، بتقليص الإنفاق على المشاريع ، وزيادة الفقر وانتشار البطالة ، جاء في تقرير منظمة العمل الدولية في نهاية يناير 2009م أنه يتوقع أن يفقد العالم خلال هذا العام الحالي (51000000) وظيفة .

4 – ضعف التمويل العالمي للعالم الثالث ، حيث أنه لن يزيد في أحسن أحواله في عام 2009م عن (150) مليار دولار في حين أنه قد تجاوز (900) مليار دولار فيما مضى .

5 – انخفاض أسعار البترول والمواد الخام مما سيؤدي إلى تأثر القطاعات التنموية في الدول التي تعتمد أساسًا في صادراتها على البترول .

6 – تأثر الاستثمارات الخارجية ، وعلى الأخص الصناديق السيادية وبعض هذه مملوكة للحكومات العربية ، ولبعض المؤسسات ، وقد خسرت بضياع جزء كبير منها بسبب إفلاس البنوك والشركات التي أودعت فيها ، أو انخفاض قيمة أصولها .

التدابير التي اتخذتها الدول لمواجهة الأزمة:

يُعدُّ برنامج الإنقاذ المالي أول وأسرع إجراء قامت به الحكومات لمواجهة الأزمة المالية العالمية  وهو يعتمد أمورًا عدَّة أهمها :

1 – ضخُّ كميات كبيرة من السيولة المالية لمواجهة النقص الحاصل فيها ، وقد قامت أمريكا والدول الغربية وبعض الدول العربية بهذا الإجراء ، وقامت أمريكا بشراء عدة أصول هالكة من بنوك وشركات استثمارية أو صناعية .

2 – رفع سقف الضمانات للمودعين ، ومنح إعفاآت ضريبية لهم .

3 – تخفيض سعر الفائدة في أمريكا والعديد من الدول الأوروبية .

وقد وصل هذا التخفيض فى بعض الأحيان إلى أن أصبحت الفائدة صفرًا من أجل تنشيط طلبات الاقتراض .

 

الأسس التي أقرتها قمة العشرين لمعالجة الأزمة المالية العالمية :

اتخذت قمة العشرين عدة قرارات تتعلق بمعالجة آثار هذه الأزمة والقمة تكونت أساساً من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية واليابان والصين إضافة إلى عدد من دول العالم الآخر دعيت إليها فوصل عدد الدول المشاركة إلى عشرين دولة ، فسميت القمة بهذا العدد .

والقرارات هي :

1 – إصلاح المؤسسات المالية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي .

2 – التوصل إلى اتفاق في نهاية عام 2008م  يمهد لاتفاق عالمي للتجارة الحرة وفقاً لأجندة الدوحة .

3 – تحقيق الشفافية في أسواق المال العالمية ، وضمان الإفصاح الكامل عن الوضع المالي للشركات المدرجة فيها .

4 – ضمان عدم دخول المصارف والمؤسسات المالية في عمليات خطرة .

5 – تحسين نظام الرقابة المالية في كل دولة .

6 – وضع قوائم بالمؤسسات المالية التي يمكن أن يعرض انهيارها النظام الاقتصادي العالمي لمخاطر كبيرة . (1)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-د/على لطفى-الأزمة المالية العالمية


نظرة في التدابير العالمية لمواجهة الأزمة :

  المتأمِّل في أسباب الأزمة ، وفي نتائجها وتداعياتها ، وفي التدابير التي اتخذت عالميًّا لحلِّها  يوقن أنَّ العالم لم يستفد شيئًا مما حصل في الاهتمام بالبحث عن علاج حقيقي يداوي الجروح ، ويلم الشتات ، ويحول دون تكرر هذه النتائج المدمرة التي لا يعلم إلى الآن المدى الحقيقي لتأثيرها على الاقتصاد العالمي برمَّته .

وكل هذه التدابير تنطلق من منطلق محدَّد ، وهو أنَّ قاطرة الاقتصاد حصل فيهاعطل في بعض عجلاتها فخرجت عن المسار ، فلا بُدَّ من إصلاح هذه العجلات المعطوبة حتى تعاود القاطرة السير في مسارها الأول ، لكن ما هو سبب هذا العطل؟ وما هي التدابير التي يجب اتخاذها لتفادي عدم حدوثه مرة أخرى؟

لم يوجد اهتمام صادق لعلاج حقيقى وإنَّما سارعت الدول بضخ كميَّات كبيرة من السيولة في البنوك والمؤسسات المالية والشركات ودعمها قانونيًّا بقبول إشهار إفلاسها حتى تتخلص من مطالبات الدائنين ، وستظل المشكلة قائمة ، قابلة للانفجار مرة أخرى كلما حان الوقت المناسب لها، والعجب ان ضخ الحكومات الأموال انما هو باتجاه مساعدة المؤسسات المتعثرة ،دون الأفراد المتضررين من هذه المؤسسات فهى مساعدة للقوي الذي أخطأ في تصرفاته وتمادى فيها دون نظرٍ إلى الضعفاء الذين كانوا وقودًا لها([6]).

 وقد تكرر حدوث هذه الأزمة عدة مرات في القرن الماضي ، وكانت حدوثه في كل مرة على نحو أشد من سابقتها ، حتى جاءت هذه الأزمة التي أصبحت الأزمات السابقة بالنسبة لها أمرًا يسيرًا لا يكادُ يُذكرُ ، وهكذا دواليك . ولو تأملنا ودققنا النظرلتبينا انها إرهاصات لسنَّة الله الكونيَّة التي تتقدم نذرها ، فإن لم يرعو الخلق ولم يهتدوا تحققت سنة الله بالتدمير والإهلاك .

يقول الحقُّ تبارك وتعالى: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ * وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ *وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (سورة المؤمنون ، الآيات74-77) .

وقال جَلَّ ذكره عن قوم فرعون : ﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾(سورة الزخرف ، آية 48) .

والعالم بأسره إلا ما رحم ربي لم يرفع رأسًا بهذه الأزمة ، ولم يعتبر بما حلَّ به ، بل ازداد طغيانًا وتماديًا في محادَّةِ الله بتقديس الربا ، والإصرار عليه ، والتوسع في المقامرة ، وأكل أموال الناس بالباطل ،والتمادى فى البغى والبطش.

 ولعلَّ الناظر لا يعدم دليلًا وهو يرى مقررات قمة العشرين تصر على فتح الطرق وإزالة العوائق أمام تحرير التجارة  العالمية ، ليأكل الأقوياء أقوات الضعفاء ، وليقضوا على كل آمالهم في النهوض ، والقيام بشؤونهم ، هذا هو المنطق الذي يتحدثون به مستندين فيه إلى إطلاق الحريَّات على كافَّةِ الأصعدة والمستويات للكسب ، من أي طريق كان ، حتى ولو كان على حساب أمم وشعوب كثيرة ، تسلب خيراتها ، وتداس كراماتها ، وتدمَّر مقدراتها ؛ لأنَّ حُبَّ الذات ونزعة الاستبداد والسيطرة والاستعلاء هو المحرك الأعظم الذي تنطلق منه هذه الجهود ، والدافع إلى ارتكاب كلِّ صعبٍ وذلول في سبيله .

ولقد حرَّم الله الربا وأعلن الحرب على أهله ، وهي حرب لا طاقة لأحدٍ بها ، ولا قدرةله على المنعة منها :قال تعالى  ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ *فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ﴾(سورة البقرة ، آية278-279) .

وقال : ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ﴾(سورة البقرة ، آية275-276) .

وقال ايضا : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ *فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ (سورة البقرة ، آية278-279) .

وحرَّم الله الميسر بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ﴾ (سورة المائدة ، آية90)، ونهى عن أكل أموال الناس بالباطل بقوله جل ذكره، ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (سورة البقرة ، آية188)، وقوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ﴾ (سورة النساء ، آية 29).

وإنَّ الناظر في المعاملات الشرعية والعقود والشروط الضابطة لها ليجد أنَّ الالتزام بها  كما انه طاعة وقربة لله فهى قد جاءت لحكم ومصالح ظاهرة لا تخفى ، قصد بها صلاح الخلق في معاشهم ، وهي إلى ذلك محفوفة بإطار خلقي قويم يجعلها محققة للعدل ، محافظة على استقرار الحياة ، مانعة للتظالم والضغائن ، فالتراضي أساسٌ ركين في كلِّ عقد ، ومنع كل ما يؤدي إلى المنازعة ويشعر بالغضاضة من الغرر والغش والغبن ونحوهامن اجل الحيلولة دون  ، ومشروعية الخيار لمن فات عليه شيءٌ من غرضه في المعاملة التي دخل فيها بحيث يكون من حقِّه الردُّ أو الإمساكُ في بعض الأحوال مع أخذ عوض النقص من هذا القبيل ايضا([7]) ، كلُّ هذه شواهد ناطقة بعدالة وصدق هذا المنهج ، وصلاحيته لحياة البشر .

وشتَّان بين هذا ونظامٍ يقوم على العناية بتعظيم الأرباح من اى طريق وتقديس الذات وعدم الالتفات لأية قيمة خلقية ، أو فضيلة بشرية ، إلا ما تنزع إليه رغبات أفذاذ يشذون عن القاعدة ، فتطمح نفوسهم إلى بعض المعاني الحسنة بغية الشهرة ، وكسب الثناء.

وطلب الربح في ديننا العظيم أمرٍ مقدَّرٍ محترم ،لكن من طريقه الصحيح، ومفهومه يتجاوز ما يقبض عليه المرء بكفِّهِ ، ويدخله فى خزائنه ، إلى آفاقٍ رحيبةٍ ، تتضاءل أمامها المكاسب الماديَّة المحسوسة من حوز الثواب، والارتقاء في درج الكمال ، ونفع الخلق ، فهذا يؤثر غيره على نفسه وعياله ، وذاك يتبرَّع بماله كُلِّه ، وآخر بتجارة عظيمة يدفع له فيها التجار أضعاف قيمتها فيأباها ابتغاء ما هو أعظم وأبقى عند الله .

إنَّ ضمور هذه المعاني الكريمة ، وغلبة الربا ، والجشع ، والهلع ، والطغيان ، والتكبر هو أكبر أسباب البلايا والرزايا ، ولن يعود للحياة رونقها ، ولن يسعد أهلها بها السعادة الحقَّةَ إلَّا إذا وسَّعوا مفهوم الربح ، فأدخلوا فيه هذه المكارم ، ولن يسلموا من غوائل الحادثات التي تمحق بركة حياتهم ، وتشتت نتاج كسبهم إلا إذا أقلعوا عن المظالم والمآثم .

يقول الدكتور “سامي السويلم” في تشخيص أسباب الأزمة المالية التي نعيشها اليوم : نشأت هذه الأزمة بسبب استفحال المديونية من خلال أدوات الربا المختلفة ، وبسبب استفحال المجازفة من خلال أدوات الميسر المعقدة ، هذا الاستفحال جعل السوق تتحول إلى فقاعة كان لا بُدَّ أن تنفجر في النهاية ، فالكارثة جاءت لتصحيح الاختلالات الكبيرة التي تراكمت في مرحلة الصعود ، ولذلك فمحاولة منع هذا التصحيح لا تنتهي إلى الإخفاق فحسب ، بل إنها تضر الاقتصاد أكثر مما تنفعه و إنَّ المخرج من هذه الأزمة ليس بضخِّ مزيدٍ من المنشِّطات والمنبِّهات في جسد السوق المنهار من إفراطه في الجري وراء الأرباح ، ولكن بالتوجه نحو القطاع المكمل له، وهو القطاع غير الربحي…وإذا كانت المشكلة نشأت في القطاع الربحي تصحيحًا للاختلالات التي تراكمت فيه عبر السنوات فالعلاج يجب أن يكون على مستوىآخر من مستويات السوق ، وهو القطاع غير الربحي ، وذلك من خلال صور المواساة المختلفة التي تجسِّدُ أنبل ما في الطبيعة البشريَّة ([8])، فالتكافل والمواساة هما أفضل السُّبل لمواجهةالأزمات

ويقول الدكتور السويلم في موضعٍ آخر :

إنَّ هذا النظام بهذا الشكل يمثِّل عبئًا كبيرًا على المجتمعات الإنسانية ، وتتزايد تكلفة بقائه باطِّراد ، فإذا أردنا بناء نظامٍ اقتصاديٍّ مستقرٍّ قابلٍ للاستمرار ، والنمو فيجب معالجة العلاقة بين المديونية والثروة معالجة جذرية لضمان تجنب هذه الكوارث مستقبلًا([9]) .


آفاق الحلِّ :

نادى بعض الاقتصاديين بحلول علميَّة طويلة الأجل لإصلاح الآثار السيئة للأزمة المالية العالمية ، أهمها ما يلي :

1 – وضع قواعد للحدِّ من توسُّع التمويل أكثر من طاقة وإمكانات المتموِّلين كما في السوق العقاريَّة ، والبطاقات الائتمانيَّة .

2 – منع صفقات المضاربة المحضة ، أو التقليل منها إلى أبعد الحدود مثل صفقات المؤشِّرات ، والمشتقَّات ونحوها .

3 – الحد من تجارة العملات على الإنترنت .

4 – العودة بالسوق المالية إلى طبيعتها الأولى حتى تكون سوقًا مساعدة للإنتاج السلعي ، والخدمي ، وليست سوقًا للاسترباح عن طريق المضاربات التي وصلت إلى قرابة (98%) من تعاملاتها .

ولا شكَّ في أهميّة هذه المقترحات مع حاجة بعضها إلى ضوابط تحفظها من المخالفات الشرعيَّة وتدعمها بالجانب القيمي الذي ليس له أثر في تعاملات هذه المؤسسات؛  حتى لا يكون المنع والايقاف لبعض الصور مؤقتًا بسبب الأزمة ثم سرعان ما يعود بعد ان تخف آثارها، مثل منع المريض من بعض أنواع الطعام حتى يتعافى ، ثم يعود إلى ما كان عليه .

ولقد أثر هذا الزلزال العالمي الرهيب في كل من اتصل به وبدأ أهل الفكر والنظر المستنير يبحثون عن مخرجٍ لا يعود بهم إلى دوامة هذا النظام الرأسمالي القائم ، وفلسفته التي ما جرَّت على العالم إلَّا الوبال والنَّكال . و تعالت صيحات ونداءات  عديدة في الغرب قبل حدوث ما حدث تحذر من الاسترسال وراء سراب الرأسمالية وتطالب بالبحث عن حل ناجع ،ومن أشهر هؤلاء البروفيسور موريس آليه الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد حيث قال: انَّ النظام الاقتصادي الرأسمالي يقوم على بعض المفاهيم والقواعد التي هي أساس تدميره ، إذا لم تعالج وتصوب تصويبًا عاجلًا .

كما نادى عدد من زعماء الغرب ومفكريه بعد الأزمة بضرورة الاتجاه نحو الاقتصاد الإسلامي والإفادة من معطياته في إنقاذ البشرية .

وهذا بقدر ما يفرحنا ويزيد من ثقتنا بصحة منهج الاقتصاد الإسلامي وصلاحية مسار التمويل الإسلامي المتمثِّل في البنوك ، والمؤسسات المالية الإسلامية ، إلَّا أنَّ إصلاح النظام المالي العالمي ليس متوقِّفًا على جملة من القرارات والتدابير الإدارية التي قد تنفع لو أُحسن اختيارها ، وتطبيقها فحسب؛ بل الأمر يحتاج إلى جهدٍ مضاعف يبذله أهل الاختصاص من الاقتصاديين المسلمين المتمكنين تتظافر جهودهم حوله ، ويدعمهم فيه كل من له صلة بمراكز القرار والتأثير حتى يمكن أن يقدم هذا الحل للبشريَّةِ كلها قيامًا بحقِّ الله الذي أوجبه على عباده المؤمنين في البيان والتبليغ وإقامة للحجة بصحة هذا المنهج الرباني ، الذي شقيت البشرية بسبب البعد عنه .

  إنَّ هذا الحل ليس مقتصرًا على بيان بعض المعاملات والأدوات المالية الإسلاميَّة البديلة عن المعاملات السيئة التي جرَّت المصائب والويلات على البشريَّة فحسب ، بل هو منهج شامل يجمع إلى ذلك أسسًا عديدة تكون في مجموعها نظرية اقتصاديَّة متكاملة ، لا يغني الأخذ ببعض أجزائها عن البعض الآخر ، وأن أهم المعالم التي يمكن ذكرها هنا في هذا المقترح ما يلي :

1 – العمل على إبراز الرؤية الصحيحة لمفهوم المال ، وأهميته في الحياة البشريَّة ، فهو أداة عمارة وتنمية ، وليس أداة استغلال وإفساد .

2 – التأكيد عن البعد عن الربا بكافة صوره وأشكاله ، وبيان الآثار السيئة الناتجة عنه ، من استغلال حاجة المدينين ، وإثقال كواهلهم ، وإهدار حقوقهم ، وبيان عناية الإسلام بالتشديد في شأنه ، والتحذير منه ، واتفاقه في ذلك مع كافة الشرائع السماوية ، والعمل على تصحيح التصور العالمي الفاسد للربا من اعتماده أساسًا راسخًا في التمويل والاستثمارمع أنه ليس له قيمة مضافة  تعود على التنمية الحقة، ولا ينتفع منه على الحقيقة إلَّا حفنة من البشر ليس لهم هَمٌّ إلّا ضمان الربح دون تحمل شيءٍ من المخاطر .

3 – تعزيز الجانب الخلقي والقيمي في المعاملات المالية ، بمنع كل ما يخدش الكرامة الإنسانية ، أو يهدر اعتبار الحقوق ، أو يبيح الظلم والاستغلال في المعاملات المحرمة شرعًا ، كالتي تنطوي على الفسق أو الغبن أو الغرر أو التي تؤدي إلى أكل أموال الضعفاء ، أو أكل أموال عامة الناس بالباطل ونحو ذلك ، وتعزيز هذا الجانب يحتاج إلى تربية مجتمعية مستمرة عبر مناهج التعليم ووسائل الإعلام ومراكز التأثير لغرس وتنمية هذه القيم والفضائل التي يجمع على قبولها أصحاب العقول السليمة والفطر المستقيمة من البشر .

4 – التوسع في دوائر العمل الخيري لسدِّ حاجات المحتاجين ، وإقالة عثرات المتعثِّرين ، وإشاعة روح التعاون ، والتراحم بين الخلق ، والعمل على دعم هذه المشاريع غير الربحيَّة ، وتخفيف القيود الجائرة التي تفرض عليها في كثيرٍ من الأحيان ظلمًا وعدوانًا .

5 – إشاعة مبدأ التكافل والتناصر بين العاملين في الأعمال التي ينظمها إطارٌ عمليٌّ أو وظيفي واحد ، لما يؤدي إليه ذلك من تخفيف الأعباء على مؤسسات المجتمع وموارده ويحقق سد حاجات المحتاجين بتعاونهم على ذلك فيما بينهم ، وهذا منهج راسخ مؤصل في شريعتنا المطهَّرة وفقهنا العظيم له أدلته وشواهده ، مثل مبدأ العاقلة ،وأهل الديوان وغير ذلك .

6 – ترشيد الاستهلاك في كافة مجالات الحياة ، فإن العالم يعاني من شحٍّ في المياه وفي الطاقة ، وفي الغذاء ، وفي الخدمات ، وفي جوانب كثيرة من جوانب الحياة ، ومع التسليم بأن هنالك أسبابًا عديدة هيكلية أو إدارية أو سياسيَّة أو مجتمعيَّة أو غير ذلك إلا أنَّ المؤكد الذي لا خلاف فيه أنَّ هنالك إسرافًا تجاوز حدود الحاجة بمراحل كثيرةو قد يكون ذلك على مستوى الأفراد أو الفئات ، وقد يكون على مستوى الدول ، والنتيجة إهدار كثير مما يمكن الانتفاع به ، والجور على مخزون الثروات وحرمان كثير من البشر من هذه الأموال والخيرات التي ربما توقفت عليها ضرورة حياتهم ، وضاعت دون ان ينتفعوا بها ، ولم ينتفع بها غيرهم .

إنَّ هذا الإسراف بحاجة إلى كبح جماحه والضرب بقوة على أيدي أصحابه ، لأن ضرر فعلهم لا يقتصر عليهم بل يتعداهم إلى غيرهم من البشر الذين يتطلعون إلى أقل القليل من هذا الكم الكبير المهدر .

والشريعة الإسلامية المطهرة وقفت موقفًا حازمًا من هذا الأمر لأنه عدوانٌ على نعم الله التي أنعم بها على البشر ليفيدوا منها في إصلاح حياتهم واستقامة أمورهم ، وقد نهى الله سبحانه في كتابه الكريم عن الإسراف ، قال تعالى : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ (سورة الأعراف ، آية 31) .

ونهى عن تبديد الأموال وتبذيرها ، ووصف فاعل ذلك بأقبح الأوصاف ، حيث جعله مع صنف الشياطين أعداء الإنسانية في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً *إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ (سورة الإسراء ، آية26-27) .

وإن من عقيدة المؤمن الراسخة أن الله سبحانه وتعالى قدَّر في الأرض من الرزق ما يكفي الخلق ، ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ (سورة فصلت ، آية10) ، ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ (سورة هود ، آية 6) ، ولكنَّ البشر هم الذين يسيئون لهذه النعم ، فيتسببون في حرمان أنفسهم أو غيرهم منها إمَّا بسوء استغلالها والتقصير في استخراجها ، أو بسوء التصرُّف فيها .

ولا بدَّ أن يتداعى عقلاء البشر وأهل التأثير والقدرة منهم على ضبط كثيرٍ مما يجري في العالم من التسابق المحموم في التسلح أو الأعمال التي لا يقصد بها إلا الفساد ، أو الترويج لبعض المنتجات أو السلوكيات التي تجرُّ إلى محاكاتها فئات كثيرة  وهى تدر أرباحًا طائلة لبعض المنتجين أو المخططين ، وتستهلك موارد كثيرة وأموالًا طائلة دون أن تكون لها فائدة حقيقية ملموسة .

ولا بُدَّ في الختام من الإشارة إلى أهميَّة العناية بالمصرفيَّة الإسلاميَّة حتى يمكن تقديم بديل صالح في مجال المعاملات الماليَّة و ما يتعلَّق بها .

إنَّ المصرفيَّة الإسلاميَّة تعتبر أعظم المنجزات وأهم المكتسبات التي أمكن حصول المسلمين عليها في هذا العصر ، وغير خافٍ على أحدٍ من المطَّلعين ما عانته من صعوبات وعوائق في بداية أمرها ، حتى استطاعت بحمد الله أن تتجاوز كثيرًا منها ، وأصبحت ملء السمع والبصر ، وانتشرت انتشارًا لا يماثله شيءٌ مماثلٌ له ممَّا دَعَا كثيرًا من البنوك والمؤسسات المالية العالمية إلى الإفادة منه ، ومحاولة محاكاته ، وقد بدأت أنظار العالم تتجه نحو هذه المصرفية الإسلامية ، وبخاصة بعد الأزمة المالية العالمية ، وهذا أمرٌ حسن يبعث على الثقة والاطمئنان ويدفع إلى مزيدٍ من الثبات والدعم لهذا المنهج ، إلَّا أنه يلقي تبعة كبيرةً على المسلمين بصفة عامَّةٍ ، وعلى أهل الاختصاص في الشأن المصرفي الإسلامي بصفة خاصَّةٍ في أن يضاعفوا من جهودهم في المحافظة على هذه المؤسسات والعمل على تطويرها ، وتقويتها لتكون أهم مرتكزات الحل الصحيح المناسب لمشكلة العالم الكبرى التي يعاني منها اليوم .

ولعلَّنا نُقدِّم هنا بعض المقترحات التي يمكن أن تسهم بإذن الله في تحقيق هذا التطلُّع :

1 – الحرص على البعد عن محاكاة المصرفية التقليدية الغربية ، والعمل على تقديم نموذج إسلامي أصيل .

2 – ضرورة إعادة النظر في بعض تعاملات البنوك الإسلامية وأهميَّة تصحيحها وإبعادها عن الشبهة لأمور التي تخرجها عن الأساس الذي انطلقت منه ومن ذلك بيع الديون ، وبعض أساليب التمويل والتعامل في أسواق المال العالمية ونحو ذلك .

