البحوث

الأديان والمذاهب في الواقع الأوروبي

الأديان والمذاهب في الواقع الأوروبي

تقديم

د/صهيب حسن عبد الغفار

سكرتير مجلس الشريعة الإسلامية

في بريطانيا وإيرلندا

رجب 1432هـ/ يونيو2011

بحث مقدم إلى:

الدورة الحادية والعشرون

للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

الفهرس

 المقدمة ……………………………………………………………..3

الفصل الأول : الأديان في أوروبا   ……………………………………….5

الفصل الثاني : فلاسفة اليونان من تاليس إلى أرسطو ……………………….11

الفصل الثالث: فلاسفة الغرب من “مكياولي” إلى “نيتشه” …………………..22

الفصل الرابع : فلسفة هيجل وماركس…………………………………..33

الفصل الخامس : فلاسفة الغرب من “سَبَنسر” إلى “برتريندرسل”………………36

الفصل السادس : خلاصة عن فلسفة الغرب……………………………….44

الفصل السابع: اليهودية في أوروبا……………………………………….48

الفصل الثامن: نظـرة عـامة على القـرون الخـمسة الأخيـرة من تاريـخ أوروبـا…………………………………………..54

خاتمة البحث ……………………………………………………….62

المراجع …………………………………………………………….66

 

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فما كنت لأحلُم أن أكتب بحثا عن فلاسفة الغرب، فلا أنا فلسفي ولا متفلسف، ولكن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث لما عيّنت لدورتها الحادية والعشرين الموضوع المذكور خطر في بالي أن أستجيب فشمرت عن ساعد الجد، وبدأت أنقب في مكتبتي الخاصة عن أي كتاب يمس بهذا الموضوع، كما أخذني البحث إلى مكتبات أخرى حتى عثرت على حصيلة جيدة من الكتب التي تتحدث عن فلاسفة الغرب وأفكارهم ونظرياتهم.

منها كتاب فيلسوف بريطانيا “برتريندرسل” بعنوان: “تاريخ فلسفة الغرب” باللغة الإنجليزية، ويقع في 778 صفحة، قرأت منه الكثير وعجزت عن قراءة الباقي لطول محتوياته وقِصَر الوقت المتاح عندي، ثم وجدت عدة كتب باللغة الأردية أكثر إيجازا وأبلغ عبارة وأسهل تعبيرا مثل كتاب الشيخ أمين أحسن إصلاحي بعنوان “المسائل الأساسية للفلسفة في ضوء القرآن الحكيم”، وكتاب السيد عبد الرؤوف مَلِك بعنوان “الفلاسفة العظام من الغرب”، وكتاب الشيخ محمد حنيف الندوي بعنوان “عقليات ابن تيمية” مع مراجع أخرى باللغة العربية، فسهُل علىّ استيعاب الموضوع والكتابة عنه على رغم كثرة المشاغل والإرتباطات.

إن هذا البحث هو عرض فقط لمنابع فلسفة الغرب في اليونان أولاً قديما ثم في دُول أوروبا بداية من القرن الخامس عشر، فقد قمت بالتعريف لأفكار كبار الفلاسفة مدى قرون بإيجاز مع إطالة أحيانا لمن عظم شأنه وكثر أتباعه وسارت بفكره الركبان في مشارق الأرض ومغاربها.

ولا يخفى على البصير أن سلوك الإنسان يخضع لفكره ومعتقداته، وكلما كان طريقه أوضح قوِىَ الأمل في بلوغه النهاية، وقد طرقَت جميع الأذهان النابغة أسئلة من هذا النوع:

ما هى حقيقة الكون وما صلتها بالنفس الإنسانية؟

من هو خالق هذا الكون وما هى صفاته؟

من أين ورد الإنسان إلى هذا العالم وإلى أين ينتهي؟

ما هي الغاية التي خلق من أجلها الإنسان؟

ما هو وضعه ومكانته في هذا العالم؟

هل هو مسيّر في إرادته أو مخيّر بمعنى هل هو مجبور أو غير مجبور؟

هل هناك ميزان للخير وآخر للشر؟

هل هناك وسيلة يهتدي به في هذا العالم؟

هل الروح فانٍ أو باقٍ أبد الدهر؟

وكذلك العالم هل يبقى أو يَفنَى؟

هذه الأسئلة اهتم بها الدين كما اهتم بها الفلاسفة، فلذلك صار بين أتباع الدين والمولعين بالفلسفة صراع قد يشتد وقد يخف.

فلذلك وجب علينا ونحن نتحدث عن الغرب أن نجمع بين كلا الطرفين، ونذكر –ولوعلى سبيل الإيجاز- تلك الأديان التي دان بها الغرب قديماً وحديثاً.

كما قلنا آنفاً لا يتحمل هذا البحث تناول الفكر الفلسفي بالنقد والرد، فهذا موضوع مستقل، وقد حاولنا في خاتمة البحث الإلماح إلى مجموعة من الآيات من الذكر الحكيم التي في ضوءها تنحل العُقد وتتضح المعاني وتنكشف الحقائق، والباحث الخبير يستطيع أن يرى فيها الفكر الإسلامي بكل وضوح وإشراقة، ويجد فيها جوابا لكل معضلة حيّرت الفلاسفة حتى جعلتهم كشخص حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ولكنه لا يهتدي إلى ذلك سبيلاً.

هذا جهد متواضع وأرجو الله أن يتقبل مني، والله الموفق وهو المعينز

                                                                                   صهيب حسن عبد الغفار

                                                                                 لندن: 7 رجب 1432هـ

                                                                                   10 يونيو 2011م

الفصل الأول

الأديان في أوروبا

لم تعرف أوروبا-إلى ورود المسيحية لدى أبوابها- إلا عبادة الأصنام، منها ما تمثل في أوثان كأوثان الجاهلية عند العرب، ومنها ما تمثلها الأفلاك كآلهة تعبد وتستشفع بها في المواسم والكربات، وصارت للكوكب المشتري مكانة عليا لديهم، رأوا أن آلهتهم متشاكسون فيما بينهم، فنسبوا إلى الكواكب السيارة السبعة أيام أسبوعهم ليهنأ كل واحد منها باليوم الذي يخصص به.

فنسب السبت (Sabbath) إلى كوكب (SATURN) فصار(SATURDAY)، والأحد إلى كوكب الشمس (SUN) فصار (SUNDAY)، والإثنين إلى كوكب القمر (MOON) فصار (MONDAY)، والثلاثاء إلى كوكب المريخ (MARS) عند الرومان غير أن الإنجليز استبدلوه إلى إله محلي لهم يدعى (TWI) فصار (TUESDAY)، والأربعاء إلى كوكب المشتري (JUPITER)، واستبدله الإنجليز باسم إله (WODEN) فصار (WEDNESDAY)، والخميس إلى كوكب عطارد (MERCURY)، واستبدل باسم الإله (THOR) فصار (THURSDAY)، والجمعة إلى كوكب الزهرة (VENUS) واستبدل باسم إله (FRIGG) فصار (FRIDAY).

هكذا سرى لديهم الشرك حتى في مسميات أيام الأسبوع، وكذلك في مسميات الشهور أيضا.

ويفتخر الإنجليز بموقع (Stonehenge) في جنوب إنجلترا، موقع تحتله عدد من صخرات صماء في دائرة كان يفد إليها عباد الشمس، وقد افتخروا بأقدميتها على سائر العبادات، ولكن طلع علينا تحقيق جديد وذلك باكتشاف أعمدة من حجارة طوال منحوتة من الكلس وضعت على هيئة مدورة حيث يحمل كل عمود نقوشا بارزة لحيوان من الحيوانات في جنوب تركيا وعلى حدودها مع سوريا، وهي بقايا هيكل يدعى “غوبيك لي تي بي” (GOBEKLI TEPE)، ويقدر زمن إقامتها الباحث الأمريكي للآثار (كلاس شمدت) بأكثر من أحد عشر ألف عام أى قبل بناء إهرامات جيزة بسبعة قرون.

نعود إلى إمبراطورية روما الكبرى وسلطانها قسطنطين الذي استقبل المسيحية بصدر رحب وباعتناقه هذا الدين ضعف سلطان الآلهة السماوية، وهيمن مكانها ثالوث المسيح وأبيه وأمه، وانتقلت المسيحية المضطهدة في الشرق والغرب إلى ديانة حاكمة، وصارت السياسة التي كانت أمرا دنيوياً محرماً على رجال الدين، شيئا يفتخرون بها أيما افتخار.

عقد “قسطنطين” مؤتمر “نيقية” عام 325م للفصل ما يدين به الكاثوليك وبين ما يعتقده “آريوس” الذي قال بعلو الأب على الإبن لأنه خلقه، وصارت الغلبة للكاثوليك فجعلوا الإبن (المسيح) متكافئا لأبيه (الإله) في الدرجة، وازدهرت فكرة “آريوس” في القسطنطنية وآسيا بينما اتجه الفكر الكاثوليكي يغزو الغرب، وقد دانت القوات المغيرة على روما وإسبانيا من “قوط” (GOTHS) و “ندال” بديانة آريوس، وصارت لهم الغلبة لقرن من الزمان حتى خضعوا للكاثوليك أخيرا أيام سلطنة “جستنيان”.

وإذا تحدثنا عن المسيحية لابد أن نتناول بالذكر أربعة من قادتها الروحيين وهم القديس “أمبروز”، والقديس “جيروم”، والقديس “آجستين”، والبابا “غريغوري” العظيم.

القديس “أمبروز” امتاز بكتابة رسائل وخطابات إلى سلاطين روما في أمور تمس العقيدة، ومن خطاباته المتميزة خطابه إلى سلطان “تهيودودسس” (عام 390م) بعد مجزرة “ميلان” في إيطاليا، وله رسالة في مدح البكارة والعذارى.

أما القديس “جيروم” المولود في 345م فيعود إليه الفضل في إخراج الأناجيل باللاتينية حيث اُتهم اليهود بالتحريف في العهد القديم بخصوص حقيقة المسيح.

أما القديس “آجستين” (المولود في 354م) فقد انحدر أصلا من تونس وتعلم الكهنوت على يد القديس “إمبروز” في روما، وقضى آخر حياته كأسقف في قرطاجنة، وقد وجد كثيراً من معاصريه تأثروا بنظرية “أفلاطون” في مبدأ الخلق حيث كان يرى أن الخلق كان من مادة ابتدائية خلق منها الكون، وأن الخالق ليس متميزاً عن الخلق بل الخلق جزء منه، ولكن القديس بقى على معتقد الكاثوليك أن الله خلق من العدم بخلاف رأى الفلاسفة اليونانيين القدامى أن الخلق من العدم غير ممكن.

وقال “آجستين” أن الله هو الذي خلق الزمان، فلذلك وجب أن يكون قبله، والزمان عنده كله “حال”، ولكن بهذا التقسيم الحال الذي مضى ويعبر عنه بالذاكرة (Memory)، والحال الذي هو موجود ويعبر عنه بالنظر (Sight)، والحال الذي هو آت ويعبر عنه بالأمل (Expectation)، والخلق هو الذي يختص بالوقت فلا زمان إذاً قبل التكوين، وقد اشتهر القديس بكتابه الفذ “مدينة الله”.

وهو رد على سؤال حيّر الكثيرين من أبناء زمانه:

لماذا تمكن “قوط” (GOTH) بتدمير روما في 410م؟ أليس لأنّ أهلها  – بدخولهم في المسيحية- تركوا عبادة الأصنام وخاصة الأكبر منها وهو “المشتري” (Jupiter)، فلذلك لم يدافع عنهم؟

فيرد عليهم “آجستين” بقوله:

 أولا: ما كل عقاب أو جزاء يقع من الدنيا وإلا لم تكن هناك حاجة إلى الآخرة.

وثانيا: أن الرومان بأنفسهم أغاروا على بلدان كثيرة وفتحوها وقتلوا أهلها وشردوها ولم يدافع عنهم آلهتهم وأصنامهم.

ثم يرد على سؤالهم: لماذا أغتصبت العذارى وليس لهن ذنب، فيقول أن الإيمان محله الرأس وهو لا يتلوث بالذنب إلا إذا كان هناك استشعار بالذنب، فلو كانت هذه العذارى تمتعن بالاغتصاب لصار ذنبا وإلا فلا، ومن أفكاره الأخرى التي بثها في ثنايا كتابه:

أن الاشتغال بالتنجيم شيء قبيح جدا لأن الإنسان يتمتع بالإدارة الحرة والله يعلم أعمالنا غير أننا لا نعمل بعلم الله بل بإرادتنا الحرة.

وكان يرى أن آدم كان عنده إرادة حرة قبل الأكل من الشجرة الممنوعة، وفقد هذه الإرادة عند أكله من الشجرة، وذريته ورثته، فلذلك لا ينجو من العذاب إلا من اصطبغ، حتى الأطفال الذين لم يصطبغوا هم جنود الشيطان ويستحقون أن يدخلوا جهنم، وهي عنده دائمة تبقى لأبد الآباد.

وقال إن آدم وحواء ربما مارسوا العملية الجنسية قبل السقوط بدون شهوة مثل أي صانع يرفع يده لصناعة شيء، ولكن صارت لهما الشهوة بعد ارتكاب الخطيئة.

وقال: إن أكلهما للتفاح (أى من الشجرة الممنوعة) كان بمثابة الموت وليس موتا طبيعيا بل موتا إلى الأبد.

وقد تحدث في الفصل الحادي عشر عن “مدينة الله”، وهي عنده مجتمع المختارين الأفاضل من الناس، واعتبر “هابيل” كنموذج لساكني مدينة الله، و”قابيل” كمن يعيش في مدينة الشيطان، وهكذا كل قديس مقابل كل طاغية.

وعندما تكلم عن الحسنة والسيئة، قال إن الناس لا يبتلون بالحسنة لأنها تجلب لهم البهجة والسرور.

وإذا كان للرجل إرادة قوية تمنع عن ارتكاب الشر فهذا الذي يعبر عنه بالحسنة، فلذلك نسبت الخطيئة إلى آدم عند فقده هذه الإرادة.

وهو يعترف بفضل العقل الذي يرشدنا إلى كثير من المفاهيم، ولكن هناك أشياء لم يمكن معرفتها إلا بالصحف الإلهية.

ويلاحظ أن السلاطين كان في الشرق أقوياء، فلذلك بقيت الكنيسة الشرقية تابعة للحكم بينما صار لها السيطرة في روما لضعف حكامها، غير أن البروتستانت بقوا تحت تأثير القديس “آجستين” حتى بعد حركة الإصلاح التي أوجدتهم.

هذا الحديث عن القرن الرابع الميلادي، وشهدت القرون التالية مكالمات حادة بين القساوسة في طبيعة المسيح كالذي جرى بين القسيس نسطورا في قسطنطنية مع راهب الإسكندرية القديس (سيديل)، وبين أتباع آريوس وبين الكاثوليك، غير أنها شهدت نشاطا غريبا في هذه الفترة وهي بدء الرهبانية بكل طقوسها وضراوتها، وحمل لواءها القديس “أنثوني” في مصر، والقديس “بنديكت” في روما.

ومن الحوادث العظام في القرن السادس هو ابتعاث من قبل البابا “غريغوري” (المولود في 540م) لقديس “آجستين” (وهو غير الذي مر بيانه) إلى “إنجلترا” لتنصير أهلها، ومن الجدير بالذكر أنه معاصر لنبي الإسلام “صلى الله عليه وسلم”، فكان قد بلغ الثلاثين من العمر عندما ولد النبي “صلى الله عليه وسلم”، فذهب إلى “بريطانيا” واستطاع أن ينصر معظم أهلها في غضون ثلاثة وستين عاماً.

وتعتبر القرون الأربعة التالية (إلى القرن العاشر) قرونا مظلمة في تاريخ أوروبا سياسة وديانة، وغاية ما يفتخرون به هو إيقافهم لغزوات المسلمين الذين دانت لهم أسبانيا وبرتغال إلى حد كبير حتى وصلوا إلى مشارف فرنسا من جهة الشمال، فوقفوا في وجههم عند أسوار “تورس”(Tours) عام 732م.

وشهدت هذه القرون المظلمة والتي بعدها تدهورا خلقيا في رجال الدين حتى أن منصب البابا أصبح رهنا للبيع والشراء مع ما عرف عنهم من بيع صكوك الغفران وادعاء الرهبان في إرسال من شاؤوا من الناس إلى نار الجحيم أو روضة من رياض الجنان، وشهدت كذلك صراعاً عنيفاً بين البابا والسلاطين على من يحق له السلطة العليا، وكان الانتصار آخر الأمر للبابا حيث خضع لحكمه الملك هنري (عام 1077م).

وما إن انتهت الألفية الأولى من تاريخ المسيحية إلا وتوجهت جيوش النصارى إلى الأرض المقدسة لتطهيرها من المسلمين، فكانت حروبا صليبية دامت مائتي سنة إلا أنها أوجدت فرصة للغزاة الأوروبيين للإحتكاك بالإسلام والمسلمين، ولأول مرة في التاريخ يعود بعض هؤلاء المهاجمين إلى بلادهم وقد أسرّوا إسلامهم مخافة الإضطهاد، ونذكر من بينهم أحد الفرسان (Knights) من مدينة “سانت ألبان” (St. Alban) بالقرب من لندن، ولكن لم يعرف عن حياته ما يدل على مصيره.

وإذا كان الإسلام قد ألقى بجذوره في أسبانيا في القرن الثامن، لم تقم له قائمة في غرب وجنوب أوروبا إلا في القرن الخامس عشر عندما تم إسقاط إمبراطورية البيزنطية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح عام (1453م) عندما دخل قسطنطنية فاتحا، ثم واصل سيره هو وأخلافه في شرق أوروبا خاصة حتى خضعت لهم بلاد البلقان، ولولا أن أوقف جيشهم الزاحف على أسوار “فينيا” عام 1683م لكان لأوروبا شأن آخر، ولكانت أراضي بلقان امتدت إلى آخر حدود فرنسا من جهة إنجلترا.

وجاءت نهاية القرن الخامس عشر لسوء طالع المسلمين في الأندلس فسقطت آخر معاقلهم “دولة بني الأحمر في غرناطة” عام (1492م)، وتلاه طردهم من أوروبا إلى إفريقيا وتركيا، وطرد معهم يهود الأندلس أيضاً الذين وجدوا ملجأ في بلاد المسلمين مبدئيا، ثم توجهت ركائبهم صوب أوروبا فتوطنوا في ألمانيا وغيرها من البلاد، وإن كان لهم وجود ضئيل مثل ذلك في إنجلترا وبعض دول أوروبا أيضا ونتحدث عنهم في فصل لاحق.

كانت أوروبا الغربية تتمتع بحضارة هي خليط من اليهودية والمسيحية والرومانية إلى القرن الخامس عشر، ثم بدأت تتعرف على الحضارة الإسلامية باحتكاكها مع الأتراك المسلمين، إما في مجال التجارة أو خلال المواجهات العسكرية البحرية، فإن الأتراك فرضوا هيمنتهم على البحر الأبيض المتوسط، فلم يكن بد للأساطيل الأوروبية من مواجهتهم للوصول إلى بلاد الشرق الأوسط وإلى الأرض المقدسة خاصة مع حاجتها إلى دخول “الباسفورس” للوصول إلى البحر الأسود.

ومن الصحيح أن يقال أن القرون الخمسة الأخيرة من التاريخ حافلة بالتطورات الهائلة في حياة الأوروبيين، فهي شهدت حركة الإصلاح في ديانتهم، وموجات من التنوير والتحديث في مذاهبهم الفكرية الفلسفية، وتغيير جذري في أنظمتهم السياسية المتمثلة في النظام الديمقراطي في بريطانيا خاصة، والقضاء على النظام الملكي الفاسد في فرنسا إثر الثورة مع ما ظهر فيها من إبداع واختراع في مجال العلوم والتكنولوجيا، بالإضافة إلى تعرفهم على الدين الإسلامي العظيم الذي بدأ يقرع أبواب كل بلد من بلادهم من جراء استعمار أوروبا لكثير من البلاد الإسلامية، ثم من أجل هجرة أعداد ضخمة من مسلمي المستعمرات إلى بلاد المستعمرين بعد الحرب العالمية الثانية خاصة.

ولا يسعنا إلا أن نقول أن أوروبا اليوم لم يبق كنفا للحضارة الثلاثية التي ذكرناها آنفا، بل إنما أضيف إليها عنصر رابع ألا وهي حضارة الإسلام بكل إشراقاتها وأضوائها.

ونترك الحديث عن الملامح الخاصة لهذه القرون الخمسة، وخاصة فيما يتعلق بالديانة المسيحية إلى فصل آخر من فصول هذا البحث.

الفصل الثاني

فلاسفة اليونان من تاليس إلى أرسطو

اليونان اليوم غير اليونان بالأمس، إنها بلاد أنتجت عددا كبيرا من عباقرة الفلاسفة، وإنما نذكر طرفا يسيرا عن أفكار شخصيات أثرت، فيمن جاء بعدهم وذلك من كتابات “برتريندرسل” (1872-1970م) الفلسفي البريطاني الذي أسهب الكلام عنهم جميعا.

  • ونبدأ بالفلسفي “تاليس” ((Thales من آسيا الصغرى أصلا، والذي عاش في منتصف القرن السادس قبل الميلاد.

عرف بالفلك حتى تنبأ الكسوف لعام 585 ق.م، إلا أن فلكيّ بابليون (العراق حالياً) سبقوه ببيان حدوث الكسوف حتى في كل تسعة عشر عاما، كان يعد أحد الحكماء السبعة في اليونان، وقد تنبه إلى حقيقة الماء كونه أصل كل شيء.

ذكر عنه “سقراط” أنه كان رجلاً فقيراً إلا أن معرفته بالنجوم تهديه –وهو لا يزال في موسم الشتاء- إلى زرع خصب للزيتون في العام القادم، فكان يستأجر جميع المعصرات في “جيوس” و “ميليتس” قبل الأوان بأسعار رخيصة جدا، حتى إذا جاء وقت القطاف ووصل الزيتون إلى المعصرات استطاع أن يجمع من عمل التعصير مبالغ ضخمة من المال، وقد وجد في عصره وبعده “أنكسي ماندر” (Anaximander) و “أنكسي مينيز (Anaximenes)، وكلهم ينتمون إلى مدرسة “ميليسن” (Milesian School) المتميزة بصلاته الفكرية بحكماء مصر وبابليون.

  • فيثاغورث” (Pythagoras) كان مواطنا في الثلث الأول من القرن السادس قبل الميلاد، وعرف بنبوغه في الرياضيات (الحساب) حتى جعله مذهبا يحتذى، وعرف عنه قوله “إن كل شيء هو عدد”، وهكذا اعتمد على العدد في إيقاعات الموسيقي وحسابات الهندسة، وجعل العملية الحسابية تأتي باليقين وتزيل كل الأوهام والشكوك، واعتمد على أفكاره “سرجيمس جينز” و “كانت” بعد مضي عدة قرون، حتى أن الفكر الأفلاطوني إنما يرجع إليه أساسا، قد جاء بتقاليد قد تبدو غاية في السخافة غير أنها عرفت بالحكمة في زمنه، ونذكر بعضها لطرافته:
  • امتنع عن أكل الفاصوليا
  • لا تلتقط ما سقط على الأرض
  • لا تمس الدجاج الأبيض
  • لا تكسر الرغيف
  • لا تقفز من فوق العائق الحديدي
  • لا تحرك النار بالحديد
  • لا تأكل القلب

ونذكر مقولته في صلة الروح بالبدن، قال: “نحن غرباء في هذا العالم، والبدن هو قبر للروح، ومع ذلك لا يجوز لنا أن نلتمس النجاة بطريق الانتحار لأننا بضاعة لله الذي هو سيدنا وبدون أمره لا يجوز لنا أن نلتمس طريقا إلى النجاة.

هناك ثلاثة أنواع من الرجال تماما مثل الذين يأتون إلى ألعاب “أولمبيا” الطبقة السفلى منهم يأتون للبيع والشراء، وفوقهم درجة من يأتي لأجل المسابقات، ولكن أفضلهم من يأتي لأجل المشاهدة.

ولذلك يعتبر الطهارة الكبرى هي العلوم التي رغبته فيها “والرجل الذي يكرس نفسه لهذه المهمة هو الفلسفي الصادق الذي حرر نفسه من “عجلة الحياة”.

  • هيراقليطس (Heraclitus)

كان يعتقد أن النار هي العنصر الأساسي في كل شيء، ويرى أن الروح هى خليط من الماء والنار، وقد سبق أن قلنا عن “ثاليس” أنه اعتبر الماء أصل كل شيء، ثم جاء “أنكسي منيز” ليقول أن “الهواء” هو الأصل، وهم لم يزيدوا على العناصر الأربعة (وآخرها التراب)، وبقى الحال هكذا حتى جاء الكيمياؤون المحمّديون (كما عبر عنه “برتريندرسل”) ليضيفوا إليها ما غاب عنهم.

واعتقاده في التغيير على صفة دائمة شيء مؤلم، وليس هناك في العلوم ما يرده، ومن بعض أهداف الفلاسفة أن يحيوا الأمل، الشيء الذي قضت عليه العلوم، وهم كانوا دائما يبحثون عن شيء لا يخضع للزمان وهو موضوع شخصيتنا الآتية.

  • بارامينديس (Paramendies)

اعتقاده مضاد لسالفه حيث يرى أنه لا يتغير شيء أصلا، ويرى أن الحواس تخدع، وليست هناك حقيقة إلاّ “الواحد” الذي لا يُرى ولا يفنى، (ولكنه غير الله الذي يعتقده أصحاب الديانات)، ويقول أن العالم ليس مجموعة للأضداد لأنه ليس هناك ضد يوجد، فمثلا إذا قلت “بارد” إنما يعني “ليس حارا”، وإذا قلت “ظلام” فإنما تعني “ليس نورا”.

وخلاصة استدلاله في عدم التغيير: إنك إذا فكرت فإنما تفكر في شيء له اسم معلوم، إذاً كل واحد من فكرك ولغتك يحتاج إلى شيء خارج في الوجود، ومادمت تقدر على التفكر بهذا الشيء في كل وقت من الأوقات فهو إذاً موجود في كل آن، وإذاً ليس هناك تغيير إطلاقا لأن التغيير إنما يحصل في أشياء تأتي في الوجود أو تنتهي إلى العدم.

وقيل أنه هو الذي أوجد “المنطق” ولكن الصواب أنه اخترع الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) على أساس من المنطق.

  • أيمبي دوسلز (Empedoceles)

عاش في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد في جزيرة صقلية، ونعرف من ابتكاراته أنه حدد العناصر الأربعة، واكتشف القوة النابذة أي إذا أدرت كأساً مملوءاً بالماء مربوطاً في آخر حبل لا يسقط من الماء شيء، وكذلك تكلم عن الإرتقاء في الخلق والبقاء “للأصلح”، وذكر عن القمر أنه انعكاس لضوء الشمس، وكان عالما للطبيعة أكثر من سابقيه.

وقبل أن نواصل الكلام عن نوابغ الفلاسفة نريد الإشادة بذكر “أثينا” التي اعتبرت دون الإسكندرية في هذا الزمن في العلوم والرياضيات، ولكن فاقته بفلسفة أفلاطون وأرسطو (أرسطاطاليس).

وقدمت مجالاً لمجادلات بين فريق الجوهريين (Atomist)، وبين فريق يمثله سقراط وأفلاطون وأرسطو، فإنهم يبحثون عن الغاية أو القصد لكل فعل يحدث في الكون، بينما يبحث الفريق الأول عن الأحوال الماضية التي سببت هذا الفعل، وهم بذلك وضعوا نواة للعلم ((Science) الذي يتأسس على أشياء معلومة مدروسة، بينما يجول أصحاب الفريق الثاني فيما عسى أن يحدث في المستقبل، فهم أقرب إلى الفلسفة من الثاني.

ثم يأتي مجادلات سوفسطائية التي يمثلها “بروتوغورث” (Protagoras)، وقد عرفوا فيما بعد بنعوت غير طيبة حتى قيل إنهم يغالطون الناس بأدلتهم العقلية، والصحيح أن المراد بكلمة “سوفسطائي” (Sophosit) هو الأستاذ أو المعلم، وكانوا يقومون بتدريس الشباب بشيء من الأجرة، وننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن سقراط وتلميذه أفلاطون ثم أرسطو.

  • سقراط

خالف سقراط السوفسطائية في تعليم الشباب بالأجرة، فكان يجمعهم ويلقى عليهم الدروس في الآداب والأخلاق، وكان دائما يستدرجهم بالأسئلة، فسأل مثلاً: إذا أردتم تصليح الحذاء، إلى من سترجعون إليه؟ قالوا: إلى الحذّاء، ثم يسألهم: إذا أردتم تصليح سفنية الحكم، إلى من ترجعون إليه؟ وهكذا دواليك، أينما ذهب أراد تقويم الأخلاق بهذه الطريقة، ولما رأى المجازر التي ارتكبت في الحرب بين “أثينا” و “إسبارطا” تحدث عن مساوئ الحرب وظلم الطغاة، وهذا الذي جر عليه المصائب، فاتُهم بإغواء الشباب، فأودع السجن وحكم عليه بالإعدام، وكان يحق له أن يختار بين الإعدام أو الجلاء، ولكنه آثر الإعدام، وشرب كأسا مسموما ليلقى حتفه في السجن عام 399 ق.م.

إنه لم يترك تأليفات ولكنه ترك وراءه تلميذه الذكي “أفلاطون” الذي نقل كل علومه إلى كتبه، والتي هي مصدر أفكار سقراط، وقيل أن سقراط ليس هو الذي اخترع طريق الاستنتاج بطريق الأسئلة والأجوبة، بل إنما أوجده “زينو” تلميذ “بيرامينيدس”.

قام سقراط –ويشاركه أفلاطون- بإبراز الصلة بين الخير والعلم، على خلاف ما جاءت به المسيحية فيما بعد حيث تجعل للقلب الصافي أكبر أهمية، فإنه يوجد لدى العالم والجاهل على السواء، وهكذا افترقت عن الفكر اليوناني إلى يومنا هذا.

نعود إلى سقراط، فنقول أنه كان قتيل الفلسفة، كان يقول: “أعرف شيئا واحدا وهو أنني لا أعرف شيئا”، وقال: “إنما أنا في الأرض لأساعد الناس في تحمل أفكار جديدة تماما مثل الذي كانت تعمله أمي، كانت قابلة تساعد الحامل عند الولادة”.

وفلسفة سقراط تدور حول معرفة النفس وتهذيب الأخلاق وإقامة العدل وإبراز المحاسن والتقوى” وعرف بكتابة “الاعتذار” ((Apology، وهو ذلك البيان الذي قدمه للحكومة قبل أن نفذ فيه حكم الإعدام، وقد نقل “أفلاطون” أفكاره في مكالماته الشهيرة.

وقبل أن ننتقل إلى “أفلاطون” يجدر بنا أن نتطرق إلى ذكر “إسبارطا” اليونانية:

إنها قدمت لنا “بلوتارش” ((Plutarch، ذلك الفلسفي الكبير الذي اقتبس من أفكاره كل من “روسو” و”نيتشه” ، وأصحاب فكرة “الإجتماعية القومية”.

“ليكونيا” (Laconia) كانت عاصمة “أسبارطا”، ومنها نبغ “بلوتارش” الذي ذكر المقنن اليوناني القديم “لوئي كرجيس” (Lycurges) والذي تبنى أفكاره ساسة “إسبارطا”.

ولنذكر سياسة “إسبارطا” بالإيجاز، إنها دولة مقاتلة تؤمن بالحرب لأجل السيطرة، وتربى أطفالها منذ نعومة أظفارهم على القتل والقتال.

إذا ولد لشخص منهم ولد جاء به إلى كبار العائلة لينظروا إلى قوام بدنه، فإذا وجدوه “قويا” ردوه إلى والده، وإن وجدوه ضعيفا رموه في بركة ماء غائرة.

وكانوا يفرضون على الذكور والبنات، المراهقين والمراهقات، التدريب البدني معا وهم عرايا، وذلك عندهم أحفظ وأصون لكبح جماحهم وضبط عواطفهم.

ويستمر هذا التدريب إلى سن العشرين ثم يعد أحدهم مواطنا في الدولة، كل واحد يعيش مع مجموعة ويأكل معهم مقابل دفع شيء من دخله حتى لا يكون عالة على الدولة.

وكانوا يمارسون “الشذوذ الجنسي ويعتبرونه مفخرة” للولد[1]، وقامت الدولة بإلغاء نقود الذهب والفضة، واستبدلتها بنقود من الحديد لأجل القضاء على الترف والإسراف، وكانت الدولة تحكمها ملكان ومجلسان، ملك يقود الجيش عند الحروب، ولكن صلاحياته تصبح محدودة في زمن السلام.

ومجلس للشيوخ من ثلاثين شخصا (مع الملكين)، ومجلس آخر من 28 شخصا من كبار السن، وكان عليه أن يعد اللوائح القانونية لتعرض على البرلمان المنبثق من المواطنين الذي لا يحق له إلا أن يصادق أو يرفض ما يعرض عليه من القوانين.

ومع هذه السلطات الثلاث كانت هناك سلطة عليا، وهي للقضاة الخمسة ويدعون ((Ephors وهم يراقبون الملكين اللذين يؤديان القسم كل شهر بالولاء للدستور أمامهم، كما أن الإثنين منهم يصاحبان الملك عندما يخرج للحرب لمراقبة أعماله.

وحقاً تأثر من هذه الأفكار متحرروا القرن الثامن عشر في كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، كما بنى عليها القادة المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية دستورهم.

وحقيق بنا أن نقول أن روما اشتهرت بقوانينها، ووضعها للطرق في إمبراطوريتها الكبرى، كلها بفضل قوتها العسكرية، غير أن اليونان اتسمت بفكرها وفلسفتها، ولم يكن لها دوره كبير في الاستعمار والغزو ما عدا غزوات الإسكندر المقدوني الذي جعل الثقافة اليونانية تسود في بلاد الشام ومصر وجزء من آسيا الصغرى.

ويجدر بنا الحديث عن “أفلاطون” الذي تأثر من حضارة “إسبارطا”، فدوّن فكره فى مؤلفه الشهير “يوتوبيا” ((Utopia.

  • أفلاطون ” Plato” (المولود في 428 ق.م )الأديان والمذاهب في الواقع الأوروبي الأديان الأديان والمذاهب في الواقع الأوروبي 2019430233541843636922641418430526

هذا الفلسفي النابغ الذي تلمذ عليه “أرسطو” فنقل عنه علومه وزاد عليه، وهذا هو الرجل الذي تأثرت به الكنيسة، وعاشت أفكاره إلى القرن الثالث عشر.

إن الرجل أخذ من “هراكيليتس” الجانب السلبي في فكره وهو أنه ليس هناك شيء دائم في عالم الحس، فلذلك لا يؤخذ العلم –تبعا لمعتقد “بيرامينديز”- من الحواس بل إنما يؤخذ من العقل وحده، وهو بذلك أقرب إلى رأي “فيثاغورث” من غيره.

اشتهر أفلاطون بكتابه “الجمهورية” ((Republica، وخصص الأجزاء الخمسة الأولى من كتابه بدولة “الكومنولث” المثالي، وهو مبدأ فكرة الدولة المثالية (Utopia)، ويذكر فيه أن الناس هم من أصناف ثلاثة:

  • الذين خلقوا من ذهب وهم الأوصياء أو الكفلاء ليحكموا على الناس وليسوا هم إلا الفلاسفة.
  • الذين خلقوا من فضة وهم الجنود
  • الذين خلقوا من حديد وهم العامة

ويرى أن الطبقة الأولى أو العليا هي جديرة بالتعليم، وهو يضم نوعين أساسيين: الموسيقي والجمنازيا (رياضة البدن).

إنه يصف الطبقة العليا بأوصاف بالغة في النبل والشرف فلا يسكنون إلا بيوتا صغيرة، ولا يأكلون إلا طعاما من أبسط أنواع الطعام، بل يٌحَبّذ لهم أن يعيشوا في المخيمات ويأكلوا مع الأصحاب ولا يقتنوا عقارا ولا متاعا إلا ما كان ضروريا جدا.

ولا يجيز التعامل بالذهب أو الفضة في هذه الدولة المثالية، ويتساوى فيها الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، فهى تستحق أن تتعلم الموسيقي والتدريب الرياضي وفنون الحرب، فإن كل ما يقوّم الرجل تقوّم المرأة أيضا تماما.

ويرى أن يؤخذ الأطفال من آبائهم بعد الولادة مباشرة فلا يعرفون أبويهم طول حياتهم ولا يعرف عنهم أبواهم بل يربون في محاضن خاصة.

وبذلك لا يتمتع أي شخص بأبٍ قانوني إطلاقا، أما الأطفال المعوقون فمصيرهم أن يُقضى عليهم سرا.

ومن فلسفته الفرق بين الحقيقة والظاهر، والروح عنده بمثابة العين الباصرة التي تحتاج إلى ضوء الشمس لأجل الرؤية، وهي إذن واضحة تماما إذا كان ضوء الشمس موجودا وغير واضحة بل لا تعدو إلا إشباها إذا كان الوقت شفقا وتنعدم تماما في الظلام.

وهكذا الحقائق في طبيعتها وفطرتها، إما واضحة وضوح الشمس أو إشباها وخيالا أو لا شيء إطلاقا.

ويقول إن الناس بدون فلسفة مثل السجناء الموثقين في مغارة وراءهم نار تتقد، وأمامهم جدار أصم، فيرون على الجدار أشباها لهم (ظلالا من أجل ضوء النار)، فيظنونها حقيقة، وإذا بواحد منهم يحل قيده فيخرج من ضيق المغارة إلى سعة العالم الخارجي الذي تسطع فيه الشمس، فيدرك الأشياء حقيقة ويفرق بين الرجل وظله.

إذا وجب عليه أن يعود إلى المغارة ليصحّح الخطأ الذي وقع فيه أصحابه، وهذا ما فسر به المسيحيون الأفلاطونيون حقيقة المسيح الإله الذي جل في مخلوق لإرشادهم وتصحيح معتقداتهم، غير أن الفلاسفة حيرهم هذا الأمر: لم لا يعود الله إلى عالم النظريات لتصحيح ما كان خاطئا، هل أراد أن يجتنب دخول المغارة؟

وقد اعتمد أفلاطون في هذه النظرية على أستاذه سقراط حيث رأى أن البدن مانع في حصول العلم وأن السمع والبصر شاهدان ناقصان لا يمكن الاعتماد عليهما.

فلذلك يرى أن الحقائق توحى إلى الروح لا إلى البدن، والله خلق الروح قبل البدن الذي خلقه من العناصر الأربعة في توازن وتناسق عجيب.

هذا، ويأتي مزيد إيضاح لأفكاره في التعريف عن تلميذه أرسطو.

  • أرسطو (أرسطاطاليس 384 ق.م -322 ق.م)

ذاك الفلسفي العملاق الذي يعتبر آخر فلاسفة اليونان، ولم يدُرك شأوَه أحد إلا بعد مُضيّ ألفي عامٍ.

كان أبوه طبيباً عند البلاط الملكي في مقدونيا، وقد بعث ابنه إلى أثينا ليدرس على أفلاطون حتى لازمه عشرين سنة إلى وفاته في 348 ق.م، وعُين معلما لإسكندر وهو ابن ثلاثة عشر عاما، وتتلمذ عليه لثلاث سنوات.

وقد بقى ينشر أفكاره ويؤلف كتبه في أثينا، ولكن وجد عداءً من الإسكندر ومن أهل أثينا.

عاداه الإسكندر لأنه لا يستطيع أن يتماشى مع أصله في “الاعتدال” كما سنتحدث عنه بعد قليل، فكان وراءه بالمرصاد، وقد قتل ابن أخيه، وكاد يقتله ولكن عاجلته منيّتُه من أجل إدمانه على الخمر.

أما أهل أثينا فقد عادوه لأنه وَالَى مقدونية وتولّى تعليم الإسكندر وندد بأهل أثنيا لأجل مساوئهم وسوء طويّتهم.

تناول أرسطو بالحديث ثلاثة مواضيع خاصّةً، وهي وجود الله والدولة والإنسان.

قال مبدئيا أن هناك ثلاثة عناصر أساساً:

  • ما هو محسوس وفانٍ ويدخل فيه النبات والحيوانات
  • ما هو محسوس ولكنه غير فانٍ وهو المخلوق السّماوي
  • ما هو غير محسوس وغير فانٍ والمراد به ذات الله والروح العقلية لدى الإنسان.

إنه لا يؤمن بالله كخالقٍ بل كسبب أو محركٍ إلا أنه بنفسه غير متحرك لأنه مصدر جميع الحركات في الكون.

أما عن الدولة فيقول أن هناك ثلاثة أنواع جيدة من الحكم، وهي: الملوكية ، وحكم الطبقة الأشرافية، وحكومة دستورية.

وثلاثة أنواع سيئة وهى: الدكتاتورية، وحكومة الأغنياء، والديموقراطية.

وهذا بناءً على أصله المسمّى بالوسيط الذهبي وهو يعني أن كل حسنة هي بين طرفَي نقيض، كالشجاعة بين الجبن والتهوّر، وكالتواضع بين الحياء وعدمه، وهلمّ جرّاً.

وهو يميل إلى منع التعامل بالربا لأنّ الدائن عادةً هو من مُلاّك الأراضي والمدين من أصحاب التجارة والصناعة، ومادام الفلاسفة عالة على مُلاّك الأراضي أنكروا التعامل بالرّبا، ثم جاء الفلاسفة في القرون الوسطى ولمّا كان معظمهم من رجال الدين أحيَوا فكرة أرسطو في منع الرّبا بالإضافة إلى ظاهرة معاداة السامية لأن اليهود كانوا هم المرابين.

وخالف أرسطو أستاذه أفلاطون في الإشادة بالاشتراكية لأن الشخص –كما يراه أرسطو- إذا لم يملك الشيء لم يبال به ولم يرعاه، وكان يقول أن المسؤولية الاجتماعية –في النظام الاشتراكي- ما هي إلا تغافل من قبل الأفراد.

وقال إن الحكم الدكتاتوري هو أضعف أنواع الحكم، وإن كانت الديموقراطية أحسنَ منها حالاً لأنها غير مُعَرضةٍ للإنقلابات.

ورأى أن الدولة يجب أن تكون بالمساحة التي يمكن التحكم فيها كالمُدُن، فإنها إن كبرت واتسعت صعُب إدارتُها.

وذكر أرسطو “الإنسانَ” وجعل غايته هي الحصول على المسرّة، ومادامت الخصال الحسنة تجلب المسرة فهى مطلوبة.

وكان يمدح العفو والتقاضي عند أخطاء الناس، ويجتنب الحقد والكيد ومساوئ الأخلاق.

وقد بلغ من الكرم إلى أن أوصى بإطلاق جميع عبيده بعد موته، فكان أول إعلان لتحرير العبيد في العالم.

والآن نتحدث عن أكبر منجزاته وهو كلامه في “المنطق”، يقال إنه هو واضع علم المنطق، ونرى أن هذا القول يجانب الصواب، صحيح أنه هو الذي فصّل في وضع قواعد المنطق، وأوضحها بيانا شافيا، ولكن سبقه “أورجانون” (Organon)، بوضع قواعده، فإن المنطق يساعد في فهم النتائج إذا كانت مبنية على مقدمات سليمة، وبالمنطق يواجه الإنسان سفسطة المغالطين وتضليلاتهم، ومن الجائز أن نقول أن علم الإقليدس والهندسة مبنية على اليقينيات، وقد برع فيه المصريون القدامى حتى بنَوا الأهرامات على تصميم هندسي رائع، بينما لا تعتمد مقدمات القياس المنطقي على بديهيات.

وقد أشاد أرسطو بالفلسفي “زينو” (Zeno) ومقدرته على علم المنطق، بل أقر به كمخترع لهذا الفن، وذكر منهج استدلاله الذي يمكن أن يعبر عنه بدليل الخُلف أو عكس القضية، ومعناه: إنك لا تقبل أي دعوى لأجل مقدماته المحكَمة الصائبة بل لأجل ما يؤدي نقيضه إلى استحالات (أى نفكر في نقيض هذه الدعوى فإذا سلمنا به رأينا ما ينتج عنه من أمور مستحيلة).

وأبسط أنواع القياس المنطقي عند أرسطو مكوّنٌ من المقدمة الكبرى والصغرى والنتيجة كقولهم:

كل إنسان فانٍ، وسقراط إنسان، إذاً سقراط فانٍ.

وهناك أربعة أنواع من هذا القياس كما هو معروف في كتب المنطق، وأسهَبَ أرسطو الكلام في التصورات والتصديقات التي تفتح الباب لمعرفة حد كل شيء وتعريفه، بحيث إذا سأل سائلٌ “ما هو” حصل الجواب بكل وضوح، ويحصل هذا بذكر وصف جامع (وهو الجنس)، ووصف فارق (وهو الفصل)، فإذا سألت: ما هو الإنسان؟ كان الجواب وافيا إذا قلت: حيَوان ناطق.

كما أن أرسطو ذكر هذه المقولات العشر لفهم أي شيء في الوجود وهي: جوهر، كمّ، كيفَ، إضافة، أين، متى، وضعٌ، مِلكٌ، فعلٌ، انفعال.

                           زيـد الطويــل الأسـود ابن مالك                    فـي داره بـالأمس كان يتـكي

ويستوعبها هذا البيت من الشعر:

                          في يـده سيـف نضـاه فانتضــى                     فـهذه مقــولات عشـر سوي

هذه بعض مباحث المنطق الذي وجد النفوذ لدى المسلمين أيضا وخاصة في علم أصول الفقه، فانظر مثلا إلى مباحث القياس والعلّة والحكم والطّرد والدّوران وتنقيح المناط ترى فيها أثراً بالغا لهذا الفن.

ونقول في الأخير –عند كلامنا على أرسطو- أنه كتب عن الطبيعة وعن السماوات في كتابين بهذين الإسمين، وكان اليونانيون يدرسون، مع نعومة أظفارهم، أن الشمس والقمر إلهان من الآلهة، ومن خالفهم من الفلاسفة اضطهد وأوذى كما حصل مع جاليلو وغيره في عصور متأخرة، وكان أرسطو صريحا في قوله عندما جعل الأفلاك تتحرك بفعل محرك كما سبق بيانه.

وعندما يتحدث عن الطبيعة (Physics) فإنما يقصد الفطرة لأن الكلمة المذكورة من أصل يوناني وهو “Phusis” أو “Phsis”، وهو كل شيء ينمو، وهو الفطرة التي فطر عليه.

ولذلك قال أرسطو أن فطرة كل شيء هو غايته التي من أجلها يعيش ويحيى.

ودعنا نتكلم عن فلاسفة الغرب في الألفية الثانية بالفصل التالي.

 الفصل الثالث

فلاسفة الغرب من نيكولوميكياولي إلى نيتشه

تحدثنا عن فلاسفة اليونان الذين كان لهم تأثير بالغ في توجيه العلماء والفلاسفة والقساوسة في القرون الوُسطى وخلال خمسمائة سنة الماضية من تأريخ أوروبا وأمريكا، ونريد في هذا الفصل إلقاء الضوء على عدد منهم ممن صار لفكرهم رواج ولمدرستهم أتباعٌ ولآراءهم صَدىً في الأجواء العلمية بدءاً من “ميكياوِلي” وانتهاءً بفلسفي بريطانيا “برتريندرسل”، وقد أسهب الكلام عن ستة عشر منهم “برتريندرسل” في كتابه الضخم “تاريخ الفلسفة الغربية”، ونضيف إليهم آخرين من مصادر أخرى.

وبما أن هذا البحث لا يتحمل إطالة مملة فلذلك لا نورد إلا شيئا يسيرا من أفكار هؤلاء السادة كتعريف مبدئي بهم وبالمدرسة التي ينتمون إليها، وبالله التوفيق.

  • نيكولومَيكياوِلي (1467-1527م)

زبدة فلسفته هي تحقيق الهدف –سواءً كان صالحا أو غير صالح- بأي طريق يؤدي إلى حصوله، فإن القوّة هي الأداة التي يوصلك إلى ما تريد، فلذلك قال إن جميع الأنبياء المسلحين هم الذين نجحوا والذين جاهدوا وكافحوا بدون سلاح فشلوا تماما.

ويرى أن الأمراء (أى الحكام) يجب أن يتظاهروا بالخصال الحسنة ولكن يجوز لهم أن يخدعوا ويماطلوا في الوعود كلما صلح لهم ذلك.

ويقول إذا أردتم معرفة أصول النجاح ما عليكم إلا أن تدرسوا حياة الناجحين في الحياة، وليس من الضروري أن يكونوا من الصالحين بل معظمهم قد يكونوا من أفسَدِ النّاس.

ومادامت القوة هى الأصل فلا بأس أن يتوارى الرجل تحت شعاراتٍ براقة مثل “الحق يسود” أو “حياة الشرّ قصيرة”، وبما أن الدعاية تساعد في تقبل الناس للشيء المدعو فلذلك لا بأس بالإكثار من الدعاية إذا كانت كفيلة للنصر.

هذه الأفكار وكثير غيرها احتضنها دكتاتور إيطاليا “مسوليني” ليحقق له النصر ولو بالإضطهاد والظلم.

  • فرانسس بيكون (1561-1626م)

يعتبر مؤسسا لطريق الاستقراء الحديث، وكذلك من الروّاد الذين حاولوا تنظيم الطرق العلمية، وقد أشاد بقوة العلم في كتابه “تطوير العلم” وفلسفته كلها تعتمد على إخضاع القُوى الطبيعية بطريق الاختراع والإيجاد لإسعاد الناس في حياتهم، ويرى أن الفلسفة يجب أن تخضع للعقل، وهو بذلك يأخذ بمبدأ الصدق المزدوج أى بالعقل والوحي معا.

وهو من العلماء الفلاسفة الذين أشادوا بطريق الإستقراء الكامل (غير الناقص) للوصول إلى حكم عام.

  • ريني ديكارت (1596-1650م)

الفيلسوف الفرنسي الذي شارك “جاليليو” في مقالتيه اللتين أحدثتا له مصيبة وابتلاء، وهما نظرية دوران الأرض وديمومة الكون، إلا أنه كان رجلا جبانا لم يوضح عنهما علانيةً.

وله جهود طيبة في مجال تحديث علم الهندسة، وقد رحب باكتشاف “هاروى” لدوران الدم، وكان يأمل دائما أن يأتي بجديد في علم الطب ولكن بدون نجاح.

ويرى أن أجسام الإنسان والحيوان لا تعدو أن تكون ماكينات بحيث تخضع الحيوانات لقوانين الطبيعة تماما بدون أن يكون لديهم شعور أو إحساس بخلاف الإنسان، فإنه يتمتع بالروح التي تعيش في الغدة الصنوبرية، وهنا يكون اتصال بالقوة الضرورية، وبطريقها يتصل الروح بالبدن، وبما أن مجموع مقدار الحركة ثابتة، لاطريق للروح أن يؤثر فيها، إلا أنه باستطاعتها أن تؤثر في تغيير اتجاه حركة “القوة الضرورية” وبطريقها لاتجاه الأعضاء الأخرى في البدن.

وقد تخلى عن هذه النظرية أصحاب مدرسته، ومنهم “في لينيكس” الهولندي، و “إسبينوزا” وخالفوه في خضوع البدن للدماغ حيث أنكروا أن يكون للدماغ أي تأثير على حركة البدن، وهذا ما أثار معضلةً وهى أن ساعدى يتحرك عندما أريد أنا تحريكه، وإرادتي هي من عمل الدماغ بينما حركة الساعد هو عمل جسدي، فكيف استطاع الدماغ أن يتدخل في عمل عضو البدن إذا لم يكن تجاوب بينهما؟

اخترع “في لينيكس” جوابا لهذا السؤال، فجاء بمثال ساعتَى جدار، وهما منضبطان للوقت أيما انضباط، فإذا وصلت يد إحداهما إلى تمام الساعة، دقّت الثانية بصوت عال، فإذا رأيت ذلك ظننت أن الواحدة تعمل في الأخرى، ولكن ليس هكذا حقيقةً، وهكذا الدماغ وحركة عضو البدن.

فإن القانون الطبيعي هو الذي حرك ساعدي ، وإن كان الدماغ تخيل هذا الفعل في نفس هذا الوقت.

وطبعا من الصعب أن تتوافق هذه النظرية باخلاقيات المسيحية التي تنادي بالعقوبة على الذنب.

والشيء الثاني الذي اشتهر به “ديكارت” هو محاولة وصوله إلى الحقيقة بطريق الشك، فإنه يبدأ بالشك في كل شيء، فإنه يشك حتى في عمل الحواس، قد تتخيل أشياء لم تحدث بتاتا مثل تخييلات عند رجل مجنون بدون أن يكون لها وجود.

ومن مقولاته الشهيرة: “أنا أتفكر، إذاً أنا موجود”

وهذا أكبر دليل على علو الدماغ على المادة، وعلى علوٍ دماغيٍ بالذات على أدمغة الآخرين، وبهذا نرى أن هناك مَيلا بارزًا إلى الموضوعية في فكر ديكارت، وإن المادة وطريق الوصول إليها إنما هو ما عرف بطريق الدماغ، وقد وَجدت هذه النظرية مكانا في المثالية الأوروبية والتجريبية البريطانية، ويقول ديكارت بناءً على مقولته “لماذا صار التفكر” (Cogito) عندي واضحاً لهذه الدرجة؟

والجواب: لأنه بكامل الصفاء والتمييز.

وهذا يؤدي إلى أصل آخر: “جميع الأشياء التي هي واضحة ومتميزة كلها حق”

وقد يشمل التفكر عند ديكارت مجالا واسعا، الشيء الذي يفكر هو الذي يشك ويفهم ويقبل ويقر وينكر، ولديه إرادة وتخييل وإحساس.

وإذاً الإحساس عند الرؤيا في النوم نوع من التفكر أيضا، وبما أن التفكر هو خلاصة الدماغ، لابد أن يكون الدماغ في حالة التفكر حتى أثناء النوم.

وفلسفته لها أهميتها من ناحيتين:

أولاً: إنها جاءت لتكمل ما بدأ به أفلاطون من ازدواجية الدماغ والمادة، وكلاهما محل للدراسة على حدةٍ، وقوله أن الدماغ لا يحرك البدن كان شيئا جديدا، ومن ثم عكسه كذلك، وهو أن البدن لا يحرك الدماغ أيضا.

وهناك إيضاح طويل في كتابه “مراقبات” (Meditation) لمثل هذه الظاهرة، وهى “لماذا يشعر البدن بالأسف إذا كان عطشان”؟ ويأتي الجواب في نفس سياق ساعتَي جدار، غير أن هذا الفكر –كما قلنا سابقا- لا يتوافق مع أخلاقيات المسيحية.

  • سَـبـيـنوزا (1632-1677م)

هاجرت عائلته من أسبانيا أو البرتغال إلى هولندا بحثا عن النجاة من التطهير العرقي الذي حصل في البلدين بعد سقوط غرناطة، كان يهودي الأصل لكن خرج على التقاليد اليهودية فرُمى بالكفر.

استوطن “إمستردام” وغيّر اسمه من “بروج” إلى “بيني ديكت” الذي يعني رجلا متقيا.

فلسفته هي رد على الأسئلة الثلاث:

  • ما هذا العالم الذي نعيش فيه؟
  • من الذي جعلنا نعيش هذا العالم؟
  • ولماذا؟

هو يؤمن بوحدة الوجود، فيقول إن الله في كل شيء وكل شيء في ذات الله، ويقول إن الحياة تضم حقائق ثلاثة: الجسم الميكانيكي، والذهن المفكر، والله فوقه.

ثم يجمع هؤلاء الثلاث في وحدةٍ،  فإن الله في أنفسنا، وليس الجسم والنفس والروح إلا عبارة عن حقيقة واحدة، فإن الكون عنده جسم الله، والقوة التي تحركه هي ذهنه، وهنا يخالف ديكارت في فكره عن ذات الله.

وردّا على السؤال الثاني يقول إن الله خلقنا لأجل الحصول على المسرة، واجتناب الكلفة، فلذلك وجب على الإنسان أن يحب نفسه، وهذا يستدعي محبة الإنسان عموما، وإذا أحببت الخَلق أحببت الله، وقال بهذا الصدد: “أن أكبر فتوحنا ليس من طريق الأسلحة بل بطريق عظمة الروح”.

ويتحدث عن الموت فيقول إن الجسم يموت ولكن الروح تبقى كانعكاس صورة الشمس تراه على صفحة الماء في البِركة، فإذا جف الماء لم تعُد ترى صورة الشمس فيها، ولكن هل الشمس زالت عن الوجود؟ لا، هي باقية، وهكذا حياتنا أبدية، فيجب علينا أن نرضى بالقليل، ونعامل السيئة بالحسنة، ونتحمل بكل رضىً ما يحدث في حياتنا من حوادث.

وبناءً على هذه العقيدة هو لا يجيز الخروج حتى على دولة سيئة الحكم والإدارة، وقد لمح إلى أحوال إنجلترا المتدهورة أيام زمانه لأجل تحدى الناس للسلطة.

ومن الغريب أنه يخالف “هوبز” (Hobbes) في قوله أن الديموقراطية هي أقرب الأنظمة إلى الفطرة، وله كلام في مسألة القدر حيث لا يعتقد في الإرادة الحرّة لدى الإنسان.

  • جين جيكوس روسو “Jean Jacques Rousseau” (1712-1778م)

يخالف “اسبينوزا” وغيره في أن الإنسان كالماكينة أو جزء منها، بل هو صاحب المشاعر والعواطف، ويرى أن العلوم والثقافة جعلت الإنسان في قيود وأغلال، وقضت الآلات على مشاعره، فلذلك من الضروري أن نتخلى عن هذه القيود حتى يتحرر الإنسان ويذكّي من صلاحياته وطاقاته.

  • لائيـبنتـز “Leibnitz”  (1646-1716م)

قوله عن الله: إن الله كامل في ذاته عال في مكانته بينما الإنسان ناقص غير كامل، فلذلك لا يستطيع أن يعرف الله إلا تصورا بسيطا لذاته لأنه يوجد فيه انعكاس لبعض صفاته مثل الحسنة والقوة والعلم وغير ذلك من الصفات، فإذا تصورنا هذه الصفات إلى حد بليغ تصورنا الله إلى حد، وإن الله خلق الخلق في أحسن صورة وهو خبير بما يجري في الكون.

أفكاره عن الخير والشر: يوجد لدى الإنسان من الأزل شعور بالأصول التي تهدي إلى الخير أو الشر، ولكنه قد يخالف هذه الأصول من أجل الهوى، ومن هذه الأصول أن تبحث عن السرور وتجتنب المصائب.

ويقول إن الشر قد وجد حتى يظهر الخير مثل البقع السوداء في صورة تساعد في إبراز الألوان الأخرى، وهكذا الشر يجعل العالم ذات ألوان مع الخير.

بخصوص الإرادة: الإرادة عنده محاولتك لحصول أمل من آمالك، أى أن أمل الإنسان هو الذي يعيّن إرادته، فإذا علم الإنسان ما اشتهاه، أراد الحصول عليه غير أن إرادته هذه حرة إلى حد محدود، إلى انتخاب أقوى الآمال عنده.

ولا يرى “لائيبنتز” أن الإنسان حر في فعل شيء خلاف ما يبتغيه، وهو –عنده- مجبَر على اختيار ذاك الأمل الذي هو أغلب الآمال لديه، وكذلك على العمل لمحاولة الحصول عليه.

وهو بذلك يخالف الفلاسفة الذين يرون أن الإنسان مجبور محض.

بخصوص الروح: يرى أن الكون مكون من ذرّات صغيرة جدا، كل واحدة منها هى “وحدة” متكاملة، ومن بينها الروح التي هى وحدة القوة الروحية، وهى منبع جميع العلم والحكمة، ويأتي هذا العلم من الداخل وليس من الخارج، وإنما تساعد تجارب الإنسان في الخارج لإخراج هذه الدفائن من العلم بداخل الروح.

ويرى أن الإنسان لا يفنَى، إنما تنفصل هذه الذرات عند الموت، ولكنها لا تفنى أى أن الروح تبقى حتى بعد الموت.

  • جون لاك (1632-1704م)

انحدر من عائلة دينية تحتضن عقائد “المطهرين” (Puritons)، ونال شهرة كفلسفي وسياسي حتى دُعِى إلى أمريكا لوضع دستور لمستعمرة “كيرولينا” والذي يدعو إلى عدم التعصب في مجال الدين والسياسة والاجتماع، وقد صار ضحية للتعصب الديني في بلده إنجلترا حتى اضطر أن يغادرها بعد أن قُضِى على حكم عائلة “ستوارت”، وحل محلها ملك هولندا بدعوة من أهالي إنجلترا نفسها.

اشتهر “لاك” بمقالته على فهم الإنسان التي تعتبر كإعلان للحرية وديباجة للديموقراطية، قال فيها إن وجدان الرجل هو وسيلة إلى العلم الأساسي، وهو غير قابل للرّد لأننا نستشعر به كالشمس المحرقة، وبمعرفة النفس نصل إلى معرفة الله.

وقال إن الذهن الإنساني يتأثر بما يجري حوله من الأحداث، فلذلك يخضع تصور الله لدينا بما تملي علينا الأذهان، وما دامت هي غير قادرة على استيعاب الصدق كاملا فلذلك يجب أن يترك كل شخص ونفسه حتى يواصل مع الله تعالى بالكيفية التي يراها، ولا يحق للمجتمع أن يفرض عليه شيئا يخالف ضميره إلا إذا كان عمل هذا الفرد يضُر بالمجتمع.

وقال: اتركوا كل شخص ومذهبه، فإن كل فرقة تحاول أن توافق إرادة الله.

عاصر “لاك” شخصين آخرين عظيمين في إنجلترا “وليم بين” الذي أهدى النور للعالم الجديد، و”نيوتن” الذي اكتشف قانونا من قوانين الطبيعة، أما هو فقد علّم الناس كيف يفهمون الإنسان نفسه.

  • جورج بركلي “George Berkely” (1685-1753م)

قال بخصوص ذات الله أنه هو الخالق لهذا الكون وهو روح من ألطف الأرواح سائرة في جميع الكون، وليست المادة أو الجسم إلا ظاهرة لهذه الروح.

وبخصوص حقيقة الإنسان يوافق “جان لاك” و “هيوم” بأنه ليس هناك شيء له وجود خارج ذهن الإنسان، والكون كله خيال من أخيلته، ولكن من أين يأتي هذا الخيال؟ ليس عندهم جواب لهذا السؤال.

وأكد بركلي أن هناك حقيقتين في العالم: الروح وجميع التصورات التي ترد على الذهن، والتي لا يستوعبها ذهن الإنسان يخلقها الله لأنه له ذهن كذلك.

وهو يرى أن الروح غير فانٍ لأنه مبدأ الكون وانتهاؤه.

  • فولتير (1694-1778م)

فرنسي عاش في إنجلترا برهةً من الزمن فرارًا من سوء معاملة أهلها له، واشتهر برواياته التمثيلية وتمثيلاته المضحكة التي درّت عليه الأموال والشهرة، وعندما حدث زلزال عام 1755م في “لزبون” وهلك فيه ثلاثون ألف شخص، تغيرت أفكاره وكتاباته، فصار ينظر إلى الحياة نظرة واقعية جدية، وبدأ حملاته على الظلم والطغيان عند الدول وعند الإنسان، وجعل هذه الكلمة شعارا له “السلوك الوحشي الذي يمارسه الإنسان ضدّ الإنسان لعنة تستحق الإعدام”.

لم يكن منكراً لذات الله، بل كان يؤمن بالله، ويقول: إن وجود الله هو ضرورة، وإذ لم يوجد فعلينا أن نوجده”

إنه دعا إلى عدم التدخل في شئون المذهب، واستطاع أن يخفف من حدّة التعصب المذهبي.

كان يقول في مقتبل أيامه: “إضحك ودع الناس يضحكون”

ولكن غيّره إلى هذا القول في آخر حياته: “تفكر ودع الناس يتفكرون”.

وقد شارك مع الثوار ضد الملوكية في فرنسا، وساهم في إعداد “قاموس الليبرالية”

كان متواضعاً ولم يكن من ذلك الصنف من الناس الذين يحرصون على لقاء العظماء، جاء مرة إنجليزي ليقابله، فقال لخادمه: “قل له إنني على وشك الموت”، فأصرّ على اللقاء، فقال له” “قل له أنني قد متّ فعلا”، فقال الرجل: “إنه يريد أن يحيّي نعشه كآخر مراسيم للميت”، فقال فولتير لخادمه: “قل له إنني دُفنت وفي ذمة الشيطان الآن، فإذا أصر مع ذلك على اللقاء فليذهب إلى جهنم”.

وجاءه بنجامين فرنكلين، وكان سفيرا لأمريكا في فرنسا آنذاك، جاءه مع حفيده وطلب منه الدعاء للولد، فوضع يده على رأسه، وقال: “الله والحرية”.

وهذه هي خلاصة فلسفة فولتير.

  • دَيودهيـوم (1711-1776م)

تربّى في اسكتلندا وعاش في لندن، ورُفض في إنجلترا ولكن جعله أهل فرنسا حبيبا لديهم كأنه “فولتير” إنجلترا، وفد إليهم في برهة من الزمن.

تحرر من عقيدة المسيحية، ويُحكى أنه دُعى إلى مائدة طعام عند صديق له، فرأى نسخة من الأناجيل على الطاولة، فقام فوراً وهو يصيح “لا يمكنني أن أتناول الطعام مع حضرة عدوّي”.

وكتب كتابين هدّامين، أحدهما في فضل الانتحار والثاني في فناء الروح، مما جلبا له إنكارا من الكنيسة وعداءً من رجال الدين، وكان يقول: “إن أفضل طريق لتكون مسيحيا أن تكون ممن يقول: لا أدري”.

إنه ندد بالأوهام من ناحية وشكك في أسس الاستدلال أيضا، فكان يقول: “إن الناس يربطون الوقائع بعلل قبلها، فإذا كان هناك حادث وجعلنا له سببا وعلة، فلابد أن يكون وراء هذه العلة علة أخرى، وهذا يؤدي إلى ما لانهاية”، ولذلك كان يسخر بقانون العلة، وكان يقول إن هذه القوانين (التي ادّعوها) ما هي إلا قضايا في الإمكان، وهذا العالم كما نراه الآن ليس حلقة من أسباب ماضية ولا للمستقبل بل إنما هو تواتر يربط الماضي بالمستقبل.

إنه تكلم عن العقل الإنساني وصدوده مما جعل الناس يعادونه.

إن فلسفته يدور حول “الذات” أو الجواب عن سؤال “من أنا” وهل اهتدى إلى جواب مقنع؟ بل زاد حيرة وضلالا.

  • عمانوئيل كانت (1723-1804م)

سوف نتحدث عن بعض أفكار “كانت” في الفصل السادس لاحقا.

  • جورج وليَهم فريدرك هَيجل (1770-1831م)

أفردنا الحديث عن هيجل وتلميذه ماركس بشيء من التفصيل، وسيأتي لاحقا.

  • شوبنـهار (1788-1860م)

الفلسفي الألماني الذي عاش عيشة قنوط ونشر فكرا قنوطيا، وقد تأثر بالفلاسفة الهنود الذين دعوا إلى ترك مباهج الحياة وتلذذوا بالآلام.

كان مولعا بالوحدة والإنزواء، يخلو نفسه لساعات في متحف الرسوم، أو يأخذ طريقه على شاطئ النهر أو في الحدائق العامة يكلم الأشجار ويسر إليها ما الله به عليم، وكان مرة في مثل هذه الحالة فاقترب إليه عامل في الحديقة، فساله: من أنت؟ فقال: أكون لك شاكرا إذا أخبرتني من أنا؟

وكتب في مفكرته: “العالم هو تصوري، ولا هناك شمس حتى أراه، ولا هناك أرض حتى أحس بها، وما الإنسان إلا حلما”

ضمن أفكاره في كتابه: “العالم من حيث الإرادة والتصور”

وقد خالف “هيجل” إلى درجة أنه قال: “اطردوا هيجل وأمثاله مع أفكارهم بخصوص ما وراء الطبيعة من زمرة الفلاسفة تماما مثل ما كان تفعله الكنيسة من طرد المرابين من المعابد”

كان يشكو من فلاسفة عصره رجائيتهم، فقد تأثر –كما أسلفنا- من فلسفة الهنود فيقول: “إن الإنسان مخلوق ولد مع الألم، إنه يتردد من حصول أمل إلى أمل آخر إلى السآمة والملل، وليست الطمأنينة إلا وصفا نافعا، وأما الألم فهو شيء إيجابي”.

كان يتفلسف إزاء مشاهدات عادية، فيقول: “ألا ترى أن شخصين يتحدثان في الطريق فإذا حلا لهم الحديث جدا إذا بهم يقفون ليواصلوا الحديث، وما ذاك إلا لسبب بسيط، وهو أن الدماغ إذا استحكمت فيها تصورات وجعل يربط بينها لم تعد له قوة أن يحرك الأرجل بتحريك الأعصاب، وما هذا إلا نوع من البخل عند الفطرة فإنها لا تسمح الرجل أن يقوم بعملين في وقت واحد”

هذه بعض أفكاره ولديه الكثير من هذه الخزعبلات.

  • فريدرك وليم نيتشه (1844-1900م)

هو من عائلة بولندية هاجرت إلى ألمانيا وتوطنت هنالك، ورث جسما نحيفا من والده، أنهكه بالشرب والطرب إلى أن سئم من هذه الحياة وعكف على الدراسة مع ضعف جسمه وأوجاع رأسه.

ودرس العقيدة المسيحية فتوصل إلى أن بعض المجانين هم الذين اخترعوا نظرية الذنب الأصلي عند آدم حتى يصوّبوا أعمالهم الإجرامية، وتبعتهم الأجيال اللاحقة كالشياه التي تتبع بعضها بعضا.

واستنتج من ذلك أن الدين لا تهب الحياة بل يسلبها تماما، كان هو بنفسه مريضا واهتدى أخيرا إلى أمه بالعزم الراسخ يمكن أن يتغلب على مرضه، كأنه قبل فلسفة “شوبنهار” السلبية، ولكنه قلبه إلى فكرة إيجابية.

ويقول: إن المعتقدات الدينية هي أكبر خدعة في التاريخ حيث قلبت المفاهيم، وجعلت القوة شيطانا، والضعف إلهاً، وقال: إن المسيحية هي ألعوبة تسلية عند العبيد، وقال: إن الدنيا كثرت فيها المصيبات لأجل كثرة المسيحيين وقلة الوحشيين فيها.

وكان يعِظ، فيقول: الناس ليسوا سواسية، كونوا أقوياء ولا خوف، واسخروا من هذا الشيء الذي سماه الضعفاء من الناس ذنبا، وكان يدّعى لنفسه العظمة حتى قال: يأتي يوم لا يُذكر فيه التاريخ بما هو قبل المسيح وبما هو بعده، بل بما قبل نيتشه وما بعده، ويأتي يوم تخوض فيها جمهوريات أوروبا اليوم حروبا طاحنة تهلك بعضها بعضا، ويخرج من رماد هذا الحرب أجيال أكثر وحشية وأشد افتراساً.

مات ولم يكن خمسة وأربعين عاما من عمره، ووجدت ورقة من بين أوراقه تحمل كلمة واحدة “المسيح المصلوب”

فهل تحققت تنبؤاته عن أوروبا وجمهورياتها؟

15- كارل ماركس (1818-1883م)

أفردنا له فصلاً فيه ذكره وذكر مرشده هيجل. 

 الفصل الرابع

فلسفة هيجل وماركس

إن الفلسفة المادية هي الروح الأصيل، والأساس المتين لتعاليم ماركس، رائد الاشتراكية الحالية، وقد تسمى هذه الفلسفة بالمادية الجدلية (Dialectical Materialism)، ويعني بها تلك النظرة الخاصة التي يفسر بها أي اشتراكي أسرار الكون وما فيه، ولما كان ماركس لا يتصور من وراء الكون إلا المادة ولا يفسرها إلا بطريق الجدل، سميت هذه الفكرة بالمادية الجدلية، وتسمى بالمادة التاريخية أيضا، إذا عاملنا نفس هذه الطريقة في الحياة العامة.

وقد استعير هذا الإسم من اللغة اليونانية حيث نقل لفظ “جدل” (Dialecties) عن اللفظ اليوناني (Dialeces)، ونريد بالجدل افحام المخالف بإظهار نواح يضاد بعضها بعضا في أدلته، وكان الفلاسفة القدماء يحسبونه أحسن طريق للوصول إلى الحق، وقد استعيرت هذه الطريقة فيما بعد لفهم أسرار الكون ومظاهر القدرة.

وقد استعار ماركس (1818-1883م) – تلميذ هيجل البار (1770-1831م)- طريقته في الفلسفة المادية من أستاذه، وإن كان هناك فرق شاسع بين وجهتي نظرهما، فإن هيجل يرى أن الكون ليس إلا حركة ارتقائية للتصورات (Ideas)، ويحدث هذا الارتقاء بتشابك التصورات بعضها ببعض فيما بينها، فالحياة عند هيجل تحوي خلال طياتها وحركاتها تشابكا عنيفا فيما بينها لوجود العناصر المضادة بعضها ببعض، فكل عين (المعبر بلفظ التصور آنفا) يشمل ضده في نفسه، كما أن كل قوة إيجابية تربى في نفسها قوة سلبية، كما أنه تحدث هنا إيجابية أكثر فعالية نتيجة للعراك العنيف بين الإيجابية والسلبية، وهكذا دواليك.

وقد حاول هيجل أن يفهم هذا الكون بأجمعه بنظريته هذه مع عدم الإقرار بوجود المادة، ومن رأيه أن العين أو التصور هو الشيء الذي ما بعده شيء، وليست المادة والدنيا الماثلة أمام عيوننا إلا مظاهر للتصور أو العين فقط، إن نظريته هذه لابد أن تجر الإنسان إلى إنكار وجود الله تعالى، وهذه ما جعل الكنائس المسيحية تحرم على أتباعه دراسة فلسفة هيجل.

ويصعب علينا –مع هذا وذاك- أن نتهم هيجل بإنكار وجود البارئ عز وجل، لأنه يوجد عنده تصور للتصور المطلق (المخول إليه كل ما للخالق من سلطات) حيث ينتهي ارتقاء الكون، وإن كان ينقص جدا عن تصور الإله في الإسلام، أسس ماركس فلسفته المادية على هذا الارتقاء الجدلي كما اعترف هو بنفسه، ولكن أبعد الشقة في سيره على هذا المنهاج الذي رسمه أستاذه هيجل، فبينما كان يرى الأستاذ العين أو التصور هو الحقيقة النهائية التي ما بعدها حقيقة جعل تلميذه ماركس للمادة أهمية قصوى، ومعركة التصورات عنده ليست إلا تمثيلا لمعركة الوقائع المادية في هذه الدنيا، إنه ينكر أن يكون هناك شيء يتسمى باسم الروح، أو حياة غير مرئية للعيون، فالمادة عنده هى الأساس لكل شيء في الحياة، وقد بدأ ماركس يعلل الحوادث التاريخية على نهجه الجدلي مع اعتبار المادة أصلا للكون بأجمعه، كما علل الحركات الفكرية والأديان المتبعة بكونها رد فعل للحركات المادية.

صراع الطبقات:

إن أساس فلسفة ماركس لهو المادية الجدلية التي شرحناها آنفا، ويتفرع عنها نظرية تصادم الطبقات والتعبير المادي للتاريخ، وإليك شرح أولهما أولاً:

يرى “ماركس” أن كل نظام اقتصادي إذا بلغ مدى خاصاً في رقيه وازدهاره تحدث فيه قوى جديدة للإنتاج، وتتصادم مع القوى المنتجة الموجودة في ذلك العصر، كما تقتضي قسمة جديدة للطبقات بعد القضاء على النظام الاقتصادي الرائج مع تغيير كامل لنظام الملكية القديم الذي يقصر عن مسايرة الركب، ولا ريب أن هذا التغيير يقض مضاجع الذين كانوا يسيطرون على الطبقات الأخرى، ويتفوقون عليها ثراء وأموالا، فلا يألون جهدا في مقاومة القوى المنتجة الجديدة بكل ما أوتوا من قوة ومكيدة، فإنهم يتوجسون خيفة وراءها ثورة عارمة ضد ملكهم وسيطرتهم من قبل أولئك الذين لا يجدون ما يسدون به رمقهم في ظل النظام المتبع لديهم، ولا ريب أنهم يستبشرون بالقوى الجديدة، ويرحبون بها أيما ترحيب، ويعلقون عليها آمالا كبارا عند نجاحها، ومن هنا يبدأ العراك بين الظالم والمظلوم، والغالب والمغلوب، وهذا ما سماه ماركس بتصادم الطبقات (Class Struggle).

ويستمر هذا العراك إلى أن تضطر بقية الطبقات المحايدة في المجتمع إلى أن تنحاز إلى إحدى الطبقتين المتعاركتين، ومن ثم لا يوجد في المجتمع إلا فريقان لاثالث لهما، ويكون النصر عند النهاية للفريق المظلوم حيث يستولي عندئذ على جميع طرق الإنتاج والتوليد، وبهذا يتم الفوز للقوى الإنتاجية الجديدة التي كانت وليدة النظام القائم آنذاك، ويظهر في الوجود نظام اقتصادي جديد مع قسمة جديدة للطبقات، وتغيير كامل في المذهب والقانون والسياسة والنواحي الأخرى في الحياة حسب ميول النظام الجديد ورغباته.

ولا ينتهي الأمر إلى هذا الحد، بل عند بلوغ هذا النظام الجديد الذروة القصوى من الكمال يطرأ عليه نفس ما طرأ على سلفه من العمل الجدلي، حيث تحدث فيه قوى جديدة للإنتاج، وتتعارك مع القوى الموجودة إلى أن تتصارع الطبقات، وتتلاشى من الوجود بعد ظهور نظام جديد على أنقاض النظام الأول.

يرى ماركس أن صراع الطبقات لا زال مستمرا منذ قديم، فكان العبيد محل البيع والشراء في زمن من الأزمان إلى أن سيطر النظام العقاري (Feudal System) على زمام الأمور، حتى ازدهرت طرق الملاحة في البحر بصناعة البواخر، فظهرت طبقة جديدة من الصنّاع والتجّار قضت على النظام العقاري، وأحدثوا النظام الرأسمالي الآخذ في الانتشار في أوروبا.

وعند بلوغه القمة العليا في نهاية القرن التاسع عشر، ظهرت فيها أيضا كما يقول ماركس –قوى جديدة مضادة له تمثلها الطبقة البروليتارية- طبقة العمال والصناع المحرومين الفقراء الذين يسعون بخطى حثيثة إلى القضاء على النظام الرأسمالي- وعندما يتم للعملية الجدلية هذه عملها- حسب بشارة ماركس –يمحي النظام الرأسمالي من الوجود مع كل ما يجاريه من المذاهب السياسية والخلقية والاجتماعية، ويقوم عندئذ للاشتراكية القائمة بتصوراتها وأقدارها ومبادئها المتجانسة مع النظام الاشتراكي، هذا هو ملخص نظرية صراع الطبقات.

أما المادية التاريخية فتتلخص في أن كل ما حدث في الدنيا إلى يومنا هذا، وما سيحدث في المستقبل ليس هو إلا نتيجة لصراع الطبقات بعضها ببعض، فكل نظام اقتصادي يقدر له بقاء فترة من الزمن إلى أن تحدث فيه قوة تخالفه وتعاديه، ومن ثم يظهر هناك نظام آخر اقتصادي نتيجة للصراع بين القوتين المتحاربتين، ويرى ماركس أن الحوادث التاريخية سواء كانت سياسية أو مذهبية قد وقعت كنتيجة لهذا العمل الذي وصفناه آنفاً، فإذا سألت اشتراكيا مثلا عن العوامل الاقتصادية التي حدث بالمسيح عليه السلام إلى المناداة بتلك التعاليم الخلقية، التي نجدها في الكتب المسيحية لأوجد لك عشرات من هذه العوامل.

الفصل الخامس

فلاسفة الغرب من “سَبنسر” إلى “برتريندرسل”

  • هربرت سبنسر “Herbert Spencer” (1820-1903م)

قال بخصوص ذات الله: إننا لا نستطيع أن ندرك شيئا إلا ما كان محدودا أو معينا، وبما أن الله لا يحده حد فلا سبيل إلى معرفته، وهو لا ينكر وجوده ولكن ما ندرك كنهه.

وبخصوص الإنسان يقول: الذي عرفناه إنما عرفناه بطريق التجارب التي لابد أن تكون لها علة وراءها، وهذا يعني أن هناك عالما مجهولا خارج تجاربنا هي سبب لتجاربنا، وهو مجهول كعواطفنا ومشاعرنا الداخلية، وإذاً للإنسان نفس الأصول الأساسية التي هي للعالم.

وهذا العالم عنده هو “القوة” التي تخلق، وهى تأتي في الوجود تحت قوانين معلومة خاصة، والإنسان قد ارتقى من هذه القوة الخالقة، فهو جزء من هذا العمل الذي عُبر عنه بالارتقاء، وعندما يترقى الإنسان من درجة إلى درجة  فإنما هو لأجل هذا القانون.

وقال إن كل شيء في الكون يكيّف نفسه حسب المجتمع الذي حوله وكذلك الإنسان، فإنسان هذا العصر هو وليد ما حوله.

والخير عنده هو تلك الظاهرة التي تأتي في حياة الإنسان على أعلى سلّم الارتقاء، فلذلك يعتبر الرفاهية التي يتمتع بها الإنسان هى من عمل الخير، وإذا كان كذلك فليست لديه حرية فإن أفعاله تابعة لقوانين ثابتة مثل قوانين الطبيعة.

  • وليام جيمز “William James” (1842-1910م)

قال عن ذات الله: إننا جُبرنا على اعتقاده ووجوده على رغم عدم الإثبات لوجوده أو لأى شيء يتصف به، وذلك لأن هذا هو مقتضى فطرتنا وشهادة قلوبنا.

ويعتقد في إله له صلة وثيقة بحياة الإنسان بحيث يكون رفيقا متعاطفا معه، وقال إن الله يشبه الإنسان إلى حد كبير غير أنه أقوى منه بكثير.

وبخصوص ماهية الإنسان لا يختلف قوله عن “سبنسر” وهو أنه يؤمن بعالم التجربة والمشاهدة والذي يخضع لتجربة الإنسان هو الحقيقة، ورأينا عن هذا العالم هو ما علمنا منه بطريق هذه التجارب.

وقال: الشيء الذي يسر الإنسان هو الحقيقة، والذي لا يسره ولا يقضي حاجاته ليس بحقيقة.

ونادى هو ومعاصره “جان ديوي” بمراعاة مصلحة المجتمع مع الحرية الشخصية وذلك في عصر مولع بالديموقراطية، والخير عنده الذي يخدم المجتمع بكامله، والإنسان ميزان بمفرده للخير أو الشر، فإن عمله ينعكس في المجتمع بكامله، وهو بذلك حر طليق في نظرياته و جهده لنشرها بين الناس، وليست عنده آراء خاصة بالروح ما عدا أن تصورًا لروح غير فانٍ يساعد الإنسان في حياته الخُلقية.

  • برتريندرسل “Bertrand Russel”

الفلسفي البريطاني الذي طبّقت شهرته الآفاق، نذكر سيرته وشيئا من فكره، وذلك من تأليف “ألان وُود” وترجمة وتقديم “سمير عبده”.

ولد اللورد برتراند آرثر وليم رسل في 18 أيار 1872م من عائلة أرستقراطية معروفة، كان من أفرادها اللورد جون رسل الذي كان رئيس وزراء بريطانيا عام 1846م، ووزيرا للخارجية أثناء الحرب في الولايات المتحدة، وقد مات أبوه وهو في الثالثة من عمره فأشرفت جدته على تربيته، وتلقى تعليمه الإبتدائي والثانوي في البيت على أيدي المربيات والمربين الخاصين، وعلى أيديهم أتقن اللغتين الفرنسية والألمانية، وقد دخل جامعة كمبرج وحصل على درجة إمتياز من الصنف الأول بالفلسفة، وأختير زميلا في كليته في خريف عام 1895م، ثم تفرغ لدراسة الفلسفة على نفسه إلى عام 1900م حينما حضر مؤتمر العلوم الرياضية في باريس مع الفريد وايتهد (الذي شغل فيما بعد كرسي الفلسفة في جامعة هارفرد لمدة طويلة).

نشر رسل أول كتبه تحت عنوان الإشتراكية الديموقراطية في ألمانيا، ولكن أول كتبه الهامة التي أعلت من شأنه كان كتاب “أصول الرياضيات” وذلك عام 1903م، وشرع بعدئذ هو وصديقه “وايتهد” يتوسعان في دراسة المنطق الرياضي، وصدر لهما المجلد الأول من كتابهما المشترك مبادئ الرياضيات عام 1912م، وفي خلال عام 1907م أخفق في نضاله في الانتخاب الفرعي الذي أجرى في ويمبلدون مرشحا عن الاتحاد القومي لجمعيات النساء المطالبة بحق الانتخاب.

وبعد نشوب الحرب العالمية الأولى كان له نشاط ظاهر في حركة مقاومة التجنيد الإجباري، وحكم عليه بغرامة قدرها مائة جنيه لأنه أصدر نشرة وصف فيها حالة معارض حي الضمير، وفي عام 1918م جرت محاكمته ثانية لنشره مقالا يحبذ السلم ويشهر بالحكومة البريطانية والجيش الأمريكي، فأرسل إلى السجن وتم توقيفه لمدة ستة أشهر وضع في أثنائها كتابه الموسوم “مدخل إلى فلسفة الرياضة”، وخلال زياراته لروسيا والصين والولايات المتحدة ألف عدة كتب مثل “الممارسة والنظرية البلشفية”،  و “أبجدية الذرة وأبجدية النسبية” و “تحليل المادة” (1927)،  و “موجز في الفلسفة” (1927)، و “الزواج والأخلاق” (1929)، وفي عام 1927م أسس بالتعاون من زوجته الثانية مدرسة تقدمية في “بيكن هل” بالقرب من “بيتر سفيلد”، وهناك وضع نظرياته في التربية موضع التنفيذ.

اعتمد رسل على المنطق في معالجة القضايا وفي نظرته إلى الإنسان والكون المحيط به، لهذا فإن رسل يرفض تصنيف نظرته إلى الحياة تحت (المذهب المثالي) أو (المذهب الواقعي)، ويفضل استعمال عبارة (المذهب الذري المنطقي) ذلك لأن إنتاجه يتميز باستعمال الوضعية المنطقية، واعتقاده أن هذه الطريقة توصلنا إلى (حقائق ذرية) نهائية تكون مستقلة منطقيا الواحدة عن الأخرى ومستقلة عن معرفتنا لها بصورة جازمة.

والفلاسفة –فيما يقول رسل- إنما هم أولئك الأفراد الذين تتركز في مذاهبهم تلك الأفكار المهمة التي ظلت غامضة مستترة في الوسط الاجتماعي المحيط بهم، فهم القلم الفعالة لتلك المعتقدات التي سوف تجئ فتشكل الحياة الاجتماعية في العصور التالية لهم، ولكنهم في الوقت نفسه ثمرة لما أختلف على مجتمعاتهم من ظروف سياسية وأحوال إجتماعية وتيارات فكرية.

فالفلسفة إذن ينبغي أن تعلم الإنسان كيف يعيش بدون اللجوء إلى اليقين الأعمى أو التردد المشل للحركة، وقد يبدو للقارئ أن “رسل” غالبا ما غيّر آراءه الفلسفية، بيد أن تناوله للفلسفة كان على قدر كبير من الثبات، إذ كان هدفه دائما أن يحاول التماس مبررات عقلية للاعتقادات المقبولة سواء أكان ذلك في مجال الرياضة والعلم الطبيعي أم في مجال الذوق الفطري. وعن هذا الطريق وكذلك عن طريق ما في أسلوبه الأدبي من قوة ورشاقة، ظل “رسل” في أعلى المراتب من التقاليد التجريبية البريطانية، تلك التقاليد التي جرى عليها “هوبز” و “لوك” و “باركلي” و “هيوم” و “مل”، فإن “رسل” هو مثلها البارز في القرن العشرين.

إن الرياضي برتراندرسل باشتغاله بالفلسفة أعاد لها جوهرها الأصيل، الذي بدأت به منذ أول عصور الفكر الإنساني الناضج، وكان يعتقد أن القضايا التي يثيرها الإنسان المفكر لا يستطيع العلم الإجابة عليها، كما أن الدين قد أصبح عاجزا عن إقناع الإنسان بالحلول التي كان يقدمها في القرون الماضية، وأن ما يعمله الناس تحت ظروف معينة إنما يتوقف إلى حد كبير على عاداتهم، وأن العادة لا تكتسب بغير النظام، وإن غالبيتنا يقضون حياتهم دون أن يسرقوا، ولكن قرونا متعددة من النظام البوليسي قد سببت هذا الامتناع الذي يبدو الآن طبيعيا، فإذا لم يتعلم الأطفال شيئا عن الآداب فسيتخاطفون طعام بعضهم بعضا، وبهذا يفوز كبارهم بأحسنه. أما في محيط الشئون الدولية فإن العالم لن يعود إلى حالة محتملة باستطالة عهد الفوضى بين الدول، بل بتحكيم القانون الدولي الذي لن تقوم له قائمة ما لم تسنده قوة دولية.

وقد سار في فلسفته على طريقة الشك كما سار ديكارت، أى أنه يشك في جميع القضايا والأحكام التي تؤلف المعرفة الإنسانية، ولم يقتصر شكه على الأحكام المنطقية بل تناول المعارف القبلية أى البديهيات، وليس معنى ذلك عدم الإيمان المطلق بالأحكام، وإنما المقصود بالشك وضع جميع المعارف تحت أشعة النقد والنظر فيها من جديد، فما ثبت منها للنقد قبله وما لم يثبت رفضه. ويرى أن هذه الطريقة أجدى الطرق في تصفية المعارف مما علق بها من أخطاء ألبسها الزمن ثوب اليقين، وهو يعتمد في فلسفته على المنطق الرياضي لأنه في رأيه أصح المقاييس لمعرفة صحة الأحكام من خطئها، على أنه لا يستمسك باليقين في الأحكام لاعتقاده أن الفلسفة عدو الاستمساك المطلق بالعقيدة، ولكن الأحكام تتفاوت في مراتب اليقين، ولو أن الفلسفة كأي علم من العلوم تستطيع أن تصل إلى اليقين في جزئياتها، وليس هذا من طبيعة الفلسفة. فالفلسفة –كما كتب- تعني بالكون إجمالا لا بالإنسان وحده، إنما تقوم مكانة الفرد في أنه الآلة التي يمكن بها فهم الكون.

ويؤمن “رسل” إلى حد بعيد بالنظرية التجريبية في المعرفة، فهو يقول أن المعرفة تكون دائما مشكوكا فيها، ولو أن درجة الشك بالحقائق تكون عادة نسبية. فقد تكون نظرية النسبية صحيحة عامة، غير أن المفكر لا يسعه إلا أن يتوقع أن تتوصل التجارب في المستقبل إلى نتائج مختلفة تماما.

فمن ظاهر عصرنا الصناعي الحديث ضياع نفوذ السلطات الدينية على أفراد المجتمع ومؤسساته. ففي القرون الوسطى مثلا كانت الكنيسة سلطة دينية تشرف على تطبيق العقائد الكنسية والكتابية.

أما اليوم وقد حل العلم محل الدين كوسيلة بيد السلطات الحاكمة، فإن الأخيرة تفرض على الأفراد فلسفة يقينية واحدة لا تؤمن إلا بحل واحد لمظاهر الطبيعة ومشاكل الوجود والعلاقات بين أفراد المجتمع.

ذلك لأن النظام السياسي وبالتالي النظام الاجتماعي في أي عصر يتأثر بنوع المفاهيم الفلسفية السائدة فيه، كما أن الفلسفة التي تشبع وتنتشر في عصر ما تتأثر بنوع النظام السياسي وظروف التاريخ المحيطة به.

فإذا أخذنا النظرية الذرية الشائعة لرأيناها صحيحة بالمعنى النفعي لأنها تمكننا من إنتاج القنبلة الذرية، ولكن لا يستبعد أبدا أن تظهر في المستقبل نظرية أخرى تقدم لنا تفسيرا أحسن للحقائق المدروسة.

فالنظريات العلمية إذن ليست فرضيات نافعة تفتح لنا الباب للمزيد من البحوث ولا يمكن تقبلها في أي حال من الأحوال على أساس أنها حقائق أزلية ثابتة.

ويرى رسل أن المشكلة التي يستعصي اليوم حلها على الإنسان ليست مشكلة التغلب على قوى الطبيعة وتسخيرها لمنفعة وتأمين محل له في الوجود، لأن القرن العشرين قد قطع شوطاً بعيداً وتقدماً هائلاً في هذا المضمار، بل الأزمة المستعصية هي كيفية الاستفادة من سيطرة الإنسان على الطبيعة.

فازدياد مهارة البشر في استغلال الموارد الطبيعية لا يضمن زيادة في سعادة الجنس البشري أو رفاهيته، إنما على العكس من ذلك قد يؤدي إلى تعاسة للإنسان ودمار أكيد لحضارته، والأزمة جلية اليوم في التطاحن القائم بين النظم الاشتراكية والرأسمالية، ولهذا شدد رسل في السنوات الأخيرة من حياته على مسائل نزع السلاح وتحريم استعمال الأسلحة الذرية، وما النداءات والبيانات والكتب التي أصدرها في بحر السنوات القليلة الماضية قبل وفاته إلا دليلاً راسخاً على مدى أهمية هذا الموضوع لرسل وللجيل الصاعد من أبناء القرن العشرين.

ومن آرائه السياسية أن تطور أزمة الشرق الأوسط يعتبر أمرا خطيرا، فقد توسعت إسرائيل معتمدة على قوة السلاح طيلة فترة تزيد على عشرين عاما، وبعد كل مرحلة من مراحل هذا التوسع كانت إسرائيل تقترح المفاوضات متمشية في هذا مع الدور التقليدي الذي تمارسه الدول الإمبريالية لأنها تريد أن تدعم ما سبق أن أخذته بالعنف من قبل.

واستطرد رسل قائلا أن العدوان الذي ارتكبته إسرائيل يجب أن يدان من حيث أنه لا يحق لأي دولة أن تحتل أراضي أجنبية، ولأن هذا التوسع يكشف إلى أي مدى يمكن للعالم أن يتصدى للعدوان.

وقال أن الكثير من اللاجئين يعانون الآن وضعا غير مستقر وأن مأساة شعب فلسطين تتمثل في أن دولة أجنبية قد أعطيت وطنا لشعب خلق دولة جديدة، وترتب على ذلك أن أصبح مئات الآلاف من العرب بلا مأوى علما أن للاجئين الفلسطينين جميع الحقوق المشروعة في وطنهم، وأن إنكار هذه الحقوق لا يعني سوى استمرار النـزاع.

أما القول بأننا يجب أن نتعاطف مع إسرائيل بسبب ما عاناه اليهود في أوروبا على أيدي النازيين، فإنه لا يشكل سببا فيما أرى لاستمرار المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.

وإن ما تقوم به إسرائيل اليوم لا يمكن أن تغتفر، حيث لا تحكم فحسب على عدد كبير من اللاجئين بالبؤس ولكنها تخضع العرب في الأراضي المحتلة للحكم العسكري، وتحكم على الدول العربية بالاستمرار في التخلف حين تصبح للاحتياجات العسكرية الأسبقية على احتياجات التنمية القومية.

وقال رسل في ختام رسالته أن أول خطوة نحو تسوية النزاع في الشرق الأوسط يجب أن تعتمد على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلها في 5 حزيران 1967م، ونحن في حاجة ماسة إلى حملة عالمية حتى تتحقق العدالة لشعوب الشرق الأوسط التي عانت طويلاً.

إن فيلسوفا استطاع أن يدرك مكان الصواب من الضلال في قضية فلسطين، والرسالة التي أوردنا مقاطع منها تبين دفاعه عن حق واضح ينكره البعض لأنه مضلل وينكره البعض الآخر لأنه يعتمد تحويل عينيه عن النور.

وبالفكر الوضاء استطاع أن يقول في الدفاع عن حقوق العرب في فلسطين ما يعجز الكثيرون من العرب أنفسهم، أصحاب الحق الشرعي، عن قوله وتبيانه.

بحجة الفلسفة استطاع رسل أن يدافع وأن يجعل قضية السلام هدفه الأكبر خلال آخر سنوات حياته، وأدرك أن كل الغايات الشريفة والأهداف الرفيعة الإنسانية لا تتحقق إلا في ظل السلام المستتب، وأن الحرب حالة بدائية همجية يتعين على البشرية أن تمحوها من فكرها.

ونذكر في الأخير أسماء بعض الفلاسفة الذين لم نستطع أن نحيط بأفكارهم غير أنهم ينتمون إلى مدرسة فكرية سبق ذكرها عند الحديث عن بعض معاصريهم وسابقيهم:

  • تهامس هوبز “Thomas Hobbes” (1588-1679م)

يقف بين العقل وإملاءات الدين ولكن يؤمن بالله.

  • رتشارد كمبر ليند “Richard Cumberland” (1631-1718م)

أول من قدم نظرية مصلحة المجتمع التي بها يُعرف الخير والشر.

  • جون فيتشي “Johanne Fichte” (1762-1814م)

يشارك “كانت” في الإيمان بالله كضرورة خلقية.

  • جرمي بينتهم “Germy Bentham” (1784-1832م)

يوافق ” كمبرليند” في نظرية مصلحة المجتمع.

  • جوزف شيلنج “Joseph Schelling” (1775-1854م)

يقول بوحدة الوجود بخصوص ذات الله.

  • سر وليام هملتن “Sir William Hamilton” (1788-1856م)

يقول أن معرفة الله من الأشياء الغير ممكنة وليؤمن بالله من شاء.

  • آغست كومت “Auguste Comte” (1798-1857م)

يقول إذا نضج عقل الإنسان يترك البحث عن الله ويبدأ يبحث عن الصلة بين الحوادث.

  • جان ستوارت مِل “John Stuart Mill” (1806-1873م)

يقول كما أن هناك تناسقا في الكون يجب أن يكون هذا التناسق في الإنسان أيضا.

  • تامس هِل غرين “Thomas Hill Green” (1836-1882م)

يقول بحرية الإرادة لدى الإنسان وكونه مسئولا عن أعماله.

  • هرمن لوزي “Herman Lotze” (1817-1881م)

يعتقد في بقاء الروح وضرورة الجزاء يوم القيامة.

  • بَرَيدلي “H. Bradley” (1846-1926م)

يخالف إسبنسر فيقول أنه بالإمكان معرفة اللامحدود بطريق العقل.

  • هنري برغسان (ف 1941م)

معاصر لِـوِليام جيمز، ويميل إلى نظرية النشوء والإرتقاء.

  • جان دِيوي “John Dewey” (1859-1952م)

يقول أن الإنسان لجأ إلى معرفة الحكمة من وراء خلق هذا الكون لأنه وجده مليئا بالشر فأراد أن يكون في مأمن منه.

الفصل السادس

خلاصة عن فلسفة الغرب

لابد للباحث أن يعود إلى فلاسفة الإغريق إذا أراد أن يبحث عن مصادر فلسفة الغرب، فإن فلاسفة القرون الخمسة الأخيرة من عصرنا هذا لم يأتوا بجديد بل إنما ألبسوا فلسفة الإغريق لباسا مزركشا يسر الناظرين.

إن أهل اليونان اعتقدوا في آلهة تمثلها مظاهر الفلك، وهم بذلك لم يختلفوا عن أهل روما أو سكان ما بين النهرين (ميسوبوتوميا)، غير أنهم قدموا عباقرة من الفلاسفة مثل سقراط وأرسطو (أرسطاطاليس) وأفلاطون وكثير غيرهم، وكادت أفكارهم في طي النسيان لولا أن نقلها المسلمون إلى العربية في أيام مجدهم وعزهم في الأندلس وغير الأندلس حتى تناقلتها أيدي الغرب من جديد، فصارت لهم مادة خصبة يحولونها إلى نظريات تدرس وأفكار تبحث وسياسة يتبناها الملوك والحكام.

يعتبر ابن رشد (1126-1198م) أكبر شارح لأرسطو، فقد بنى فكره على أفكار أرسطو حيث قال أن كل شيء يجب أن يوزن بميزان العقل ما عدا العقائد الدينية التي مصدرها هو الوحي والإلهام، وممن تأثر بفكر أرسطو وهو معاصر لابن رشد أيضا، الفلكي الأندلسي نور الدين أبو إسحاق الطروجي الذي أبطل نظرية بطليموس (78-128م) اليوناني، وهو أن جميع الأفلاك تدور حول الأرض أى أن الأرض هي مركز الأفلاك، فجاء بنظرية جديدة وهي أن كل سيارة من السيارات تابعة لفلك من الأفلاك التسعة بحيث أن الفلك التاسع وهو أعظمها وأكبرها، يحرك جميع الأفلاك التي تسير من الشرق إلى الغرب، وأن الفلك الثامن الذي هو أقرب الأفلاك إلى التاسع، أسرعها في سيره، وكلما ابتعد فلك عن الفلك التاسع انخفض سيره، وهو وإن لم يدرك الصواب في نظريته هذه، استطاع على الأقل لأن يبطل نظرية بطليموس بخصوص مركزية الأرض.

ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نلخص كلام الدكتور محمد البهي في كتابه “الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي” حيث ذكر أن قولهم –في العصر الحديث- إن الدين خرافة، مبنى على مذاهب الفلاسفة الماديين في القرن التاسع عشر، وهي كلها مأخوذة من فلسفة اليونان وتتلخص في مذهبين اثنين، وهما المذهب الإسمي (Nominalism)، والمذهب التجريبي (Emperiesm).

ولنأخذ المذهب الإسمي بشيء من التعريف أولاً:

أصحاب هذا المذهب يرون أن العبارات العامة وهي العبارات الدالة على الأنواع والأجناس كعبارة “الوجود” و “الإنسان” و “الحيوان” مثلا ليست إلا ألفاظا فقط، لا تحمل مدلولاتها طابع الواقعية، هي أسماء تستخدم كرسوم للأشياء وخصائصها وليس هناك –خارج التصور الذهني لها- شيء موضوعي حقيقي يشار إليه، وذلك على عكس العبارات الدالة على الأفراد وهي أعلام الأشخاص فإنها تدل على حقائق في الخارج وعلى أمور واقعية يمكن الرجوع إليها بطريق الحواس ويشار إليها على أنها هنا وهناك.

ويرجع هذا الفكر إلى الفيلسوف “أنتيستينيس” (Antisthenes) (444-368 ق م)، وأستاذه السوفسطائي جورجياس (Gorgias)، ويعتبر أكبر ثائر على الدين المتوارث والتقاليد الإغريقية، وقد جدد فكره في القرن الحادي عشر الميلادي روسلينوس فون كومبين (Roscellinus Von Compiegne)،  كما دافع عنه في القرن الرابع عشر ويلهلم فون أوكام (Wilhelm Von Occam) دفاعا حارا وأرجع المعرفة الإنسانية كلها إلى التجربة الحسية أو النفسية وليس إلى ما وراء الطبيعة مما يسمى بالرسالة الإلهية أو الفلسفة الميتافيزيقية…. على معنى أن الوجود المشاهد هو مصدر المعرفة الصحيحة، وكذلك ما تحصله النفس وما يقوم بها عن طريق الاتصال بهذا الوجود المحس مصدر صحيح أيضا للمعرفة، أما ما يتلقاه مما وراء الطبيعة، من ذلك العالم الخفي الذي لا يرى ولا يحس فليس مصدرا للمعرفة وعلى الأقل ليس مصدرا للنوع اليقيني منها.

واستطاع المذهب الإسمي ذلك المذهب الذي يرى في العبارات الدالة على الأنواع والأجناس مجرد رسوم وشعارات، أن يسود بالتدريج ويشق طريقه في القرون التالية للقرن الحادي عشر حتى عصر “عمانوئيل كانت” (1723-1804م)، وذلك بفضل مجهود “أوكام” وحده، وساق “كانت” في كتابه “نقد العقل الخالص” تشبيه (العبارة) مطلقا بورق النقد، وجعل ضمانها (المحسوس) المشاهد، فالعبارة التي ليس لها هذا الضمان المحسوس وهي العبارة الدالة على النوع أو الجنس، تكون في نظره عديمة القيمة، أما العبارة التي تدل على الفرد، وهي كذلك الدالة على الشخص فلها قيمتها واعتبارها، لأن المحسوس المشاهد عندئذ يمكن أن يشير إلى مضمونها وإلى ما تدل عليه.

وقبل أن نستطرد في هذا البحث نشير إلى خلفية فكر “كانت” الفلسفي الألماني الذي بدأ بحثه بالفكر الذي أخذ بمجامع قلبه أن العالم دولة غاب رئيسها فعزم على أن يبحث عن هذا الرئيس الذي أوحد العالم.

أنه درس من سبقه من الفلاسفة واطلع على التصورية التي جاء بها “بركلي”، والمادية التي نادى بها “ديودهيوم” والعقلية التي حام حولها “والتير” والعاطفية التي تميز بها “روسو”.

فإن “بركلي” قضى على الفكر المادي وانتقد “هيوم” قانون العلة والمعلول انتقادا لاذعا، كما أن “والتير” ترك المادة والتصور، ونادى إلى الاعتماد على العقل وحده، أما “روسو” فطرح العقل جانبا ونادى بضرورة الاعتماد على العواطف وحدها.

وأراد “كانت” أن يوفق بين هذه النظريات الأربع بحيث يستطيع أن يوجد وحدة يجمع بينها كلها.

إنه اشتهر بكتبه الثلاثة “نقد العقل الخالص” و “نقد العقل العملي” و “نقد قوة الفصل”.

إنه أنكر الإله في كتابه الأول وأقر به في الكتاب الثاني ووجده في كتابه الثالث، وجده في جمال الفطرة وفي نفس الإنسان.

ونعود إلى المذهب الإسمي فهو في مضمونه بحث من بحوث المنطق، يفرق في دلالة الألفاظ بين ما تدل عليه في الخارج مما يحس وبين ما يبقى متصورا ذهنيا فحسب، وهو يفرق بين الألفاظ الدالة على الأنواع والأجناس من جانب، والأخرى الدالة على الأشخاص من جانب آخر، إذاً لفظ “الله” لا يدل على نوع ولا على جنس ولا على شخص محدد يدرك بالحس لأن مدلول لفظ الجلالة لا يصدق على كثيرين حتى يكون جنساً أو نوعاً.

ثم هو لا يدل على شخص يشار إليه في الحس والمشاهد ويقال عنه: هذا هو الله وأن كان يدل على فرد لا شريك له.

وهو إذاً خارج عن بحث “العبارة” في بحوث المنطق، ولذلك يعقب أصحاب “المذهب الإسمي” فيما يتصل بالله بأن مجال الله هو الإيمان والاعتقاد وليس البحث العقلي الجدلي الإنساني، قال بذلك “أوكام” وقال بذلك “كانت”.

قال: إن الناس يريدون أن يكونوا مبتهجين في هذه الحياة، والعقل السليم في حاجة إلى إله، فلذلك يجب أن يضمنه العقل العملي، وهو بذلك يقيم حدا بين العقل النظري (المنكر للإله) والعقل العملي (النادي بضرورة وجود الإله)، وأحيا “كانت” ذالك الإله بالعقل العملي الذي قتله “العقل النظري”.

وقال أيضاً: إذا ما استطعتم أن تقيموا الدين على أسس علمية، فأقيموه على أسس خلقية لأن ضروراتكم العملية أهم من أقيستكم النظرية.

وقال: إذا كانت هناك حقيقة مطلقة في هذا العالم فإنما هو مسئوليتنا الخلقية أو “حكم ضمائرنا” التي تفرق بين الخير والشر، والحسنة والسيئة، أن ضمير الإنسان ليس شيئا من هندسة العلوم بل إنما هو وجدان محض، أنه ليس من قبيل العقل الخالص بل من قبيل العقل العملي.

الفصل السابع

اليهودية في أوروبا

إذا أردنا أن نعرف تاريخ اليهود في أوروبا، علينا أن نبحث أولا عن يهود إشكنازية.

ومن هم يهود إشكنازية؟

إنهم من أصل تاتاري (تركي) وعرفوا بالخازار (أو الخزر)، واستوطنوا البلاد الواقعة ما بين البحر الأسود وبحر قزوين (أى بلاد القوقاز)، ولم يكن لهم دين ولكن رئيسهم تهود مع جماعته ليبقى في مأمن من مسيحي الشمال ومسلمي الجنوب، وهم الذين هاجروا إلى بولندا وليتوانيا وهنغاريا، ومنهم من هاجر إلى أسبانيا يوم كان يحكمها المسلمون، وقد شاركهم في أسبانيا يهود سفارديم الذين ترجع أصولهم إلى القبائل العشرة من أولاد يعقوب (ما عدا يهودا ولاوى)، واللذين أطلقوا على أنفسهم إسم (الإسرائيليين).

وقد ناسب الإشكنازيين – وأصولهم غير إسرائيلية تماما حيث ينحدرون من روسيا – أن ينتحلوا نسبتهم إلى “يهودا” أى إلى القبيلتين المفقودتين من أولاد يعقوب عليه السلام.

وبعد سقوط غرناطة عام 1492م هاجر معظمهم إلى دول شرق أوروبا وغربها،  واستقروا هنالك إلى أن صار لبعضهم مثل روتشليد وأبناءه الخمسة مكانة مرموقة في الإقتصاد والسيطرة على روافد المال، والذي حدا هتلر إلى كرههم هو هذا النفوذ الذي أحكموه في دول أوروبا، وكان غزوه لبولندا بابا لغزو روسيا حيث يوجد لهم نفوذ أكثر، وصارت المجازر التي ارتكبها في حقهم حافزا أكبر لهجرتهم إلى فلسطين.

ولا بأس أن نذكر هنا تاريخ اليهود في بريطانيا خاصة، فإن له صلة باليهود في أوروبا عموما، اليهود سبقوا المسلمين في القدوم إلى بريطانيا بثلاثمائة سنة تقريبا في التاريخ الحديث، غير أن أقدم تواجدهم كان في القرن الحادي عشر عندما وفدوا مع الغزاة الفرنسيين (نارمون) عام 1066م، وتوطنوا فيها، وقد برعوا في مهنة واحدة ألا وهي إقراض المال، لأن الأعمال الأخرى مثل الفلاحة والتجارة وغيرها كانت موصدة عليهم.

اشتهر عنهم عام 1144م قصة صلب ولد مسيحي في عيد الفصح ليمزجوا الخبز الذي لم يخمر بعد بدمه بمناسبة عيدهم كذلك، وهذا مما جلب لهم سمعة سيئة في أوروبا كلها واحتقارا ملموسا في وجوه القوم، وتقييدا في حريتهم حتى أن قانون وثيقة الحقوق (ميغنا كارتا) الصادر عام 1215م شمل مادتين عن اليهود ومنعهم الملك ايدوارد الثاني عام 1275م من مزاولة مهنة إقراض المال غير أن نقضهم لهذا القانون سريا أدى إلى طردهم جميعا من إنجلترا عام 1290م، وكان عددهم آنذاك ثلاثة آلاف شخص.

وقدم إليها حوالى أربعين عائلة من الأندلس وذلك بعد سقوط غرناطة عام 1492م، وإنما سمح لهم بالقدوم لأنهم تنصروا في الظاهر، وكانوا يلقبون بـ(Marranos) ميرنوس (أى الخنـزير بالأسبانية) غير أنهم كانوا يزاولون الطقوس اليهودية سرا.

لم يتمكنوا من العودة إليها إلا في عهد كرامويل الذي أطاح بالملكية، وسمح لليهود بالعودة عام 1656م، ويرجع الفضل في ذلك إلى الربي (الكاهن) منساح بن إسرائيل الذي جاء من هولندا وقابل كرامويل وذكر له في خطابه عن براءة اليهود من فدية قتل الصبي، وعن عدم إجبار أحد على قبول اليهودية إلا إذا كان ذلك عن طواعية منه.

إن يهود هولندا كانوا من السفارديم (أى الذين هاجروا من أسبانيا وبرتغال)، وأقاموا أول معبد لهم في لندن عام 1657م، ولحقهم الإشكنازيون (اليهود القادمون من دول أوروبا ومن روسيا بالذات) بإقامة معبد لهم عام 1690م، وفي عام 1714م صار لواحد منهم حق المواطنة إذا مر عليه ثلاث سنوات غير أنه كان ملزما لقسم الولاء مع حضور طقوس مسيحية تتعلق بالعشاء الرباني، ولم يدم هذا القانون طويلا فألغاه حكومة دوق نيو كاسل بعد مضى ثمانية أشهر فقط.

أنشأ اليهود عام 1836م هيئة لليهود البريطانيين للحصول على حقوقهم السياسية والمدنية وللدفاع عن حقوقهم حيثما وجدوا في العالم، وأشيع عنهم عام 1840م خبر مقتل قسيس مسيحي في دمشق مما أدى إلى سجن عدد من اليهود في الشام، فذهب أحد أعلامهم وهو السيد موسى “مانتي فير” إلى الإسكندرية حيث قابل السيد محمد على باشا، واستطاع بلباقته انتزاع أمر منه بإطلاق سراح جميع اليهود، وقد أكرم الرجل من قبل الحكومة الإنجليزية بعد عودته من مصر.

ومنذ عام 1830م بدأت محاولاتهم الجادة لدخول البرلمان حيث أن أكبر عائق لهم كان قسم الولاء مع الطقوس المسيحية.

وصدر أول عدد من جريدتهم الشهيرة التي لا تزال تصدر إلى اليوم وهي (جيوئيش كرانيكل) في 12 نوفمبر عام 1841م.

استطاعوا دخول المجالس البلدية عام 1851م، وبقوا يواصلون الجهد للدخول في دار العوام (البرلمان) إلى أن تحق لهم ذلك عام 1857م عندما ألغى قانون قسم الولاء مع حضور طقوس مسيحية، وصار البيرون ليونيل روتشيلد أول عضو لهم في البرلمان، ولحقه السيد داؤد سليمان الذي حاز على منصب محافظ (Lord Mayor) لمدينة لندن أيضا، وأصبح عددهم سبعة بحلول عام 1868م.

وبعد مقتل إليكذاندر إمبراطور روسيا عام 1881م صارت هنالك موجة من تعذيب اليهود واضطهادهم، فبدأت أعداد كبيرة منهم تهاجر إلى الغرب وإلى أمريكا خاصة حتى هاجر ثلاثة ملايين منهم إلى عام 1914م.

ومنهم من هاجر إلى فلسطين بعد أن فتحت أبوابها لهم من قبل الانتداب البريطاني بعد عام 1917م، واستقبلت بريطانيا مائة ألف منهم إلى عام 1902م، وكانوا يستقرون في شرق لندن أول ما يستقرون وعرفوا بمزاولة مهنة الخياطة وتملك دكاكين الحلاوة.

يكتب عنهم ج ل سلور عام 1903م في تقرير الهيئة الملكية حول هجرة الأجانب:

“اليهود هم قوم مختلفون تماما ولا يريدون الإنسجام مع تقاليدنا ولا توجد لديهم مشاعر الجوار إطلاقا”.

وصدر عام 1905م قانون الأجانب الذي أجاز للمهاجر الأجنبي الإقامة في بريطانيا إذا كان قادرا على كسب معيشته بنفسه، ولم يكن سفيها ولا مجنونا ولا مريضا مرضا مزمنا ولم يكن قد حكم عليه في بلد آخر، إلا إذا كان مضطهدا في بلاده فارا من الأذى فيحق له البقاء في بريطانيا.

وكانت للحركة الصهيونية التي أنشأها ثيودر هرتزل عام 1897م أنشطة ملموسة في بريطانيا، وخاصة بعد ما استقر تشائم وايزمين 1904م في مانشستر كمدرس للعلوم (وأصبح أول رئيس لإسرائيل بعد قيامها عام 1948م)، ومع هجرة يهود أوروبا إلى بريطانيا في بداية القرن العشرين كما ذكرنا آنفا ثم هجرتهم من ألمانيا خاصة منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية أصبح عدد يهود الإشكنازية يزداد يوما بعد يوم حتى فاق عدد يهود سفارديم فكان لهم سبعون معبد في لندن 1984م مقابل عشرة لغيرهم، وبلغ عددهم إلى 353,720 حسب إحصائية عام 1977م.

 أنشأ اليهود عدة جمعيات خيرية في القرن الماضي للتفقد عن اليتامى والأرامل والعجزة والمساكين ولا يزال عددها في ازدياد، ومن الغريب أن هيئة اليهود البريطانيين بحجة أنهم ليسوا قوما بلا وطن، بل لهم حق المواطنة في البلاد التي استقروا فيها، وبقوا –معظمهم- يخالفون دولة إسرائيل وسياستها الهمجية إلى أن قامت حرب يونيو1967م فقلبت الموازين وجعل يهود بريطانيا يتعاطفون مع هذه الدولة بحجة كونها راعية لحقوق اليهود محافظة على دمائهم وأعراضهم.

استوطن كثير منهم في شرق لندن وكلما حسنت أحوالهم المعيشية هاجروا منه إلى أحياء راقية داخل لندن حتى تركوا هذه المنطقة للمهاجرين الجدد من البنغاليين الذين عمروها بعد خمسين سنة أخرى.

وبعد مضي ثلاثمائة وخمسين سنة على تواجدهم في بريطانيا نلاحظ أن هنالك نفوذا كبيرا لهم في الحكم والقضاء والسياسة فكيف تم هذا؟

من المعروف أن معظم اليهود المهاجرين إلى بريطانيا إنما هم من الإشكنازية (أى يهود روسيا وألمانيا وبولندا) وقليل منهم من السفارديم (الذين هاجروا من أسبانيا وبرتغال بعد سقوط غرناطة عام 1492م) فهم من أصل أوروبي، كان من اليسير أن يعاملوا معاملة البيض بدون أن يكونوا عرضة لأي تفرقة عنصرية على أساس من النسل أو اللون، وقد أخذوا على عاتقهم –ماعدا فئة واحدة منهم نتطرق إليها فيما بعد- الإندماج الكامل في المجتمع البريطاني لغة وثقافة، فالتحق أولادهم بمدارس الحكومة يدرسون حسب مناهجها ويتقنون لغة القوم كأهلها ويتزيون بزيهم ويشاركون في احتفالاتهم بل يسمحون لأنفسهم الزواج في غير اليهود بدون نكير عليهم إلا أنهم حافظوا على أشياء تعد جزءا من ثقافة اليهود، ألا وهي حرصهم على توفير الذبيحة حسب تعاليم التوراة (كوشر) وعدم المساس بلحم الخنزير وعقد الأنكحة في معابدهم التي تفرق بين مقاعد الرجال ومقاعد النساء، كما أنهم أقاموا لأنفسهم محاكم دينية تسمى “بيت دين” للفصل في قضايا مالية أو قضايا الطلاق إذا رفعت إليهم من قبل الطرفين المتنازعين وقليل ما هم حيث أن الأكثرية تلجأ إلى المحاكم البريطانية، إنهم نظموا أنفسهم وذالك بإنشاء هيئة لأحبار اليهود حيث وكل إليهم النظر في القضايا التي تهم اليهود محليا وعالميا كما سبقت الإشارة إليه.

لم تمنعهم الطقوس الدينية أو الحرمات المقدسة من الإندماج في المجتمع البريطاني، فصار لهم قبول في جميع الأوساط وترحيب شامل من كل الأحزاب مع أن قائمة الحلال والحرام لديهم أكثر تعقيدا وأوسع مطلبا مما لدى المسلمين، إنهم لم يبالوا بالربا مع أنه حرم عليهم حرمته لدى المسلمين بل عرفوا بالمرابين حتى صارت بأيديهم كثير من المنشآت المصرفية، ولم يبالوا بالمظاهر التي عرف بها اليهود من إطلاق اللحى وإرخاء الذيول للنساء أو تجنب الاختلاط بين الجنسين.

وليس غريبا أن يجدوا تعاطفا ملحوظا من قبل الكنيسة الإنجليزية التي استقلت عن البابوية في روما لأجل عقائدهم البروتستانتية، والتي تعاطفت مع اليهود في أكبر قضية لهم وهي إقامة دولة يهودية في قلب فلسطين.

إنهم أدخلوا اللغة الإنجليزية في مراسيمهم التعبدية يوم السبت منذ عام 1841م فلم تعد هناك مشكلة لغوية لديهم من ناحية لغة التخاطب داخل المعبد، ويمكن أي يقال أن نموذج اليهود هو الإندماج الكامل في المجتمع الإنجليزي مع المحافظة على تقاليدهم الرئيسية دون المظاهر أو الشكليات، فلم يعد هناك أية معضلة يهودية، أما يهود (حيسيديم) وهم جزء من الإشكنازية المحافظين على ثقافتهم وزيهم وطقوسهم الخاصة بالسبت فهم فئة قليلة جدا، وقد سكنوا منطقة (ستيم فوردهل) في شمال لندن، ولديهم نظرة متعالية إلى سائر اليهود الذين ينظرون إليهم نظرة استخفاف لأجل تمسكهم الشديد بأزياء كانت خاصة بالرهبان فجعلوها عامة للشيبة والولدان.

أما تودد بريطانيا العظمى إلى اليهود فإنما كان وراءه أعضاء يهود وغيرهم من الماسونية –الحركة التي أنشأها اليهود لإستمالة غير اليهود إلى خططهم –وقد تلقوا مثل هذه المساندة في عصبة الأمم آنذاك حيث وافق هواهم الماسونيون من فرنسا وأمريكا وغيرهما من بلاد العالم.

ولا يخفى على دارس التاريخ ما كان للماسونيين من تأثير بليغ في اقتصاد هذه البلاد وفي مبيعات صفقات الأسلحة خاصة.

ومن الجدير بالذكر أن معظم السفارديم عارضوا فكرة إقامة إسرائيل بحجة أن جلاءهم تم من الأرض المقدسة كعقاب إلهي ولا يمكنهم العودة إليها إلا بعد أن تقبل توبتهم.

ويهود سفارديم –كما قلنا آنفا- أقل عددا من يهود إشكنازية، فقد جاء في تقرير قدم إلى المؤتمر العالمي الثاني لسفارديم في نيويورك عام 1954م أن عدد اليهود في العالم هو 11,763,490 نسمة، ومن بينهم عدد يهود سفارديم هو 1,744,883 (أى 15% فقط)، ولا يسكن منهم في أرض أوروبا والغرب عموما إلا اثنان وخمسون ألف شخص.

ولكن لماذا هذه المساندة القوية لهم من قبل مسيحي أوروبا وأمريكا؟

والجواب أن هذه المساندة جاءت من دول مسيحية بروتستانتية مثل بريطانيا وأمريكا، لأنها تعتقد في قيام دولة المسيح الكبرى بعد نزوله قبل يوم القيامة ولا يمكن أن ينزل المسيح إلا إذا تحققت الشروط الثلاثة الآتية:

  • تحقيق دولة إسرائيل في أرض فلسطين (وقد تحقق ذلك)
  • تحقيق كون مدينة القدس عاصمة لإسرائيل (وقد تحقق ذلك)
  • تحقيق بناء الهيكل من جديد

فما عليهم إلا أن يستمروا في مساندة اليهود حتى يتحقق الشرط الأخير أيضا لأنه بذلك تمهد السبيل إلى الهدف الذي ينشدونه.

الفصل الثامن

نظرة عامة على القرون الخمسة الأخيرة من تاريخ أوروبا

نلخص فيما يلي أفكار “إستيوبروس” في كتابه “الديانة في العالم الحديث من كاتدرائية إلى طائفة”.

التقديم:

هذه الفترة التي نريد أن نتحدث عنها تبدأ من عام 1517م عام حركة الإصلاح والتجديد في أوروبا عندما قام “مارتن لوثر” بتعليق تسعين خطابا، كلها انتقادات وشكاوى، على باب كيتدرائية “وتن برك”.

هذه هي بداية الحركة!

ولنتراجع إلى الوراء لننظر كيف ألغت اليهودية تصورات للآلهة المتعددة لدى المصريين وسكان مابين النهرين (دجلة والفرات) بالعراق، فإنها قضت على الآلهة التي تتكون منها الأفلاك، وتعدت إلى اعتقاد وجود إله خارجا عن الأفلاك، وأدخلت بذالك مفاهيم عقلية للوصول إلى خالق الأفلاك، وفتحت آفاقا خارج الطبيعة، ولم تكن المسيحية إلا امتدادا للفكر اليهودي، غير أن سقوطها إلى حضيض بيع أنواع من الكفارات لمحو الذنوب أفقدت لها مصداقيتها، وفتحت الباب على مصراعيه لحركة البروتستانت العقلية الراديكالية.

هذا ما كان من معتقدات دينية، وإذا رجعت إلى تفقد النظام الاقتصادي وجدت ارتقاءً من الفردية إلى الإجتماعية، فبينما كان اليونانيون عرفوا بالكسل لأنهم تركوا العمل إما للعبيد أو لفقرائهم، وكانوا مكتفين بما يكفل لهم الطعام،  فإذا صادوا خنـزيرا لأول يوم من الأسبوع جلسوا عاطلين بقية أيام الأسبوع، كما أنهم لم يفكروا في إحداث تجديد في طرق الصيد أو تخزين الثروة، وغاية ما كان لديهم من ثروات هي مما تأتي بها السفن إما بالتجارة وإما بالقرصنة.

وقد ساعد مناخ أوروبا على ترسيخ قواعد الرأسمالية، فإن هذه القارة تحتضن في أجواءها مصادر للثروة ولكن ليس إلى حد يجعل الناس مستغنين عن العمل.

أ-التجديد:

وقد رأى “مارتن لوثر” أن كل شخص بمقدوره أن يخدم الله تعالى مباشرة بدون أن يلجأ إلى وسيط يخلصه من الذنوب مقابل مال يقدمه إليه، وقال أنه ليس هناك فرق بين أخوين أحدهما قسيس والآخر عامل، فإنه ليس بحاجة إلى أخيه القسيس للتقرب إلى الله.

وظهر هناك من الإصلاحيين مثل (ميثيوباركنس) من تزود بالأعمال والمظاهر التي لا تناسب الألوهية مثل التعامل بالربا وإظهار الخيلاء بطريق الثياب الفاخرة والأعلام المزركشة ومراسيم تليدة.

وتمضخت عن هذه الحركة حركات متعددة منها حركة (المطهرين:Puritons  ) وتجد كل واحد من أتباعها يحتفظ بمفكرة يدوّن فيها كل يوم ما قام به من عمل نافع.

إن حركة مارتن لوثر ويشاركه معه “جون كولون” و “زونجلي” ينـدد بالطـمع والحرص لجمـع المال، ورأوا –كما عبر عنه “جون كولون”- أن مصير كل شخص إما في الجنة وإما في السعير، معروف لدى الله كما يملى به عقيدة القدر، غير أنهم جعلوا فلاح الشخص في الدنيا علامة على كونه من الفرقة الناجية، لأن شجرة الزقوم –مثلا- لا تنبت ثمارا صالحة للأكل، إنهم جاءوا بفكرة الزهد، ولكن إنما هو الزهد الدنيوي بالأصح.

جاءت حركة البروتستانت بتفسير جديد حسب مفاهيم علمية لكثير من النصوص، واصبحت عرضة للتعددية لعدم وجود المركزية، بينما بقى الكاثوليك متمركزين حول سلطة البابا الأول الذي استمد سلطته الروحية من السيد المسيح.

وإذا كانت حركة “البروتستانت” فتحت آفاقا جديدة أمام كل شخص للتعقل وتقبل العلوم والتفكر على أسس علمية، جعلت كل شخص مسئولاً عن حياته وعمله أيضاً.

ب- زوال الكنيسة:

كان الناس قبل حركة الإصلاح يحتاجون إلى مباركة من قبل القسيس في كل شيء، الصياد إذا أراد الصيد، صاحب النزل إذا اقتنى نزلا، الآكل إذا جلس على مائدة الطعام، لابس السلاح إذا أمسك بالسيف، المرأة إذا ولدت ثم إذا تطهرت بعد شهر من الولادة، وكان عليهم أن يدفعوا إلى الكنيسة لغفران ذنوبهم وتطهير جنانهم، ولم تكن هناك عضوية في الكنيسة، فالكل يقصد الكنيسة سواء فهم الترانيم التي تلقى باللاتينية أم لم يفهمها، ولما جاءت حركة الإصلاح وانقلبت الكنيسة إلى عدة كنائس فتح باب العضوية في الكنيسة على اختلاف نحلها واتجاهاتها، وبقى خارج الكنيسة من لا يؤمن بهذا أو ذاك، وفتح بذلك باب العلمانية ولوحظ بعد ذلك إنحسار في رواد الكنيسة وقلة في عدد القساوسة.

ولننظر على سبيل المثال إلى الجدول الآتي:

رواد الكنيسة الإنجليزية:

عام 1850 : 27%

عام 1900م : 26%

عام 1990م : 14 % إلى 7%

 رواد الكنيسة يوم الأحد لعام 1980م:

في أسكتلندا: 17%

في ويلز : 13%

في إنجلترا: 9%

 رواد الكنيسة في لندن الكبرى:

عام 1887 : 13%

عام 1903: 11%

عام 1979: 4%

رواد من الكاثوليك يوم الأحد:

عام 1900 : 48%

عام1990: 33%

عدد القساوسة في كنيسة انجلترا:

عام 1900: عشرون ألف

عام 1984: عشرة آلاف                   

عدد قساوسة كاثوليك في فرنسا:

عام 1948: ثلاثة وأربعون ألف

عام 1987: ثمانية وعشرون ألف

ج- التجديد وأثره على الأسرة:

كانت الكنيسة بمثابة ثورة للمجتمع كله، وبقيت هذه الحالة إلى القرن التاسع عشر في مدرسة للأولاد تحت معلم واحد وهو القسيس ومحكمة إلهية تعاقب المذنبين (الإقراض بالرّبا كان ذنبا يخضع لمحاكمة في الكنيسة في القرن الرابع عشر) وهي ترعى الفقراء بتبرعات تردُ إلى الكنيسة، أو لغرامات تدفعها المذنبون مثل مرتكبي الزنا قبل الزواج، وهي كانت تحتفظ لسجلات الولادة والأموات، وكانت مصدرالتبريك حتى لدى كل ملك يعتلي العرش وكانت تشرق على مستشفيات لعلاج المرضى، وانقلبت هذه الأدوار شيئا فشيئا!!

إنها كانت مصدر إنتاج اقتصادي فحلت محلها المعامل والمصانع، وجاءت مدارس رسمية فانتقل التعليم إليها، وصارت مهمة رعاية الفقراء والمحتاجين بيد الدولة، وانتقلت مراسيم الزواج إلى مكاتب تسجيل حكومية، وصارت المباركة بيد صناديق الاقتراع بدل أن تكون بأيدي رجال الدين.

د- النظام الطبقي لدى الكنيسة الإصلاحية (كنيسة إنجلترا خاصة):

الحركات التي نادت بتساوي الناس في الحقوق لم تستطع أن تنال من النظام الطبقي الذي حافظت عليه الكنيسة الإصلاحية، وهي بذلك لم تتميز عن الكاثوليك في شيء.

وهذا هو النظام الهرمي الذي يوجد لدى الكنيسة الإنجليزية:

God

 

الله
Archbishop

 

كبير الأساقفة (يتكلم معه الله)
Bishop الأسقف
Dean الكاهن
Clergy رجال الدين
Lay People عامة الناس

وكما سبق أن قلنا نجمت حركة الإصلاح إلى التعددية في الكنيسة لاعتقادهم أن كل شخص يمكنه أن يصل بنفسه إلى الله، وخاصة الفرق التالية التي خرجت على هذا النظام الطبقي وهي:

Presbyterian-

Methodist-

Congregationalist-

وصلت هذه الفرق إلى عشرين في اسكتلندا وإنجلترا وحدها، كما رسخ العلمانيون والاشتراكيون أقدامهم في سائر أنحاء أوروبا، وخاصة في فرنسا وإيطاليا وأسبانيا بالإضافة إلى المملكة المتحدة.

ونلاحظ في القرن العشرين تغييرات جذرية حصلت في المجتمع، لم يبق هنالك ذلك الترابط الوثيق الذي كان يوجد في مجتمعات صغيرة ملتفة حول الكنيسة في جميع شئون الحياة، وخاصة في الولادة والزواج والوفاة، وجاءت المدنية بمعاملها ومصانعها وشركاتها الكبيرة للتجارة لتقضى على هذا الرباط، وأصبح الناس اليوم غير محكومين بالمجتمع بل تحكمها كاميرات المراقبة، وبقى رؤساء الدول ومنهم رؤساء أمريكا من عهد “لنكون” لا يذكرون الله إلا عادة فقط، وبعد الاختلاط الذي حصل مع الأديان والمذاهب الأخرى لم يكن الله هو الذي يختارنا بل أصبحنا نحن نختار الله.

د- العقلانية

في القرن السابع عشر كنّا نسأل في اسكتلندا: ما هي الغاية القصوى للإنسان؟ أما الآن فلا أحد يسأل هذا السؤال، لأننا لا نتفق على أي جواب، وكانوا يكتبون كلمة “إن شاء الله” بعد إدراج موعد العبادة على لوحة في الكنيسة، أما الآن فقد بقى من العبارة هذه الكلمة وحدها، إن الدين صار في انحسار، لأن العلوم فتحت لنا معارف غيرما كانت تحدثنا به الأناجيل، فإننا علمنا أن الأرض تدور حول الشمس لا العكس، وهي صارت مدورة بعد ما اعتقدوا أنها مسطحة، وعلم أن الأرض أقدم بكثير مما عرف من الأناجيل، ثم جاءت نظرية النشوء والارتقاء لتقضي على كثير من المفاهيم الدينية، وجاءت العلوم بإثبات حتمية السبب والمسبب، فإذا سقطت طائرة مثلا فإنها لا تسقط من أجل إرادة إلهية أو مبدأ خلقي، بل لعطل في الجهاز أو قنبلة مؤقتة أخفيت في بطنها، وعرفنا أن الإنتاج مرهون بالخطط التي يزاولها الإنسان بطرق معينة وبآلات معلومة، فإذا تلفت الزراعة فلابد من أسباب أدت إلى هذا التلف، ومنها الديدان الآكلة للزرع.

وكان الناس يلجأون قديما إلى مراسيم وترانيم لدفع وباء الطاعون، والآن وقد عرفت أسباب هذا الوباء، ينصرفون إلى الوقاية ومكافحة أسبابه، وهكذا الموت والحياة، وصار للأطباء والمستشفيات يد في حياة الرجل أو مماته من تدخل أسباب غير طبيعية، وهي اللجوء إلى الله في مجالات ضيقة مثل الكآبة واليأس وغير ذلك من المجالات النفسية القليلة، وصار الحزن على وفاة عزيز لدينا مسألة شخصية، كان الناس في القرن السادس عشر يتبرعون لأجل الدعاء للأموات ولمن يدعو لهم بعد موتهم، وبعد حركة الإصلاح انتهت هذه المراسيم، وبدأ البروتستانت يوصون بالمال إما لأجل تدريب القساوسة أو للتبشير أو لعمارة الكنائس، ثم آل الأمر إلى التبرع لرعاية الحيوانات أكثر من أي غرض ديني، ومن الممكن أن نقول أننا لم نصبح ملحدين بل بالأصح عقلانيين أو علمانيين، وهكذا صارت معظم المجتمعات الحديثة.

أتذكر مقابلة مع يهودي وكان يتكلم معي في أمور دنيوية بحتة، وقد وضع رجلا واحدة داخل المعبد واقفا لدى الباب، فقد رأى أنه بذلك حقق حضوره بالمعبد لأجل إكمال نصاب العبادة، وهو بذلك لا يزال رجلا متدينا حيث أكمل إجراءات العبادة.

ر- هيكل المذاهب

ذكرنا فيما سبق النظام الهرمي المتبع لدى البروتستانت، وإنما هو تقليد لنظام مشابه لدى الكاثوليك، ولديهم مجلس يناقش أمورا عقدية، فيقوم بالتصحيح إذا كانت هناك حاجة إلى التصحيح، فجاء بإدخال التخفيف من أمر أداء العبادة باللاتينية، ولكنهم حافظوا على هذا النظام الذي يقتضي وجود رجال دين متفرغين للعمل برواتب معلومة، وقد خرج على هذا النظام “وليم آروين” عام 1900م في ايرلندا، فأسس فرقةCoonyties) ) التي تنادي بإلغاء مبدأ قساوسة مرتبين لأن المسيح لم يرد مثل هذه الدعوة. وبدأ “وليم” يبشر بهذا في عامة الناس، وصار له في غضون سبع سنوات ستمائة أتباع، وكان مبشروا هذه النحلة يعتمدون على تبرعات المستمعين وحدها.

ولنأخذ هنا تلك الخلفية التي أدت الكنيسة إلى أن تتوزع إلى فرق، ومنها    إلى طائفة Denomination)) لتكون أكثر تحملا للآخرين وتقبلا لهم.

كانت الكنيسة (Church) لها نفوذ كبير إلى الخاصة والعامة، فكل واحد يحتاج  إليها عند الولادة والوفاة، لأن النجاة كانت مرهونة بها، وكان عليهم أن يلتزموا بجميع المطالبات المالية التي تفرض عليهم الكنيسة، وهذا الذي أدى إلى إستياء وإنكار لدى البعض، فإنهم لم يرضوا بما لدى الكنيسة من الخيلاء والتفاخر والمادية، وما دامت هذه الأفكار بقيت داخل الكنيسة، اعتبرت كنظام مذهبي (Religious Order) إلى أن تتشتد وتستحكم فتبتعد عن الأصل كثيرا فتصبح فرقة (Sect) تحارب من قبل الكنيسة وترمى بالهرطقة، ومعظم هؤلاء الفرق ينتسب إليها الفقراء، وهم يلقون آمالا على عودة المسيح، ومن هذه الفرق ما اشتهرت بالأسماء التالية:-

QUAKERS, SHAKERS, AMISH, HATTERITAS,

SIXTH MONARCHY MEN, BAPIST, LUTHERIAN, PRESBYTARIAN

وقد هاجر كثير من معتنقيها إلى أمريكا بعد ما حاربهم الكاثوليك في أوروبا، وحصل هناك تطور آخر حيث نشأ بين الكنيسة وسيط آخر، وسمى بـالطائفة (Denomination).

فبينما تقف الكنيسة والفرقة على طرفي نقيض لا يعترف أحد بالآخر، ولا يرى الحق إلا معها، صار الوسيط يتحمل الكل ويرى أنه بالإمكان أن يكون مع كل واحد منهما شيء من الحق، ومن هنا جاء الاعتراف بكل الأديان في دستور أمريكا، ولدى “بي بي سي” وجدت سياسة الوسيط المذكور، فلو كان الناس كلهم من أتباع الكنيسة الإنجليزية لكانت كل برامجها الدينية اقتصرت على أناشيد وترانيم حسب هذه الكنيسة، ولكن وجود عدد من المذاهب والنحل أدى إلى اختصاص كل واحد منها بشيء من الوقت-حسب حجمها- على قناة بي بي سي.

وصارت التعددية سمة هذا العصر، وقد أدت إلى نشوء مجموعة طقوس (Cult) داخل هذه الفرق حيث يجوز لكل شخص أن يختار ما يشاء من تعليمات الفرقة.

وكان لزاماً –من جراء هذا التقسيم- أنه برز ظاهرة التخلي عن بعض التعاليم المذهبية أو الضعف في التمسك بها ما دام الحق توزع في المذاهب كلها خلافا للروح المنبعثة من التمسك بتعاليم الفرقة التي لا ترى الحق إلا في جانبها والباطل إلا فيمن يخالفها.

وليس عندنا مثل أكثر واقعية للوضع الحالي السائد في الغرب من تجربة نادرة قامت بها شركة (وول ورث) الشهيرة، فإنها غيرت من طرق بيعها لأنواع من الحلاوة، فبدل أن يخصص لكل نوع من الحلوى سعر خاص به جعلت جميع أنواع الحلاوة في خزانة كبيرة، كل واحد منها في طاق خاص به مع ملقط صغير في كل طاق، فيأتي الزبون فيختار ما يشاء من أنواع الحلاوة ويلتقطها حسب مزاجه ثم يوزن الجميع ميزانا واحدا بسعر واحد.

وهكذا صارت المذاهب والنحل معروضة على الساحة يختار منها الرجل ما يشاء.

خاتمة البحث

 الحمد لله والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلّى الله عليه وسلم.

وبعدُ، فقد أوردنا فيما مضى من الفصول أفكارا و نظريات لأكثر من ثلاثين مفكرا من الفلاسفة ورجال الكهنوت ممن طبّق ذكرهم الآفاق في أوروبا خاصة.

إنهم أبدوا آراءهم في الكون وخالقه، وفي النفس وخواطره، وفي الروح وبقاءها، وتكلموا في المنطق ومقدماته وكلياته، كما تطرقوا إلى الرياضيات ومسائلها، وإلى الطبيعيات وكشوفها، وإلى ما بعد الطبيعة وأسرارها وغموضها.

إن هذه الأفكار كلها في حاجة إلى رد ونقد وإلى معالجة حكيم ومداولة من بصير.

إنه موضوع مستقل طويل الذَيل متشعب الأطراف، فلذلك أردنا أن نشير إلى رؤوس العناوين التي خاض فيها هؤلاء العمالقة من الفلسفة مع إشارة سريعة بسَرد آيات من القرآن تساعد في فهم ذاك الموضوع، فإن العقل يجب أن يستنير بالوحى الإلهي، كما لزم العين أن يستنير بضوء الشمس إذا أرادت الرؤية.

وهاكم بعض هذه العناوين:

  • ذات الجلالة: ((اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)) (البقرة:255)

((قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) (الأحقاف:4)

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)) (الحج:73)

((ُقلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)) (سورة الإخلاص)

  • غاية خلق الإنسان:

((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)) (الذاريات:56-58)

 ((كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)) (الأنبياء:35)

 ((إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا))  (الأحزاب:72)

  •  غاية خلق الكون:

((وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ . لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ)) (الأنبياء:1617)

  •  الخير والشر في النفس:

((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)) (الشمس:710)

  •  مكانة الإنسان في الأرض:

((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)) (البقرة:30)

  •  الإرادة الإنسانية تابعة للإرادة الإلهية:

((وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ))  (التكوير: 29)

((إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى . فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى)) (الليل:510)

  • استشعار محاسبة النفس

((لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)) (القيامة: 12)

  •  حقيقة الروح والنفس

((كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)) (الأنبياء:35)

 ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)) (الإسراء:85)

  •  فناء العالم

((كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)) (الرحمن:2627)

  •  يوم الجزاء هو من أثر رحمة الله على خلقه

((كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)) (الأنعام: 12)

  •  الرسل حجة الله على خلقه

((رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)) (النساء: 165)

  •  ظاهرة العلو في النفس الإنسانية دليل على وجود الخالق

((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ)) (الروم:54)

  • الإسلام هو الفطرة

((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) (الروم:30) 

  • التفكر والتدبر في الكون مطلوب للاهتداء إلى الخالق

((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) (آل عمران:190-191)

 إلى غير ذلك من الآيات التي تدعو إلى التبصر والاستماع والتفكر في الكون وفي النفس الإنسانية.

ونختم هذا البحث ببيت بالأردية لشاعر هندي باكستاني، وهو مولانا ظفر علي خان صاحب جريدة “زميندار”

جو نكته ورون سي حل نـ هوا اور فلسفيون سي كهل ن سكا

وه راز اك كمــلي والي ني حــل كرديا جنـد اشارون مين

“السر الذي لم يصل إلى حله أصحاب النكت، ولا استطاع الفلاسفة أن يصلوا إلى كنهه، قام بحله المدثر في إشارات عدة فحسب”

وبالله التوفيق،،،

مصادر البحث

ذكرنا فيما يلي أسماء الكتب، وأشرنا أمام كل كتاب رقم الفصول التي استفدنا فيها عن هذا الكتاب خاصة.

  • بالعربية
  • الدكتور محمد البهّي، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي        (الفصل السادس)
  • محمد سليمان حسن، دراسات في الفلسفة الأوروبية (الفصل السادس)
  • ألان وود، برتراندرسل:دراسة في تطور فلسفته، ترجمة: سمير عبده            (الفصل الخامس)
  • مسعود الندوي، الاشتراكية والإسلام، تعريب: صهيب حسن عبد الغفار         (الفصل الرابع)
  • د/صهيب حسن، الوسطية بين واجب المواطنة في أوروبا وحفظ الهوية الإسلامية، بحث مقدم إلى المؤتمر الدولي الأول للوسطية، لندن مايو2006م.                                                        (الفصل السابع)
  • بالأردية
  • عبد الرؤوف ملِك، مغرب كي عظيم فلسفي                                          (الفصل الثاني، الفصل الخامس)
  • أمين أحسن إصلاحي، فلسفة كي بنيادي مسائل                                 (الفصل الخامس)
  • برتريندرسل، خارجي دنيا كا علم، ترجمة: خالد مسعود                           (الفصل الخامس)
  • وحيد الدين خان، علم جديد كا جيلنج                                                  (الفصل السادس)
  • صهيب حسن، انكلستان مين إسلام                                                   (الفصل الأول)
  • سيد قاسم محمود، إسلامي انسائيكلوبيديا                                         (الفصل الثاني)
  • محمد حنيف ندوي، عقليات ابن تيمية                                                 (الفصل الثاني)
  • ج-بالإنجليزية
  • Bertrand Russell, History of Western Philosophy                             (الفصل الأول، الثاني، الثالث، الخامس)
  • Steve Bruce, Religion in the Modern World                                     (الفصل الثامن)
  • Kazi Abdul Kadir, A Dictionary of Philosophy                                   (الفصل الثاني، الثالث، الخامس)

1-ذكر القاضي المتقاعد جاويد ابن العلامة محمد إقبال في كتابه عن حياته الخاصة أنه لما كان طالبا في كيمبرج (بريطانيا) شارك في بعض التمثيلات على المسرح، واكتشف أن معظم الممثلين والممثلات كانوا يمارسون الشذوذ الجنسي، فاستغرب مثل هذه الظاهرة في بلد غربي حيث توجد هناك حرية مطلقة للاختلاط بالجنس المخالف، فأخبره أحد المطلعين على الموقف أن فن التمثيلية نشأ وترعرع في اليونان، وكان عندهم هذه العادة أن يكون صاحب الرجل رجل مثله، وصاحبة المرأة إمرأة مثلها، فلذلك نشأت هذه الظاهرة في هذا الفن بالذات. (جاويد اقبال: ابنا كريبان جاك، ص:80).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق