البحوث

مآلات الأفعال و أثرها في فقه الأقلّيات

مآلات الأفعال

وأثرها في فقه الأقلّيات 

أ.د. عبد المجيد النجار

بحث مقدم للدورة التاسعة للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

جادى الأول 1423 هـ يوليو 2002م

باريس – فرنسا

 


تمهيد:

إذا كانت أحكام الشريعة الإسلامية جاءت لتعالج أحوال الناس مطلقا عن الزمان والمكان، إذ العبرة فيها بعموم اللّفظ في مداركها، فإنّها قد انفسح فيها المجال أيضا لاستثناءات من الأحوال التي يشملها العموم، لتخرج من تحت حكمه إلى حكم آخر، وذلك باعتبار خصوصية ذاتية أو موضوعية فيها، تجعل تطبيق الحكم العامّ عليها غير مؤدّ إلى المقصد الشرعي الذي من أجله شرّع، فإذا ما تخلّف المقصد في حال مّا من الأحوال آل الأمر فيها إلى الاستثناء.

وقد كان هذا الأمر قائما في مجمل أحكام الشريعة نفسها، إذ التنبيهات إلى ذلك كثيرة في نصوص القرآن والسنّة، كما جرى عليه النظر الفقهي استنباطا وتطبيقا عند الفقهاء والأيمّة المجتهدين، ثمّ كان ملحظا مبكّرا في التقعيد الأصولي الذي ضبط مناهج استنباط الأحكام الشرعية وتطبيقها، إذ قد قُرّرت في علم أصول الفقه جملة من القواعد التي تلتقي عند معنى استثناء وقائع و أحوال من الحكم الذي يشملها في أصل العموم، وذلك لخصوصية فيها لا يتحقّق معها المقصد الشرعي.

ومن تلك القواعد قاعدة مآلات الأفعال، تلك التي يُقدّر الحكم الشرعي فيها على أيّ فعل من أفعال الناس باعتبار ما يؤول إليه عند التطبيق من تحقيق المصلحة التي وضع من أجلها الحكم العامّ المتعلّق بجنسه أو عدم تحقيقها، فإذا تبيّن عدم تحقيقه المصلحة لخصوصية من الخصوصيات استثني ذلك الفعل من الحكم الشرعي الموضوع له في الأصل، وعدل به إلى حكم آخر يتحقّق به المقصد الشرعي.

وقد كانت هذه القاعدة مناط اجتهاد واسع ودقيق من قِبل فحول الأيمّة والفقهاء، وكانت لها تطبيقات كثيرة في الفقه الإسلامي، أفضت إلى إثراء أحكامه وتوسيع آفاقه. وبتعقّد الحياة الإنسانية الفردية والجماعية، وتشابكها، وتوسّعها يكون لهذه القاعدة المجال الأوسع للاجتهاد، وتكون الحاجة إليها أوكد؛ ذلك لأنّ وجوه الحياة كلّما مالت إلى البساطة اشتدّ التماثل بين أفرادها، فتتناقص خصوصياتها المفرّقة بينها، وعلى العكس من ذلك كلّما مالت إلى التعقيد اشتدّ الاختلاف لتكاثر الخصوصيات المفرّقة ممّا يفضي إلى اختلاف المآلات، فيكون للاستثناء المبني على تلك الخصوصيات وما تفضي إليه من اختلاف المآلات مجالا واسعا في النظر الفقهي.

ولعلّ أوضاع المسلمين حينما يكونون أقلّية في مجتمع غير مسلم تعدّ من أشدّ الأوضاع تعقيدا، إذ هي أوضاع اجتمع فيها التعقيد والتشابك في الحياة المعاصرة بصفة عامّة، مع التعقيد والتشابك والمضاعفات الناتجة عن وضع المسلمين كأقلّية في مجتمع غير إسلامي، وتحت سلطان قانون غير القانون الإسلامي، وتحت ظلّ حكم غير إسلامي. إنّ هذه الأوضاع من شأنها أن تُكسب أحوالا كثيرة من أحوال المسلمين خصوصيات ذاتية وموضوعية تؤول بها لو طبّقت عليها الأحكام الشرعية العامّة إلى مآلات تخالف مقاصد تلك الأحكام، فيكون إذن لقاعدة مآلات الأفعال دور اجتهادي مهمّ في فقه الأقلّيات المسلمة، بل لعلّها تكون من أهمّ القواعد الأصولية التي ينبغي تحكيمها في ذلك الفقه.

 

المبحث الأوّل ـ  مآلات الأفعال:

لم يكن مصطلح مآلات الأفعال كثير الرواج في التراث الفقهي الأصولي، ولعلّ الإمام الشاطبي كان من أكثر من استعمله من بين الفقهاء والأصوليين[1] ، إلاّ أنّ مضمون هذا الأصل الفقهي كان كثير التداول في ذلك التراث، كما كان كثير الاستعمال من قِبل الفقهاء والمجتهدين، وذلك ضمن قواعد وأصول تحمل عناوين أخرى من مثل: سدّ الذرائع، والاستحسان، والحيل، وغيرها من القواعد الفقهية، فكلّها تندرج من حيث المعنى في مدلول مآلات الأفعال على وجه العموم.

 

1 ـ  مدلول مآلات الأفعال:

 قد يرد مصطلح مآلات الأفعال بألفاظ أخرى دون أن يتغيّر من المدلول شيء، وذلك مثل: مآلات الأعمال، ومآلات الأحكام، ومآلات الأسباب. ومن حيث اللغة، فإنّ مآلات الأفعال أو الأعمال يُقصد بها ما ينتهي إليه العمل أو الفعل الذي يقوم به الإنسان من أثر في نفسه أو في غيره، كأن ينتهي الزواج إلى تحصين النفس، والشورى إلى ترشيد الرأي، والسرقة إلى الاضطراب وفقدان الأمن. ومآلات الأحكام يقصد بها الأثر الذي يحدثه الحكم الشرعي حينما يجري وفقه فعل مّا من الأفعال، كأن ينتهي حكم المنع في شرب الخمر إلى حفظ العقل، وحكم الوجوب في أداء الزكاة إلى التكافل الاجتماعي، وحكم الإباحة في الكثير من الأعمال إلى التوسعة ورفع الحرج. وعلى نفس المعنى يُحمل لفظ مآلات الأسباب؛ لأنّ المقصود بالأسباب هي الأحكام الشرعية.

وأمّا اعتبار مآلات الأفعال كقاعدة أصوليه، فالمقصود به أنّ الحكم الشرعي إنّما وضع لتحقيق مصلحة للإنسان، وقد شُرّعت الأحكام في طلبها لتلك المصلحة على أساس من العموم الذي يشمل أجناس الأفعال مطلقا عن الزمان والمكان والأعيان؛ ولكنّ الأحكام وإن كانت في الغالب الأعمّ تؤول عند تطبيقها على واقع الأفعال إلى تحقيق المصلحة المبتغاة منها، فإنّها في بعض الأحيان، وفي بعض الأعيان قد لا تؤدّي إلى تلك المصلحة المبتغاة، بل قد تؤدّي إلى نقيضها من المفسدة؛ وذلك لخصوصية تطرأ على ذات تلك الأعيان أو على ظرفها، تخرج بها عن عموم خصائص جنسها التي قُدّر على أساسها الحكم، فإذا تطبيق الحكم عليها يؤول إلى المفسدة من حيث أُريد به تحقيق المصلحة.

 وفي هذه الحال فإنّ الفقيه يراعي ذلك المآل الذي آل إليه الفعل عند جريانه على مقتضى الحكم، فيعدل به إلى حكم آخر يتحرّى المصلحة ويتفادى المفسدة. ومثال ذلك أنّ فعل السرقة شرّع له حكم المنع بالحرمة، لما يحقّق ذلك الحكم من مصلحة الأمن على الأموال وما يتبعه من الاجتهاد في كسبها وتنميتها؛ ولكن قد يحيط بأحد الأعيان في أفراد السرقة ظرف خاصّ ،كأن يجد الإنسان نفسه على أبواب الهلاك جوعا، ويكون ذلك الظرف سببا في مفسدة الهلاك فيما لو طبّق حكم المنع على هذا الفرد من أفراد السرقة شأن كلّ أفراد جنسها؛ وبالنظر إلى ذلك فإنّ الفقيه يعدل بحكم المنع في هذا الفرد لعدم تحقيقه المصلحة المبتغاة منه إلى حكم الجواز.

وقد كان الإمام الشاطبي بحسب ما وقفنا عليه من أوفى من شرح هذا المدلول الاصطلاحي، إذ قال في شأنه: ” النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة؛ وذلك أنّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلّفين بالإقدام أو بالإحجام إلاّ بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، [ فقد يكون ] مشروعا لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قُصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أُطلق القول في الأوّل بالمشروعية فربّما أدّى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أُطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربّما أدّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصحّ إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلاّ أنّه عذب المذاق، محمود الغبّ، جار على مقاصد الشريعة “[2].

وتماشيا مع هذا المفهوم الواسع لمآلات الأفعال عند الإمام الشاطبي، فقد جعله أصلا عامّا من أصول النظر الشرعي، وأدرج ضمنه جملة من القواعد التي كانت عند غيره تُعتبر من الأصول القائمة بذاتها، ومن تلك القواعد التي أدرجتها ضمن أصل المآلات قاعدة سدّ الذرائع، باعتبار أنّ الفعل في ذاته قد يكون مشروعا، ولكنّه يكون ذريعة بالمآل إلى ممنوع، فيُمنع هو أيضا اعتبارا لذلك المآل. ومنها قاعدة الحيل التي يؤول فيها على سبيل التحيّل فعل ظاهر الجواز لتشريعه في الأصل تحقيق مصلحة إلى مآل تتحقّق فيه مفسدة. ومنها قاعدة مراعاة الخلاف، باعتبار أنّ الفعل إذا كان حكمه الشرعي المنع بالدليل الراجح والجواز بالدليل المرجوح، فإنّه قبل وقوعه بالفعل يُجرى عليه حكم المنع، ولكن حينما يقع بالفعل فإنّه يُجرى عليه حكم الجواز الذي هو مرجوح؛ وذلك بالنظر إلى أنّه لو أُجري عليه حكم المنع لآل به إلى مفاسد تفوق إجراء حكم الجواز[3]. ومنها قاعدة الاستحسان[4]، وذلك أنّ طرد القياس بصفة مطلقة قد يؤول في بعض الأفعال لخصوصية فيها إلى مفسدة تساوي أو تفوق المصلحة التي يقتضيها القياس، فيعدل بذلك الفعل عن الحكم الذي يقتضيه ذلك القياس إلى حكم آخر يتفادى في الفعل المخصوص الأيلولة إلى المفسدة [5].

 

2 ـ  الحجج الشرعية لاعتبار مآلات الأفعال:

 ليس أصل مآلات الأفعال محلّ اتّفاق في اعتباره أصلا للاجتهاد بين الأيمّة المجتهدين من حيث كونه أصلا قائما، ولكن حتى أولئك المعارضين لأصليّته الاجتهادية اعتمدوا في اجتهادهم بعض تطبيقاته على وجه أو آخر من الاستعمال[6]. وربّما كان من أهمّ ما تمسّك به المعارضون لهذا الأصل هو أنّ الحكم الشرعي إذا ما تقرّر في شأن فعل من الأفعال فإنّ الشارع الحكيم لم يشرّعه في حقّه إلاّ لعلمه بتأديته إلى المصلحة، فإذا ما وقع صرفه عنه إلى حكم آخر فإنّ ذلك يعتبر مخالفة لإرادة الشارع وتقوّلا عليه. ولكنّ المتأمّل في نصوص الدين وقواعده العامّة لا يعدم أدلّة على أنّ اعتبار مآلات الأفعال أصل من الأصول التي بنيت عليها الشريعة، ومنهج معتبر من مناهج الاجتهاد. ومن تلك الأدلّة ما يلي:

أ ـ  حجّة التنصيص النظري: وتتمثّل فيما ورد من نصوص تفيد بصفة مباشرة  أنّ مآلات الأحكام أمر معتبر في الشريعة، وبيان ذلك في العديد من الآيات القرآنية التي ضُبطت فيها أحكام معيّنة، وعُلّلت بالمآلات التي تؤول إليها. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في التعقيب على تشريع القصاص:” ولكُم في القِصَاصِ حياةٌ ياأُولِي الأَلبَابِ” ( البقرة/179)، وقوله تعالى في التعقيب على تحريم الخمر والميسر: ” إنّما يُريد الشيطانُ أن يُوقعَ بينكُم العدَاوَةَ والبغضَاءَ في الخمرِ والميسِرِ” ( المائدة/91).

فتعليل هذه الأحكام بمآلاتها من تحقيق مصلحة بإجراء حكم الوجوب على الأفعال، واتّقاء مفسدة بإجراء حكم المنع عليها دليل على أنّ اعتبار المآل الذي يؤول إليه الحكم أمر معتبر في التشريع، وهو بالتالي أمر معتبر في الاجتهاد. ولا يقدح في ذلك ما يشوب الأيلولة من الظنّية التي قد تكون سببا في إهدار مقاصد الأحكام في الأفعال التي وُضعت لها لمّا يُعدل بها بناء على الظنّ إلى أحكام أخرى؛ لأنّ هذا الظّنّ في الأيلولة قد يبلغ أحيانا من القوّة ما يقترب بها من اليقين، وإذا لم يبلغ تلك الدرجة فإنّ الظّنّ الغالب يُلحق به، فضلا عن أنّ أحكام الشريعة هي في أغلبها قائمة على الظنّ.

ب ـ  حجّة التنصيص التطبيقي: وتتمثّل فيما جاء من نصوص تفيد في مسائل مخصوصة مشروعية العدول عن الحكم الذي وضع لأفعال معيّنة في الأصل إلى حكم آخر، مراعاة في ذلك للمآل المخالف لمقصد الحكم الأصلي الذي تؤول إليه لو أُجريت عليه. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ” ولاَ تَسُبُّوا الذين يدعون من دون الله فيَسُبُّوا اللهَ عدوًا بغير علم”  (الأنعام/108)، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ” لولا قومُك حديثٌ عهدُهم بكفر لأسّست البيت على قواعد إبراهيم”[7]، وقوله في تعليل انصرافه عن قتل المنافقين: ” أخاف أن يتحدّث الناس أنّ محمّدا يقتل أصحابه”[8].  

  ففي هذه الأمثلة عدول نبوي بصفة عملية عن إجراء الحكم المتعيّن في الأصل على فعل تأسيس البيت على قواعد إبراهيم، وفعل قتل المنافقين، إلى حكم الامتناع عن ذلك، لما يؤول إليه إجراء الحكم الأصلي من مفسدة فيهما هي تلاعب الناس ببيت الله وانتزاع هيبته من نفوسهم، وإشاعة الخوف في نفوس أتباع الدين وتنفيرهم منه، خلافا لما شرّع من أجله من مصلحة هي الإعلاء من مقام البيت وربطه بذكر مؤسّسه إبراهيم، والتخلّص من الضرر الفادح الذي يحدثه المنافقون بالمسلمين، وفي هذا العدول النبوي عن الحكم الأصلي إلى حكم آخر بسبب المآل حجّة على أنّ مآلات الأفعال أصل معتبر في التشريع، فتكون إذن أصلا معتبرا من أصول الاجتهاد.

ج ـ  حجّة اعتبار المقاصد: ليس من خلاف في أنّ أحكام الشريعة شرّعت من أجل مقاصد راجعة إلى العباد جماعها تحقيق المصلحة، وهو مضمون قوله تعالى:” وما أرْسَلْناكَ إلاَّ رحمَةً للعالَمين ” ( الأنبياء/107)، فكلّ حكم شرعي علّة تشريعه هي تحقيق مقصده الذي من أجله شرّع مهما يكن عليه ذلك المقصد من درجة الظهور والخفاء.

واعتبار المقاصد التي ابتغاها الشارع من الأحكام أمر مشروع ما دامت هي علّة الأحكام وأسبابها، ولا يناقض هذا الاعتبار ما هو مطلوب من الانصياع للأحكام لمجرّد اعتبارها أوامر إلهية؛ لأنّ هذا الانصياع هو انصياع للأوامر باعتبارها أوامر تحقّق المصلحة، فتبيّن هذه المصلحة ممّا يعضّد حال الانصياع ويقوّيه؛ لأنّه ينضاف به العلم بوجه الحقّ في الأحكام تفصيلا بتبيّن آثارها الفعلية إلى العلم بوجه الحقّ فيها إجمالا باعتبار صدورها عن الرحمن الرحيم، ولعلّ ذلك هو أحد الأغراض التربوية في الموقف الإبراهيمي الذي جاء في قوله تعالى: ” ولكن ليطمئنّ قلبي “.

وإذا كانت مقاصد الأحكام في تقريرها النظري مختلفة الدرجات بين الظهور والخفاء، إذ هي في العبادات أخفى منها في المعاملات، وهي في المعاملات متفاوتة في ذلك ، وإذا كانت  كذلك أيضا في أيلولتها الفعلية في الواقع، إلاّ أنّ قدرا منها في المجالين معا قد يمكن الوقوف عليه إمّا على وجه اليقين أو على وجه الظنّ الغالب، وهو ما يبرّر الالتفات إلى المقاصد بالاعتبار في الانصياع إلى الأحكام إذعانا بالتسليم وتطبيقا بالإيقاع[9].

ولمّا كانت مقاصد الأحكام قد يطرأ عليها من الظروف الخارجة عن ذاتها ما يعطّل حصولها في الواقع عند تطبيقها كما مرّت الإشارة إليه،  فإنّ تطبيق الحكم الشرعي على الأفعال ينبغي أن يكون ملحوظا فيه إفضاؤه إلى تحقيق مقصده ـ إذ ذلك المقصد هو علّة تشريعه ـ، فإذا تبيّن على سبيل اليقين أو الظنّ الغالب أنّ حكما مّا من الأحكام لسبب أو لآخر من الأسباب سوف لا يفضي تطبيقه على الفعل الذي وُضع له إلى تحقيق مقصده، فإنّ ذلك يكون مبرّرا كافيا لأن يُعدل بالفعل من حكمه الأصلي إلى حكم آخر اعتبارا للمآل، فيكون إذن تحقّق المقصد أو عدم تحقّقه فيما يؤول إليه تطبيق الأحكام الشرعية على الأفعال أمرا معتبرا يُحتجّ به في مشروعية أصل مآلات الأفعال.

 

3 ـ  ضوابط اعتبار المآلات:

اعتبار مآلات الأفعال كأصل من أصول الاجتهاد الشرعي بقدر ما هو أصل مفيد في الإثراء الفقهي، وفي ترشيد النظر الاجتهادي، فهو دقيق في الاستعمال، وعر في المسلك، عرضة لأن تزلّ فيه الأقدام، وهو ما استشعره الإمام الشاطبي فعبّر عنه بوصف أنّه “صعب المورد”؛ وإنّما كان على هذا النحو لأنّ مرمى النظر فيه بعيد، يمتدّ إلى مآل الفعل الذي قد يتبيّن ببعض اليسر في الدائرة القريبة، وقد لا يتبيّن إلاّ في دوائر بعيدة تتداعى مضاعفاتها وتتوالى قبل أن تستقرّ على حالها الأخيرة، وخاصّة فيما هو معقّد متشابك من شؤون الحياة، فيصعب حينئذ تقدير المآل الذي ينبني عليه الحكم

وتُضاف إلى هذه الصعوبة في المورد تلك الخطورة الشديدة إذا ما وقع الخطأ في التقدير؛ إذ لو قُدر المآل في فعل من الأفعال على غير حقيقته، فعُدل بالحكم الشرعي المتعلّق به إلى حكم آخر يقتضيه ذلك المآل المقدّر خطأ لانتهى الأمر إلى تغيير في شرع الله تعالى بإجازة الممنوع ومنع الجائز، وذلك محذور كبير هو الذي استشعره أولئك الذين عارضو أن يكون اعتبار المآلات أصلا اجتهاديا، فبنوا أقوى أدلّتهم في المعارضة عليه[10].

وتقتضي هذه الصعوبة في المورد، وهذه المحاذير في النتائج أن يُحاط استعمال هذا الأصل الاجتهادي بجملة من القيود والضوابط التي من شأنها أن ترشّد فيه المسار، وأن تجنّب الزلل. وبما أنّ مناط الاجتهاد في استعمال هذا الأصل يتعلّق بأمرين: مقصد الحكم المنظور في مآله، وأيلولته إلى تحقيق ذلك المقصد من عدمها عند التطبيق، فإنّ الضوابط التي من شأنها أن ترشّد الاجتهاد بهذا الأصل ستكون متعلّقة بهذين الأمرين على نحو ما يلي:

أ ـ  تحرّي مقاصد الأحكام:  إنّ اعتبار المآلات مبنيّ على اعتبار المقاصد، فحينما يقع العدول عن حكم مّا في فعل من الأفعال إلى حكم غيره بناء على مآله، فالمقصود بذلك أنّ هذا الحكم لا ينتهي عند تطبيقه إلى المقصد الذي شُرّع من أجله، بل يؤول إلى خلاف ذلك المقصد، فيُعتبر إذن ذلك المآل، ويُعدل بالحكم الأصلي إلى غيره. ولمّا كان الأمر كذلك فإنّ أوّل الضوابط في اعتبار المآلات هو تحرّي المقصد الذي شرّع من أجله الحكم المنظور في مآله حتى يحصل فيه تعيين باليقين أو بغلبة الظنّ، فيرد اعتبار المآل إذن في تحقّق المقصد من عدمه على مقصد معلوم غير موهوم، وينتهي تقدير المآل على مورد صحيح.

ومقاصد الأحكام الشرعية إذا كانت ثابتة في ذاتها بالنسبة لكلّ حكم منها، إلاّ أنّها من حيث ظهورها وخفاؤها بالنسبة للناظر متفاوتة في الدرجات، فقد يكون حكم مّا بيّن المقصد فيُعلم على وجه اليقين أو ما يقارب اليقين، وقد يكون حكم آخر خفيّ المقصد بحيث يكاد لا يستبين، وما بين هذا وذاك درجات كثيرة ينبسط فيها للظنّ مجال واسع، فينبغي أن ينبسط فيها أيضا للنظر جهد كبير، حتى ينتهي الأمر إلى تعيين صحيح للمقصد يحدّد على أساسه المآل فيما إذا كان موافقا له أو مخالفا.

وحينما نعود إلى الأدب الأصولي فيما يتعلّق بالمقاصد فإنّنا لا نظفر بما يشفي الغليل في خصوص مسالك الكشف عن مقاصد الأحكام الشرعية على وجه التفصيل فيها، وإذا تجاوزنا في ذلك ما يُعرف في باب القياس من علم أصول الفقه من مبحث مسالك العلّة فإنّنا لا نجد حسب علمنا من خصّص جهدا معتبرا في الكشف عن هذه المسالك سوى الإمامين المقاصديين: الشاطبي وابن عاشور، فقد عقد كلّ منهما فصلا حاول فيه التوجيه إلى مسالك  تعين على تعيين مقاصد الشريعة من أحكامها، فكانت كالقواعد التي يتوخّاها الناظر لتحديد تلك المقاصد والوقوف عليها، وزاد ابن عاشور على ذلك أن بيّن المقاصد التفصيلية في كلّ جنس من أجناس الأحكام، فكان ذلك كالتطبيق لتلك القواعد النظرية[11]. ومن أهمّ المسالك الكاشفة عن مقاصد الأحكام كما وردت عند الإمامين ما يلي:

أوّلا ـ  التحرّي بالتعيين النصّي: جاء في القرآن الكريم تعيين للمقاصد الشرعية في بعض الأحكام المخصوصة أو في الأحكام بصفة عامّة، وذلك على سبيل التصريح أو على سبيل التنبيه، وذلك من مثل قوله تعالى: ” إنّما يُريدُ الشيطانُ أن يُوقِع بينكُم العداوةَ والبغضاءَ في الخمرِ والميسرِ” ( المائدة / 91 )، ففي هذا تصريح بأنّ المقصد من منع الخمر والميسر هو منع ما يفضيان إليه من العداوة والبغضاء بين الناس، وقوله تعالى: ” ومن كان مريضا أو على سَفَر فعِدّةٌ من أيَّامٍ أُخَر يُريد اللهُ بكم اليُسرَ ولا يُريدُ بكم العُسرَ” (البقرة/185 )، ففيه تعيين لمقصد الحكم بجواز الإفطار في حال المرض والسفر، وهو التيسير ورفع المشقّة على الصائم، وهو المقصد الذي ورد تعيينه على سبيل التنبيه في أحكام الدين كافّة كما في قوله تعالى:” وما جعلَ عليكُم في الدينِ من حَرَج” ( الحج/78 )[12].

 

ثانيا ـ  التحرّي بالتعيين الاستقرائي: يمكن أن يتمّ تعيين مقاصد الأحكام الشرعية بعمل استقرائي في عموم التصرّفات الشرعية ما كان منها بيانا قوليا وما كان بيانا عمليا، فذلك الاستقراء يُبين عن اطّراد في بعض المعاني تتكرّر في جملة كبيرة من الأحكام، فيقوم ذلك مقام التعيين لتلك المعاني مقاصدَ للأحكام التي اطّردت فيها، وللأحكام التي هي من جنسها.

ومن أمثلة ذلك ما يطّرد في أحكام المعاوضات من نهي عن المزابنة، وعن بيع المكيل بالجزاف، وعن المخادعة في البيع، فهذا النهي في أشكاله المتعدّدة يتعيّن به بطريق الاستقراء مقصد عامّ لهذه الأحكام هو مقصد إبطال الغرر. ومن أمثلته أيضا ما يطّرد في أحكام بيع الطعام من نهي عن الاحتكار، ونهي عن بيع الطعام قبل قبضه، والنهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئة، فهذا النهي يفيد بطريق الاستقراء أنّ المقصد في أحكام بيع الطعام رواجُه وتيسير تداوله بين الناس[13].

 

ثالثا ـ : التحرّي بدلالة الأصل على الفرع: إنّ من أحكام الشريعة ما يُبنى على مقصد أصلي يكون متعيّنا بالنصّ أو بالاستقراء، وتتفرّع عنه وتتبعه مقاصد أخرى له لا تكون متعيّنة بذلك، ففي هذه الحال يمكن تعيين تلك المقاصد الفرعية بدلالة ذلك المقصد الأصلي المتعيّن بالنصّ، وذلك باعتبار أنّ كلّ ما كان موافقا للمقصد الأصلي مدعّما له فهو مقصد شرعي لذلك الحكم، وكلّ ما كان خلاف ذلك فهو ليس بمقصد له.

ومثال ذلك أنّ المقصد الأصلي من أحكام الزواج هو إنجاب النسل، وبهذا المقصد الأصلي يُستدلّ لتعيين مقاصد فرعية تكون متلائمة معه وموافقة له، وذلك من مثل المتعة المادّية، والسّكن النفسي، والإعفاف، والتعاون في شؤون الحياة، فهذه كلّها وما في معناها مؤيّدات لإنجاب النسل، مدعّمات له، فهي من المقاصد الفرعية لأحكام الزواج، فيمكن للناظر أن يعيّنها بدلالة ذلك المقصد الأصلي عليها[14].

 

رابعا ـ التحرّي  بالتعيين السكوتي: كما قد يُعلم مقصد الشارع من الحكم على سبيل الإيجاب تعيينا بأحد المسالك السابقة، فإنّه قد يُعلم بطريق السلب، وذلك كأن يُشرّع حكم مّا في شأن مفردات من الأفعال أو الأشياء، ويسكت عمّا هو شبيه بها فلا يُشمَل بذلك الحكم، فذلك السكوت يقوم مقام التعيين لكون المقصد من الحكم غير شامل للأفراد المسكوت عنها، فيُعرف من ذلك أنّ المقصد الشرعي المتعيّن في حقّ أشباهها ليس مقصدا متعيّنا في حقّها هي، وذلك ضرب من المسالك في معرفة مقاصد الأحكام.

ومن أمثلة ذلك ما جرى عليه الاجتهاد المالكي من إسقاط الزكاة من الخضر والبقول، لما نقل عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من أنّه لم يأخذ فيها زكاة، وإسقاط السجود شكرا لله عند حلول النعم والأفراح، لما نقل عنه من تركه لذلك؛ فبهذا السكوت النبوي عن تشريع الزكاة في الخضر والبقول، وتشريع السجود شكرا للّه عند حلول النعم مع قيام الدواعي لذلك، إذ قد توفّر بين يديه إنتاج الخضر والبقول، وتوفّرت مناسبات الأفراح، يُعلم أنّ مقصد الزكاة في سائر الأنواع التي شملها حكم الزكاة، ومقصد السجود في سائر مناسبات السجود التي ورد فيها حكم به، ليس بمقصد لزكاة الخضر والبقول، ولا مقصد للسّجود شكرا عند حلول النعم، وهو ما يساعد المجتهد على تبيّن مقاصد الأحكام بطريق التعيين السلبي لما هو ليس بمقصد شرعي[15]

هذه بعض المسالك التي تعين المجتهد على تعيين مقاصد الأحكام، وبمزيد من كدّ النظر في هذا الشأن يمكن أن يقف الباحث على مسالك أخرى، إمّا مستقلّة بذاتها، أو متفرّعة عن هذه التي ذكرناها، فالمجال في هذا الأمر بقي قليل الارتياد من النّظّار، وآفاقه مفتوحة للبحث، والبحث فيه بحث جليل الفائدة في مقام الاجتهاد بصفة عامّة، وجليل الفائدة في مقام الاجتهاد باعتبار المآلات بصفة خاصّة.

ب ـ  تحرّي أيلولة الأحكام: إنّ تعيين مقاصد الأحكام لئن كان خطوة ضرورية في اعتبار المآلات، إلاّ أنّها ليست بكافية في ذلك؛ لأنّ الحكم الشرعي الذي يبنيه المجتهد على اعتبار المآل ينبغي أن يبنيه على علم باليقين أو الظنّ الغالب بأنّ الحكم الأصلي إذا ما طُبّق على الفعل الموضوع له فسوف لا يحقّق به ذلك المقصد منه الذي وقع تعيينه بمسلك من مسالك التعيين، وإنّما سينتهي إلى مآل آخر فيه من المفسدة ما يساوي المصلحة المقصودة أو يربو عليها، وذلك العلم هو المبرّر للعدول بالحكم الأصلي إلى حكم آخر يُقدَّر أنّه هو الذي يحقّق المقصد المرجوّ.

والعلم بهذا المآل الذي هو معقد العدول بالحكم الأصلي إلى حكم آخر يستلزم من المجتهد ضربا آخر من الفقه غير الفقه الذي يعيّن به مقاصد الأحكام، إذ أحكام الشريعة المتعلّقة بأفعال العباد إنّما وضعت من قِبل عليم حكيم، وهي لم توضع من قِبله متعلّقة بتلك الأفعال أمرا ونهيا وإباحة إلاّ لأنّها بحكم علمه وحكمته تحقّق مقاصدها فيها من جلب مصلحة للعباد ودرء مفسدة عنهم، فكيف تؤول أحيانا إلى خلاف ما وُضعت له فلا تتحقّق مقاصدها؟ وما هي الأسباب التي تجعلها لا تحقّق تلك المقاصد؟ وكيف يمكن للناظر أن يعلم  بأنّ الأحكام ستحقّق مقاصدها إذا ما طُبّقت على الأفعال الموضوعة لها أو هي لا تحقّقها؟ أسئلة ثلاثة يجب على الناظر في المآلات أن يكون له فيها جواب.

أوّلا ـ  أيلولة الأحكام إلى غير مقاصدها: أحكام الشريعة متعلّقة بأفعال العباد، والأفعال صادرة عن أفراد من الناس معيّنين بأشخاصهم، وهذا التعيّن لئن كان يشتمل على قدر مشترك بين المتعيّنين مثل ماهية الإنسانية بمكوّناتها الفطرية، فإنّه يشتمل أيضا على قدر من الاختلاف بين فرد وآخر من الأفراد، وبين مجموعة وأخرى من المجموعات، من مثل المكتسبات التربوية، والأحوال الخارجية كالفقر والغنى، والجماعية والتفرّد، والظروف المكانية والزمانية.

وإذا كانت الماهية المشتركة بين أفراد الإنسان تمثّل سببا في اطّراد جملة كبيرة من التصرّفات عند جميعهم كالسعي إلى تحصيل ما يحفظ الحياة من الطعام والشراب، وما يحفظ النوع من أسباب التناسل، فإنّ ما به الاختلاف ممّا هو زائد على الماهية يمثّل سببا في اختلاف الأفراد في جملة كبيرة من التصرّفات الصادرة عنهم، وفي اختلاف درجات قبولهم للمؤثّرات الخارجية وتفاعلهم معها، وفي مدى انصلاح نفوسهم واستقامة أعمالهم بما يرد عليهم من عوامل الإصلاح والتقويم، وممّا يعزّز ذلك ويقوّيه ما رُكّب عليه الإنسان في أصل فطرته من إرادة الاختيار التي تذهب بالأفراد مذاهب شتّى تبعا لاختياراتهم المتعدّدة. وذلك كلّه يصحّ في حقّ الجماعات التي تتشكّل لحمتها بظروف الزمان أو المكان، أو بالعوائد والأعراف، أو بالمذاهب والأديان، أو بغيرها من أسباب تشكّل الجماعات كما يصحّ في حقّ الأفراد.

إنّ الإنسان إذن هو بالاعتبارات السابقة مخالف للمادّة الصّمّاء، فالمادّة تتشكّل على سواء في أصل خلقتها، ولا يكون بين أفراد أنواعها من تفاوت، إذ هي مسلوبة الاختيار، وهي مسلوبة في التفاعل مع غيرها قابلية التفاوت بالزيادة أوالنقصان في كينونتها؛ وهي لذلك تتقبّل المؤثّرات على وزّان واحد، فتستجيب كلّ أفرادها على ذات النّمط من الاستجابة، لا يشذّ فرد في ذلك عن أفراد نوعه؛ ولذلك فهي تنضبط في صرامة للقانون الكلّي الموحّد الذي يصدق على كلّها كما يصدق على جزئيّات أفرادها؛ ولكنّ الإنسان وشأنه ما وصفنا لئن كان يستجيب على أنماط متطابقة أو متقاربة للقانون الموحّد الذي يتعلّق بتكوينه الفطري الذي هو قدر مشترك ثابت، فإنّه ليس كذلك فيما يتعلّق بما به الاختلاف بين الأفراد وبين الجماعات، فذلك الذي به الاختلاف لاينضبط في التفاعل والاستجابة إلى قانون صارم، بل يحدث فيه من التفاوت ما لا يحصره قانون، ولا تضبطه قاعدة ثابتة.

والله تعالى لمّا كان عليما بطبيعة الإنسان فيما ينتظم أفراده من مشتركات الفطرة ومن مختلفات الأوضاع المكتسبة، فإنّه لمّا شرّع الأحكام وبناها على تحقيق مصلحة الإنسان،  شرّعها على وجه القانون العامّ الذي يناسب المشترك من الفطرة الإنسانية، ولكنّ هذا القانون العامّ المتمثّل في الأحكام الكلّية للشريعة لئن كانت في تحقيق مقاصدها التي أرادها الله تعالى منها تنتهي إلى تحقيق تلك المقاصد بالفعل عند التطبيق بالنسبة للغالب من أفراد الناس وأفراد الجماعات باعتبار غلبة ما هو من مشترَك الفطرة، فإنّها قد لا تنتهي إلى ذلك التحقيق الفعلي بالنسبة لبعض الأفراد، أو لبعض الجماعات، أو في بعض الظروف والأحوال؛ وذلك بسبب الاختلاف بينها فيما هو زائد على مكوّنات الفطرة من المكتسَبات العارضة   

 وإذن فإنّ أحكام الشريعة إذا كانت تؤول في الغالب إلى تحقيق مقاصدها عند تطبيقها على الأفعال، فإنّه ليس من المستغرب أن تتخلّف أحيانا أيلولاتها إلى ذلك التحقيق للأسباب التي ذكرناها آنفا، وهو ما يقوم مقام المبرّر الشرعي لاستعمال قاعدة اعتبار المآلات في منهج الاجتهاد ليُصرف الفعل عن حكمه الأصلي الذي لم يحقّق فيه مقصده إلى حكم آخر يحقّقه فيه، وذلك ما أشار إليه الشاطبي في قوله: ” إنّ الشريعة لم تنصّ على حكم كلّ جزئيّة على حدتها، وإنّما أتت بأمور كلّية، وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر، ومع ذلك فلكلّ معيّن خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين، وليس ما به الامتياز معتبرا في الحكم بإطلاق، ولا هو طردي بإطلاق، بل ذلك منقسم إلى الضربين”[16]، كما أشار إليه في قوله تكملة لذلك: ” فلو أعرض عن الجزئيات بإطلاق، لدخلت مفاسد، ولفاتت مصالح، وهو مناقض لمقصود الشارع، ولأنّه من جملة المحافظة على الكلّيات، لأنّها يخدم بعضها بعضا.. .. فالحاصل أنّه لا بدّ من اعتبار خصوص الجزئيّات مع اعتبار كلّياتها، وبالعكس،وهو منتهى نظر المجتهدين بإطلاق”[17].

ثانيا ـ المؤثّرات في أيلولة الأحكام: إذا تبيّن أنّ أحكام الشريعة لئن كانت تؤول إلى تحقيق مقاصدها في الأغلب، إلاّ أنّها قد تتخلّف في ذلك التحقيق، فحقّ على الناظر المجتهد بقاعدة اعتبار المآل أن يكون له إلمام بالأسباب التي تجعل الأحكام تتخلّف عن تحقيق مقاصدها، والمؤثّرات التي تؤثّر عليها في ذلك، فما هي تلك الأسباب وتلك المؤثّرات؟

ألمعنا آنفا إلى أنّ أفراد الأفعال التي يتّجه إليها الحكم الشرعيّ الكلّي بالتكليف إنّما يتّجه إليها باعتبار ما فيها من معنى الكلّية المتمثّل في جنسها أو نوعها، والمقصد المبتغى تحقيقه منها مبنيّ على اعتبار ذلك المعنى الكلّي، ولكنّ الأفراد في تعيّنها تكتسب لها أحوالا تزيد عن ذلك المعنى الكلّي الجامع بينها، وهي أحوال قد تختلف بين فرد وآخر من أفرادها إن كثيرا أو قليلا. وتلك الأحوال التي يختصّ بها كلّ فرد من الأفراد قد تبلغ في بعض الأفراد مبلغا بعيدا ينأى بها عن سائر الأفراد، فتتكوّن لها بذلك خصوصية بيّنة تكون سببا مؤثّرا على أيلولة المقصد الشرعي الذي شرّع من أجله الحكم المتّجه إليها، فإذا بذلك المقصد يتخلّف حينما يطبّق الحكم عليها بسبب تلك الخصوصية. ويمكن تبيّن تلك الخصوصية المؤثّرة على أيلولة الحكم إلى تحقيق مقصده في جملة من المظاهر التي من أهمّها ما يلي:

  ـ  الخصوصية الذاتية: قد يكتسب فعل مّا من الأفعال، أو يكتسب فاعله  لسبب أو لآخر من الأسباب صفات ذاتية يخرج بها عن مماثلة النوع الذي ينتمي إليه، وتكون تلك الصفات منافرة في طبيعتها لطبيعة المقصد الشرعي الذي من المفروض نظريا أن يتحقّق في ذلك الفعل أو في ذلك الفاعل عندما يُجرى عليه الحكم الموضوع له؛ ولذلك فإنّه عند تطبيق الحكم الشرعي عليه ابتغاء تحقيق مقصده فيه تكون تلك الصفات المكتسبة المنافرة في طبيعتها لطبيعة ذلك المقصد حائلا دون تلك الأيلولة المبتغاة.

ومن أمثلة ذلك في الأشخاص الفاعلة أن يكتسب شخص مّا أو مجموعة من الأشخاص صفات من غلظة النفس، ومن تمكّن الباطل فيها، ما يجعلها إذا ما وُجّه إليها نصحٌ بأمر بمعروف أو نهي عن منكر عاندت ذلك النصح بعكس مقتضاه من الانتصاج شأن النفوس المرسلة على فطرتها السويّة، فإذا هي تأتي من المنكر جرّاء ذلك النصح بما هو أفظع من المنكر المنصوح فيه، وإذن فإنّ المقصد المبتَغَى من حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المشمولة به تلك النفوس وهو حصول المصلحة بإتيان المعروف والانكفاف عن إتيان المنكر لا يكون له تحقّق في هذا النمط من الأفراد الفاعلة، لتلك الصفات الذاتية التي اكتسبتها فعطّلت أيلولة الحكم إلى تحقيق مقصده، وهذه الخاصّية الذاتية الصارفة عن تحقيق مقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي التي كانت ملحَظا ذكيّا للإمام ابن تيمية حينما مرّ بقوم من التتار يشربون الخمر، فنهاهم صاحبه عن هذا المنكر، فأنكر عليه ذلك قائلا:” إنّما حرّم الله الخمر لأنّها تصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدّهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرّية وأخذ الأموال، فدعهم “[18].   

ومن أمثلته في الأفعال ما قد يخالط فعل الزواج من نيّة التوقيت إلى أجل محدّد سواء لتحقيق متعة، أو لتحليل زوجة مطلّقة ثلاثا، فصفة التوقيت التي يكتسبها هذا الفعل في عنصر النيّة منه تجعل الحكم الشرعي المبتَغَى من الزواج في عموم أفراده غير متحقّق فيه، إذ طبيعة صفة التوقيت معاندة في طبيعتها لمقصد الإنجاب والسكينة والتعاون؛ ولذلك يُصرف عنه حكم الجواز أو الطلب، ويُستعاض عنهما بحكم المنع، اعتبارا لهذه الأيلولة المصروف فيها المقصد الشرعي عن التحقّق بسبب هذه الخصوصية الذاتية.

  ـ  الخصوصية الظرفية: قد تكتسب بعض الأفعال خصائص إضافية من تلقاء الظرف الذي يكون مسرحا لحدوثها، سواء كان ظرفا زمانيا،  أو مكانيا، أو زمانيا ومكانيا معا، وتكون تلك الخصائص المضافة إلى الفعل في أصل طبيعته عائقة دون تحقيق المصلحة التي يبتغيها منه الحكم المشرّع لعموم نوعه، فتعتبر تلك الخصوصية الظرفية إذن هي المؤثّر على أيلولة الحكم الشرعي إلى منتهَى لا يتحقّق فيه المقصد منه.

ومن أمثلة ذلك أنّ الأفعال التي تستحقّ أن تُطبّق عليها أحكام الحدود إذا ما وقعت في زمن تدور فيه الحرب مع العدوّ، أو وقعت على مكان هو بلاد العدوّ، فإنّها تكتسب بهذه الظرفية الزمانية والمكانية خاصّية تجعل من حكم إقامة الحدّ حكما غير مؤدّ إلى مقصده من تطبيقه عليها، بل قد يؤدّي إلى عكس ذلك المقصد؛ فبدلا من أن يؤدّي تطبيق الحدّ على مقترف الأفعال المستحقّة له إلى ردع الفاعل عن مقارفتها مجدّدا قد تؤدّي إلى إغرائه بإفشاء الأسرار إلى الأعداء أو إلى اللّحاق بهم انتقاما لما فُعل به، وتنكيلا بمقيمي الحدّ عليه، وهو ما يؤدّي إلى مفسدة أعظم من مفسدة ترك إقامة الحدّ[19].

  ـ  الخصوصية العرفية: تتّخذ بعض الجماعات أعرافا وعادات تتواضع عليها وتحكّمها في بعض شؤون حياتها، وقد تكتسب بعض أفعالهم بتلك الأعراف خصوصية لا تكون لها في أصلها العامّ، وتلك الخصوصية العرفية التي تكتسبها بعض الأفعال قد تجعلها حينما يُطبّق عليها الحكم الشرعي المتعلّق بها غير آيلة إلى تحقيق المقصد الذي يبتغيه ذلك الحكم، فتكون أيلولتها إلى هذا المآل إذن بسبب من تأثير الخصوصية العرفية.

ومن أمثلة ذلك أنّ بعض المجتمعات جعلت من عاداتها تفشّي المصافحة بين الرجال والنساء، وعُدّ عندها الامتناع عن ذلك من علامات التحقير والاستنقاص والسخرية التي تقابل بالنكير الشديد والجفوة البالغة، فإذا ما جاء الداعية المرشد لهؤلاء القوم يطبّق عليهم في فعل هذه المصافحة الحكم الشرعي بالمنع، باءت دعوته بفشل ذريع، إذ يُستنكر عليه ذلك استنكارا، وتقابل دعوته وإرشاداته بالرفض، فربّما كان من اجتهاده الموفّق اعتبار هذه الأيلولة لحكم المنع إلى غير مقصده، فترخّص بالجواز إلى حين تحويل القوم بالدعوة والإرشاد عن هذه العادة.

  ـ  الخصوصية الواقعية: أحكام الشريعة جاءت توجّه أفعال العباد بالجواز والمنع والطلب حتى تحصل في الواقع بحسب ذلك، فهي متّجهة إليها بالتكليف قبل وقوعها، ومقاصدها المبتغاة منها إنّما حدّدت على ذلك الاعتبار، فإذا ما وقع الذي حكمه الطلب تحقّقت المصلحة من وقوعه، وإذا ما لم يقع الذي حكمه المنع تحقّقت المصلحة من عدم وقوعه؛ ولكن بعض الأفعال حينما يأخذ طريقه إلى الوقوع جاريا على غير ما شُرّع له من الحكم فإنّه قد يكتسب بوقوعه على ذلك النحو خصوصية واقعية تجعل تطبيق حكمه عليه بالمنع مثلا إن كان حكمه المنع يؤول به إلى خلاف مقصد ذلك الحكم منه، وتكون إذن تلك الخصوصية الواقعية مؤثّرة على أيلولة الحكم الشرعي إلى تحقيق مبتغاه.

ومن أمثلة ذلك ما كان من تصرّف نبوي مع ذلك الأعرابي الذي تبوّل في المسجد فهمّ أصحابه بمنعه، فقد منعهم من ذلك وقال لهم: ” لا تُزرموه “[20]، فهذا الفعل اكتسب بسبب الوقوع خصوصية صار بها لو طُبّق عليه حكم المنع في حال وقوعه آيلا إلى عكس مقصده الذي هو الحفاظ على نظافة المكان، إذ تطبيق المنع في حال الوقوع يفضي إلى المزيد من النجاسة بالانتشار، إضافة إلى ما يحصل من الأذى البدني بذلك المنع، وهذا التصرّف النبوي إنّما كان مبنيا على ما كان من تأثير لخصوصية الوقوع على أيلولة الفعل. ولعلّ القاعدة الفقهية القائلة بأنّه يجوز في الانتهاء ما لا يجوز في الابتداء مبنيّة على اعتبار المآل بتأثير خصوصية الوقوع هذه.

وقد كان الفقهاء والأصوليون والمجتهدون يقدّرون هذه الأسباب المؤثّرة في أيلولة الأفعال، ويتّخذون منها قواعد في التأصيل والاجتهاد، فقد عقد ابن القيّم في كتابه الإعلام فصلا بيّن فيه ” تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيّات والعوائد”[21] ، وممّا قرّره الشاطبي مندرجا في ذات السياق أنّه ينبغي على المجتهد:” النظر فيما يصلح بكلّ مكلّف في نفسه، بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص، إذ النفوس  ليست في قبول الأعمال الخاصّة على وزّان واحد… فهو يحمل على كلّ نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناء على أنّ ذلك هو المقصود الشرعي في تلقّي التكاليف”[22]. وإنّما اعتبر المآل في هذه البيانات والأقوال بناء على العلم بالمؤثّرات التي تؤثّر في الأيلولة فتخرج بها من سياقها في إنتاج الحكم  لمقصده إلى سياق آخر يكون فيه غير منتج لذلك المقصد، وذلك بواحد من الأسباب التي ذكرناها أو بغيرها، وهو علم مطلوب للمجتهد باعتبار المآل.

 

ثالثا ـ  مسالك الكشف عن المآلات: لا يكفي في الاجتهاد باعتبار المآل أن يعلم المجتهد مقاصد الأحكام تعيينا، وأن يعلم المؤثّرات على الأيلولة بحسب ما هي عليه في الواقع، فتلك كلّها إنّما هي مقدّمات لعلم آخر ضروري هو المعقد في اعتبار المآل، وهو العلم بالقواعد والمسالك التي بها تُقدّر مآلات الأفعال، فيعلم من خلالها مسبقا على وجه اليقين أو الظّنّ الغالب أنّ هذا الحكم الشرعيّ إذا ما طُبّق على هذا الفعل المعيّن آل به إلى أيلولة لا يتحقّق بها مقصده، ليكون ذلك العلم هو الأساس الأصلي في العدول بالحكم الأصلي إلى حكم آخر يتحقّق به المقصد المبتَغَى، ويكون تبعا لذلك هو الأساس الأصلي في الاجتهاد باعتبار المآل. فما هي المسالك التي يمكن أن يستكشف بها المجتهد مآلات الأفعال قبل وقوعها ليبني عليها اجتهاده باعتبار المآل؟

لم نقف بحسب علمنا على مبحث متخصّص في هذا الأمر لا في الدراسات القديمة ولا في الحديثة، وإنّما هي ملاحظات وإشارات ولمحات مبثوثة في مؤلّفات الأصوليين والمقاصديين منهم على وجه الخصوص، وقد أورد الشاطبي هذه القضية قضيّة العلم المسبق بمآل الحكم من تحقيق مقصده أو عدمه في هيئة إشكال طرحه للحوار بين القول بإجراء الأحكام على الأفعال المتعلّقة بها أو عدم إجرائها في حال العلم أو الظّن بأنّها لا تفضي إلى تحقيق مقاصدها منها، ولم يأت في ذلك  بجواب فيما يمكن أن يُعلم به مسبقا أيلولة الحكم إلى مقصده من عدم ذلك.

وممّا قاله الشاطبي في تحديد هذه المشكلة:” وأمّا إن كان امتناع وقوع حكم الأسباب وهي المسبّبات [ أي الأيلولة إلى تحقيق المقصد الشرعي ] لأمر خارجي مع قبول المحلّ من حيث نفسه، فهل يؤثّر ذلك الأمر الخارجي في شرعية السبب، أم يجري السبب على أصل مشروعيته؟ هذا محتمل، والخلاف فيه سائغ”[23]،  وممّا أورده من استشكالات في هذا الشأن قوله: ” إنّ اعتبار وجود الحكمة [ أي حصول المقصد ] في محلٍّ عينا لا ينضبط؛ لأنّ تلك الحكمة لا توجد إلاّ ثانيا عن وقوع السبب [ أي عن تطبيق الحكم ]، فنحن قبل وقوع السبب جاهلون بوقوعها أو عدم وقوعها … وإذ لم نعلم وقوع الحكمة فلا يصحّ توقّف مشروعية السبب على وجود الحكمة”[24].

 وإنّه لمن الحقّ على المجتهد أن يتبيّن ببعض القواعد والمسالك حصول المقصد من إجراء الحكم الشرعي على الأفعال العينية المتعلّق بأجناسها أو عدم حصوله ليبني على العلم بتلك الأيلولة إجراءه عليها أو صرفه عنها، وذلك فقه دقيق في هذا الاجتهاد نحسب أنّه لم يأخذ حظّه من الدرس، فماذا يمكن أن يُضبط من المسالك المؤدّية إلى ذلك الغرض؟ ربّما يفيد جمع ملاحظات وإشارات متناثرة في هذا الشأن في تحديد المسالك والقواعد التالية:

  ـ  مسلك  الاستقراء الواقعي: لعلّ هذا المسلك هو من أبين المسالك في استكشاف مآلات الأفعال قبل وقوعها، فحينما يُطبّق حكم مّا من أحكام الشريعة على أفعال عديدة في زمن معيّن أو في فاعلين معيّنين، ويتبيّن بنتائج الواقع أنّ ذلك التطبيق لم يتحقّق به المقصد المبتغَى منه، فإنّ ذلك يكون دليلا على أنّ تطبيق الحكم على أمثال الحالات التي طُبّق فيها سوف يؤول إلى نفس المآل من عدم تحقيق المصلحة، ويكون بذلك استقراء المآلات كما تحقّقت في الواقع منهجا يُعلم منه أحوالها قبل وقوعها.

ومثال ذلك ما بنى عليه ابن تيمية وابن القيّم فتوى اعتبار الطلاق ثلاثا بلفظ واحد طلقة واحدة؛ فقد رأيا باستقرائهما لوقائع زمنهما أنّ إمضاء الطلاق ثلاثا بلفظ واحد طلاقا باتّا كما أفتى به عمر رضي الله عنه ومضى عليه الناس بعده قد أفضى إلى فشوّ التحليل لما غدا عليه الناس من رقّة في الدين، وهي مفسدة أكبر من  مفسدة التهاون بالطلاق والاستهتار به التي بنى عليها عمر فتواه، فعُلم من هذا الاستقراء الواقعي أنّ الحكم ببتّ الطلاق بلفظ الثلاث سيكون مآله نفس المآل[25].

وفي عصرنا هذا أصبح استقراء الوقائع علما قائما بذاته، يقوم على قوانين وقواعد دقيقة منضبطة في الإحصاء والتصنيف والاستنتاج، وأصبحت تُبنى على نتائجه الخطط والبرامج والمشاريع، استدلالا بما هو كائن على رسم ما ينبغي أن يكون لتفادي مفاسد وتحرّي مصالح، وهو ما ينبغي على الفقيه المجتهد أن يستعمله مسلكا في التعرّف على مآلات الأفعال كما يجري بها الواقع، حتى إذا ما علم بيقين أو بظنّ غالب أنّ تلك المآلات هي التي ستقع مستقبلا، بنى أحكامه وفتاواه على اعتبارها  بحيث يتحقّق المقصد الشرعيّ منها، فهذا مسلك يتوفّر عليه فقهاء اليوم بأوضح وأقوم ما كان بين يدي السابقين.

  ـ  مسلك الاستشراف المستقبلي : أصبح اليوم استشراف المستقبل علما قائم الذات، تقنّن له القوانين وتقعّد له القواعد، ومن خلال تلك القوانين والقواعد تُستطلع الآراء، وتُستبان عزائم الأفعال، وتُحلّل مكنونات النفوس الفردية والجماعية، وتُجمع المؤشّرات من جاري الأحداث والوقائع، ثمّ يُبنى من كلّ ذلك بطرق علمية تصوّر لأيلولة الأوضاع في شتّى مجالات الحياة.

إنّ هذا العلم لئن كانت نتائجه غير قطعية، إلاّ أنّه كثيرا ما ينتهي إلى تلك النتائج بالظّنّ الغالب؛ ولذلك فإنّه تُبنى عليه اليوم المخطّطات المستقبلية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع، فيمكن إذن استثماره مسلكا في معرفة مآلات الأفعال، تحرّيا لما هو من قواعده ينتج نتائجه بالظنّ الغالب، لتكون تلك المآلات معتبرة في تطبيق الأحكام الشرعية المفضية إلى مقاصدها.

 ونحسب أنّ هذا المسلك كان من حيث الأصل مستخدما من قِبل المجتهدين، فعمر بن عبد العزيز على سبيل المثال لمّا تولّى الملك أجّل تطبيق بعض أحكام الشريعة، فلمّا استعجله ابنه في ذلك، أجابه بقوله:” أخاف أن أحمل الحقّ على الناس جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة”[26]،  فما ذلك الاجتهاد من عمر إلاّ لاستقرائه مسقبل أيلولة تطبيق أحكام الشرع جملة على الناس، استدلالا بمؤشّرات من أحوالهم النفسية والاجتماعية والإيمانية، فلمّا أصبح اليوم هذا الاستكشاف المستقبلي علما، فما أحرى الفقها أن يستخدموه مسلكا في العلم بمآلات الأفعال. 

ـ  مسلك العادة الطبيعية: كما بني الكون كلّه على ترابط علّي بين ظواهره ومكوّناته، بحيث يُستدلّ ببعضها على وقوع بعض، فإنّ الإنسان في مكوّناته وتصرّفاته الفردية والاجتماعية بُني أيضا على قانون طبيعي تترابط فيه المقدّمات والنتائج ترابطا سببيا، وقد كشف علم النفس الفردي والاجتماعي وعلم الاجتماع على الكثير من تلك القوانين الطبيعية، بما أفسح المجال لأن يُعلم الكثير من التصرّفات المستقبلية للإنسان بناء على العلم بمقدّماتها السببية المفضية إليها.

إنّ هذه العادات الطبيعية في الكيان الإنساني الفردي والاجتماعي يمكن أن تُستخدم أسلوبا في الكشف عن مآلات الأفعال، فيُستدلّ وفق هذه العادات بمقدّمات حاصلة على نتائج لها سوف تحصل بمقتضى الترابط الطبيعي بين المقدّمات والنتائج، ويبني المجتهد على ذلك العلم المسبق بالمآلات الأحكام الفقهية التي تناسب المآل المحقّق للمصلحة، ويتفادى الأحكام التي تنتهي إلى مآل لا تتحقّق فيه.

ونحسب أنّ هذا المسلك في الكشف عن المآلات قد استعمله المجتهدون قديما من حيث أصله العامّ، فعمر بن الخطّاب رضي الله عنه أجّل العمل بتطبيق حدّ السرقة في عام المجاعة، وربّما كان ممّا حمله على ذلك استكشافه للمآل الذي سيؤول إليه إمضاء هذا الحكم، وهو مآل لا يتحقّق فيه مقصده، إذ المقصد منه هو الارتداع لاستتباب الأمن بين الناس، ولكن هذا الارتداع لا يحصل في النفوس إذا ما مسّها حرّ الجوع، إذ هو بمقتضى العادة الطبيعية في الإنسان عامل غلاّب يطغى على نازعة النفس اللّوّامة إلى الارتداع بالعقوبة، فهذا القانون الطبيعي في النفس البشرية لعلّه كان من المسالك التي استكشف بها عمر بن الخطاب مآل حدّ العقوبة عام المجاعة، فاعتبر ذلك المآل وأجّل تطبيق الحدّ. وبين يدي المجتهدين اليوم من القواعد والقوانين في طبائع الإنسان مادّة ثريّة ما أحراهم بأن يستثمروها في الكشف عن مآلات الأفعال لإجراء الأحكام المناسبة المحقّقة للمصالح.

ـ  مسلك العادات العرفية: قد تكتسب المجتمعات في التعامل بين أفرادها عادات وأعرافا وتقاليد يتواضعون عليها الناس، وتصبح بينهم كالقواعد والقوانين التي تجري عليها التصرّفات، وتُحاكم إليها المواقف. وهذه العادات العرفية قد تكون في بعض الأحيان سببا في أيلولة بعض الأحكام الشرعية عند تطبيقها إلى مآل لا يتحقّق به مقصدها، في حين أنّ ذلك المقصد يتحقّق في حال من ليس من عاداتهم تلك العادة.

وبناء على ذلك فإنّه يمكن للفقيه المجتهد أن يستخدم علمه بالعادات والأعراف ليستبين منها بعض مآلات ما يحكم به من أحكام الشرع، فإذا تبيّن له أنّ عادة مّا من عادات القوم ربّما أدّت بيقين أو بظنّ غالب إلى أيلولة حكم من الأحكام أيلولة لا يتحقّق بها مقصده، اتّخذ من ذلك الانكشاف للمآل بمسلك العادة العرفية طريقا للحكم بحكم آخر يؤول إلى تحقيق المصلحة.

ولعلّ من أصول هذا المسلك في استكشاف المآل ما جاء في قوله تعالى:” ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدوا بغير علم” ( الأنعام/108)، فمن الأعراف المتفشّية في المجتمعات أنّ من يُسبّ له من هو أثير عنده من إله معبود أو أب أو أمّ فإنّه يردّ على السّابّ بأن يسبّ له نظير ذلك الأثير، فلعلّ هذه العادة كانت متفشّية عند أهل الجاهلية، كما قد توحي به بعض الروايات في سبب نزول هذه الآية من أنّ المشركين قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لئن لم تنته عن سبّ آلهتنا وشتمها لنهجونّ  إلهك[27]، فنهى الله تعالى سبّ أوثان الجاهلية لما يترتّب على ذلك بحكم العادة من سبّ الله تعالى. ونظير ذلك في الحديث النبوي ما جاء من نهي عن سبّ الرجل أباه بأن يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه[28]، فكأنّ ذلك إذن من العادات الفاشية في الأقوام، فهذا الأصل المشار إليه في القرآن والحديث يمكن أن يبنى عليه مسلك في استكشاف مآلات الأفعال هو مسلك الاستكشاف بالعادات العرفية.

ـ  مسلك الاستدلال بقصد الفاعل: إذا كان المآل في اعتبار المآلات هو المعتبر في تقدير الحكم، دون أن يكون لمقصد الفاعل مدخل في هذا الاعتبار أو عدمه، فإنّ مقصد الفاعل من فعله يمكن أن يكون على نحو من الأنحاء مسلكا يُعرف منه المآل الذي ينتهي إليه مقصد الشارع من الحكم المطبّق على ذلك الحكم.

ووجه ذلك أنّه وإن لم يكن مقصد الفاعل من فعله مرتبطا ارتباطا علّيا بمآل ذلك الفعل، إذ قد يؤول الفعل إلى ما يوافق النيّة وقد يؤول إلى ما يخالفها، إلاّ أنّ نيّة الفاعل من فعله هي عنصر مهمّ من العناصر المحدّدة لنتائجه وآثاره، فبالنيّة يكون الحزم في إتمام الفعل على وجهه الأكمل، واستجماع الوسائل لذلك، فتسري إذن تلك النيّة سريانا قد يكون   محسوسا وقد يكون غير محسوس في أرجاء الفعل ومفاصله ومقدّماته، فيعطيه من قوّة الدفع ما ينتهي به إلى مآله المطلوب، وبها أيضا يكون التراخي والتهاون ممّا تنحلّ به عرى الفعل فلا يبلغ منتهاه المطلوب.

إنّ مقصد الزوج في إنهاء الزوجية عند توقيت معيّن من شأنه أن يؤثّر في أيلولة الزواج إلى مقصده الشرعي من تحقيق للنسل والسكينة والتعاون، إذ يكون الزوج بنيّة التوقيت غير حريص في تصرّفاته على بناء العلاقة الزوجية بحيث تفضي إلى ذلك المقصد، إذ لمّا كانت هذه العلاقة ستنتهي عند أجل معيّن فلماذا ذلك البناء الذي سينهدم بعد حين؟ ولعلّ هذا هو أهمّ الأسباب التي حرّم من أجلها زواج المتعة، وإذا كان هذا الزواج معلنة فيه نيّة التوقيت، فإنّ هذه النيّة يكون لها نفس الأثر في أيلولة الزواج في حال الإضمار، فتكون إذن أحد أهمّ المؤشّرات الكاشفة عن أيلولة الفعل.

وإذا كان الأمر كذلك فإنّ مقصد الفاعل قد يكون في حالات كثيرة مؤشّرا يُستدلّ به على أيلولة الفعل إلى غير ما وضع له من حكمة، وحينئذ يُعتبر هذا المآل في إمضاء الحكم اللائق به. إلاّ أنّ هذا الحكم إذا كان فقها اتّجه إلى الفاعل في خاصّة نفسه حين يكون قصده مضمرا غير ظاهر، فمن تزوّج بقصد مضمر للتحليل اتّجه إلى فعله حكم الحرمة فباء بالإثم، وليس يتّجه إليه المنع في الخارج بالقضاء، وأمّا إذا كان القصد ظاهرا بالقرائن الكافية فإنّ المنع يتّجه إليه فيُحظر وقوعه من قِبل من بيده الحظر. ومن هذا الباب ما يُعلم من مآلات الأفعال فيما يُعرف بالحيل، إذ هي ليست إلاّ مبنية على مقاصد للمتحيّل مخالفة لمقاصد الشارع، فيُحكم عليها إذن بالمنع لما يُعلم من أيلولتها بدلالة قصد الفاعل لها[29].

إنّ هذه المسالك في التعرّف على أيلولة الأفعال مسبقا بمعالجتها بالأحكام المناسبة ليست مسالك يقينيّة كلّها، وإنّما هي قد تنتج يقينا، وقد تنتج ظنّا يقوى أويضعف بتفاوت بينها، وبتفاوت في الأحوال المندرجة ضمن الواحد منها، وعلى الناظر فيها أن يُحسن النظر وأن يتحرّى فيه غاية التحرّي، فإذا ما انقدح له يقين أوظنّ غالب بأيّ واحد منها بمآل من مآلات الأفعال المنظور فيها اعتبر ذلك المآل وأمضى الحكم الشرعي المناسب له، فهي إذن مسالك اجتهادية تحتاج إلى أقدار كبيرة من التحقيق والتثبّت، وهي على أيّة حال وسائل مساعدة على استكشاف المآلات[30].

 

المبحث الثاني ـ  دور اعتبار المآلات في فقه الأقلّيات:

إنّ هذا الأصل الاجتهادي أصل اعتبار المآلات له تطبيقات واسعة في مجمل أبواب التشريع، وقد استعمله الأيمّة المجتهدون في فروعه المختلفة، وفي أبواب الفقه المتعدّدة، وحتى من لم يكن معترفا به باعتبار عنوانه فقد استعمله في بعض تطبيقاته تحت أسماء أخرى؛ إلاّ أنّ الاستعمال الاجتهادي لهذا الأصل يكون أكثر ما يكون في الحالات ذات الخصوصية، وفي الظروف الاستثنائية، سواء تعلّق ذلك بأحوال وظروف فرد أو مجموعة أو واقعة معيّنة أو ظاهرة عامّة، فكلّما تحقّقت الخصوصية في أيّ مظهر من مظاهرها كان لأصل اعتبار المآل مجال استعمال أوسع؛ وذلك لأنّ الظرف الاستثنائي والحالات ذات الخصوصية كثيرا ما يؤول فيها الحكم الشرعي إلى مآل لا يتحقّق فيه مقصده من المصلحة بسبب خصوصية الأفعال التي يُنزّل عليها، ممّا يستلزم اجتهادا يُعتبر فيه ذلك المآل.

ومن أبين مظاهر الخصوصية في حياة الجماعة المسلمة الوضع الذي يكون فيه مجموعة من المسلمين يعيشون أقلّية في مجتمع غير مسلم، إذ يكون هؤلاء في مناخ ثقافي وحضاري وقانوني مخالف لما يؤمنون به ويعيشون عليه من قيم وقوانين إسلامية، ويكونون في حال إلزام بأن تجري حياتهم على غير ما يؤمنون به في بعض مجالات حياتهم الفردية والاجتماعية؛ ولذلك فإنّ أوضاع الأقلّيات المسلمة باعتبار خصوصياتها المتعدّدة الجوانب من شأنها أن تكون مجالا واسعا لاستعمال أصل اعتبار المآلات لتوفيقها إلى أحكام الشريعة بنسق تفضي فيه إلى مقاصدها لتحقيق المصلحة المبتغاة من الدين.

 

1 ـ الأقلّيات وفقه الأقلّيات:

راج مصطلح الأقلّيات في عصرنا وأصبح له بعد سياسي واجتماعي وقانوني؛ وذلك لما حدث في الواقع من اختلاط بين الأمم والشعوب بفعل تفشّي هجرة الأفراد والجماعات من بلد إلى بلد ومن قارّة إلى قارّة لتوفّر مغرياتها وليسر أسبابها، فإذا المجتمعات الأصلية في كلّ قارّة تنضمّ إليها جماعات مغايرة لها ممّن هاجر إليها، فتشاركها الحياة في وجوهها المختلفة، وتحدث في تلك المشاركة وجوه من الاحتكاك تسفر عن وجوه من الاضطرابات التي تطلب لها حلولا اجتماعية وسياسية، فكان ذلك من أهمّ أسباب رواج مصطلح الأقلّيات، ثمّ مصطلح فقه الأقلّيات. 

أ ـ   مصطلح الأقلّيات: حينما يُطلق مصطلح الأقلّيات فإنّه يُراد به في الغالب المجموعات البشرية التي تعيش في مجتمع تكون فيه أقلّية من حيث العدد، وتكون مختصّة من بين سائر أفراد المجتمع الآخرين ببعض الخصوصيات الجامعة بينها، كأن تكون أقلّية عرقية، أو أقلّية ثقافية، أو أقلّية لغوية، أو أقلّية دينية، وإذن فإنّ هذا المصطلح يشير إلى عنصرين في تحقّق وصف الأقلّية هما: القلّة العددية لمجموعة ما تعيش في مجتمع أوسع، والتميّز دون سائر ذلك المجتمع بخصوصيات أصلية في الثقافة أو في العرق[31].

 وفي تحديد مصطلح الأقلّيات المسلمة المقصود في هذا المقام ربّما تعترض  بعض المشكلات، فاللّفظ بظاهره حينما يندرج في المصطلح العامّ للأقلّيات يكون دالاّ على مدلول عددي، ومدلول تميّز ثقافي، فيصبح المعنى المقصود بالأقلّيات المسلمة تلك المجموعة من الناس التي تشترك في التديّن بالإسلام، وتعيش أقلّية في عددها ضمن مجتمع أغلبه لا يتديّن بهذا الدين، وممّا يتوجّه إلى هذا المصطلح من وجوه الاستفسار: هل تُعتبر من الأقلّيات المسلمة تلك الأقلّيات العددية التي قد تكون هي النافذة في مجتمع غير مسلم، بحيث يكون بيدها السلطان السياسي الذي تحقّق به سيادة القانون الإسلامي على عموم المجتمع؟ وهل تُعتبر من الأقلّيات المسلمة تلك المجموعة المسلمة التي هي من حيث العدد أكثرية، ولكنّها تعيش في مجتمع تكون فيه مجموعة أخرى غير مسلمة هي النافذة بحيث تسيطر على الحكم وتطبّق من خلاله قانونا غير إسلامي على سائر المجتمع؟

إنّ الإجابة على هذه المشكلات ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار أيضا طبيعة الصفة الإسلامية في خصوصيتها من بين سائر الأديان، إذ المسلم لكي تتحقّق صفته الإسلامية ينبغي أن يحكم الإسلام كلّ وجوه حياته الفردية والاجتماعية، وهو ما يجعل علاقة القانون العامّ الذي ينظّم الحياة ميزانا أصليا في تحقّق الصفة الإسلامية أو عدم تحقّقها، بينما غير المسلمين يمكن أن يتحقّقوا بصفة دينهم إذا ما تديّنوا به في خاصّة النفس مهما يكن القانون العامّ الذي يطبّق عليهم.

إذا ما أضفنا هذا إلى ذاك أصبح مصطلح الأقلّيات المسلمة مصطلحا ذا خصوصية بين نظائره من المصطلات، إذ يصبح القانون العامّ الذي يُطبّق في المجتمع الذي توجد به الأقلّية عنصرا مهمّا في تحديد مفهوم هذا المصطلح، فيكون إذا مصطلحا ينطبق على تلك المجموعة من المسلمين التي تعيش في مجتمع تُطبّق فيه قوانين غير إسلامية من قِبل سلطات حاكمة غير إسلامية، أو تسود فيه لسبب أو لآخر ثقافة وأعراف وتقاليد غير إسلامية. وعلى هذا الاعتبار يدخل في مفهوم الأقلّية المسلمة تلك الأكثرية المسلمة في مجتمع يخضع لقانون وثقافة غير إسلامية إذا كانت تلك الأكثرية مغلوبة في أمرها على ذلك النمط من الحياة، ومن باب أولى أن يدخل فيه الأقلّية الخاضعة لنظام غير إسلامي. وعلى هذا الاعتبار أيضا يخرج من مفهوم الأقلّية المسلمة تلك الأقلّية التي يكون لها نفوذ يسود به القانون الإسلامي والثقافة الإسلامية في المجتمع الذي تعيش فيه، كما يخرج منه أيضا المسلمون الأكثرية إذا كانوا يخضعون لحكم من قِبل أنفسهم ولكن لا يُطبّق فيهم القانون الإسلامي إن جزئيّا أوكلّيا.

ب ـ  مصطلح فقه الأقلّيات: لا يتجاوز عمر هذا المصطلح حسبما نعلم بضعة عقود، ولا يتجاوز شيوعه في الاستعمال عقدا أو عقدين. ولعلّ منشأه كان مرتبطا بالجالية الإسلامية بالبلاد الغربية، إذ لمّا تكاثرت هذه الجالية بأوروبا وأمريكا، وبدأت حياتها تنتشر وعلاقاتها تتشعّب، وبدأت تشعر بكيانها الجماعي ذي الخصوصية الدينية في مهجرها الذي يعيش فيه مجتمع غير إسلامي، وتسود فيه ثقافة وقوانين غير إسلامية، إذ ذاك بدأت تتوق إلى أن تنظّم حياتها الفردية والجماعية على أساس من دينها، ولكن وجدت أنّ وجوها كثيرة من تلك الحياة لا يفي بتوفيقها إلى أحكام الدين ما هو متداول معروف من الفقه المعمول به في البلاد الإسلامية، إمّا لأنّه لا يناسب أوضاعا مخالفة للأوضاع الموجودة بالبلاد الإسلامية، أو لأنّه لا يغطّي أوضاعا انفردت بها حياتهم بالمهجر، فأصبحت هناك ضرورة لفرع فقهي جديد يختصّ في معالجة حياة هذه الأقلّية أُطلق عليه اسم فقه الأقلّيات.

وليس فقه الأقلّيات بمنعزل عن الفقه الإسلامي العامّ، ولا هو مستمدّ من مصادر غير مصادره، أو قائم على أصول غير أصوله، وإنّما هو فرع من فروعه، يشاركه ذات المصادر والأصول، ولكنّه ينبني على خصوصية وضع الأقلّيات، فيتّجه إلى التخصّص في معالجتها، في نطاق الفقه الإسلامي وقواعده، استفادة منه وبناء عليه، وتطويرا له فيما يتعلّق بموضوعه، وذلك سواء من حيث ثمرات ذلك الفقه من الأحكام، أو من حيث الأصول والقواعد التي بُنيت عليها واستُنبطت بها.

فمن حيث ثمرات الفقه من الأحكام فإنّ فقه الأقلّيات ينبني جسمه الأكبر على تلك الثمرات، إذ القدر الأكبر منها متعلّق بما هو ثابت تشترك فيه أوضاع المسلمين مهما تغايرت ظروفها في الزمان والمكان، ولكن مع ذلك فإنّه يعمد إلى اجتهادات كانت مرجوحة، أو غير مشهورة، أو متروكة لسبب أو آخر من أسباب الترك، فيستدعيها، وينشّطها ويحييها، لما يُرى فيها من مناسبة لبعض أوضاع الأقلّية المسلمة تتحقّق بها المصلحة، فيعالج بها تلك الأوضاع، في غير اعتبار لمذهبية ضيّقة، أو عصبيّة مفوّتة للمصلحة، ما دام كلّ ذلك مستندا إلى أصل في الدين معتبر.

 ومن حيث الأصول والقواعد، يعمد هذا الفقه إلى استعمال القواعد الفقهية والمبادئ الأصولية ما يُرى منها أكثر فائدة في توفيق أحوال الأقلّية إلى حكم الشرع، ويوجّهها توجيها أوسع في سبيل تلك الغاية، وربّما استروح من مقاصد الشريعة ما يستنبط به قواعد اجتهادية لم تكن معهودة في الفقه الموروث، فيدخلها في دائرة الاستخدام الاجتهادي في هذا الفقه، أو يعمد إلى قواعد كانت معلومة ولكنّ استعمالها ظلّ محدودا جدّا، فينشّط العمل بها في استخدام واسع تقتضيه طبيعة أوضاع الأقلّيات المسلمة، ليتحصّل من ذلك كلّه فقه للأقلّيات ينبني على الفقه الإسلامي المأثور، ويتّجه بخصوصية في هذا الشأن، يضيف بها فقها جديدا يكون كفيلا بمعالجة هذا الوضع الجديد[32].

ونحسب أنّ من بين أهمّ ما يمكن أن يُستفاد منه في فقه الأقلّيات من الأصول الفقهية أصل اعتبار المآلات؛ وذلك لأنّ هذا الأصل كما مرّت الإشارة إليه مبنيّ على تعديل الحكم الشرعي المتعلّق بفعل من الأفعال إذا لم يكن محقّقا لمقصده فيه إلى حكم آخر يحقّق فيه مقصده، وقد ذكرنا آنفا أنّ الحكم الشرعي إنّما يتخلّف تحقّق مقصده عند إجراء الفعل عليه بأسباب تعود في الغالب إلى خصوصية تطرأ على ذلك الفعل تكون مانعة من تحقيق الحكم لمقصده فيه. وأحوال الأقلّيات المسلمة هي أحوال مشبعة بالخصوصيات المتنوّعة بالنسبة لأحوال المسلمين في أوضاعهم العادية، وذلك ما يجعل معالجتها بالأحكام الشرعية الأصلية الموضوعة لأجناسها كثيرة الأيلولة فيها إلى غير مقاصدها، ممّا يحتّم أن تُعالج بشكل موسّع بأحكام تُبنى على اعتبار المآلات لتحقيق مقاصد الشريعة. ويتبيّن هذا الأمر بوضوح من خلال تبيان وجوه الخصوصية في أحوال الأقلّيات المسلمة، ثمّ بتبيان وجوه تأثير تلك الخصوصيات في المآلات لتكون معتبَرا في المعالجة الفقهية، ومن ذلك يتّضح الدور الكبير لهذا الأصل الفقهي في إثراء فقه الأقلّيات وتنميته وتطويره.

 

2 ـ  خصوصية أوضاع الأقلّيات:

الأقلّيات المسلمة بالغرب على وجه الخصوص تكوّنت في أساسها بموجة من الهجرات من البلاد الإسلامية عبر مراحل متتالية من القرن العشرين، ولم يكن المنضمّون إليهم من الذين أسلموا من أهل الغرب إلاّ أعدادا قليلة بالنسبة لعدد المهاجرين. وقد كان أغلب هؤلاء المهاجرين إلى أوروبا على وجه الخصوص من طبقة العمّال، ثمّ انضمّ إلى العمّال طلبة العلم، ثمّ انضمّ إليهم المضطهدون السياسيون، ثمّ انضمّ إليهم أعداد من العقول المهاجرة، وبالتراكم الزمني أصبح لهؤلاء المهاجرين أبناء وأحفاد شكّلوا ما يُعرف بالجيل الثاني وأصبح الآن الجيل الثالث قيد التشكّل.

إنّ القاعدة العريضة للأقلّيات المسلمة بالغرب هي قاعدة مهاجرة بدوافع الحاجة، إمّا طلبا للرزق، أو طلبا للأمن، أو طلبا للعلم، أو طلبا للظروف المناسبة للبحث العلمي، فكان هذا الوجود الإسلامي بالغرب هو في عمومه وجود حاجة لا وجود اختيار، وليست فكرة المواطنة التي تشير إلى ضرب من الاختيار إلاّ تطوّرا لا يتجاوز عمره سنوات قليلة، وهي فكرة لم يعتنقها بعد القسم الأكبر من الأقلّية المسلمة بالغرب. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ هذه الأقلّية جاءت تحمل معها هويّتها الثقافية، وقد ظلّت محافظة عليها بشكل أو بآخر من أشكال المحافظة، وهي بذلك وجدت نفسها في خضمّ ثقافة غربية مغايرة لثقافتها، بل مناقضة لها في  بعض مفاصلها الهامّة، وليست هذه الهويّة في مستكنّ المسلم هي مجرّد هويّة انتماء شخصي، بل هي أيضا هويّة تعريف وتبليغ وعرض في بعدها الديني والحضاري. ومن هذه العناصر المتعدّدة في وجود الأقلّية المسلمة بالغرب تكوّنت الخصوصيات العديدة، التي يمكن أن نبرز أهمّها فيما يلي:

أ ـ  خصوصية الضعف: تتّصف الأقلّيات المسلمة بصفة عامّة بصفة الضعف التي لا تكاد تفارق أيّة أقلّية إسلامية في العالم، وإذا كانت حال الضعف حالا ملازمة للأكثر من الأقلّيات في العالم، إلاّ أنّها ليست حالا لجميعها، بل من الأقلّيات من هي على حال من القوّة تفوق قوّة الأكثرية التي تعيش بينها، ولكنّ الأقلّيات المسلمة تفوق في حال ضعفها الأكثر من الأقلّيات في العالم لأسباب متعدّدة سنذكر بعضها لاحقا.

ويبدو هذا الضعف أوّل ما يبدو في الضعف النفسي، فهذه الأقلّيات هي في أغلبها منتقلة من أوساطها إلإسلامية  إلى وسط ثقافي واجتماعي وحضاري غريب عنها، وهذه النقلة إلى مناخ غريب من شأنها لا محالة أن تحدث في النفس شعورا بالغربة الثقافية والاجتماعية، فالمنبت في المجال الإنساني كما في المجال الطبيعي هو دائما مبعث للشعور بالاطمئنان النفسي المتأتّي من الانسجام مع المحيط، والهجرة في المجالين أيضا مبعث للشعور بضرب من القلق النفسي جرّاء عدم الانسجام مع المحيط الجديد إلى أن يتطاول العهد، وينشأ الانسجام. والشعور بالاغتراب والقلق هو ضرب من الضعف النفسي.

وينضاف إلى هذا المظهر من مظاهر الضعف النفسي ما يستكنّ في نفوس الأقلّيات المهاجرة من شعور بالدونية الحضارية أو المغلوبية الحضارية، فالمهاجرون المسلمون إلى الغرب وهم أكثر الأقلّية انتقلوا من مناخ حضاري متخلّف في وسائله المادّية والإدارية، إلى مناخ حضاري باهر التقدّم في ذلك، وهذه النقلة بين المناخين مع ما يصحبها من مقارنة دائمة تسفر عن تبيّن استمرارية دائمة في الفوارق من شأنها لا محالة أن تشيع في النفوس شعورا نفسيا بالدونية والانهزام، وذلك ضرب من ضروب الضعف النفسي.

وينضاف إلى ذلك الضعف النفسي ضعف اقتصادي، إذ الأقلّية المسلمة في أوروبا على وجه الخصوص هي من أكثر الأقلّيات ضعفا اقتصاديا، إذ هي في أكثرها من اليد العاملة أو من الحرفيين، أو من الموظفين في قلّة قليلة، وكلّ أولئك هم على حافّة الكفاية إن لم تكن حافّة الكفاف، وهو ما انعكس على طريقة الحياة كلّها من السكن وسائر المرافق الأخرى، كما انعكس أيضا بصفة سلبية على قدرة هذه الأقلّية على تطوير نفسها وتحقيق برامجها وأهدافها التربوية والثقافية والاجتماعية، وقدرتها على الاندماج في الحركة الحضارية والاستفادة منها الاستفادة المثلى.

ومن مظاهر الضعف أيضا الضعف السياسي والاجتماعي، فبالرغم من أنّ عددا كبيرا من الأقلّية المسلمة أصبح من المواطنين الأوروبيين، إلاّ أنّ المشاركة السياسية لهؤلاء ما تزال ضعيفة جدا، إن لم تكن معدومة، فالتأثير السياسي الذي من شأنه أن ينشأ عن تلك المشاركة هو أيضا على غاية من الضعف، ولذلك فإنّ هذه الأقلّية يكاد لا يكون لها اعتبار يُذكر في القرار السياسي في البلاد التي تعيش فيها، وكذلك الأمر بالنسبة للوضع الاجتماعي، فليس لهذه الأقلّية مؤسّسات اجتماعية ذات أهمّية وتأثير لا من حيث الكمّ ولا من حيث الكيف، واندماجها في المؤسّسات الاجتماعية العامّة اندماج ضعيف لا يكاد يُلحظ له أثر، ومحصّلة ذلك كلّه أن الأقلّية المسلمة بالغرب هي من الضعف السياسي والاجتماعي بحيث يكاد لا يُلمح لها وجود، ولا يكون لها أثر، وشتّان في ذلك بينها وبين أقلّيات أخرى أقلّ منها بكثير عددا، ولكنّها لقوّتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ترى آثارها فتحسبها هي الأغلبية وليست الأقلّية. وهذا الوضع من الضعف المتعدّد الوجوه ينبغي أن يكون ملحَظا معتَبرا عند النظر في المآلات لإثراء فقه الأقلّيات.

ب ـ  خصوصية  الانضباط القانوني: البلاد الغربية بصفة عامّة يحظى فيها القانون  باحترام كبير، سواء في الحسّ الجماعي، أو في دوائر التنفيذ؛ ولذلك فإنّ سيادة القانون فيها يُعتبر أحد الثوابت التي بُنيت عليها ثقافتها وحضارتها، ومن ثمّة فإنّ أيّما فرد أو مجموعة انتمى إلى هذه البلاد، سواء بالإقامة أو بالمواطنة، فإنّه سيصبح تحت سيادة القانون السيادة الكاملة، مهما كان وضعه العرقي أو الديني أو الثقافي.

والقانون في هذه البلاد مبنيّ على ثقافة المجتمع ومبادئه وقيمه، وهو منظّم للحياة العامّة على أساس تلك الثقافة والمبادئ والقيم؛ ويطبّق هذا القانون على الأقلّية المسلمة كما يُطبّق على سائر أفراد المجتمع من مواطنين ومقيمين، وهو تطبيق يمتدّ من أحوال الفرد إلى أحوال الأسرة إلى أحوال المجتمع بأكمله في قدر كبير من الصرامة النظرية والتطبيقية، بحيث يكاد لا يترك استثناء لخصوصية فرد أو مجموعة تمارس فيها تلك الخصوصية خارج سلطان القانون، وهو ديدن الدولة الحديثة في السيطرة الإدارية المحكمة على المجتمع، وإن تكن تلك السيطرة بتفويض من المجتمع نفسه.

في هذا الوضع تجد الأقلّية المسلمة نفسها ملزمة بالخضوع للقانون، وتطبيقه في حياتها حيثما يكون له تدخّل في تلك الحياة، وخاصّة ما كان يتعلّق بالعلاقات العامّة بين الأفراد والجماعات، أو بينهم وبين الدولة، والحال أنّ تلك القوانين كثير منها يخالف المبادئ الدينية والثقافية التي تكوّن هويّتها، وتشكّل التزامها العقدي، وهكذا ينتهي الأمر إلى سيادة قانونية على حياة الأقلّية معارضة في كثير من الأحيان لقوانين هويّتها، فإذا هي ملزمة بالخضوع لتلك القوانين، أو هي إذا كان الموقف موقف خيار بين الدخول في معاملات يحكمها القانون وبين عدم الدخول فيها فإنّ عدم الدخول يحرمها أحيانا كثيرة من ميزات مادّية وأدبية يتمتّع بها سائر أفراد المجتمع، وهو ما يعطّل كثيرا من مصالحها، ويعرقل من سبل تقدّمها.

إنّ هذه السيادة القانونية على الأقلّية المسلمة المعارضة في كثير من محطّاتها لضميرها الديني والتزامها العقدي تمثّل وضعا خاصّا لهذه الأقلّية من بين أوضاع عامّة المسلمين، فالمسلم وضعه الأصلي أن يكون خاضعا لسيادة القانون الإسلامي، والتكاليف الدينية التي كلّف بها إنّما كلّف بها باعتباره يعيش تحت سيادة ذلك القانون، إذ تلك التكاليف هي في أغلبها ذات بعد جماعي كما هي الطبيعة الجماعية للدين الإسلامي، فإذا ما وجد المسلم نفسه ضمن مجموعة من المسلمين هي تلك الأقلّية موضوع البحث، ووجد أنّه ملزم بأن يكون تحت سيادة غير سيادة القانون الإسلامي الذي هو الوضع الطبيعي لتنظيم حياته الجماعية، فإنّه سيجد نفسه لا محالة في تناقض بين واقعه وبين مقتضيات هويّته الجماعية، وهو ما يمثّل ظرفا خاصّا في حياة الأقلّية المسلمة بالبلاد الغربية على وجه الخصوص يقتضي أن يؤخذ بعين الاعتبار في الاجتهاد الفقهي في شؤونها.

ج ـ  خصوصية الضغط  الثقافي: تعيش الأقلّيات المسلمة في مناخ مجتمع ذي ثقافة مخالفة لثقافتها في الكثير من أوجه الحياة، وهي تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع تلك الثقافة في كلّ حين وفي كلّ حال، فمن الإعلام، إلى التعليم، إلى العلاقات الاجتماعية، إلى المعاملات الاجتماعية، إلى المعاملات الاقتصادية والإدارية، إلى المناخ العامّ في الشارع من عادات وتقاليد وتصرّفات فردية واجتماعية، بحيث تطغى تلك الثقافة على أحوال المسلم أينما حلّ، بل تطغى عليه حتى داخل بيته.

وممّا يزيد من سطوة تلك الثقافة على الأقلّية المسلمة أنّ هذه الأقلّية لم تنتظم أمورها الاجتماعية بحيث تكون لها فضاءات خاصّة بها، تسود فيها ثقافتها، فتخفّف بذلك من سطوة الثقافة الغربية عليها، ففي فرنسا يعيش أكثر من خمسة ملايين مسلم، ولكن ليس لهم مدرسة واحدة منتظمة كامل أيام الأسبوع تمثّل فضاء ثقافيا خاصّا بهم يخفّف عن أبنائهم ما يتعرّضون له من غلبة الثقافة الاجتماعية السائدة، ناهيك عن النوادي والمؤسّسات الترفيهية إذا ما استثنينا المساجد والمراكز الدينية.

إنّ هذه الثقافة المغايرة التي تتعرّض لها الأقلّية المسلمة في بلاد الغرب بوجوهها المختلفة، وبوسائلها الجذّابة المغرية، وبطرق إنفاذها المتقنة، تسلّط ضغطا هائلا عليها، وبصورة خاصّة على أجيالها الناشئة، وهذا الضغط يصطدم بالموروث الثقافي الذي تحمله هذه الأقلّية إن بصفة ظاهرة معبّرة عن نفسها أو بصفة مضمرة مختزنة، وفي كلّ الصور يحصل من ذلك تدافع بين الثقافتين، وينتهي هذا التدافع في الغالب إمّا إلى الانسلاخ من الثقافة الأصل والذوبان في الثقافة المغايرة، أو إلى التقوقع والانزواء اعتصاما بذلك من الابتلاع الثقافي، أو إلى ردّ الفعل العنيف على هذه السطوة الثقافية يجد له تعبيرات مختلفة من جيل الشباب على وجه الخصوص.

ومهما يكن من ردّ فعل على هذه السطوة الثقافية فإنّها تحدث في نفوس الأقلّية المسلمة وبالأخصّ في نفوس الشباب منها ضربا من الاضطراب والقلق في الضمير الفردي والجماعي على حدّ سواء، وهو ما يصبغ الحياة العامّة للأقلّية بصبغة التأرجح التي ينتفي معها وضع الاستقرار النفسي والجماعي، فلا هذه الأقلّية اندمجت في جسم المجتمع الذي تعيش فيه حتى صارت خيوطا من نسيجه، ولا هي كوّنت هيكلا متجانسا يتفاعل مع المجتمع من منطلق تلك الهيكلية المتماسكة فيما بينها كما هو شأن الأقلّيات في بعض البلاد الآسيوية مثل الهند، وهو وضع يكتسب من معنى الخصوصية ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار في فقه الأقلّيات.  

 د ـ  خصوصية الوصل الحضاري: مهما يكن من وضع الأقلّية المسلمة بالغرب من قوّة أو ضعف، ومن استقرار أو اضطراب، فإنّ مجرّد وجود هذا العدد الكبير من المسلمين بالبلاد الغربية يُعتبر ضربا من الصلة الحضارية بين الحضارة الإسلامية مهما يكن تمثيلها ضعيفا وبين الحضارة الغربية المستقرّة، فالمسلمون الذين هاجروا إلى هذه البلاد لا يمثّلون مجرّد كمّية بشرية انتقلت من مكان إلى مكان شأن كثير من الهجرات التي تقع قديما وحديثا، وإنّما هجرتهم تحمل معها دلالة حضارية، وهي دلالة تتأكّد باطّراد بارتقاء نوعية المهاجرين وتعزّز تلك النوعية بهجرة العقول وتمكّن المهاجرين في مواقعهم العلمية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية على وجه العموم.

وإنّما كان الأمر كذلك من بين كثير من الأقلّيات المشابهة في وجودها بالغرب للأقلّية المسلمة لأنّ هذه الأقلّية تحمل معها ميراثا حضاريا ضخما، لئن لم يكن حاضرا الحضور البيّن الفاعل في واقع التدافع الحضاري، إلاّ أنّه حيّ في النفوس، مختزن فيها بقيمه ومبادئه الروحية، وبرؤيته في تفسير الوجود وتنظيم الحياة، وبتاريخه في الممتدّ لألف ونصف من الأعوام، فهذا الميراث لم يتركه المهاجرون إلى البلاد الغربية خلف البحار ليصلوا إليها غفلا من التشكّل الحضاري، بل أولئك الذين نشأوا بهذه البلاد من الجيل الثاني والثالث لم يكونوا كذلك أيضا، وإنّما هم يحملون أقدارا من ذلك الميراث منحدرا إليهم من الانتماء الأسري ومن الانتماء الحضاري العامّ، ومهما بدا في الظاهر أحيانا من ملامح التخلّص من هذا الميراث كما هو متمثّل في بعض مظاهر التنصّل من مقتضيات ذلك الميراث الحضاري فإنّه ليس إلاّ مظاهر سطحية أمّا الضمير فهو مختزن لذلك الميراث.

وبالإضافة إلى ذلك فإنّ هذا الميراث الحضاري الذي تحمله الأقلّية المسلمة ليس ميراثا طبيعته الانكفاء والسكون، وإنّما طبيعته الظهور والعرض؛ وذلك لما انبنى عليه من أصول عقدية توجب على حاملها في ذاتها وحامل مقتضياتها الحضارية أن يعرّف الناس بها، وأن يعرضها عليهم عرض بيان واختيار، عسى أن يجدوا فيها من الخير ما يقنعهم فيأخذون به، فيعمّ إذن نفعه، ولا يبقى حكرا على أصحابه، وذلك هو معنى الشهادة على الناس التي تضمّنها قوله تعالى: ” وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” ( البقرة/ 143).

ومن جهة أخرى فإنّ هذه الأقلّية المسلمة ليس وجودها بمهجرها وجود انبتات عن الجسم الأكبر لأمّتها، وإنّما هو وجود انتماء إليها وتواصل معها مهما شطّ بها المكان، ونأى بها المقام، ومهما اتّخذت لها من مجتمعاتها الجديدة موطن تفاعل واستقرار، ويقتضي هذا الانتماء والتواصل بمقتضى امتزاجها بالحضارة الغربية امتزاج عيش يومي، ووقوفها عليها وقوفا عن كثب أن تكون أيضا واسطة اقتباس لما هو خير في هذه الحضارة في وجوهها المادّية والمعنوية لتبلّغها إلى أمّتها الإسلامية قصد تعريفها بها، والانتفاع منها في بناء نهضتها.

يتحصّل من ذلك إذن أنّ الأقلّية المسلمة في أيّ موقع وجدت فيه بصفة عامّة، وفي موقعها بالبلاد الغربية بصفة خاصّة تمثّل حلقة وصل حضاري بين حضارتين، ومن مهامّها باعتبار ذلك الموقع أن تقوم بدور تنقل فيه المنافع النظرية من قيم ومبادئ تشرح الوجود وتبيّن الحياة، والمنافع العملية في وجوهها المختلفة من طرف إلى آخر، وأن تعمل على تأكيد معنى التعارف الحضاري بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، لتكون سببا من أسباب العمل على البناء الحضاري المشترك لما فيه خير الإنسان، وبهذا الموقع الذي هي فيه، وهذا الدور المناط بعهدتها تكتسب خصوصية ينبغي اعتبارها في فقه الأقلّيات.

 

3 ـ  تأثير خصوصيات الأقلّيات على المآلات:

التشريع الإسلامي مبنيّ في عمومه على أساس من الوضع العادي لوجود المسلمين أمّة خاضعة لسلطان هذا  التشريع؛ ولذلك فإنّ الخطاب التكليفي الوارد في القرآن والسنّة يرد موجّها في أغلب الأحوال بصيغة الجمع التي تعني جماعة المسلمين أو الأمّة الإسلامية بما يحمله ذلك من معنى الانتظام وفق قانون جامع هو القانون الإسلامي، وذلك في مثل قوله تعالى:”ولا تأكُلُوا أموالكم بينَكم بالباطلِ وتُدلوا بها إلى الحُكَّامِ” ( البقرة/188)، وقوله تعالى:” والسارقُ والسارقَةُ فاقطَعُوا أَيدِيَهما” ( المائدة/38)، فالحكم بمنع أكل الأموال بالباطل، والحكم بعقوبة السرقة وُجّه الخطاب التكليفي بهما إلى المسلمين باعتبارهم أمّة تطبّق فيهم هذه الأحكام، وليس باعتبارهم أفرادا لا يخضعون لسلطة الأمّة[33].

ويعني هذا المعنى أنّ المقاصد التي وضعت من أجلها هذه الأحكام هي مقاصد مبنيّة في إمكانية تحقّها وإتيانها ثمارها من المصالح على اعتبار ذلك المعنى الجماعي في التكليف الذي يقوم على سيادة القانون الإسلامي، فبما أنّها أحكام تتعلّق بوضع معيّن للمسلمين هو وضع الجماعة التي يحكمها القانون الإسلامي، فإنّ المقصد منه قُدّر على ذلك الأساس، فيكون إذن متحقّقا في حال تطبيق الحكم الموضوع له على ذلك الوضع، فإذا ما طُبّق على وضع آخر فإنّ المقصد قد لا يكون له تحقّق.

إنّ الخصوصيات التي شرحناها آنفا خصوصياتٍ ممبّزة لوضع الأقلّيات المسلمة من شأنها أن تجعل تلك الأقلّيات وهي في وضعها الخاصّ لا تتحقّق فيها مقاصد كثير من الأحكام التي خُوطبت بها الأمّة في وضعها أُمّةً قائمة، إذ تلك الخصوصيات تكون في بعض الأحيان عائقا دون تحقّق المقاصد المبتغاة من أحكامها، وذلك ما ينبغي أن يكون مناطا للاجتهاد الفقهي ذا أهمّية بالغة في المعالجة الفقهية لأحوال الأقلّيات، وهو ما من شأنه أن يثرى به فقه الأقلّيات، ويتطوّ، فيساهم في إنضاج مسيرته وبناء هيكله.

ليس في التشريع الإسلامي من النصوص المباشرة ما هو متعلّق بأحوال الأقلّيات سوي القليل، وليس في الفقه الإسلامي ما يتعلّق بذلك أيضا إلاّ ما هو قليل أيضا؛ فالفقه إنّما كان يعالج في الأكثر أحوال الواقع، ولم تكن الأقلّيات المسلمة في عهد الازدهار الفقهي واقعا ذا شأن بحيث تُعالج أوضاعه باجتهاد فقهي واسع، فلمّا أصبحت تلك الأقلّيات واقعا ملحوظا كما هو حال المسلمين الباقين بالأندلس بعد سقوطها، كان الفقه الإسلامي قد تراجع مدّه، فلم يكن له من قوّة الدفع ما يعالج به ذلك الوضع، وهذه المحصّلة من شأنها أن تجعل الاجتهاد في وضع الأقلّيات أكثر صعوبة، وأبعد موردا.

وفيما يتعلّق بموضوع الحال الذي هو كيفية استعمال مبدإ اعتبار المآلات  مبدأ اجتهاديا لمعالجة أحوال الأقلّيات، فلعلّ أوّل ما ينبغي النظر فيه من ذلك هو تبيّن كيف أنّ خصوصيات الأقلّية المسلمة تؤثّر على مآلات الأفعال، فتجعل بعض الأحكام الشرعية لا تتحقّق مقاصدها عند تطبيقها على أحوال الأقلّيات، لما يقتضي ذلك من اعتبار لهذه المآلات فتقدّر إذن في حقّها أحكام أخرى من شأنها تحقيق مقاصدها. فكيف تؤثّر خصوصيات الأقلّيات المسلمة في مآلات الأفعال لتقدّر لها الأحكام المناسبة؟

أ ـ  التأثير بخصوصية الأقلّية: إنّ أحكام الشريعة تتفاوت من حيث توجّهها بالتكليف إلى المسلمين باعتبارهم أفرادا، أو توجّهها إليهم باعتبارهم جماعة، وقد ارتبطت مقاصدها بحسب ذلك التوجّه التكليفي فيما إذا كان فرديا أو جماعيا. فمنها ما شرّع ليعمل به كلّ مسلم على سبيل العينية، وبني المقصد منه على ذلك التطبيق العيني، وذلك مثل أحكام العبادات وأحكام المنع في السرقة والخمر والزنا وأمثالها، فأيّما تطبيق فردي  لهذه الأحكام  تحصل منه المصلحة التي وضع من أجلها في ذات الأفراد المطبّقين لها، وفي المجتمع الذي يعيشون فيه.

 ومن الأحكام ما شرّع ليعمل به كلّ فرد من أفراد المسلمين ولكن في نطاق تطبيق جماعي من قِبل الهيئة العامّة للمجتمع، فارتبط مقصده بقدر من الأقدار بذلك التطبيق الجماعي، بحيث لو أصبح نظاما عامّا يوجّه حياة الجماعة تحقّقت منه المصلحة المقصودة، أمّا لو عمل به قلّة من الأفراد دون الهيئة الاجتماعية العامّة فإنّ مقصده لا يتحقّق على الوجه الذي أريد منه، وهو المصلحة الجماعية العامّة، وإن كان تطبيقه الفردي قد لا يخلو من بعض المصلحة التي شرّع من أجلها. وهذا النوع من الأحكام هو في الغالب ذلك الذي يعالج تلك العلاقات المتشابكة بين أفراد المجتمع بحيث لا يظهر أثرها فيها بيّنا إلاّ إذا أصبحت نظاما عامّا للجماعة، وذلك مثل بعض المعاملات الاقتصادية، ومعاملات التكافل الاجتماعي.  

بل إنّ بعض الأحكام الشرعية ارتبط تشريعها أساسا بالتطبيق الجماعي، على معنى أنّها فرضت على الجماعة المسلمة ولم تفرض على الأفراد من المسلمين، فإذا ما تيسّر تطبيقها من قِبل الجماعة تعيّن وجوبها، وإذا ما لم يتيسّر ذلك لم تكن واجبة في حقّ الأفراد، فيرتبط إذن مقصدها بالتطبيق الجماعي على وجه الحصر، وذلك مثل تطبيق الحدود الشرعية، فإنّه مفروض على الجماعة ممثّلة في السلطة الحاكمة، فإذا ما لم تتوفّر تلك السلطة سقط التطبيق عن أفراد المسلمين.

وبناء على ذلك فإنّ الأقلّية المسلمة هي باعتبار خصوصية أقلّيتها من حيث ذاتها ستكون عاملا مؤثّرا على مآلات الأفعال؛ ذلك لأنّ بعض الأحكام الشرعية ذات البعد الجماعي في التكليف إذا ما طُبّقت على هذه الأقلّية دون أن يكون تطبيقها عامّا في المجتمع الذي تعيش فيه وترتبط به ارتباطا وثيقا في معاملاتها ـ إذ ذلك غير ممكن وغير مطلوب ـ فإنّ ذلك التطبيق الذي يتمّ في حقّ أقلّية من أفراد المجتمع وهي الأقلّية المسلمة سوف لن يتحقّق منه المقصد المطلوب، إذ هو مقصد مرتبط بالتطبيق الجماعي، فتكون إذن  خصوصية الأقلّية من حيث ذاتها عاملا مؤثّرا في مآلات الأحكام.

 

ومن أمثلة ذلك تطبيق حكم المنع في التعامل الربوي، فهذا التعامل إنّما حرّمه الشارع لما يفضي إليه من مفاسد جمّة في الاقتصاد العامّ للمجتمع الذي يشيع فيه، ممّا يعود بالضرر على مجمل العلاقات بين الناس في بعدها الاقتصادي والاجتماعي، من حيف في توزيع الثروة، ومن أكل للأموال بالباطل، ممّا ينشأ عنه الكثير من أسباب الفرقة الاجتماعية، فإذا ما طُبّق هذا الحكم بالمنع على المجتمع فصار تطبيق ذلك نظاما عامّا له تحقّق المقصد منه باتّقاء عواقبه الفاسدة، وأمّا لو طُبّق على أفراد من المجتمع أو على فئة قليلة منه فإنّ ذلك التطبيق سوف لن يحقّق المقصد الذي هو ذو طابع اجتماعي عامّ.

ولعلّ ما ذهب إليه بعض الفقهاء الأحناف من تجويز للتعامل الربوي في الديار غير الإسلامية هو اجتهاد مبنيّ على هذا الملحظ[34]، إذ في هذه الديار التي لا يمكن فيها التطبيق الشامل لمنع التعامل الربوي لا يحصل فيها المقصد من ذلك المنع إذا ما طُبّق على أفراد من المسلمين أو على فئة قليلة منهم بالنسبة لأكثرية من المجتمع الذي يعيشون فيه غير ملزمة بتطبيق هذا المنع. وقد كانت الفتوى التي أصدرها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بجواز الاقتراض الربوي للأقلّيات المسلمة لشراء المساكن مرعيّا فيها هذا الأصل، إذ جاء في مبرّراتها القول: ” إنّ المسلم غير مكلّف شرعا أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها ممّا يتعلّق بالنظام العامّ في مجتمع لا يؤمن بالإسلام؛ لأنّ هذا ليس في وسعه، ولا يكلّف الله نفسا إلاّ وسعها، وتحريم الربا هو من هذه الأحكام التي تتعلّق بهويّة المجتمع، وفلسفة الدولة، واتّجاهها الاجتماعي والاقتصادي”[35].

يتبيّن إذن أنّ خصوصية الأقلّية في الأقلّيات المسلمة هي في ذاتها تمثّل عاملا من العوامل المؤثّرة في أيلولة بعض الأحكام الشرعية، إذ تلك الأحكام لمّا تكون متّجهة بالتكليف إلى الهيئة الاجتماعية العامّة، أو إلى الأفراد باعتبارهم مندرجين في تلك الهيئة، أو إلى الدولة باعتبارها ممثّلة للمجتمع، فإنّ مقصدها من المصلحة يكون مبنيا على ذلك المعنى من التطبيقي الجماعي، وإذن فإنّ التطبيق الجزئيّ على بعض الأفراد، أو على فئة قليلة من المجتمع سوف لا يكون منتهيا إلى تحقيق مقصدها، بل ربّما كان في بعض الحالات مفضيا إلى إلحاق ضرر بمن تُطبّق عليهم تلك الأحكام من الأفراد حينما لا يكون التطبيق عامّا[36]. وهذا العامل المؤثّر في أيلولة الأفعال ينبغي أن يأخذه المجتهد في فقه الأقلّيات بعين الاعتبار في اجتهاده.

ب ـ  التأثير بالسيادة القانونية: الأقلّيات المسلمة تعيش في مجتمعات يسود فيها قانون غير إسلامي، وهو قانون في كثير من فصوله يتناقض مع مقتضيات الأحكام الشرعية سواء في تنظيم الحياة الفردية أو الجماعية، ومن تلك القوانين ما يتعلّق بأحوال الأسرة كالزواج والطلاق والحضانة، ومنها ما يتعلّق بالعلاقات الاجتماعية كالتأمينات بمختلف أنواعها، ومنها ما يتعلّق بالحياة الاقتصادية كالمعاملات البنكية وما يتعلّق بها من المعاملات.

إنّ هذه السيادة القانونية هي ملزمة لكلّ من يتعامل بمعاملات تندرج تحت أوامر القانون ونهيه، على أنّ تلك المعاملات منها ما هو من الضروري لكلّ مسلم أو لأغلب المسلمين أن يدخلوا تحت طائلته كالإجراءات المدنية في العقود المختلفة، إذ ليس لأيّ فرد يعيش في هذه المجتمعات إلاّ أن يلج هذه المعاملات في ظرف مّا من ظروف حياته على الأقلّ، إن لم يكن باسترسال يومي أو شبه يومي،  ومنها ما هو ليس كذلك، وللمسلم الاختيار في أن يتعامل به أو يبتعد عنه كالاقتراض الربوي وما في حكمه. ولكلّ من هذا وذاك إذا ما طُبّقت عليه أحكام الشريعة مآل قد يخالف إن قليلا أو كثيرا تحقيق مقاصدها منها.

أمّا المعاملات التي يكون المسلم ملزما بأن يتعامل بها سواء كان إلزاما من قِبل متطلّبات الحياة، أو إلزاما إداريا، من مثل المعاملات المدنية وبعض أنواع التأمينات، فإنّها حينما تكون مخالفة لمقتضيات الأحكام الشرعية، ويطُبّق عليها حكم المنع، فإنّ هذا التطبيق يؤول إلى مخالفات قانونية تأخذ أبعادا خطيرة في نظر السلطة الحاكمة كما في نظر الهيئة الاجتماعية، لما للقانون من هيبة ومن سطوة أيضا في البلاد الغربية، وإذن فإنّ المخالف للقانون يكون معرّضا نفسه لعقوبات قد تكون شديدة إذا ما كانت المخالفة جسيمة، وهو ما يؤدّي إلى ضرر كبير يلحق المخالف للقانون استجابة لأحكام الشريعة.

وبالإضافة إلى هذا الضرر الذي يلحق مخالف القانون بصفته الفردية، فإنّ ضررا آخر يلحق المجموعة الإسلامية عامّة يتمثّل فيما يلحق بها من وصمة المخالفة للقانون، وهي وصمة من شأنها أن تُستتبع بنظرة تحقيرية استنقاصية إن لم تكن عدائية، وذلك من قِبل السلط الحاكمة من جهة، ومن قِبل الهيئة الاجتماعية من جهة أخرى، وذلك ما يكون سببا في الرفض لهذه المجموعة المخالفة للقانون رفضا نفسيا وشعوريا، وربّما إداريا وإجرائيا أيضا، كما يكون سببا في تبليغ صورة سيّئة عن الإسلام الذي تمثّله هذه الأقلّية المسلمة، وإذن فإنّ المآل الذي يؤول إليه هذا الضرب من الأفعال هو مآل مخالف لمقصد أحكامها منها.

وأمّا المعاملات التي يكون المسلم مخيّرا في التعامل بها، والتي هي إن اختارها وجدها جارية على خلاف الحكم الشرعي، وذلك من مثل الاقتراض الربوي، وتعاطي بعض ضروب الأعمال، واقتحام المجتمع بالمخالطة والمشاركة المتنوّعة المناحي، فهذه المعاملات إن طبّق عليها المسلم الحكم الشرعي بالامتناع عن الدخول فيها فإنّ ذلك قد يفضي إلى أحد مآلين كلّ منهما غير محقّق لمقصد ذلك الحكم الشرعي. أمّا أحد المآلين، فهو أنّ المسلم قد يكون غير ملزم بالقانون أن يدخل تحت معاملة مّا من المعاملات المخالفة للجكم الشرعي، ولكنّه يجد نفسه في حال اضطرار لذلك، فربّما انسدّت أمامه سبل العمل، فلا يجد إلاّ العمل في مواطن تروج فيها المحظورات بحكم الشريعة، وربّما انسدّت أمامه سبل التمويل لتحقيق مطلب ضروري كالسكن إلاّ سبل الاقتراض الربوي، وحينئذ إن امتنع عن هذه المعاملات تطبيقا للحكم الشرعي فإنّه سيجد نفسه في حرج شديد يتعلّق بضرورات الحياة.

وأمّا المآل الثاني، فهو أنّ الامتناع عن كلّ المعاملات المحظورة شرعا قد تفضي بالمسلم إلى التخلّي عن الاستفادة ممّا يوفّره المجتمع الذي يعيش فيه من الامكانيات الكثيرة التي بنيت على محظورات شرعية، وخاصّة فيما يتعلّق بالتعامل المالي، فإذا هو ينخرط في المجتمع بما يقدّم له من أعمال قد تكون أحيانا بالغة الأهمّية مثلما تقدّمه العقول المهاجرة، وما يدفعه من الضرائب، وما يبذله أحيانا من تضحيات حتى بالنفس عند التجنيد العسكري، ولكنّه لا ينخرط فيه حين الاستفادة ممّا يقدّمه هذا المجتمع لأفراده من قروض وتسهيلات مختلفة، وهذا الانخراط في الغرم والانسحاب من الغنم من شأنه أن يضعف وضعية المسلمين كأفراد، وبالتالي وضعيتهم كجماعة، إذ هم لا يستفيدون ممّا يوفّره المجتمع من إمكانيات، وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى أن تبقى الأقلّية المسلمة أقلّية هامشية، لا تتطوّر ولا تقوى في أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية.

إنّ المجتمعات الغربية بُنيت على نظام معيّن له أسسه وقوانينه وتراتيبه، ومن خلال ذلك النظام يتمّ التفاعل الاجتماعي العامّ بين الأفراد والمؤسّسات ومجمل المكوّنات الاجتماعية، ومن خلاله تتمّ حركة التطوّر والنموّ، إذ في نطاقه وبمقتضيات قوانيه تتمّ حركة الأخذ والعطاء، والإفادة والاستفادة تبادلا بين الأفراد ومجمل المجتمع، ومن بقي خارج ذلك النظام، غير منخرط فيه بالأخذ والعطاء، فإنّه سيبقى على هامش المجتمع، وسوف لن يستطيع أن يستفيد منه ما يقوى به ويتطوّر، فيكون إذن ذلك الضعيف الذي لا يؤثّر في المجتمع شيئا، إذ أسباب القوّة مرصودة ضمن نظامه، ولا تُكتسب إلاّ من خلال ذلك النظام.

إنّ تطبيق أحكام الشريعة على الأقلّية المسلمة في قسم غير يسير من المجال الاجتماعي والاقتصادي قد تنتهي إذن في بعض الأحيان بحكم ما تقدّم بيانه إلى حرج شديد يلحق الأفراد في بعض ضروراتهم الحياتية، وإلى وضع من الضعف والتهميش وفقدان الفاعلية والتأثير بالنسبة لمجمل الأقلّية، وذلك كلّه مآل ناتج من تطبيق أحكام الشريعة على أقلّية مسلمة بسبب من خصوصية وقوعها تحت سيادة قانون غير إسلامي، وهو مآل جدير بالنظر الاجتهادي في أحوال الأقلّيات لتبيّن أبعاده ومقاديره وآثاره، وتقدير الأحكام الشرعية المناسبة له تحقيقا للمصلحة التي هي مقصد كلّ الأحكام. 

ج ـ  التأثير بالسيادة الاجتماعية: الأقلّية المسلمة كما تعيش تحت ظلّ سيادة قانونية غير سيادة القانون الإسلامي، فإنّها تعيش أيضا تحت ظلّ سيادة اجتماعية غير سيادة المجتمع الإسلامي، فالمجتمع الذي تعيش فيه هذه الأقلّية مشكّل في بنيته الثقافية على ما تقتضيه الخلفية المرجعية التي توجّهه، سواء كانت دينية أو إيديولوجية عامّة، ومن تلك الخلفية انبت عادات المجتمع وأعرافه ومؤسّساته وأنماط حياته، سواء فيما يتعلّق بالعلاقات بين الأفراد، أو علاقات الجيرة، أو علاقات الأفراح والأتراح، أو علاقات العمل، أو غير ذلك من العلاقات.

والمسلمون الأقلّية وهم يعيشون في كنف هذا المجتمع بمكوّناته وعاداته وأعرافه يجدون أنفسهم في اضطرار معيشي وإنساني واجتماعي لأن يتعايشوا معه، ويتعاملوا مع مواريثه، وينخرطوا في سياقه، وإلاّ لتعطّلت بهم الحياة في وجوه كثيرة، ولأصبحوا يعيشون خارج الدورة الاجتماعية بما تتضمّنه من مسالك التبادل المنفعي أخذا وعطاء بين أفراد المجتمع وفئاته، وهو من الأغراض الأساسية للوجود الاجتماعي نفسه.

ولمّا تنخرط الأقلّية المسلمة في سياق المجتمع الذي تعيش فيه، وهو انخراط ضروري لوجودها لا تستطيع منه فكاكا، مهما يكن حجمه وامتداده، فإنّها تجد نفسها في كثير من المواقع تحت سلطة قسرية للمجتمع فيما استقرّ عليه من أنماط في التعامل الاجتماعي. ولمّا كان كثير من هذه الأنماط يخالف الأحكام الشرعية إن مخالفة منع قاطع أو مخالفة منع مخفّف، فإنّ الأقلّية المسلمة إن هي انخرطت فيها ستجد نفسها في منطقة الممنوعات الشرعية. وإذا ما طُبّقت الأحكام الشرعية على الأقلّية المسلمة في معاملاتها الاجتماعية الخاضعة لسلطان المجتمع، فإنّ ذلك قد يؤدّي إلى جملة من الإحراجات، ويفوّت جملة من المصالح.   

ومن تلك الإحراجات ما قد يترتّب أحيانا من توتّر في العلاقة بين الأفراد أو بين الفئات جرّاء ما يُحسب على أنّه استهتار بالمشاعر، أو استهانة باللّياقة في المعاملة، أو تكبّر واستعلاء، وذلك على سبيل المثال حينما لا يشارك المسلم جيرانه أو زملاءه أو أصدقاءه أو أصهاره من غير المسلمين في مراسيم أفراحهم وأتراحهم التي قد لا تخلو من مخالفات شرعية، فإذا بذلك التوتّر ينسج خيوط الوقيعة شيئا فشيئا حتى يؤول إلى المشاحنة والفرقة وما يترتّب على ذلك من ضرر يلحق المسلمين، بل قد يلحق بصورة الإسلام الذي يدينون به باعتبار أنّ ما عُد استهانة واستهتارا هو في حسبان القوم من ذات الإسلام لا من المسلمين.

ومنها ما قد يترتّب على مقاطعة المعاملات الاجتماعية أو مقاطعة القسط الأكبر منها من الصيرورة بالأقلّية المسلمة إلى وضعية الانزواء والانعزال عن المجتمع فيما يجري فيه من تفاعل، فيصبح المسلمون إذن في واقع المجتمع، وفي الحسّ الاجتماعي المشترك كالفرقة الشاذّة عن السياق العامّ للمجتمع، وقد يفضي ذلك إلى أن تصبح كالفرقة المنبوذة لشذوذها، فتستبعد إذن من الاعتبار في دائرة التفاعل الاجتماعي ، كما تُستبعد بالأحرى من أن تكون محلّ اعتبار كمصدر للتأثير برأي أو بتصرّف أو بإيحاء أو بموقف، إذ هي قد انعزلت عن المجتمع واقعيا، فانعزلت في الأذهان تبعا لذلك، وذلك مصير للأقلّية المسلمة فيه من الحرج لها كما فيه من الضرر لما تمثّله من دين شيء كثير.

وإذا ما انعزلت الأقلّية المسلمة عن المجتمع الذي تعيش فيه تطبيقا للحكم الشرعي بمنع بعض ما قد يشوب اختلاطها به من الشوائب، فإنّ ذلك يفضي لا محالة إلى بقاء هذه الأقلّية غير عليمة بحقائق هذا المجتمع ومكوّنات تركيبه وآليات حركته، إذ العلم بذلك يقتضي المخالطة والتوغّل، كما يفضي بالتالي إلى القصور عن الاستفادة من المؤسّسات الاجتماعية، ودوائر المجتمع المدني في طرائق إدارتها، وفيما توفّره من الخدمات والمزايا لأفراد المجتمع، وهو ما يؤدّي إلى حرمان الأقلّية المسلمة من أسباب للمعرفة وأسباب للمصلحة ممّا يمكن أن يكون عوامل نموّ وقوّة وإيجابية في التفاعل الاجتماعي تفاعل أخذ وعطاء ونفع وانتفاع.

يمكن إذن أن تؤدّي بعض الأحكام الشرعية المتعلّقة بالمخالطة الاجتماعية إذا ما طبّقت على حياة الأقلّيات المسلمة إلى مآل ينتج عنه من الضرر الذي يلحق بجماعة الأقلّيات أكثر من المصالح التي وضعت تلك الأحكام من أجلها كمقاصد لها، وذلك بسبب أنّ تلك المقاصد قُدّرت اعتبارا لتطبيق الأحكام في ظلّ سيادة المجتمع الإسلامي، فلمّا تطبّق على المسلمين في ظلّ سيادة مجتمع غير إسلامي فإنّ هذه الخصوصية يكون لها أثر بيّن في مآلات الأحكام، وهو ما ينبغي للفقيه أن يأخذه بعين الاعتبار في بناء فقه الأقلّيات.

د ـ  التأثير بخصوصية التمثيل الدعوي: ذكرنا سابقا أنّ الأقلّيات المسلمة بالبلاد الغربية على وجه الخصوص تمثّل حلقة وصل بين العالم الإسلامي وما يمثّله من حضارة الإسلام، وبين العالم الغربي وما يمثّله من حضارة الغرب، وهي بهذا الموقع كأنّما تتصدّى بمجّرد حضورها لمهمّة ذات خطورة بالغة، هي مهمّة تمثيل الإسلام في أبعاده القيمية والحضارية لدى أهل الغرب، وستكون صورة الإسلام لدى هؤلاء مرتبطة إلى حدّ كبير بتقييمهم من خلال ثقافتهم للأنموذج الذي يكون عليه المسلمون الأقلّية في مجمل وجوه حياتهم، وفي تصرّفاتهم إزاء أنفسهم وإزاء الآخرين، وربّما يكون مصير الإسلام بالديار الغربية من قبول أو ردّ، ومن استحسان أو استقباح، ومن انتفاع بما فيه من خير أو انكماش دون ذلك  مرتبطا أشدّ الارتباط بما يحدثه هذا الأنموذج الذي تكون عليه الأقلّية المسلمة باعتبار أنّها تمثّل الإسلام، والشواهد في أيّامنا هذه تترى في الشهادة على ذلك.

وليست المجتمعات الغربية التي تعيش فيها الأقلّيات المسلمة بقادرة في أغلبها على أن تقيّم ذلك الأنموذج في تمثيليته للإسلام من خلال مقاييس موضوعية علمية، وإنّما هي سيكون تقييمها ذاك في شطر كبير منه جاريا من خلال ثقافتها هي وأعرافها وعاداتها ونمط عيشها، وذلك فيما عدا تلك المبادئ الأساسية الكبرى التي يلتقي عليها الطرفان، من مثل المبادئ الأخلاقية والإنسانية العامّة، وهو ما يضفي على هذا الوضع الذي تتصدّى فيه الأقلّيات المسلمة لدور تمثيلي أنموذجي صعوبة أخرى وتعقيدا زائدا.

ومن مقتضيات هذا الدور التمثيلي ذي البعد الدعوي للأقلّيات المسلمة أن تكون هذه الأقلّيات ذات قوّة مادّية اقتصادية وقوّة اجتماعية وعلميّة، بحيث تظهر بالمظهر القويّ اللاّئق الجالب للاحترام في أحوالها السكنية والهندامية والمظهرية العامّة، وفي تجمّعاتها ومناسباتها وممارساتها المتعدّدة، وفي علاقاتها الاجتماعية وتصرّفاتها المختلفة، وفي أعمالها ومؤسّساتها ومنشآتها، وفي مواقعها العلمية والوظيفية، فبقدر ما تكون الأقلّيات راقية قويّة في ذلك تكون تمثيليتها للإسلام أوقع في رسم الصورة الإيجابية عنه في نفوس أهل الغرب، وعكس ذلك صحيح إلى حدّ كبير.

ومن مقتضياته أيضا أن يكون السلوك العامّ للمسلمين في مظاهرهم وفي تصرّفاتهم إزاء الآخرين وفي علاقاتهم الاجتماعية سلوكا غير جارح للحسّ الذوقي العامّ للمجتمع، ولا متّصف بالشذوذ والغرابة، ولا مسيئا للشعور الجماعي، بل يكون مستحسنا في العيون، مقرّبا إلى القلوب، منسجما مع الطابع العامّ للمجتمع، لطيف الوقع في النفوس، بحيث تحصل من مجمل كلّ ذلك صورة تشيع في المخيال المجتمعي الاستحسان، وتكتسب لدى عامّة الناس الاحترام، وتقع في تقدير العقول موقعا رفيعا.

 هذه المقتضيات التي يقتضيها موقع الأنموذجية للأقلّيات المسلمة في بعدها الدعوي من شأنها أن تساعد على القيام بدور تمثيلي للإسلام يفضي إلى التقارب والتعارف بين المسلمين وأهل الغرب، كما يفضي إلى إبراز محاسن الإسلام وخيريته لينتفع بها الناس. ولكنّ بعض أحكام الشريعة حينما تعمل بها الأقلّية المسلمة وهي في هذا الموقع فإنّها قد تفضي إلى ما يخالف هذه المقتضيات، فإذا هي تعطّل إن كثيرا أو قليلا ما تصدّت له الأقلّية المسلمة بحكم موقعها الواصل بين الحضارتين من دور تمثيلي دعوي عظيم.

وإنّما يحصل ذلك بسبب أنّ تلك الأحكام هي في مجملها مشروعة للمسلمين في حال كونهم أمّة متجانسة بالصفة الإسلامية، فحينئذ تتشكّل أحوالهم وعاداتهم وأذواقهم وهيئاتهم الجماعية على سواء بين جميعهم، فيكون ميزان التقييم الذوقي، ومعايير الاستحسان، وتقديرات العقول للمواقف والتصرّفات، جارية كلّها على ذات المقاييس التي تأسّس عليها المجتمع الإسلامي المتجانس بأثر من الدين الجامع، فإذا ما جرت تلك الأحكام على أفعال الأقلّية وهي تعيش في مناخ اجتماعي مخالف، كان لها في ذلك المناخ أثر مخالف لأثرها في المناخ الاجتماعي الإسلامي المتجانس.

ومن أمثلة ذلك أنّ بعض المسلمين من الأقليّة في البلاد الغربية تراهم في بعض تصرّفاتهم وعلاقاتهم ، وفي بعض مظاهرهم وأحوالهم يحرصون على تطبيق أحكام شرعية حرصا شديدا، وإن تكن من باب السنن والنوافل المجمع عليها أو المختلف فيها، من مثل ما يتعلّق بكيفيات اللّباس، أو بأوصاف معيّنة في إعفاء اللّحى، أو بمقاطعة المشاركة بالمواساة في الأتراح والمشاركة بالمسرّة في الأتراح، وهم بما يفعلون من ذلك يتركون الأثر السيّئ وأحيانا البالغ السّوء في عيون ونفوس المجتمع الذي يعيشون فيه، فإذا هم يصدّون بذلك صورة الإسلام عن أن تبلغ إلى النفوس فتقع فيها موقع الاستحسان، وإذا تطبيق تلك الأحكام الذي هو في الأصل نصرة للإسلام وإعلاء له يصبح في هذه الحال آيلا إلى عكس ذلك من استنقاص له ونفور منه.

وقد كان المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث يصدر في بعض فتاويه وقراراته بناء على هذا المعنى الذي يؤخذ فيه البعد الدعوي للأقلّية المسلمة بعين الاعتبار، ومن ذلك ما جاء في فتواه بجواز الاقتراض الربوي لشراء المساكن من تقرير للحاجة على أنّ ” هناك إلى جانب هذه الحاجة الفردية لكلّ مسلم، الحاجة العامّة لجماعة المسلمين الذين يعيشون أقلّية خارج دار الإسلام، وهي تتمثّل في تحسين أحوالهم المعيشية، حتى يرتفع مستواهم، ويكونوا أهلا للانتماء إلى خير أمّة أخرجت للناس، ويغدو صورة مشرقة للإسلام أمام غير المسلمين”[37].

يتبيّن إذن أنّ خصوصية الأقلّية المسلمة متمثّلة في تمثيليتها للإسلام في عيون غير المسلمين الذين تعيش في مجتمعهم، ومنظورا إليها في بعدها الدعوي والحضاري والمستقبلي في علاقة الإسلام والمسلمين بالغرب وأهله، يتبيّن أنّها خصوصية ذات أثر في مآلات الأفعال، فذلك إذن موطن خصب للاجتهاد في فقه الأقلّيات، ولكنّه موطن تتشابه فيه السبل، وتختلط فيه الحقائق بالظنون، فعلى المجتهد الفقيه أن يوازن فيه بين المصالح والمفاسد بموازين الذهب حتى لا تُنتهك أحكام الشريعة بالأوهام.

 إنّ ذلك المنهج الدقيق هو ما يجب أن يكون ديدنا للناظرين في مجمل النظر في مآلات الأفعال كأصل من الأصول في المعالجة الشرعية لأوضاع الأقلّيات المسلمة، وإنتاج فقه ثريّ في ذلك يرقّي هذه الأوضاع ويبلغ بها أهدافها القريبة والبعيدة، وذلك سواء من حيث تعيين مقاصد الأحكام، أو من حيث تبيّن أيلولتها الفعلية، أو من حيث تقدير ما هو مناسب منها لتلك الأيلولة، فكلّ ذلك كما لاحظ الإمام الشاطبي: صعب المورد، إلاّ أنّه عذب المذاق، محمود الغبّ.   

 

 

فهرس المواضيع

 

الموضوع                                                                  الصفحة

تمهيد                                                                          2

المبحث الأوّل ـ مآلات الأفعال:                                       3

1 ـ مدلول مآلات الأفعال                                                  3

2 ـ الحجج الشرعية لاعتبار مآلات الأفعال                                6

3 ـ ضوابط اعتبار المآلات                                                  8

أ ـ تحرّي مقاصد الأحكام                                               9

ب ـ تحرّي أيلولة الأحكام                                              12

ـ أيلولة الأحكتم إلى غير مقاصدها                                    13

ـ المؤثّرات في أيلولة الأحكام                                           15

ـ مسالك الكشف عن المآلات                                         19

المبحث الثاني ـ دور اعتبار المآلات في فقه الأقلّيات               25

1 ـ الأقلّيات وفقه الأقلّيات                                                25

2 ـ خصوصية أوضاع الأقلّيات                                            29

3 ـ تأثير خصوصية الأقلّيات على المآلات                                 35

أ ـ التأثير بخصوصية القلّة                                               36

ب ـ التأثير بالسيادة القانونية                                           39

ج ـ التأثير بالسيادة الاجتماعية                                        41

د ـ التأثير بخصوصية التمثيل الدعوي                                  43

 

 

 

ثبت المراجع

 

ـ آل سلمان ( أبو عبيدة مشهور بن حسن)

1 ـ تحقيق الموافقات للشاطبي. ط دار ابن عفّان، مصر، 1421 هـ

ـ الجصاص ( أحمد بن محمد الطحاوي، ت 321 هـ )

2 ـ مختصر اختلاف العلماء. ط دار البشائر الإسلامية، بيروت 1417 هـ. تح: عبد الله نذير أحمد.

ـ ابن حزم ( أبو محمد علي بن أحمد ت 456 هـ 9

3 ـ الإحكام في أصول الأحكام. ط دار الكتب العلمية، بيروت ( د.ت ).

ـ أبو زهرة ( محمد ).

4 ـ أصول الفقه. ط دار الفكر العربي ( د.ت).

ـ السرخسي ( أبو بكر محمد بن أبي سهل )

5 ـ المبسوط.

ـ الشاطبي ( إبراهيم بن موسى اللخمي ، ت 790 هـ ).

6 ـ الموافقات. ط دار ابن عفان، مصر، 1421 هـ. تح: آل سلمان.

ـ طه جابر العلواني.

7 ـ مدخل إلى فقه الأقلّيات ( نظرات تأسيسية ). بحث مخطوط.

ـ ابن عابدين.

8 ـ حاشية ابن عابدين.

ـ ابن عاشور ( محمد الطاهر )

9 ـ التحرير والتنوير. ط الدار التونسية للنشر والدار الجماهيرية.

10 ـ مقاصد الشريعة. ط الشركة التونسية للتوزيع، تونس 1978.

ـ ابن القيّم ( أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، ت 751 هـ )ز

11 ـ إعلام الموقّعين عن رب العالمين. ط2 دار الكتب العلمية، بيروت 1993ز

ـ المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.

12 ـ مجموع الفتاوى.

ـ النجار ( عبد المجيد بن عمر ).

13 ـ فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب. ط دار الغرب الإسلامي، بيروت 1992.

ـ وهبة الزحيلي.

14 ـ أصول الفقه الإسلامي. ط دار الفكر المعاصر ودار الفكر، دمشق 1986.

ـ يوسف القرضاوي.

15 ـ في فقه الأقلّيات المسلمة.ط دار الشروق. القاهرة 2001.

 

 

[1]  عند التفتيش على المواقع التي استُعمل فيها لفظ ” مآلات الأفعال ” و”مآلات الأحكام” في القرص المدمج المشتمل على برنامج “مكتبة الفقه وأصوله”  المشتمل على المئات من المصادر الأصولية والفقهية لم يظهر هذا المصطلح إلاّ في موقعين كلّ منهما في كتاب الموافقات للشاطبي.

[2]  الشاطبي ـ الموافقات: 5/ 177ـ78

[3]  مثاله إجراء حكم الجواز على النكاح الفاسد بعد وقوعه فيما يتعلّق باستحلال المهر وثبوت النسب وإيقاع الميراث.

[4]  مثاله العدول عن حكم المنع إلى الجواز في المراطلة الكثيرة في الأنواع المتماثلة التي يحصل فيها التفاضل اليسير لما يؤول إليه تطبيق القياس عليها من مفسدة الحرج الشديد على الأمّة في المعاملات.

[5]  راجع في تفصيل ذلك في: الشاطبي ـ الموافقات: 5/ 182 وما بعدها.

[6]  راجع هذه المسألة ومناقشتها في: آل سلمان ـ  تحقيق الموافقات: 5 /186

[7]  أخرج البخاري نحوه ـ كتاب الحج: باب فضل مكّة وبنيانها.

   [8] أخرجه البخاري ـ كتاب المناقب: باب ما ينهى من دعوى الجاهلية.

[9]  راجع وجوها كثيرة من الأدلّة الشرعية على اعتبار المآل متمثّلا في سدّ الذرائع في: ابن القيّم ـ إعلام الموقّعين: 3/110 وما بعدها.

[10]  راجع في ذلك : ابن حزم ـ الإحكام في أصول الأحكام: م2/180

[11] راجع في ذلك:الشاطبي ـ الموافقات: 5 / 132 وما بعدها،   وابن عاشور ـ مقاصد الشريعة: 19 وما بعدها، وراجع أيضا بحثا لنا بعنوان ” مسالك الكشف عن مقاصد الشريعة بين الشاطبي وابن عاشور ” في كتاب : فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب” : 19 وما بعدها.

[12]  راجع: ابن عاشور ـ مقاصد الشريعة: 21.

[13]  راجع: ابن عاشور ـ مقاصد الشريعة: 20.

[14]  راجع: الشاطبي ـ الموافقات: 3 / 139

[15]  راجع: نفس المصدر ـ 3/156.

[16]  الشاطبي ـ الموافقات: 5/ 114ـ15

[17]  نفس المصدر: 3/180

[18]  ابن القيّم ـ إعلام الموقّعين: 3/13

[19]  راجع في هذه المسألة نفس المصدر: 3/13، وراجع فيه أيضا أمثلة أخرى كثيرة في هذا الشأن.

[20]  أخرجه البخاري ـ كتاب الأدب / باب الرفق في الأمر كلّه.

[21]  ابن القيّم ـ إعلام الموقّعين: 3/11.

[22]  الشاطبي ـ الموافقات:5/25، وراجع أيضا في نفس المكان شواهد كثيرة من الحديث النبوي على هذه القاعدة.

[23]  الشاطبي ـ الموافقات: 391.

[24]  نفس المصدر: 391ـ392

[25]  راجع هذه المسألة في: ابن القيّم ـ إعلام الموقّعين: 3/31 وما بعدها.

[26]  الشاطبي ـ الموافقات: 2/148.

[27]  راجع: ابن عاشور ـ التحرير والتنوير: 7/428

[28] أخرجه مسلم ، كتاب الإيمان.

[29]  راجع في الحيل وأحكامها: الشاطبي ـ الموافقات: 5/187.، وابن القيّم: إعلام الموقّعين: 3/126.

[30]  ضبط بعض الأصوليين في باب سدّ الذرائع بعض القواعد لتبيّن مدى ما تفضي إليه الذريعة من مآل فيحكم بسدّها، ولكنّها في جملتها نحت منحى العموم، فبقي الأمر محتاجا إلى مزيد من الدرس للتوصّل إلى قواعد أكثر دقّة في هذا الشأن = =راجع في ذلك: الشاطبي ـ الموافقات:  وابن القيّم ـ إعلام الموقّعين:3/109، وأبو زهرة ـ أصول الفقه: 290، ووهبة الزحيلي ـ أصول الفقه الإسلامي: 2 /884.

[31]  راجع في شرح هذا المصطلح: يوسف القرضاوي ـ في فقه الأقلّيات المسلمة:25

[32]  راجع في ذلك : طه جابر العلواني ـ مدخل إلى فقه الأقلّيات ( بحث مخطوط ).

[33]  تندرج ضمن هذا المعنى الأحكام ذات الصبغة الجماعية، وهي أكثر الأحكام الإسلامية، وذلك لا يمنع أنّ أحكاما كثيرة يخاطب المسلم بها الفرد في أيّ وضع كان فيه، وخاصّة تلك المتعلّقة بالعبادات والمبادئ الأخلاقية.

[34]  راجع ذلك في: الجصاص ـ مختصر اختلاف العلماء : 2، والسرخسي ـ المبسوط: 14/ 56، وابن عابدين ـ حاشية ردّ المحتار: 186، وابن الهمام ـ فتح القدير: 300

[35]  فتاوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ـ المجموعة الثانية: 31 ( نسخة مخطوطة )

[36]  ممّا جاء بهذا الصدد في مبرّرات فتوى المجلس الأوروبي الآنفة الذكر أنّ المسلم في دار غير المسلمين ” إذا لم يتعامل بهذه العقود التي يتراضونها بينهم [ ومنها العقد الربوي ] سيضطرّ إلى أن يعطي ما يُطلب منه، ولا يأخذ مقابله، فهو ينفّذ هذه القوانين والعقود فيما يكون عليه من مغارم، ولا ينفّذها فيما يكون عليه من مغانم، فعليه الغرم دائما وليس له الغنم، وبهذا يظلّ المسلم أبدا مظلوما ماليا بسبب التزامه بالإسلام، والإسلام لا يقصد أبدا إلى أن يظلم المسلم بالتزامه به” ( نفس المرجع والصفحة ).

[37]  نفس المرجع: 30