3 – إلزام المؤسسات المالية الإسلامية باعتماد أسلوب المراقبة الشرعية الخارجية حتى تتحقق له الشفافية المطلوبة أمام المتعاملين معها ، وحتى تنضبط معاملاتها في داخلها .

4 – العمل على العناية بتطوير المنتجات المالية الإسلامية الأصيلة التي تسد حاجة التعامل الحلال وتخرج المؤسسات المالية الإسلامية من الارتباط بالأدوات والمنتجات المالية التقليدية الغربية من خلال إيجاد وتنمية مؤسسات بحثية متخصصة .

ولا بدَّ للمؤسسات المالية الإسلامية من السعي إلى ذلك إما بأن يكون لها صندوق مشترك يمول بجزء يسير من أرباحها ، ويعمل على توجيه ما لديه من واردات في مجال البحث مباشرة ، أو التعاقد مع الجهات المختصة في ذلك .

وإمَّا بأن تقوم المؤسسات مباشرةً بالتعاقد مع من يقوم بذلك ، ولا بدَّ من أن يكون لهذه المؤسسات البحثيَّة اعتماد ، وتصنيف يسند إلى جهة معتبرة تقوم به .

5 – العمل على إزالة العوائق النظامية والتشريعيَّة التي تعرقل مسيرة النظام المصرفي ، وبذل كل الجهود لتحصيل ذلك ، فإن كثيرًا من المؤسسات المالية الإسلامية لا تزال تعاني من هذه الجوانب .

6 – وأخيرًا فإنه لا بدَّ من العمل على إيجاد سوقٍ ماليَّةٍ إسلاميَّةٍ تعمل وفق الأسس الإسلاميَّة ، وتتعامل بالأدوات المشروعة ، حتى يمكن دعم مسيرة المصرفية الإسلامية بإيجاد محضن سليم لاستثماراتها ، ولتوظيف فائض سيولتها ، ولتمكينها من تحصيل التمويل الحلال الذي قد تحتاجه ، وكذلك لتمكين المستثمرين من غير المؤسسات أيضًا من الإفادة منها (1).

 وبالله التوفيق وعليه الاعتماد،،،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-انظر د/محمد عمر شابرا-الأزمة المالية العالمية ،هل يسهم التمويل الأسلامى فى حلها؟

الفهرس

مقدمة  2

الأزمة المالية : تعريف وتوضيح  3

أسباب الأزمة المالية العالميَّة  4

تطور حجم المشتقات على الصعيد العالمي في نهاية ديسمبر من كل عام 7

تداعيات الأزمة ونتائجها  11

التدابير التي اتخذتها الدول لمواجهة الأزمة. 12

الأسس التي أقرتها قمة العشرين لمعالجة الأزمة المالية العالمية  13

نظرة في التدابير العالمية لمواجهة الأزمة  14

آفاق الحلِّ  19

الفهرس.. 25

([1])     الجوهري ، الصحاح ، باب الميم فصل الألف 5/1861 .

([2])     انظر : أ.د.إبراهيم علوش ، نحو فهم منهجي للأزمة المالية الدولية .

([3])     د . منذر قحف ، الأزمة المالية ، أفكار لحلول طويلة الأجل .

([4])  د . على لطفي ، الأزمة المالية العالمية ،  الأسباب ، التداعيات ، المراجعة .

([5])   انظر : د . سامر قنطقجي ، ضوابط الاقتصاد الإسلامي في مواجهة الأزمات ، ص61 ، نقلًا عن مجلة (الفور بوليسي) عن مكتب خدمات البحث في الكونجرس .

([6])  انظر : د. سامي قنطقجي ، ضوابط الاقتصاد الإسلامي في معالجة الأزمات المالية ، ص50 .

([7])     وكذلك كل ما يدعو إلى الرحمة والشفقة بالمحتاج والتيسير مع المعسرين ، وإنظارهم والترغيب في الصدقة والرفق بالخلق أجمعين .

([8])   د . سامي السويلم ، التقلبات الاقتصادية في النظام الإسلامي .

([9])   د . سامي السويلم ، التقلبات الاقتصادية في النظام الإسلامي .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق