البحوث

الأزمة المالية العالمية (الأسباب والحلّ الإسلامي)

الأزمة المالية العالمية

(الأسباب والحلّ الإسلامي)

الدكتور صهيب حسن

بحث مقدم

للدورة التاسعة عشرة للمجلس – اسطنبول

رجب 1430 هـ / يوليو 2009 م

والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد..

نظراً إلى الكساد العالمي بدأت تظهر هناك أصوات تنادي بالعودة إلى نقود الذهب والفضة كما كانت هي معمولة لآلاف السنين، والسؤال هو: لماذا الرجوع إلى نقود الذهب والفضة بينما تؤدي العملة الورقية  نفس الغرض  الذي كانت تؤديه النقود ؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال نتراجع الماضي لمعرفة تاريخ النقود.

تذكرنا قصة يوسف كيف بيع الفتى في سوق مصر ( فشروه بثمن بخس ً دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ) (يوسف/20)، وهذا الحادث وقع في حدود 1800 سنة قبل الميلاد ،  كما يحدثنا القرآن عن طبيعة اليهود فيقول : ( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤديه إليك إلا ما دمت عليه قائما ) ( آل عمران/ 75)، فإذاً نقود الذهب والفضة كانت هي العملة آنذاك بالاضافة إلى معاملة تبادل السلع بالسلع، وهوما يسمى بـ(بارتر) باللغة الانجليزية وكان به العمل في أكثر المعاملات الاقتصادية في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، ونورد هنا قصة شراء النبي صلى الله عليه وسلم جملاً من ركب كما راوه الدار قطني عن طارق بن عبد الله المحاربي قال : أقبلنا في ركب من الربذة وجنوب الربذة حتى نزلنا قريباً من المدينة ومعنا ظعينة لنا ، فبينما نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان  فسلم فرددنا عليه فقال: من أين القوم؟ فقلنا: من الربذة وجنوب الربذة قال : ومعنا جمل أحمر فقال : تبيعون جملكم هذا؟ فقلنا : نعم قال : بكم ؟ قلنا : بكذا وكذا صاعاً من تمر.

قال: فما استوضعنا شيئاً وقال قد أخذته ، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا فتلاومنا بيننا وقلنا : أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تلومو فقد رأيت وجه رجل ما كان ليخفركم ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه فلما كان العشاء أتانا رجل ، فقال السلام عليكم أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا قال : فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا.

(1) وقد ورد عن عمر رضي الله عنه قوله : هممت أن أجعل الدراهم من جلود الإبل فقيل له إذاً لا بعير فأمسك “.

(2) وقد عرفت النقود السلعية قبل أن يتعامل الناس بالذهب والفضة فكانوا يجعلون بعض السلع المتوفرة لديهم بمثابة النقود فأصحاب السواحل استعملوا الدرر لهذا الغرض ، وأصحاب البلاد الباردة أعطوا الجلود هذه المكانة ،  أما أصحاب البلاد المعتدلة فاتخذوا الأحجار الكريمة والألبسة الفاخرة والناب أو بعض أنواع الأسماك نقوداً سِلعية لديهم ، وقيل أن الناس في اليابان كانوا يستعملون الرز لهذا الغرض، ومن البضائع الأخرى التي اتخذها الناس سلعاً الشاهي في بلاد وسط آسيا والملح في وسط أفريقيا والجلود في أوروبا الشمالية “.

(3)  وذكر عن الامبراطور الرومي جولياس سيزار ( الذي حكم بين  60  إلى 44 ق م )  أن جنوده كانوا يحصلون على رواتبهم في صورة الِملح   بمعني الراتب باللغة الانجليزية “Salary” باللاتينية  ،ومن هنا جاءت كلمة ولماكانت البضائع عرضة للفساد وعويصة النقل من مكانٍ إلى مكانٍ انصرف الناس إلى التعامل بالذهب والفضة ، وقيل إن أول من استحدث النقود الذهبية كان هو الملك كروسيس ملك ليديا الذي حكم ما بين 560 إلى 546 ق م ) .

والنقود التي كانت تستعمل في عصر النبي صلى الله عليه وسلم جاءت من الخارج فالدراهم الفضية كانت ساسانية اتخذت سبيلها إلى العرب بطريق العراق ، أما الدنانير الذهبية فكانت مصدرها الدولة الرومية في غرب الجزيرة ،  وقدّر وزن الدينار الواحد بـ 4.25  غرام من الذهب والدرهم الواحد بـ 2.975 غرام من الفضة في عهد الخليفة عبد الملك ، ومن الجدير بالذكر أن النقد الورقي خاضع للزيادة في الأثمان لأنها هي بنفسها لا تحمل أيَ قيمة  ذاتية له بينما حافظت النقود الذهبية والفضية على قيمتها عبر الدهور والعصور ، ويتضح ذلك بالمثال التالي : ويتمثَل في قيمة الشاة والجمل في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول الصحابي الجليل عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً يشتري به أضحيةً أو شاةً فاشترى شاتين فباع إحداهما بدينارٍ فأتاه بشاةٍ و دينارٍ” .

(4) أي كان من الممكن في عهده صلى الله عليه وسلم شراء شاة بذهب قدره 4.25 غرامٍ ، وهو يعادل 85 جنيهاً استرلينياً في الوقت الحاضر ، وهو معدل قيمة الشاة الواحدة في أيامنا هذه يعرفها كل مسلم ٍ أيام عيد الأضحى عندما يتصدَى لشراءها للأضحية .

   أما الجمل فيمكن أن نصل إلى قيمة الجمل الواحد بهذه الطريقة الحسابية البسيطة : كانت الدية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم  تقدر بثمانمائة دينارٍ ( أي قيمة مائة جمل )  فإذاً كانت قيمة الجمل الواحد ثمانية دنانير أو 34 غرام ذهب .

  وهناك تقدير آخر لقيمة الشاة بالدراهم الفضية وهي عشرة دراهم ( ثلاثون غراماً من الفضة  وذلك في ضوء الحديث الذي ذكرت فيه مقادير زكاة الإبل :

” من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة و يجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرون درهماً ” .

(5) ومن المعلوم أن الدينار الواحد كان يعادل عشرين درهماً فلذلك لم يكن هناك تفاوت بين قيمتيى الدينار والدرهم للشاة الواحدة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم  غير أن التعادل المذكور بين النقدين لم يبق على أصله على مضيّ الازمان ولكن لا ضير ما دام الذهب هو المرادحتى في عصرنا هذا ،

(6) وبالاضافة إلى نقود الذهب والفضة كانت هناك فلوس من معادن أخرى كالنحاس ومن هنا صارت كلمة ” المفلس ” للشخص الفقير أو الذي خسر تجارته حتى صار مديوناً و أعلن عن إفلاسه فكأنه يتعامل بالدينار والذهب سابقاً ثم آل إلى حالة بائسة فلم يملك إلا فلوساً لا قيمة لها.

(7) وردت هذه الكلمة في حديث أبي ذر الغفاري مع أمته ” فأمرها أن تشتري به فلوساً”   أما العملة الورقية فقيل أن أول من استحدثها هم أهل الصين فقد بدأوا سندات ورقية     ( ما بين عام 650 هـ إلى 800 م ) وأدت إلى ظهور عملة ورقية عام 910 م.

(8) وقد رآها ابن بطوطة عند ما زار الصين ما بين عام 1324 م إلى 1355 م  وذكر أن الناس يتعاملون بهذه الأوراق التي تحمل أختاماً ملكية فإذا قدمت أو تمزقت أخذوها إلى دار الضرب فاستبدلوها بالجديد منها ، وقد شاهدها المقريزي عند زيارته لمدينة بغداد العامرة.

(9) وحذا اليابان حذو الصين في طبع العملة الورقية في القرن الرابع عشر ، أما بلاد أوربا فكان للسويد السبق في هذا المجال فأصدروا أول ورقٍ نقدي عام 1661 م ثم تبعها اسكتلندا عام 1695، وأصدر الانجليز أول ورق نقدي في مستعمرتها الهند  عام 1825 م بمدينة “كلكته”.

ولكن كيف استبدلت النقود الذهبية بالورق في أوربا خاصة ، وهذا له تاريخ نذكره بالايجاز: كان الناس في انجلترا يأتون بالذهب إلى الصواغ ليودعوها عندهم وكان الصائغ بدوره يصدر لهم إيصالات بالمبلغ الذي أودع  لديهم، بدأ الناس يتعاملون بهذه الإيصالات بالمبالغ التي تحملها بدل أن يستردوا الذهب من الصواغ ، واكتشف الصواغ أن الناس قلّما يراجعونهم لاسترداد ذهبهم ففكروا  اقراض هذا الذهب على شئ من الربا حتى يزيدوا من ارباحهم،  ورأوا  أنه لا يأتيهم من المودعين إلا عدد قليل لا يزيد على عشرين بالمئة ، إذاً كان بإمكانهم الإحتفاظ  بهذا القدر الاحتياطي من الذهب في خزانتهم وإقراض 80 % الباقي للمقترضين على أقساط ربوية ، ثم رأوا أن الناس  ما داموا يثقون في ايصالاتهم  فلم لا يقرضون الناس بطبع ايصالات ورقية تحمل قدراً معيناً من الذهب بدل إعطاءهم الذهب عينه ،  ولما كان كل إيصالٍ يدعمه الذهب خلفه وثق الناس بهذ المعاملات، ومن هنا جاءت مصطلحات في السوق المالية كالآتي:

محل الثقة credibility:

مقتصد Prudent:

آمن ومحفوظ من الخطر Safe:

   ثم جاء الصواغ  بحيلة شيطانية لصناعة مزيد من المال بدون ٍ أن يكون لديهم رصيد حقيقي من الذهب ، قد يكون لدى الصائغ  مقدار مائة جنيه من الذهب فقط فكان بإمكانه أن يصدر إيصالات بمائة ذهبٍ ولكنه أصدر ايصالات بخمسمائة جنيه أي بزيادة أربعمائة جنيه على ما لديه من الرصيد ،  وهو بهذه الطريقة لا يكتسب أربعمائة جنيه اضافية فحسب بل يربح  عليها عشرة بالمئة من الربا أيضاً ، وأنشأ الصواغ في هذه المرحلة بنوكاً خاصة بهم إما بصفة انفرادية أو مجموعة ، ولكن صار هناك إشكال عند صناعة هذه الأموال الإضافية  يذكرها صاحب ( قضية الفائدة) فيقول:

   ويواجه اصحاب البنوك كثيراً من العقبات العملية أثناء محاولتهم تنمية أعمالهم ، كما سنرى فيما يلي ، وليس أقل هذه العقبات أن البنوك تحسب فائدة حتى على الأموال التي يمكن أن تصنعها . فكيف يمكن أن يأمل المقترضون أن يردوا ويسددوا القروض على تلك الأموال “المصنوعة” علاوة على  رسوم الفائدة؟ ولنتصور معاً مبدئياً أن القيمة الإجمالية للنقد لديهم هي مثلاً  100  مئة جنيه ، فاذا صنع البنك الآن 400 أربع مئة جنيه من عملته ، فسيكون هناك مبلغ إجمالي قدره 500 خمس مئة جنيه.

ولنتصور ايضاً أن مبلغ ( 400 ) الأربعمئة جنيه من العملة البنكية قد تم إقراضها للناس لمدة ثلاث سنوات بمعدل فائدة قيمته 10 % عن كل سنة ، وأصبح المبلغ الذي يجب رده للبنك بعد ثلاث سنوات، مع الفائدة هو 532.40 جنيهاً.

والآن، إذا كان العرض الكلي للنقود الذي تم توفيرها في بداية القرض كانت 500 جنيه فقط،  فمن أين أتى مبلغ 32.40 جنيهاً؟ فبما أن هذا المبلغ لم يكن موجوداً ابتداءً فمن المستحيل رد هذا الجزء من القرض ما لم يتم صنع عملة جديدة أو إنشاؤها بطريقة من الطرق من مكانٍ أو آخر.

ولا يمكن أن يأتي المبلغ المطلوب إلا من مصدرين فقط ، فإما أن يوسع صاحب البنك نقود البنك ، أي : يقرض المزيد من المال للراغبين ، أو أن تزيد الحكومة المال الذي تقدمه ، وإن هذه الحقيقة البسيطة سيكون لها تداعيات وآثار ضخمة على الاقتصاد بانتشار تطبيق العمليات المصرفية لـ: “الاحتياطي الجزئي”.

وإذا لم يتم إنشاء المزيد من العملة أو الأموال الجديدة لن يستطيع المستدينون تسديد قروضهم، وهكذا، فإن إنشاء أموال جديدة سيجنب المستدينين عدم الوفاء بتسديد قروضهم في المواعيد المحددة لهم، وكذلك، فإن استمرار الحياة الاقتصادية لرجال الأعمال والأفراد العاديين في القطاع الخاص سيعتمد أكثر فأكثر على رغبة أصحاب البنوك في تقديم قروض من الأموال الجديدة التي تم َ تصنيعها أو إنشاؤها.

إن عدم سداد الديون القديمة تضع المجتمع في لعبة ما يسمى: “الكراسي الموسيقية”، ولتعريف هذه اللعبة لغير العارفين بها ، فهي لعبة غالباً ما يلعبها الإنجليز، ولنقل إن هناك أحد عشر طفلاً يركضون حول مجموعة من الكراسي المصفوفة التي تبلغ عشرة كراسي أثناء عزف الموسيقى، وعندما تتوقف الموسيقى عن العزف يجب أن يجلس الأطفال على الكراسي الموجودة ، وسيبقى واحد من الأطفال باستمرار دون كرسي يجلس عليه عندما تتوقف الموسيقى عن العزف، وهو الطفل الذي “يخسر” ويخرج من اللعبة ، وهكذا الحال بالنسبة للقروض التي لا يتم تسديدها،  فاذا لم تقترب القروض الجديدة  تصبح القروض القديمة لا يتوقع مجيئها وسدادها، وسيحاول كل شخص تحت هذه الظروف أن يسدد قروضه، إلا أنه لا يمكن إيجاد أموال كافية لهذا الغرض ، ويجب أن يعلن واحدٌ على الأقل إفلاسه ، بحيث “يخرج من اللعبة”. وهكذا تصبح الحياة صراعاً مريراً من المنافسة لتجنب أن يكون الفرد ذلك الشخص الذي يبقى واقفاً دون كرسي عندما تتوقف الموسيقى عن العزف، وستتأثر : سياسات الحكومة، وأعمال رجال الأعمال، والحياة اليومية بشكل عميق ومزعج عام لعامة الناس بسبب هذا الصراع المستمر.

وهنا يأتي تدخل الدولة في محاولة إنقاذ أسوأ المشكلات المالية خلال فترات الانهيار الاقتصادي التي تحدث عند ما تكون كمية القروض الجديدة غير كافية لتسمح بتسديد القروض القديمة، تجد الدولة نفسها مجبرةً على دفع التأمينات الاجتماعية لغير الموظفين والعاملين ، وكذلك تخفيض معدلات الضرائب وغير ذلك ، وأما الأموال اللازمة للدولة لتغطية هذه التكاليف فيمكن أن تصنعها الدولة ذاتها ، أو يمكن أن تستدينها الدولة من البنوك على شكل أموال بنكية.

وأما ” لماذا ترغب الدولة أن تستدين أموالاً صنعتها البنوك وتدفع عليها الفائدة في حين أنها قادرة على صنع أموال حكومية دون فائدة ” ، فهو لغزٌ لم يجد جواباً حتى يومنا هذا ، ومع ذلك ، فهذا ما يحدث في معظم الأوقات وفي معظم بلدان العالم.

نشأة البنوك المركزية للدولة:

    ذكرنا أن الصواغ جعلوا لهم بنوكاً خاصة بهم لحفظ إيداعات الناس وإقراضهم الأموال ،  وفي عام 1694م، احتاج  الملك وليام الثالث إلى مليون ومائتي ألف جنيه لأجل حربه ضد فرنسا، فاجتمع أصحاب هذه البنوك الخاصة ليؤسسوا شركة بنك إنجلترا  ثم صارت له صلاحية إصدار أوراق نقدية بعد صدور قانون بذلك من قبل البرلمان ، أما الولايات المتحدةالأميركية فقد شارك حوالي ستة عشر بنكاً في إنشاء ما يسمى ( الاحتياطي الفيدرالي: عام 1913م وبقيت هذه الهيئة إلى الآن هيئةً خاصةً غيرَ أن الكونغرس منحتها صلاحية FR إصدار ايصالات للمبالغ والتي سُمّيت بدُولارثم تحوّلت إلى أوراق نقدية كذلك، وكأن لها الحق أن يقرض الدائنين بـ 6 % من الربا، ومن العجب العجاب أن كل دولة تصدر أوراقها النقدية بصورة تمثل شيئاً من تلك البلاد نفسها غير الدولار فقد صوَروا عليه الأهرام مع عين راقبة عليها ، والمعنى واضح جداً فإنه تمجيد للفراعنة من جهة ورسالة للعالم بأن أمريكا ترقب الناس من علٍ وهذه هي مهمة الماسونية وليس من الصدفة أن يكون جميع رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية من الماسونية ما عدا الرئيس ابراهيم لنيكون الذي أراد أن يقاوم الماسونيين ( أو الصهاينة بتعبيرآخر) فاغتالوه ليكون عبرةً لمن اعتبر.

كيف ُقضي على العُملة الذهبية:الأزمة المالية العالمية (الأسباب والحلّ الإسلامي) موقع  الأزمة المالية العالمية (الأسباب والحلّ الإسلامي) unnamed

صدر قانون في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1933 م بإلغاء استعمال الذهب والفضة للمعاملات الاقتصادية،  ومن فعل ذلك تعرَض لغرامة قدرها عشرة آلاف دولار ، وفُرض على الشعب إيداع جميع أرصادهم من الذهب لدى ” الاحتياطي الفيدرالي ”  على أن عوّضَ المودع بعشرين دولاراً لكل ” أونصه ” من الذهب، وفي العام التالي بدأ البنك ردَ الذهب إلى أهله ولكن بقيمة 35 دولاراً لكل ” أونصه ” أي بتنزيل قيمة الدولار  إلى  41 %  من قيمته الأصلية.

وخلال الحرب العالمية الثانية اضطرت الحكومة الأمريكية إلى اقتراض من البنك المذكور  على أن تستحصل هذه المبالغ من الشعب بفرض ضرائب عالية عليهم، والحكومة بدورها أقرضت الدول الأوروبية المتحاربة بنسبٍ عالية من الربا على أن يسددوا القروض بصورة  الذَهب الموجود لديهم وهكذا حصلت أمريكا على 80 % من ذخائر الذَهب في العالم ، وفي عام 1944 ، في أعقاب الحرب العالمية الثانية وقَع أربعة وأربعون قطراً على اتفاقية (بريتون ود) الداعية إلى إنشاء (صندوق النقد العالمي IMF) وفرض قانون على كل دولة الغاء استعمال العملة الذهبية وعدم استعمالها بتاتاً.

وصارت بهذه الطريقة قوة هائلة للدولار الأمريكي الذي كانت تسنده ذخائر الذهب وراءه  ولمَا كانت أوروبَا –  في أعقاب الحرب العالمية الثانية – في حاجة إلى اعمار شاملٍ وبناء متين لم تكن لها حيلة إلا أن تقترض، وجاء القرض من” الاحتياطي الفيدرالي “الذي أقرض الحكومة الأمريكية بنسبة 6 % من الربا وهي بدورها أقرضت الدول الأوروبية بنسبة 20 % ، وهكذا صار لأمريكا نفوذ قوي في أوروبَا وكذالك في بقية دول العالم.

دور عائلة روتشيلد في اقتصاد أوروبَا:

شخص فقير تربًى في أحد أحياء فرانكفورت الفقيرة ولكنَه مؤسس لعائلة  ” روتشيلد ”  الشهيرة التي أحكمت قبضتها على اقتصاد أوروبا بحيلها الشيطانية ، ألا وهو مائير أمستثيل روتشيلد(  Mayer  Amschel)، الذي ولد في عام 1744م؛ ومات في 1812 م  ورزق خمسة أبناءٍ ، وهم: أمستثيل مائير ، استقرَ في فرنكفورت ( ف 1855 ) وناثان مائير الذي عاش في لندن (1836) وجيمز مائير الذي جعل من باريس وطناً له ( 1868) وسلمون مائير وكارل مائير (كلاهما في 1855) اللذان كلاهما توطنا في فيَنا (النَمسا)؛ وبرز من أحفاده أنثوني ابن ناثان ( 1858 م) الذي أصبح عضواً في دار العوام في بريطانيا وهو الذي أقرض ” دسرائيلي ” رئيس وزراء بريطانيا أربعة ملايين جنيه لشراء حصص في قناة السويس، ثم ابنه ليونال واترروتشيلد (1937) الذي كان عضواً بدار العوام أيضاً والذي كتب إليه السيد بالفور ، وزير الخارجية البريطانية وعداً بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، والذي عرف بوعد ” بالفور ” ولا يخفى ما كان لهذا اليهودي من نفوذ وسيطرة حتى يعده وزير الإمبراطورية البريطانية بمثل هذا الوعد الخطير ، وكان من حيلهم – إذا نشبت حرب بين دول أوروبَا – أن يقرضوا كل دولة محاربة بطريق أحد الأبناء  الخمسة المستقرين  في خمسة عواصم أوروبية كما فعلوا ذالك في حرب ” واترلو ” الشهيرة ، فإن أحدهم ساعد ” نابليون ” بأموال خطيرة وثانيهم جاء لمساندة الانجليز في بريطانيا ، وقد اكتسبوا أموالاً عظيمةً عقب سقوط نابليون في هذه الحرب وذالك بحيلة وشطارة  ، فإن الناس في بريطانيا لم يبلغهم نبأ إنتصار القائد الانجليزي والنغتن في ” واترلو ” وكانت كل المؤشرات تنبئ عن خسارتهم في الحرب ، فبدأوا يبيعون حصصهم في سوق الحصص بأبخس الأثمان وسافر الإبن المقيم في فرنسا عشية إنتصار الانجليز إلى لندن بسرعة فائقة ليشتري ما استطاع من هذه الحصص قبل أن يعرف الناس عن حقيقة المعركة فترتفع قيمة الحصص ، وهكذا صار فما إن أصبح الصباح حتى فشا خبر انتصار الانجليز في المعركة فارتفعت قيم الحصص حتى بلغت القمة وربح “روتشيلد” أرباحاً خيالية في عشية وضحاها، ولمَا قيل عن الإمبراطورية البريطانية أن الشمس لا تغرُب أبداً على هذه الإمبراطورية  ، قال روتشيلد: إنه هو الذي يحكم على هذه الإمبراطورية ،  وتوجد لهذه العائلة 90% من الحصص في بنك إنجلترا و 53 % منها في ” الاحتياطي الفيدرالي ” بأمريكا، ويقدَر مجموعُ ثروة هذه العائلة بخمسمائة تريليون دولار أقرضوا منها 75 تريليون دولار لأمريكا فكأنها بمثابة قارون في قوم موسى عليه السلام.

وبرزت في أمريكا عائلة أخرى تنافس “روتشيلد” في ثرواتها وهي عائلة”مارجون “J.P.Morgan”، (1913)،وابنه (1943) الَذين أرسا قواعد سكة الحديد في أمريكا، وهكذا صار لليهود نفوذ قويَ في كلٍ من بريطانياوأمريكا،وهم بدورهم ساندوا الصَهاينة في التوطين بفلسطين وتحويلها إلى اسرائيل بقوة الحديد والنار،ولم يكشف عن نواياهم الخبيثة وخُططهم في إفساد اقتصاد أمريكا أحدٌ مثل مافعله “فورد” صاحب أكبرشركة للسيارات في كتابه”يهود العالم” السياسة والاقتصاد يتحالفان لو نظرنا إلى أحداث القرن العشرين والحروب الطاحنة التي وقعت فيها ، وخاصة الحربين العالميتين ، والتي راحت ضحيتَها خمسون مليون شخصٍ، ثم القضاء على الخلافة العثمانية وتقسيم رقعتها إلى عشرات دول صغيرة، وأخيراً إقامة دولة مُعادية للمسلمين في قلب إسرائيل، لما خَفِيَت علينا الأيادي الخفيَة التي كانت وراء هذه المؤامرات لإبادة شعوب وإضعاف قوة المسلمين خاصة حيث شارك في هذه المؤامرات السياسيون الطامحون مع الإقتصاديين الذين بلغ بهم الجشع كل مبلغً ليزيدوا من ثرواتهم ولو على حساب ملايين القتلى والمشرَدين ،  لماذا قتلوا الرئيس ” جان ايف كينيدي ” عام 1963 م ؟ ليس إلا أنَه أراد ألاَ يُصدر دولاراً إلاً ويكون وراءه رصيدٌ من الذّهب! وفي عام 1971 م سحبُوا الذّهب من وراء الدولار، فصار نقداً عائماً لا يُسانده ذهب ٌ، ثم جاوؤا بالعملة الإلكترونية، وأقصد بذلك بطاقات الإئتمان بجميع أنواعها، فلم يبق هناك تعامل بالنقد الورقي بل إنما هو إدراج حكٍ أو زيادةٍ في حسابك بالبنك، ولكن لابست كل معاملة يُجريها شخصٌ بطريق بطاقة الائتمان أمرين خطيرين قلّما ينتبه لهما الناس ُ :

الأمر الأول: لو أجرَيتَ معاملةً بطريق هذه البطاقة في أيّ مكان في العالم صار لصاحب هذه الشركة –  ومصدرها مُرابٍ جالس في نيويورك –  نصيبٌ من هذه المعاملة بدون أن يُحرّك ساكناً أو يُدلي بدلوٍ في تلك المعاملة.

والأمر الثاني : إنك مُراقَب بطريق هذه البطاقة ، فلا يخفى عليهم الآن أين كنتَ عندما أجريتَ هذه المعاملة ، وهذه هي عين الساهرة الراقبة التي تراها على كل ورقة دولار ” !! ومن حيَلِهم الشيطانية التنزيل في قيمة النقد الوَرَقي متى شاوؤا وأين شاوؤا ، وأبسط مثال على ذالك الدينار العراقي ، عُملة  بلد غنّيٍ بثروات النفط ، ولكن جعلوه تافهاً أمام الدولار، وكذلك العُملة الأفغانية التي يحتاج إلى مئات الآلاف منها لشراء وَجبة واحدةٍ ، تَرَى هل كانوا يقدرون على هذا العمل المُهين لو كانت العُملة من الذّهب والفضّةِ نَفسِها  ؟

الأسباب وراء الركود الاقتصادي في العصر الحاضر :

     إن سقوط مؤسسات مالية كبيرة في أمريكا مثل َ ( لهمان برادرز ) وما شابهَهَا في بريطانيا مثل ( ناردرن راك ) وكثيرٍ غيرها في عددٍ من بلدان العالم ، جعل الناس يفكّرون في الأسباب الداعية إلى مثل هذَا الإنهيار ،  إنّهم عرفوا هذه الاسباب ولكنّهم لا يريدون أن يعترفوا بها ، وياليتهم قرأوا ما ذَكرهُ الله الواحد القهّار في كتابه العزيز : ” أفمن أسّسَ بنيانه على تقوى من اللهِ ورضوانٍ خيرٌ أم مَن أسّسَ بنيانه على شفا جُرُف هارٍ فانهَارَ به في نار جهنّم ، والله لا يهدي القومَ الظالمين” (التوبة  / 109).

 وهذا البُنيان المنهار كان مؤسساً أصلاً على النظام الرِبَوي العالمي الذي لم يَدَع صغيراً ولا كبيراً إلّا أحاط به من كل جانبٍ مثل الأخطبوط وفريسته  ، ولهذا النظام ثلاثة مزايا التي تسبّبت في الأزمة الحالية ، وهي – كما ذكره أحد المعاصرين – كما يلي:

 أ – ذلك النظام التمويلي القائم على الربا أصلاً ، والذي يُوَلّد ِ المال بدون أن يكون وراءَه سَنَد حقيقي أو أثاث ثابت ، وإنما هي أرقامٌ من العمليات الحسابية التي لا صلة لها بالمال الحقيقي ومنذ ما عُرفت تجارةُ المشتقّات “Derivatives” وهي صفقات  مستقبلية تخمينية ، وصلت هذه الأموال الوهمية إلى القمّة ، ومنها سقطت بنفسها وأسقطت معها عمالقةً من المؤسسات المالية .

ب – بيع وشراء الدُيون ، وهو أمرٌ زادَ الطّين بَلّةً وساعد في إشعال النّار في الأزمنة الراهنة.

ج – صفقات تجارية تتمّ في البورصةِ ، ومنها ما تُسَمَى بالبيوع العاجلة التي تُزَاول بدون أن يتمّ القبض عليها ، والبيوع الخالية أي البيوع التي تتمُ بدون التملك الحقيقي للبضاعة.

  وهذه الأمور الثلاثة كلها محرّمة في الاسلام فالربا يُعَدُ من الموبقات السَبعُ ولكنه انفرد َ من بينها أن جَعَل الله أصحابَه بمثابة المحاربين لله ورسولِهِ ، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله َ وذرُوا ما بقيَ من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسولِهِ ، وإن تُبتُم فَلَكُم رؤوسُ أموالِكُم ، لا تظلِمونَ ولا تُظلَمُون) (البقرة:278/279).

والإسلام لا يُجِيزُ أيةَ صفقةٍ ماليةٍ بدون أن يكون وراءَه سَنَدٌ حقيقيٌ من المال سواءً كان نقداً أو بضَاعةً ، كما أنه لا يجيزُ بَيعَ أشياءَ ليس في مِلكِ البائع أو تصرّفه ولا يجيزُ كذالكَ  بَيعَ الدُيون ، فإنّها – في نظر الإسلام –  ليست بضاعةً تباع و تُشتَرى لكسب مزيدٍ من الأرباح .

  بيع الخيارات في المستقبل :

وهو أحد الأسباب الرئيسية للأزمة الحالية العالمية ، ولكن ما هو بيع الخيارات في المستقبل؟ جاءت هذه الفكرة من أسواق شيكاغو في القرن التاسع عشر ، وذلك عند ما احتاج أهل أوروبا – مع ازدياد مستمّر في سكانها – إلى مزيد من الأطعمة المتمثلة في الحبوب والزرع والثروة الحيوانية وكانت مزارع شيكاغو أرضاً خصبة لأنواع من الحبوب وتربية المواشي وبالأخص ّ الخنازير مع توفر وسائل النقل مثل  سكة الحديد والبواخر الكبيرة، وكانت البداية ببيع السّلَم حيث يدفَعُ البائع الأوروبي ثمناً مقدّماً لكمّية من البضاعة المذكورة على أن توّفر له بعد ستة أشهرٍ بسعر اليوم الذي تمّت فيه الصفقة وكأن عليه أن يُقدّم جزءاً من القيمة على أن يدفع الباقي يوم يستلم السلعةَ وهو مُعرض للخسارة فيما لو نقص سعر البضاعة كما أنه رابح ولا شك لو زادت قيمتُها ، وهنا يأتي دور بائع الخيارات في المستقبل ،  هذا الرجل الذي يشتري سهماً معيناً من البضاعة بدفع مقدّم بسيط لا يزيد على عُشُرِ البَيع ولمدة قليلة قد لا تتجاوز ثلاثة أشهُرٍ ، فإذا إكتشف أن السَعر قد ارتفَع ، باعَ سَهمَه بربحٍ، فإذا نقص السِعرَخَسِرَ المقدّم الذي دَفعَه، ولتكون الصورة واضحة المعالم نضرب هذا المثال:

لنفترض أن سعر حبّ البُرّ كان مائة دولار لطن واحد ، فيأتي المشتري فيقدّم مبلغ عشرة دولارات على أن يستلم كمية طن واحد من البُرّ بعد ستة أشهُر، وإذا بسعر البُر ارتفع في شهرين قادمين إلى مائة وخمسين دولاراً للطن الواحد وهذا المشتري ( أو المخاطر بماله على أصحّ التعابير ) يُعجّل ببيع صفقته إلى شخصٍ آخَر بدون أن ينتظر  إلى تمام المدة لإستلام البضاعة (لأنه أصلاً ما أرادَ البضاعةَ وانما أراد الربحَ فقط) وهو بهذا البيع ربح خمسين دولاراً في هذه الصفقة أو ربحاً بمقدار خمسمائة بالمئة على مبلغ استثمره مبدئيًاً وهو عشرة دولارات ، والغريب في هذه الصفقة هو أن سعر البضاعة ارتفع  بمقدار خمسين بالمئة فقط ولكن الرجل ربح خمسمائة بالمئة بهذه الطريقة ، بينمَا لو نقص السعر إلى تسعين دولاراً ، خرج الرجل من هذه الصفقة بخفي حُنين لأنَه يَخسَرُ المبلغ الذي دَفعَه مُقَدّماً، ولنفترض لو كانت هذه الصفقة بالملايين وشاركت فيها شركات كبيرة ،  والمبالغ التي دَفَعَتُها كالمقدّم يُعّدُّ بالملايين أيضاً ، فإنها تَخسَرُ هذه الملايين لو نزلتِ الأسعَار، وهذا الذي حدث في سوق العقارات ، فإن البنوك التي دفعت القروض لمشتري المنازل على أقساط ربوية دَفََعتها بالبلايين ، وكان هناك مستثمرون في الدول الأخرى ِمّمن اشتروا هذه الصفقات المركّبة من مُجَمّعّات مئات بل آلاف المنازل ، على أملِ زيادة في الأسعار ، ثم حَدث ما لم يكن في الحُسبان، عجز معظم أصحاب المنازل من دفع الأقساط بينما نزلت أسعَارُ المنازل فخَسِرت البنوك التي دفعت هذه القروض وخَسِرت مجاميع الشركات التي إشتغلت ببيع المخاطرة وأفلست البنوك التي لم تَستَطع الوفاء للمستثمرين في هذه الصفقات، وجاءت الحكومات في كل من أمريكا وبريطانيا بطبع مزيدٍ من الأوراق النقدية لإسعاف هذه البنوك باقراضها مبالغ خيالية و لكنها كانت بمثابة الرجل المريض الذي تلوث دَمُه فأسعفُوه بَدمٍ مُلَوَّثٍ آخَرَ فزادَ الطِين بلَّةً، فانظر كيف اشتملت هذه البيوع على عدّة مُعاملات مُحَرَّمة في الإسلام :

وهي التعامل بالربا وَبَيعُ ما لا يملِكه الرجل والتصرف فيما لا يقبضه، والمقامرة بالمال، وما هذا التعامل ببيع الخيارات في المستقبل إلاّ نوعٌ من المقامرة ، وهكذا حَرّم الله القَمَارَ الذي يَصرف الرجل عن التكسب بجُهدٍ حقيقيً و عَمَلٍ كادِحٍ طمعاً في مالٍ يأتيه بيُسرٍ و سُهُولةٍ على حساب ضرر الآخرين ، وقد اعترف بهذه الحقيقة كاتبٌ غربيٌ وهو ” جوروجلي ” الذي كتب مقالاً في ” فنانشل تايمز” بعد افتتاح اليانصيب الوطني بفترة قصيرةٍ في المملكة المتحدة  عام 1994 م  يقول فيه:

“إن اليانصيب الوطني هو تمويل خيالي أو تخيلي… إنه ضريبة يلزم بدفعها الفقراء ، ويسخر الأغنياء من خلالها بالفقراء ، وهو آلية لإنشاء شعور كاذب بالرضى الذاتي للمغفلين الذين يضيّعون نقودهم في أفواههم.

وليس هناك ما يستحق في هذه اللعبة السخيفة ، وليس هناك أي ربحٍ حقيقي للصدقات ، أو الفنون ، وليس هناك أبنية تُشيّد لا يمكن تمويلها بوسائل أقل سخافة وحماقة من هذه الأموال ، وليس هناك أي وعدٍ بتحقيق أمجادٍ في الألفية الثالثة ، وليس فيها أي فائدة لأحد ، اللهم إلا المساهمين في مؤسسة كاميلوتا سوكرز” Camelotta   Sukers” إن ألعاب اليانصيب ، بحسب ما ورد في القرآن الكريم هي محرّمةٌ ،  ورجزٌ  من عمل الشيطان إذ يقول الله –  سبحانه وتعالى –  في كتابه الكريم : ( يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون ، قل العفو  كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) ( البقرة : 219 ) ويقول أيضاً : ( ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون )  ( المائدة : 90 – 91 ) .

وقد يعترض شاربو الخمر على هذا الحكم الرباني الإلهي، وأما بالنسبة لليانصيب ( القمار ) فإن وجهة النظر الإسلامية التي يتبناها القرآن الكريم ويوضحها للناس فإنما هي ذات معنى واضح سليم ” .

ما هو البديل الإسلامي؟

لا ريب أن الأزمة المالية العالمية سَبَبُها هُوالجَشَعُ المادي البحت الذي تكوّن من العناصر الآتية:

1- صناعة المال بالطرق الإصطناعية المبنية على الربا.

2- التعامل بالأوراق النقدية التي لا يُسَاندها الذهب من وراءها .

3- تنزيل ورفع العُملة الورقية من وقت لآخَر .

4- القروض الربوية لشراء المنازل وارساء قواعد المتاجر .

5- التعامل ببطاقات الائتمان التي تحبّب إلى الإنسان شراءَ مَا أحَبّ ولكن يَجعَلُهً مثقلاًَ بالديون فيُؤثر على حالته الإقتصادية.

6- التعامل بالبيوع الوهمية المبنية على المخاطرة ومن أبرز أمثلتها بيوع الخيارات المستقبلية.

وقد لاحظنا أن معظم أنواع هذَا التعاملُ مُحَرّمٌ في الإسلام ما عدا  التعامل بالأوراق النقدية  التي قبلها الناس في كافة بلاد العالم حتى أصبَحَ عُرفاً مقبولاً غَيرَ أن النقص قد جاءَ من قََبل خُلوّ العُملة الورقية الآن من رَصيدٍ من الذَّهَب وراءَه ، فلذلك تقدّم عدد منَ الإقتصاديين المسلمين باقتراح العودةَ إلى الدنانير الذهبية والدَّراهم الفضيّة، وبما أن الناس ألفُوا الأوراق النقدية لسهولة التعامل بها ، فلذلك لا ضَيرَ في تسمية العملة الجديدة بالدينار والدرهم ما دامت هي مُسنَدَة من وراءها  بالذّهب والفضة حقيقةُ، إن اعتبار الذهب والفضة كنَقدٍ عُرف منذ قديمٍ وغريزة حبّ هذين المعدنين تشير إلى ذالك حيث عبّر عنه القرآن بوضوح في قول الله عزّوجل :-

( زيّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ، ذالك متاع الحياة الدنيا ، واللّه عنده حسن المآب ) ( آل عمران : 14 ) .

وأشار إلى هذه الظاهرة ابن خلدون بقوله:

 ” لقد خلق الله تعالى معدني الذهب والفضة كمقياس لقيمة ما يتراكم لدى الإنسان من رأس مال،  ويعتبر سكان الأرض كلاَ من الذهب والفضة ” كنوزاً ” وملكاً . وحتى لو طلب الإنسان غيرهما ، في ظروف معينة أخرى ، فإنه لا يطلب تلك الأشياء إلا ليحصل على الذهب والفضة  و تخضع كافة الأشياء الأخرى لتذبذب أسعار السوق ، إلا أن الذهب والفضة مستثنيان من ذلك وإنهما هما اساس الربح ، والملك ، والكنز “. (13)

إن إحداث العملة الورقية – كما ذكرنا سابقاً – ساعَدَ على صُنع أموال بدون كلفة من جهة وابتزاز الأموال بطريق القروض الربوية من جهة أخرى ، ومن الجائز أن يقال أن العملة الورقية حلّت محلّ الفلوس المسكوكة من النحاس أو الحديد التي لم يكن لها القيمة الذاتية مثل الذهب والفضة وهي وإن تخلّصت من كثير من النقائص التي كانت توجد في الفلوس ، غيرَ أنه لما كانت سهلة الطبع والإصدار وخاصةُ بعد ما فقدت استنادَها إلى الذهب والفضة من وراءها، فتحت الباب للتضخم المادّي فإن كثرتها تسبّبُ رفعَ الأسعَار ، ونحن عند ما ننادي إلى العودة إلى الدينار والدرهم نلاحظ الأمور التالية:

أ- إذا كان الغرب يميل إلى وَحدَة العُملة ( مثل إحداث “يورو” في أوروبا ) ويجعل لنفسه الحق في تحكّم الأسعار ، يجب على المسلمين إحداث عملة خاصّة بهم ، علماً بأن لديهم ثروات حقيقية من ذخائر الذّهب والفضة والنفط وغير ذالك من المعادن مما يجعل لِعُملتهم قوة حقيقية ومصداقاً واقعياً.

ب- من الخطأ أن يقال أن قلّة هذه المعادن النفيسة –إذا جعلت مساندةً للعملة الورقية – ستقلّل من النشاط الاقتصادي الهائل الذي هو سيمة هذا العصر ، فإن العالم وخاصةً البلاد الاسلامية لا تزال تحتفظ بذخائر كبيرة من هذه المعادن والمطلوب هو التنقيب عنها مثل النفط تماماً.

 ج- ليس من الضروري حمل النقود في الصفقات التجارية الكبرى ، ومن الجائز التعامل بالطرق المعاصرة من اصدار الشيكات أو التعديل في الحسابات ما دام هناكَ رصيدٌ كافٍ لدى صاحب الحساب في حسابه من المال الذي يُسانده ذهبٌ حقيقي وراءَه وذلك سدّاً للباب أمام    التضخم الذي هو نتاج العُملة الورقية التي لا يُسندها ذَهَبٌ ولافضة.

وكخطوة أولى لجنى ثمار التعامل بنقود الذهب والفضّة اُنظر إلى المثال التالي : كيفَ لو بدأ المسملون َ يؤدون زكاة أموالهم بالنقود الذهبية فحسبُ، المرأة البائسة التي تستلم هذه النقود و تحتفظ بها إلى عام لتجهيز بنتها عند الزواج ، لو استَلمتُها أوراقاً نقدية فقط لوجدت أن قيمتَها إنخفضت لأجل ارتفاع قيمة البضائع ، ولكن لمّا كان بِيدها  َذهََبٌ  وَجَدت أنها لا تزال في مقدورها شراء نفس البضائع كلها بل شراء ما زادَ عليها أيضاً. وكذلِكَ الرجل المقرضُ لأخيه عند ما يستردّ مالُه من المَدِين لا يَخسَرُ في مالِهِ من أجل الإنخفاض في قيمة العُملة الورقية .

المقارنة بين النظام الاقتصادي الإسلامي والآخَرَ غير الإسلامي

مميّزات النظام القائم على الربا (الربوي) ومميزات النظام القائم على الزكاة (الاسلامي)

1-الربوي : إنه يتمركز على البنوك التي تتعامل بالربا سواءً بطريق أخذ الربا أو اعطاءه مباشرةً أو بطريق بطاقات الائتمان ، وتتعامل هذه البنوك بأعمال مصرفية كثيرة منها ما هي حلال ومنها ما هي حرامٌ .

 الإسلامي: إنه يتمركز على بيت المال الذي تشرف عليه الدولة والتي من مهمّته رعاية جميع المسلمين ، والنظام الاسلامي يقبل إنشاء المصارف على أن تكون جميع أعمالها خاضعة للشرع الاسلامي.

2-الربوي : معظم دَخلهِ من الضرائب المفروضة على مكتسبات الناس وهي قد تصل إلى الثلاثين بالمئة فكأن الرجل يَدفَع للدولة رواتبَه لثلاثة أشهُر من كل عامٍ أو أصبَح عبداً للدولةِ حيث يَعمَل بدون أن يجد لهُ مقابلاً .

الإسلامي : معظم دخله من الزكاة وأقلّ مقدارها في الأموال بنسبة 2.5 بالمئة وكلّما تَيّسَر للإنسان الحصول على المال مثل الغنائم والركاز ارتفعت نسبة الزكاة فيها ،ومن مصادره أموال العشر والخراج والجزية والفئ والعشور والوقف أيضاً .

 وبيت المال يجمع أموالاً أخرى مثل الثروة الحيوانية والزراعية أيضاً لمواساة الفقراء والمساكين وكفالة الأيتام والعجزة والأرامل.

3-الرَّبوي : يَسمَح جميع أنواع التجارة ولو كانَت‘ لأشياء لم يملكها المشتري بعدُ ، وكذلكَ يُبيح المتاجرة في اشياءَ تضرّ المجتمع بصفة عامّة مثل تجارة الخمر وطبع ونشر الموادّ الخليعة والتكسب بطريق المقامرة واليانصيب .

الإسلامي : يُبيح التجارة على أسس عادلة وكذالك بالطرق المشروعة مثل المشاركة والمضاربة والمرابحة كما يشجّع على المواساة بين الناس بطريق القرض الحسن والصدقات النافلة.

4- الرٍّبوي : إذا مات الرجل ورثَََتهُ زوجته أو أولادُه وله الحق أن يترك كل ثروته أو معظمه لغير وارث أو لصالح حَيَوان.

الاسلامي : إذا مات الرجل وُزّعت تركتهُ في الوارثين الذين يشملون الأبَوَين ، وفي أحوال،الإخوة والأخوات وغيرهم من ذوي الأرحام، وهكذا تتوّزع الثروة ولا تبقى محتكرة في أيادٍ محدودة .

5- الربوي: يشجّع على ادخّار المالِ وتوديعها لدى البنوك حتى ينتفع البنك بأمواله لإقراضها على الربا واعطاء المودعين جزءاً يسيراً من هذا الربا.

الإسلامي : يحرّم اكتناز الذهب والفضّة ولايُجيزه إلاّ إذا طَهُرَ المال بإعطاء زكاته، كما أنه يشجّع على الإنفاق في سبيل الله ، وبما أن المرء حريصٌ على الاحتفاظ بماله وتنميته، ينصرف إلى تدويله في التجارة بكافة أنواعها حتى لا تأكله الزكاة، فكأن الزكاة يشجّع الناس على تنميته واستثماره فيستفيد هُو وينفع الآخرين، ويبقى المال مُتَدَاوَلاً بين عدد كبير من الناس مثل الدّم في الشرايين.

6- الربوي : يشجّع الناسَ على الإسراف والتبذير وذالكَ بتزيين المغريات في الجنس والأمور التحسينية من المأكل والمشرب والركائب والأثاث ، وَيَجعَل المَرءَ منسَاغاَ إليها لسهولة اقتناءها وذالك بطريق بطاقات الائتمان (Credit Cards).

الإسلامي : يشجّع على سلوك الطريق المعتدل عند الإنفاق بين الإسراف والتقتير وبالاكتفاء بالضرورات والحاجات والإنصراف  كليةً عن حصول المسرّات بطرق مُحرَّمة سواءً كانت متعلقة بالجنس أو بالخلق أو ما عدا ذالك من اللذات العاجلة.

7- الرّبوي : يُزيّن للناس أن المالَ ما دامَ هو مكتَسَباً من أيديهم فَلهُم كامل الحق في التصرف فيه كما شاؤوا وهم بذالكَ يُوجدون في العالم نماذج قارون وَهامان ومن شابَهَهُم من مليونيري العصر الحاضر.

الإسلامي : يَجعَل المرءَ خليفةً في المال أو أميناً – بتعبير آخَرَ – فهُوَ يتصرف فيه بِحَذَرٍ حتى لا يقع في الحرام ويَرَى أنه مأمور بمشاركة الآخرين في ماله حَسَب قوله عزّوجلّ: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) (الذاريات:19) .

8- الرَّبوي : يَعتَمدُ على استغلال حاجات الناس فيزيد في سعر الرّبا كلما كان الدائن في حاجةٍ شديدة إلى المال كما يزيد في أسعار البضاعة عند ما كان الناس في أشدّ حاجة إليها وكما أن أسعَار البضاعة تبقىَ في حالة الرفع والإزدياد كُلّما ارتفعت نسبة الرَّبا على القروض التي يأخذها التجار من البنوك لإنعاش تجارتهم وكذلك عند ما ترتفع الضرائب عليها من قبل الدَّولة.

الإسلامي : يلتزمُ بمبدأ أن المسعّر هو الله ُ أي ترتفع الأسعار وتنخفض حسب الاحتياج في السُوق ولوليّ الأمر الحق في ضبط السّعرِ عند غلاء الأسعار غلاءً فاحشاَ حتى لا يتضرّر الناس ُ في معيشتهم ، ولذَلكَ يعتبر الاحتكار جريمةٌ في الاسلام إذا كانت هناك مجاعة ٌ.

 9- الربوي : يَجنَحُ إلى القضاء على المتاجر الصغيرة لإفساح المجال لأسواق كبيرة (Super Market ).

فتجتمع الأموال بأيدي زمرة معيّنة من الأغنياء والأثرياء وليس لأصحاب التجارات الصغيرة إلاّ أن يكونوا ُأجَراء لديهم.

الإسلامي : فكرته الإقتصادية  تتمثَّلُ في قوله تعالى ( كيَ لا يكون  دُولةً بين الأغنياء منكم) (الحشر:7) فيُشجع المرءَ على التجارة ولو برأسمال ضئيلٍ ولا يوقف أمامه حواجزَ حتى يستطيع أن ينطلق في تجارته.

10- الربوي : العلاقة بين المالك والعامل علاقة ماديّة بحتة فلذلكَ لا يشمَئزُّ المالك من فصل العمّال لأتفه الأسباب كما يَبقَى العامل يبحث عن عمل أفضل فإذا وَجَدَه ترك عملَه الأول في أول فرصة.

الإسلامي:  العلاقة بينهُما كالأستاذ وتلميذه ،  ويلتزم كلا الطرفين بالآداب الخلقية في المهنة والعَمَل فلا ضَرَرَ ولاَضرارَ عامّةً مع مراعاة حقوق المواساة والأخوة والأمانة من الجانبين.

11-الربوي: ليسَ هناك َ ضابط يحدّد الحلال من الحرام والجائز من الممنوع إلاّ في حدود ضيّقة مثل التجارة في المخدّرات وفي الأسلحة الفتاكّة الممنوعة دولياً .

الإسلامي : يُراعي الضوابط الشرعية في الحلال والحرام فما كان حَراماً لم تجُز المتاجرة به وكذالك ما كان خبيثاً مضراً للصحَة والخُلق .

وبالإضافة إلى ماسبق يتميّزُ النظام الاقتصادي الإسلامي بثلاثة نماذج في الإنفاق لصالح العام:

أولاً: اعطاء زكاة المال كفريضة من اللّه تعالى وقرنت بالصلاة في القرآن لعظيم أهميتهَا.

ثانياً: الإنفاق في سبيل اللّه عموماً وجعل له ثوابٌ مضاعَفٌ حتى يتصرف المسلم إلى مواساة إخوانه كلّما كانوا في ضائقة مالياً ، وعبَّر عنه القرآن بالقرض الحَسَن أيضاً.

ثالثاً: إنفاق كل ما زاد من المال عن حاجات المرء الضرورية وعبّر عنه القرآن بالعفو كما في قوله تعالى : ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفوَ ) ( البقرة : 219 )  ولو ُطبق هذا المبدأ العظيم لما بَقِيَ في الدنيا فقيرُ يتكفّف الناس أو جائع يموت من أجل الجُوع(13)     .

  هذه رؤوس أقلام وجيزة عن مميزات النظام الاسلامي ونرجو أن يكون فاتحةً للبحث الجادّ المثمر في بَلوَر0ة الاقتراح الخاصّ بالعودة إلى دنانير الذهب والدراهم الفضيّة في ضوء عدد من الأبحاث التي تقدّم بها علماء الاقتصاد المسلمون في هذا المجال واللّه من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل ، وصلّى اللّه تعالى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصادر والمراجع

1-محمد أمين الشنقيطي : ( أضواء البيان  1 : 263 )

2- أحمد بن يحيى البلاذري : ( فتوح البلدان ، 3 / 578 )

3- عبد الله بن سليمان المنيع : تاريخ الأوراق المصرفية : ص 10 )

4- سنن أبي داؤد ، حديث رقم : 3384 )

5- صحيح البخاري : حديث رقم : 1453 )

6- انظر : الحافظ ذوالفقار علي : نظرية الاسلام عن المال والمكانة الشرعية للنقود ( باللغة الأردية ) المنشور في مجلة المحدث : ربيع الثاني 1430 هـ ) .

7- مسند أحمد بن حنبل ، 5 / 156 )

8- ( الأوراق النقدية في الاقتصاد الاسلامي : ص : 115 )

9- الموسوعة الفقهية   41 : 176 – 178 )

10- طارق ديواني : قضية الفائدة   ص 81 – 82

11- ( محمد تقي عثماني : رحلة في أمريكا اللاتينية ( باللغة الاردية ) : أردو دائجست  ابريل 2009 )

12- طارق ديواني : قضية الفائدة   ص 179 –  180

13- أيضاً: ص 305 نقلاًعن المقدمة ابن خلدون ص 313

14- هذه الأفكار مأخوذةٍ من خطابات العالم الباكستاني الشهير ” زيد حامد ” وبثّها على برامج ” انترنيت ” الخاصة به .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق