البيانات الختامية

البيان الختامي للدورة العادية 21 | إيرلندا

البيان الختامي

للدورة العادية الحادية والعشرين

للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

المنعقدة بمدينة دبلن / إيرلندا

في الفترة

27 رجب إلى 1 شعبان 1432ه

الموافق 28 يونيو إلى 2 يوليو 2011م

بسم الله الرحمن الرحيم

البيان الختامي

للدورة العادية الحادية والعشرين

للمجلسالأوروبي للإفتاء والبحوث المنعقدة بمدينة دبلن في إيرلندا

في الفترة من: 27 رجب إلى 1 شعبان 1432ه الموافق 28 يونيو إلى 2 يوليو 2011م

الحمد الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أمّا بعد..

فقد انعقدت بفضل الله ومنته الدَّورة العادية الحادية والعشرون للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في مقر المجلس بمدينة دبلن بإيرلندا خلال الفترة من: 27 رجب إلى 1 شعبان 1432ه الموافق 28 يونيو إلى 2 يوليو 2011م.

وقد تم افتتاح هذه الدورة بآيٍ من الذكر الحكيم، ثم تفضل الأمين العام للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث صاحب الفضيلة الشيخ حسين حلاوة بإلقاء كلمةٍ بهذه المناسبة رحّب فيها بالسادة أعضاء المجلس والحضور من الضيوف والمراقبين من الإخوة والأخوات، وتضمنت كلمته الدعاء بتمام الشفاء ووافر الصحة لسماحة الإمام الشيخ يوسف القرضاوي رئيس المجلس؛ إذ حال المرض دون حضور سماحته لرئاسة هذه الدورة. كما دعا بالرحمة والمغفرة لسماحة الشيخ العلامة المستشار فيصل مولوي أحد كبار مؤسسي المجلس ونائب رئيسه حتى لقي الله تعالى. كما قدم الشكر لأعضاء المجلس على تكبدهم عناء السفر واقتطاع الوقت والجهد حسبة لله تعالى وحرصاً على تقديم كل الجهود الرامية إلى دعم هذا المجلس في أداء رسالته الهادفة إلى توجيه المسلمين في أوروبا إلى ما يحفظ عليهم دينهم وهويتهم.

ثم ألقى الأمين العام المساعد للمجلس فضيلة أ. د. عبد المجيد النجار كلمة وضّح فيها موضوع هذه الدورة وهو “تعامل المسلمين مع أهل الأديان والمذاهب”، مبيناً أهميته وضرورة الاعتناء بتقديم المزيد من البحوث والدراسات المناسبة بخصوصه وما يستحقه من المناقشات المستفيضة.

تلا ذلك كلمةُ سماحة رئيس المجلس والتي تفضَّل بتقديمها نيابةً عنه عضو المجلس فضيلة الشيخ د. علي القره داغي، حيث أبلغ فيها الحاضرين تحيات ودعوات سماحته، وتقدم باسم المجلس بالشكر الجزيل والعرفان والتقدير لدولة إيرلندا حكومةً وشعباً ومؤسسات على ما تقدمه للمجلس من تسهيلات وللأقلية المسلمة من خدمات، كما شكر وأخلص الدعاء لدولة الإمارات العربية المتحدة بصفة عامة ولمؤسسة آل مكتوم الخيرية بصفة خاصة على ما تمنحه من رعاية خاصة للمجلس. كذلك الشكر لأمانة المجلس وإدارته والعاملين فيه وبخاصة الأمين العام للمجلس فضيلة الشيخ حسين حلاوة على جهودهم الكبيرة التي يبذلونها من أجل إنجاح أعمال ومسيرة هذا المجلس. وتحدث عن الظرف الذي تمر به أمتنا الإسلامية وأبان عن الموقف بشأن الثورات السلمية في بعض البلاد العربية. كما أكد على استمرار دور المجلس في المجتمع الأوروبي في الأداء الإيجابي لرسالته، وذلك من خلال أعماله الهادفة إلى توجيه الأقلية المسلمة نحو ما يحفظ لها هويتها الإسلامية واندماجها الإيجابي، وإلى تطوير العلاقة مع غير المسلمين. وفي هذا السياق وجه فضيلته رسائل على النحو التالي:

1 – إلى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث: بأن يضاعف من جهوده لتقديم المزيد من أجل تحقيق أهدافه، إضافة إلى ما سبق له تقديمه منذ إنشائه، الأمر الذي أصبح يمثل به مرجعية لمسلمي أوروبا.

2 – إلى الأقليات المسلمة في أوروبا وغيرها: بأن عليها أن تعمل على الخروج من دائرة الترخّص إلى دائرة التأسيس، وأن تضع لنفسها خطة للتطوير والبناء فى الجوانب العلمية والتقنية.

3 – إلى الحكومات والشعوب الأوروبية: إذ نؤكد لها بأن الإسلام إذا ترك وشأنه فهو دين خير ورحمة للجميع. وهو دين الحوار، فالقرآن في جوهره كتاب حوار، ويدعو إلى حسن تعايش المسلمين مع غيرهم.

4 – إلى العلماء، وبخاصة علماء المجلس: أن يكونوا بمثابة القلب من الجسد، في النصيحة للأمة، وأن يقفوا مع الحق والمظلومين، ولا يركنوا إلى الذين ظلموا.

من بعد توالت أعمال المجلس لهذه الدورة، فبدأت بموضوعها الأساسي وهو: “تعامل المسلمين مع أهل الأديان والمذاهب ” والذي تضمن خمسة محاور:

المحور الأول: الإسلام والمذاهب والأديان في أوروبا. وقدم فيه البحثان التاليان:

  1. الأديان والمذاهب في الواقع الأوروبي / أ. د. صهيب حسن.
  2. الموقف المبدئي للإسلام من الأديان والمذاهب/ أ. د. علي القره داغي.

المحور الثاني: القواسم المشتركة بين الإسلام والأديان في أوروبا. وقدم فيه البحثان التاليان:

  1. من التراث المشترك إلى القيم المشتركة / د. مصطفى سيرتش.
  2. نحو وفاق بين الإسلام والمسيحية في أوروبا / أ. د. عبد المجيد النجار.

المحور الثالث: الحوار مع الغرب بين التأصيل والتطبيق. وقدمت فيه البحوث التالية:

  1. الحوار مع الغرب/ الشيخ حسين حلاوة.
  2. الحوار الديني/ أ. د. أحمد جاء بالله.
  3. الحوار مع أهل المذاهب / د. أحمد الراوي.

المحور الرابع: العلاقات الإنسانية والاجتماعية مع غير المسلمين. وقدمت فيه البحوث التالية:

  1. علاقات التزاور والصلات الاجتماعية مع غير المسلمين / أ. د. حمزة الشريف.
  2. الوصية للوالدين والأقريبن غير المسلمين – أحكام وضوابط ومقاصد شرعية / أ. د. صلاح الدين سلطان.
  3. الردة في ضوء حرية العقيدة / أ. د. جمال بدوي.

المحور الخامس: قضايا مؤجلة عن الذبح الحلال والمركبات الإضافية في الأطعمة. وقدم فيه البحثان التاليان:

  1. المركبات الإضافية في الغذاء والدواء/ د. محمد الهواري.
  2. واقع الحلال في أوروبا / فتح الله عثماني وخالد بو شامة.

 

كما تناول المجلس بعض الاستفتاءات التي وردت إليه، وأعد الأجوبة عنها.

وتم في سياق أعمال الدورة تناول أثر الثورات العربية على المسلمين في الغرب، والموقف الأوروبي منها.

وفي الجلسة الإدارية تناول المجلس ما يلي:

  1. استعراض تقارير لجان الفتوى التابعة له في كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وتقرير لجنة البحوث، والوضع المالي للمجلس، وقرر إعداد الفتاوى الصادرة عن المجلس بشكلها المتكامل حتى آخر أعمال المجلس، مع العمل على ترجمتها إلى لغات أوروبية عدة.
  2. تعديل بعض مواد النظام الأساسي للمجلس واللائحة الداخلية بناءً على مشروع التعديل الذي تقدمت به أمانة المجلس، بحيث يقضي باختيار نائبين لرئيس المجلس بدلاً من نائب واحد، أحدهما من المقيمين في أوروبا؛ وذلك نظراً لخلو منصب نائب رئيس المجلس، وقد وقع التعديل بالإجماع.
  3. تم بفضل الله عقد انتخابات لاختيار نائبين لرئيس المجلس في أجواء من المودة والشفافية، أسفرت عن انتخاب كل من:

–         فضيلة الشيخ الدكتور علي القره داغي، نائباً لرئيس المجلس من خارج أوروبا.

–         فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله الجديع، نائباً لرئيس المجلس من داخل أوروبا.

وفي سياق ما تناوله المجلس في هذه الدروة من البحوث والدراسات، فإنه قد اتخذ مجموعة من القرارات والتوصيات، بيانها فيما يلي:

أولاً: القرارات

قرار 1/21

مفهوم الردة والأحكام المتعلقة بها

قرر المجلس تأجيل هذا الموضوع إلى دورة قادمة، وذلك لإعداد مزيد من البحوث فيه، مع مراجعة ما صدر من بحوث ودراسات وقرارات سابقة للوصول إلى رؤية واضحة في هذه القضية.

قرار 2/21

قضايا الأغذية والأدوية

نظراً لحاجة هذا الموضوع لمزيد من التفصيل والتأصيل، فقد قرر المجلس ما يلي:

1 – تأجيله إلى دورة قادمة، لإعداد مزيد من الدراسات، بغرض إعداد وثيقة شاملة لضوابط الحلال والحرام في هذا الشأن.

2 – تشكيل لجنة لمتابعة موضوع الذبح الحلال، مع أهمية طرحه في دورة قادمة، والاستعانة بالخبراء المسلمين وغيرهم للوصول إلى معايير شرعية توفر للمسلمين احتياجاتهم من الأطعمة الحلال.

ثانياً: التوصيات

بعد استعراض المجلس للبحوث المقدمة في المحاور السابقة واستماعه إلى المناقشات والتعقيبات التي دارت حولها، فقد اتخذ التوصيات التالية:

  1. إن العالم اليوم على وجه العموم، وأوروبا على وجه الخصوص، تتقاسمها ديانات عديدة، وإن الدساتير الغربية تكفل حرية التدين، وتعطي لأتباع كل ديانة حق ممارسة اتباعها لشعائرهم الدينية، واحترام خصوصياتهم بما لا يخالف الدساتير ، وبما أن الدين الإسلامي هو الدين الثاني في المجتمعات الغربية، يسهم أتباعه في نهضة هذه المجتمعات وتقدمها، ولهم وجودهم المشروع؛ فإن المجلس يناشد الحكومات الغربية بحماية حقوق المسلمين والأقليات الأخرى جميعها، وعدم السماح بالتعدي على هذه الحقوق.
  2. يؤكد المجلس على مبدأ الحوار الحضاري بين جميع مكونات المجتمع الإنساني، على كافة الأصعدة، والبعد عن أشكال الصراع والصدام، والانطلاق من القيم المشتركة التي تتيح مجالات واسعة من التعاون البنّاء لصالح البشر جميعاً. ويناشد المجلس المسلمين الذين يعيشون في أوروبا على وجه الخصوص بالحرص على تعزيز هذا التواصل البنّاء، ومدّ جسور الثقة والتعاون مع الجميع.
  3. يدعو المجلس مسلمي أوروبا إلى التزام المنهج الإسلامي الوسطي المعتدل في خطابهم وتحاورهم مع غيرهم، في إطار الاحترام المتبادل، والتعايش الإنساني الواعي، والتعاون المثمر لحماية المجتمعات من كل ما يضر بها ويهدد مستقبلها، واعتبار ذلك من أجلّ الأعمال الإنسانية والاجتماعية التي يدعو لها دينهم، وتدعمها قيمهم.
  4. يدعو المجلس إلى ضرورة إنشاء هيئات ومؤسسات إسلامية متخصصة في التدريب والتهيئة للحوار الرشيد مع غير المسلمين، وأن تتخذ التدابير العاجلة والمناسبة لذلك؛ لما لهذه المؤسسات من أهمية بالغة في تعزيز قيم الحوار المنضبط، وجعله منهج حياة يتعاون من أجله البشر جميعاً، متخطين بذلك كل ما من شأنه أن يثير النزاع الذي يقضي على أسباب الألفة والاحترام بين مكونات المجتمع الواحد.
  5. يؤكد المجلس على ما تدعو إليه أحكام الشريعة الإسلامية من البر والإحسان والتواصل والرحمة والعدل مع جميع الخلق، وبصفة خاصة في حق الأقارب والجيران والأصدقاء من مسلمين وغيرهم، وعليه فيجب على المسلمين رعاية ذلك والحرص عليه امتثالاً لتوجيهات دينهم، ولما يتطلبه الاندماج الإيجابي الحقيقي في مجتمعاتهم التي يعيشون فيها، مع ضرورة حفاظهم على هويتهم الإسلامية. وفي هذا السياق يرى المجلس جواز أن يوصي المسلم لقريبه غير المسلم من تركته، فينبغي أن يراعى ذلك لما فيه من تحقيق ما تقدم تأكيده من البر والإحسان والصلة.
  6. يوصي المجلس المنظمات الإسلامية المعتمدة في البلاد الغربية بأن يكون لها دور في شأن المتابعة الدقيقة للجهات التي تصدر شهادات المطابقة للمواصفات الإسلامية في الذبائح وغيرها، وتقديم المعلومات الصحيحة للمستهلك المسلم عن الجهات التي يُعتمد عليها في هذا الشأن. كما يوصي المجلس تلك المنظمات بالضغط على مؤسسات الذبح للالتزام بالضوابط الشرعية.
  7. يوصي المجلس بإنشاء مؤسسات اقتصادية خاصة بالذبح والإنتاج المطابق لأحكام الشريعة في الأغذية، للإسهام في توفيرها بأسعار مناسبة مع المطابقة لمواصفات الجودة ومعايير النظافة العالية.
  8. يناشد المجلس الدول الأوروبية احترام هوية المسلمين في أغذيتهم، وأن تساعدهم كمواطنين على تحصيل ما يتوافق مع شريعتهم من الأطعمة والأشربة.

ثالثاً: الفتاوى

فتوى 1/21

حول منع الاعتداء على الأناجيل

السؤال: يثور تساؤل على ألسنة بعض الناس حاصله: هل يجوز أن نحرق أناجيلهم كما أحرقوا مصاحفنا؟ وهل هذا مما يقتضيه مبدأ المعاملة المثل الذي نص عليه القرآن: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [البقرة: 194]؟

الجواب: لا يجوز شرعاً الاعتداء على نسخ التوراة أو الإنجيل بالحرق أو بغيره، سواء أكان مبادرة أم رد فعل بسبب حرق بعض المتطرفين للقرآن؛ لأن المسلمين يؤمنون بأصل التوراة التي أنزلت على موسى، وأصل الإنجيل الذي أنزل على عيسى. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كرَّم التوراة التي كانت عند اليهود في عهده. ومن جهة أخرى، فإن في هذا اعتداء على المقدسات التي تستثير الفتن وتوقع الضرر والفساد. ولا يتناسب مع ما أمر به الإسلام من إحسان الصلات مع أهل الكتاب. واعتداء بعض الناس على المصحف أو الإسلام لا يقابل بالإساءة، وإنما يستوجب الأخذ بالأسباب الشرعية والقانونية للحد من ذلك ومنعه. وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60].

فتوى 2/21

دعم المؤسسات التعليمية غير الربحية من الزكاة

السؤال: ما حكم دعم مؤسسة من المؤسسات التعليمية غير الربحية من أموال الزكاة مع العلم أنها تصرف فيما يلي:

– الإنفاق على الطلبة والطالبات المتميزين غير القادرين على دفع الرسوم الدراسية.

– أجور الموارد البشرية من أعضاء هيئة التدريس والإداريين.

– تجهيز الفصول والمعامل والحاسبات بمستوى مناسب.

– دعم مكتبة أكاديمية تلبي حاجات التدريس والبحث.

ولا يخفى أن كل هذا ذو كلفة عالية تفوق الإمكانات المالية المتاحة لهذه المؤسسات في الغرب، والتي تعتمد على الرسوم الدراسية بشكل أساسي، لكنه مورد يغطي جزءاً من إجمالي التكلفة، مما يضطر هذه المؤسسات لطلب الدعم المالي والعيني من تبرعات الخيِّرين من أبناء الأقلية المسلمة، فهل يجوز جمع زكاة أموالهم لإنفاقها في هذه الوجوه المذكورة؟

الجواب: تضمن السؤال جانبين مما يحتاج إلى الدعم:

أولهما: تشير ظواهر النصوص إلى جواز الإنفاق عليه من الزكاة، وهو المنح الدراسية على الطلبة والطالبات غير القادرين على دفع الرسوم الدراسية؛ وذلك لدخولهم مباشرة في سهمي الفقراء والمساكين.

ثانياً: بقية الصور المذكورة في الرسالة، جميعها يقتصر على الإنفاق عليها من التبرعات العامة.

فتوى 3/21

حول تكرار إقامة الجمعة في المسجد الواحد لعذر

السؤال: بعض المساجد تضيق بالمصلين يوم الجمعة مما يضطرون معه إلى الصلاة في الشوارع المجاورة للمسجد، الأمر الذي يؤدي إلى إرباك المارة والتجار، مما دعا بعضهم إلى شكوى ذلك للسلطات الرسمية، الأمر الذي حدا ببعض تلك السلطات إلى منع الصلاة في الشوارع، بل وصل الحال حتى إلى التهديد بإغلاق المسجد، فهل يجوز للجمعية القائمة على المسجد أن تقيم الجمعة مرتين في المسجد الواحد؟ وإن جاز، فهل يقوم بذلك نفس الإمام، أم لا بد من إمام آخر لم يصل الجمعة مع الأول؟

الجواب: تناول الفقه الإسلامي منذ القديم مسألة إقامة الجمعة في أكثر من مسجد في البلد الواحد، حيث اقتضى توسع المدن إلى أن تتعدد المساجد، وبالتالي تتعدد الجمعة بحسبها. فكانت اجتهادات الفقهاء بين مانع مطلقاً، وبين من يرى أن الجمعة هي التي تقام في المسجد العتيق، وبين من يرى أنها للأسبق، حتى أن الإمام السبكي رحمه الله أصدر فتوى بعنوان: “الاعتصام بالواحد الأحد من إقامة جمعتين في بلد”. وسبب الخلاف في ذلك انتفاء وجود نص آمر أو ناهٍ في المسألة، فكانت اجتهادات الفقهاء تميل الى المنع سداً لذريعة الفتنة والتفرق والاختلاف.

واليوم تعددت المساجد الجوامع في المدينة الواحدة، واقتضت الحاجة ذلك، وزال المحذور.

ومثل ذلك قضية السؤال، فتارة لضيق المكان وكثرة المصلين، وتارة لتعذر اجتماع الناس في وقت واحد، كما هو حاصل بحكم طبيعة التزام الناس بأعمالها ووظائفها في أوروبا، والمساجد قليلة في البلدة الواحدة، فإن المجلس لا يرى مانعاً من تكرر إقامة الجمعة في المسجد الواحد، ما وجد السبب الدافع لذلك، كالذي تقدم من ضيق المكان، أو تعذر الاجتماع. والمنع من ذلك مفسدة، إذ يُحرم كثير من المسلمين من أداء هذه الفريضة التي تعد من الشعائر العظيمة في الإسلام، ولها مقاصد حاجية، كاجتماع المسلمين وتأليف قلوبهم، وحصول التعارف بينهم، مع ما يتحقق فيها التوجيه والوعظ والتعليم.

لكن ينبه المجلس على ضرورة أن يرعى تكرار الجمعة في المسجد الواحد إدارة المسجد أو المركز، وهي التي تقرر ما يحقق ذلك، كاختيار الإمام والوقت.

والأولى أن تُصلى الجمعة الأخرى بإمام آخر غير الإمام الأول، إلا إذا تعذر، فلا حرج أن يقيمها الإمام الأول، فقد كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يصلي العشاء خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يعود الى مسجد قباء فيؤم الناس في صلاة العشاء.

فتوى 4/21

بيع خدمات البرمجة إلى جهات يكون نشاطها أو بعضه غير مشروع

السؤال: شخص متخصص في الإعلام الآلي، يعمل في مؤسسة متخصصة في البرمجة، تبيع خدمات البرمجة إلى شركات أخرى مستعملة. هذه الشركات المستعملة قد يكون نشاطها محرماً شرعاً، أو فيه شبهة، وذلك كالمصارف وشركات التأمين وشركات اليناصيب وغيرها من الشركات التي أصل نشاطها غير جائزٍ، أو يخالطه الحرام عَرَضاً. كما تبيع خدماتها أيضاً إلى شركات لا شبهة في نشاطها وإن كانت قليلة جداً. الشركة التي يعمل فيها هذا الشخص تبعثه للقيام بعمله في البرمجة إلى من تعاقدت معها من الشركات المستعملة، ولا يجوز له بموجب عقد العمل أن يرفض القيام بما يكلف به من قبل شركة البرمجة، فما الحكم إذا تم إرساله إلى شركة تتعامل بالحرام للقيام بوظيفته؟ خصوصاً إذا كانت معظم الشركات الخدمية في الإعلام الآلي هذا شأنها؟

الجواب:إن البرمجة الإعلامية مشروعة من حيث المبدأ، وما دامت البرمجة لا تختص بعمل محرم، فبالتالي فإن القيام بهذا العمل في مؤسسة في البرمجة مشروع، ولا أثر في ذلك أن تقوم المؤسسة ببيع خدمات البرمجة إلى شركات أخرى قد يكون بعض أنشطها محرماً شرعاً. غير أنه إذا قامت شركة البرمجة بإرسال الموظف لديها لأداء عمله إلى شركة ذات نشاط محرم، فالواجب الامتناع عن القيام بذلك العمل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

موقف المجلس من الثورات العربية

استعرض المجلس ما يجري في عدد من البلاد العربية من ثورات شعبية سلمية تطالب برفع الظلم وتوفير أجواء الحرية وإصلاح الأوضاع المتردية في كثير من جوانب الحياة، وذلك انطلاقاً من أن واجب الحكومات أن تكون ممثلة لشعوبها، نائبة عنها في رعاية مصالحها، لا أن تكون عاملة على إهدارها وتضييعها، وبعد أن اجتمع المجلس لمناقشات مستفيضة في هذا الصدد فقد قرر ما يلي:

أولاً: يشعر المجلس بالأسى العميق، والحزن الكبير لما يلاقيه كثير من إخواننا في عدد من البلدان العربية من ظلم وجور وتسلط حكوماتهم عليهم بتوجيه قواتها وجيوشها ومقدراتها للمنادين سلمياً بالقضاء على الفساد، والمطالبين بالحرية. ويستشعر المجلس أن هذه الدماء التي تسيل كل يوم، والممتلكات التي تدمر، والحرمات التي تنتهك، هي وصمة عار على تلك الحكومات أفقدتها مصداقيتها وشرعيتها أمام شعوبها وأمام العالم أجمع.

ثانياً: يثمن المجلس جهود الشباب المشاركين في هذه الثورات الذين برهنوا على المستوى الحضاري والأخلاقي الذي بهر العالم في قدرتهم على الانضباط وتحمل المسؤولية والتزام المطالبة السلمية، مما دل على شدة حبهم لأوطانهم، وحرصهم على مصلحتها. ويتوجب عليهم أن يظلوا حريصين على سلمية ثورتهم، وأن يوحدوا رؤاهم ومطالبهم بما يحقق الهدف الذي قاموا من أجله، ويكونوا حذرين من الدسائس التي تحاك لهم لتفريق كلمتهم، أو لسرقة ثمار جهودهم.

ثالثاً: يتوجه المجلس إلى قادة الأمة وزعمائها في البلاد التي لم تصبها شرارة هذه الثورات والتحركات، بأن عليهم الإسراع في دفع عجلة الإصلاح الحقيقي، والحرص على تقوية أواصر التلاحم مع شعوبهم؛ استبقاء لمقدراتها، وأداء للأمانة التي تحملوها تجاهها، حتى لا ينفرط العقد فيخسرون مواقعهم، وتخسر أوطانهم وشعوبهم، مستيقنين أن الإصلاح ما زال ممكنا إذا خلصت النيات وصحت العزائم وقويت الرغبة.

رابعاً: إن ما حدث في العالم العربي قد ألقى بظلاله على الوجود الإسلامي في الغرب من حيث تعطل أو اضمحلال الدعم الذي يصل إلى المسلمين في الغرب، ومن حيث انشغال عدد كثير من العاملين من إخوانهم في شئون بلدانهم عما كانوا يقومون به من أعمال لمصلحة وجودهم في الغرب. وانطلاقاً من هذا، فإن المجلس يتوجه إلى المسلمين القادرين بدعم إخوانهم في الغرب بكل ما من شأنه تثبيت وجودهم، وإصلاح أحوالهم، وإعانتهم على الاستمرار في رسالتهم في هذه المجتمعات الغربية التي أصبحوا جزءًا منها. كما يطالب العاملين المخلصين المقيمين في هذه البلدان بمضاعفة الجهود لتمكين إخوانهم من الاندماج الراشد الذي يحافظ على الثوابت والقيم الأصيلة، والتعايش مع من حولهم فتنتفع بهم البلدان التي استوطنوها.

خامساً: يثمن المجلس دور الشعوب والأنظمة الأوروبية التي ساندت الشعوب العربية في مطالبها المشروعة، ويؤكد على أهمية مناصرة القيم الإنسانية الداعية إلى تأكيد حق هذه الشعوب العربية في تقرير مصيرها دون وصاية من غيرها.

وفي ختام أعمال هذه الدورة، يؤكد المجلس على ما اعتاد أن يوصي به المسلمين عامة، والمقيمين في أوروبا خاصة، بالاعتصام بحبل الله، والأخوّة، والسماحة، والوسطية، والتعاون على البر والتقوى، والتزام الحوار الهادئ والأساليب السلمية في معالجة قضايا الخلاف، بعيداً عن مناهج التشدد ومسالك التطرف التي تشوه صورة الإسلام، وتسيء أبلغ الإساءة إلى المسلمين، فيتلقفها خصوم الإسلام والجاهلون به للتشنيع عليه والتخويف منه ومن أهله واستعداء الأمم عليهم، فقد قال الله تعالى:)ادعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحسَن(]النحل: 125[.

وقد قرر المجلس بعد انتهاء أعماله لهذه الدورة أن يكون انعقاد الدورة القادمة آخر شهر يونيو القادم 2012م.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق