السبب الشرعي لوجوب صيام رمضان | المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث
الخميس , أكتوبر 17 2019
الرئيسية / البحوث / السبب الشرعي لوجوب صيام رمضان

السبب الشرعي لوجوب صيام رمضان

 

السبب الشرعي لوجوب صيام رمضان

هل هو:

دخول الشهر أم رؤية الهلال

إعداد

المستشار الشيخ فيصل مولوي

بحث مقدم

للدورة الثامنة عشرة للمجلس – دبلن

جمادى الثانية/ رجب 1429 هـ / يوليو 2008 م

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد: الحاجة إلى هذه الدراسة:

فرض الله تعالى صيام شهر رمضان على المسلمين في السنة الثانية للهجرة. وكان العرب قبل الإسلام يتعاملون بالتقويم القمري، وقد اعتمدوا الشهر الهلالي في مواقيتهم، وحين بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقرّ هذا التقويم، ورتَّب عليه جملة من الأمور الشرعيّة، وأهمّها معرفة شهر رمضان والعيدين، وتحديد يوم عرفة. ولم يكن علم الحساب على قدر مهمّ من المعرفة، بل كان ملتبساً مع التنجيم، وكان المنجّم أحياناً يحسب سير النجوم -ومنها القمر- بشكل بدائي، وأحياناً يتحدّث عن تأثير النجوم على الأرض والإنسان بما يعتبر من أنواع الشرك. ولأنّ رمضان شهر أداء فريضة الصيام، كان من واجب المسلمين التأكّد من بدايته ومن نهايته، حتى لا يُفطروا في أحد أيامه، أو لا يصوموا يوماً من شهر آخر. ولم تكن أمامهم وسيلة لمعرفة بداية الشهر ونهايته إلاّ رؤية الهلال، ولذلك فقد أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإعتمادها فقال: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين)[1]، وقال: (لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له)[2]. وقد اتفق الجمهور من العلماء على اعتبار الرؤية سبباً للصيام والإفطار، وإن تعذّرت كان إكمال العدة لشعبان أو رمضان.

ثمّ انتشر المسلمون في كلّ بلاد العالم، واتسع الإختلاف حول الرؤية، بحيث أصبحوا يختلفون حول بداية رمضان ونهايته، يوماً ويومين وأحياناً ثلاثة أيام. هذا في الوقت الذي تطوّرت فيه العلوم المعاصرة -ومنها علم الفلك والحساب- إلى حدّ بعيد جداً، مكّن الناس من الهبوط على سطح القمر، ومن حساب حركة القمر بالدقائق والثواني، بحيث يُعرف يقيناً زمن ولادته، مع هامش خطأ لا يتجاوز الجزء من الثانية، وأصبح اختلاف المسلمين في تحديد بداية رمضان ونهايته موضوع استغراب العالم، بل صار كثير من المسلمين يتساءلون: لماذا لا يُعتمد الحساب الفلكي القطعي لحسم الخلاف؟ فيأتي الجواب يكرر ما قاله علماؤنا في إنكار العمل بالحساب لإثبات دخول رمضان، وعدم جواز الاعتماد إلاّ على الرؤية. وهذا ما جعل المسلم العادي يعجز عن التوفيق بين القول: إنّ الإسلام يشجّع العلم ويحثّ عليه ويأخذ به، وبين القول: انّه لا يجوز الإعتماد على الحساب في هذه المسألة. ولم يجد بعض العلماء جواباً على ذلك إلاّ إستحداث بدعة التمييز بين (الشهر الفلكي والشهر الشرعي)، وكأنّها محاولة لتبرير رفض الشريعة الأخذ بنتائج العلوم اليقينية، أو تأصيل هذا الرفض، وهو أمر خطير لا يصحّ قبوله بحال، لأنّه يؤكّد ما يتوهمه البعض من وجود التعارض بين الإسلام والعلم.

ومما زاد من أهميّة هذه المسألة وجود كثير من الأقليّات الإسلاميّة تعيش في بلاد غير إسلاميّة (يقدّر عددها في هذه الأيام بمئات الملايين). وتريد الحكومات أو المؤسسات أو الشركات أن تعرف مواعيد الأعياد حتى تسمح للمسلمين بالتعطيل عن العمل مراعاة لهم، فلا يستطيع المسلمون تحديد موعد العيد مسبقاً، مما يمنعهم من الإستفادة من العطلة المناسبة، ويزيد إستغراب الآخرين وتساؤلهم عن سبب تشّبث المسلمين بالرؤية، بعد أن أصبح الحساب دقيقاً ومعروفاً لدى جميع الدوائر العلمية.

لقد حاول قليل من العلماء في الماضي التحدّث عن هذه المسألة، فتعرّضوا لحملة قاسية من الجمهور، ثمّ حاول بعض العلماء المعاصرين مرّة أخرى فتعرّضوا لمثل هذه الحملة، واضطر بعضهم للتراجع فتحدّثوا عن (الأخذ بالحساب بالنفي لا بالإثبات)، بمعنى أنّه لا يجوز إثبات دخول رمضان إلاّ برؤية الهلال، لكن الرؤية مشروطة بأن لا تعارض الحساب. كما تحدّث كثير من علماء الفلك المسلمين المعاصرين عن علم الحساب في مسألة إثبات الهلال، لكنّهم ربطوه (بإمكان رؤية القمر) التي قال بها بعض الفقهاء السابقين، وهي مسألة لا تحلّ مشكلة أصلاً، لأنّ إمكان الرؤية يختلف بشكل واسع جداً، ولأسباب علميّة كثيرة يعرفها أهل هذا العلم. والسبب الذي دفع هؤلاء إلى تبّني الحساب على أساس إمكان رؤية القمر، هو إتفاق جمهور العلماء قديماً وحديثاً أنّ السبب الشرعي لصيام رمضان عندهم هو رؤية الهلال.

 لقد أردت بهذه الدراسة مناقشة هذه المسألة في ضوء الضوابط والقواعد الأصوليّة، مع علمي بأنّها ستثير موجة كبيرة من الإستغراب والإستنكار، وقد مضى عليّ سنوات طويلة وأنا أعمل الفكر في هذه المسألة، وأتردد في إعلان هذه الأفكار، لكنّي أخيراً عزمت على ذلك إلتزاماً بواجب (عدم الكتمان) الذي أعتقد أنّه يلزم أمثالنا مهما قلت درجة العلم عندهم، وما أردت بهذا إلاّ إعادة طرح الموضوع للبحث والمناقشة، لكن هذه المرّة من زاوية مختلفة لم أطّلع على أي بحث سابق فيها، وهي تمحيص السبب الشرعي لوجوب صيام رمضان؟ هل هو دخول الشهر، أم رؤية الهلال؟

الفصل الأول: المقدّمات

المقدمّة الأولى: هل هناك إجماع حول الحكم الشرعي في هذه المسألة؟

1- القول الأول: يذكر كثير من الفقهاء إجماع العلماء أو إتفاقهم على أنّ الحساب لا يجوز إعتماده في إثبات الهلال، وأنّ الرؤية وحدها هي الطريق الشرعي لإثبات دخول رمضان، فإن تعذّرت فإكمال العدّة.

  • ذكر الصنعاني[3] (قال الباجي في الرد على من قال: إنّه يجوز للحاسب والمنّجم وغيرهما الصوم والإفطار إعتماداً على النجوم، انّ إجماع السلف حجّة عليهم).
  • ذكر ابن رشد[4]: (إنّ العلماء أجمعوا على أنّ الشهر العربي يكون تسعاً وعشرين، ويكون ثلاثين، وعلى أن الإعتبار في تحديد شهر رمضان إنّما هو الرؤية… واختلفوا في الحكم إذا غمّ الشهر). معنى ذلك أن العمل بالحساب في زمن الصحو يخالف الإجماع، وإنّ إختلاف الفقهاء حول جواز إعتماد الحساب محصور في حالة الغيم فقط.
  • وهذا ما صرَّح به شيخ الإسلام ابن تيمية[5]: (فإنّا نعلم بالإضطرار في دين الإسلام، انّ العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدّة أو الإيلاء، أو غير ذلك بخبر الحاسب، انّه يرى أو لا يرى، لا يجوز…، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلاً، ولا خلاف حديث، إلاّ أنّ بعض المتأخرين من المتفقّهة الحادثين بعد المائة الثالثة، زعموا أنّه إذا غمّ الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب فهو شاذ، مسبوق بالإجماع على خلافه، فإمّا اتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به، فما قاله مسلم).
  • ذكر القرافي[6]: (قال سند من أصحابنا: فلو كان الإمام يرى الحساب، فأثبت الهلال به، لم يتبع لإجماع السلف على خلافه…).

2- القول الثاني: في مقابل ذلك يذكر غيرهم الخلاف حول هذه المسألة، رغم تأكيدهم أن الجمهور لا يجيز إعتماد الحساب في إثبات هلال رمضان سواء في الصحو أو في الغيم. وأكثر فقهاء الحديث يذكرون هذا الخلاف عند تفسير قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فاقدروا له)، من الحديث الصحيح المشهور (لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له)[7]، (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غمّ عليكم فاقدروا له)[8] ويذكرون أقوال مُطرِّف بن عبد الله الشِّخير من التابعين، وأبي العباس بن سريج من الشافعية، وابن قتيبة، أمّا فقهاء المذاهب فيبحثون مسألة (جواز إعتماد الحساب في إثبات الأهلّة) بشكل عام وليس فقط في حالة الغيم.

  • يذكر ابن عابدين[9] (أنّ للمتأخرين ثلاثة أقوال نقلها الإمام الزاهدي في القنية:

الأول: ما قاله القاضي عبد الجبار وصاحب العلوم أنّه لا بأس بالإعتماد على قول المنجّمين.

الثاني: ما نقله عن ابن مقاتل، أنّه كان يسألهم ويعتمد على قولهم إذا اتفق عليه جماعة منهم.

الثالث: ما نقله عن شرح الإمام السرخسي أنّ الرجوع إلى قولهم عند الإشتباه بعيد، لحديث (من أتى  كاهناً)، ونقل أيضاً قول شمس الأئمة الحلواني ومجد الأئمة الترجاني أنّه لا يؤخذ بقول المنجمين، وقول الدر المختار: (لا عبرة بقول الموقتين)، وقول البحر: (من يرجع إلى قولهم فقد خالف الشرع) وفي معراج الدراية (لا يعتبر قول المنجمين بالإجماع)، وقد ذكر ابن وهبان في منظومته الأقوال الثلاثة فقال: (وقول أولي التوقيت ليس بموجب، وقيل نعم، والبعض ان كان يكثر).

  • ذكر النووي[10] خمسة أوجه في مسألة إعتماد الحساب في الصيام، أوّلها وأصحّها: لا يلزم الحاسب ولا المنجم ولا غيرهما بذلك، لكن يجوز لهما (الصيام) دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما، الثاني: يجوز لهما ويجزئهما، الثالث: يجوز للحاسب ولا يجوز للمنجمّ، والرابع: يجوز لهما ويجوز لغيرهما تقليدهما، والخامس: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجّم.
  • ومع أن الإمام السبكي الشافعي، مال إلى عدم الاعتماد على الحساب[11] في وجوب الصيام أو جوازه. وأنّه إذا دلّ الحساب على إمكان رؤيته ولم ير، فإنَّ الشارع رتَّب الصيام على الرؤية وليس على إمكانها. رغم ذلك فهو يرى أنّه إذا دلّ الحساب على عدم إمكانية الرؤية، وشهد شاهدان أنّهما رأَيا الهلال، فإنّه يجب عدم قبول شهادتهما، لأنّ الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان.
  • ذكر القرافي الخلاف في هذه المسألة على قولين عند المالكية والشافعية، وأنّ القول المشهور في المذهبين، عدم إعتماد الحساب، وأنه إذا دلّ حساب تسيير الكواكب على خروج الهلال من الشعاع من جهة علم الهيئة لا يجب الصيام، بل رؤية الهلال خارجاً من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي.[12] ومعنى ذلك بوضوح أنّ هناك قولاً غير مشهور في المذهبين المالكي والشافعي حول جواز اعتماد الحساب في إثبات دخول الشهر.

3- نخلص مما تقدّم أنّ هناك أقولاً واضحة لمرجعيات معروفة في المذاهب الثلاثة: المالكي والشافعي والحنفي تقبل التعامل مع الحسابات الفلكية، وان كانت تختلف حول مجالات الحساب، وهل هو محصور في حالة النفي دون الإثبات، أو يشمل الحالتين معاً.  وهل هو محصور في حالة الغيم أم يشمل أيضاً حالة الصحو. وهل العمل بالحساب واجب أم جائز، وهل هو محصور بالحاسب نفسه أو يجوز للناس اتباعه فيه وغير ذلك من الاعتبارات.

    ولم يتشدد في رفض العمل بالحسابات الفلكية بالمطلق في إثبات بدايات الشهور إلاّ الحنابلة وتبعهم في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية كما هو معروف.

من هذه النقول- وهناك كثير غيرها- يتبيّن أنّه ليس في المسألة إجماع بالمعنى الأصولي الذي يصبح معه الحكم قطعيّاً لا تصحّ مخالفته، والإجماع عند جمهور الأصوليين لا ينعقد بمخالفة الواحد، فكيف إذا خالف فيه علماء كبار ابتداءً من عصر السلف الأول إلى عصرنا الحاضر؟ إنّ هذا الموضوع قابل إذاً للبحث والمناقشة والإجتهاد، خاصة بعد تطور علم الفلك في عصرنا إلى القدر العظيم من الدقة الذي نشاهده ونعيشه كل يوم. بالإضافة إلى أن اتفاق الجمهور الأكبر من العلماء (والذي يسميه البعض إجماعاً) على أن العمل بالحساب في إثبات وجود الهلال لم يكن في رأينا مبنياً فقط على النص، بل كان متأثراً بالواقع في العصور الماضية. يدل على ذلك أنّ كثيراً من العلماء الذين يرفضون اعتماد الحساب اسندوا رأيهم إلى أنّ الحساب ظني، وإلى أنّه نوع من التنجيم، وأنّه لم يكن ميسوراً إلاّ لقلة من الناس. وهذه كلها اعتبارات كانت قائمة، ثم تغيرت مع تقدم العلوم الفلكية، وابتعاد الحساب عن التنجيم، وشيوعه بين الناس، ووصوله إلى أعلى درجات العلم اليقيني التي مكنت الإنسان من الصعود إلى القمر نفسه. كما أنّ المجتمعات العربية التي نزل فيها الوحي كانت مجتمعات صحراوية، يقل فيها الغيم، ويكثر الصحو، وتسهل فيها رؤية الهلال لأنّ أجواءها جافة. كل هذه الظروف مع صراحة ظاهر النص، ساعدت على تحقيق اتفاق أكثر العلماء على رفض اعتماد الحساب في إثبات بداية الشهور القمرية.

المقدمّة الثانية: حول الاجتهاد

وطالما أنه لا يوجد في هذه المسألة إجماع أصولي يمنع الاجتهاد فيها، وطالما أن الواجب يدعونا إلى إعادة مناقشتها في ضوء الظروف المتغيرة. لذلك رأيت من المفيد أن أقدم كلمة مختصرة حول الاجتهاد.

  • تعريف الاجتهاد:

الاجتهاد في اللغة هو بذل الجهد للوصول إلى أمر من الأمور أو فعل من الأفعال. أما في الاصطلاح الشرعي فأكثر علماء الأصول يقولون: (الاجتهاد هو بذل الطاقة من  الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظنيّ)[13].

هذا التعريف يحصر الاجتهاد في تحصيل الأحكام الشرعية، لكن بعض الأصوليين يوسّعون تعريف الاجتهاد ليشمل تطبيق الأحكام الشرعية، وليس فقط استنباطها. وقد ذكر ذلك الشيخ محمّد أبو زهرة رحمه الله، فقال في كتابه (أصول الفقه): (ويعرّف بعض العلماء الاجتهاد بأنّه استفراغ الجهد وبذل غاية الوسع إمّا في استنباط الأحكام الشرعية أو تطبيقها).

إنّ الاجتهاد في تطبيق الأحكام الشرعية لا يخلو منه عصر من العصور، وهو يسمى تحقيق المناط، وهو لا يقلّ أهمية عن استنباط الأحكام من أدلتها الشرعية، لأنّه قد يؤدي في ظروف معينة إلى القول بإيقاف تطبيق حكم شرعي، لعدم تحقق شروطه، أو لأنّه يؤدّي إلى مآلات تناقض مقاصد الشريعة، ومن ثم الانتقال إلى حكم شرعي آخر.

  • شروط الاجتهاد:

وقد تحدّث علماء الأصول عن الشروط المطلوبة فيمن يتصدى للاجتهاد، فذكروا: العلم بالعربية، والعلم بأحكام القرآن، والعلم بالسنَّة، والعلم بمواضع الإجماع والخلاف، والعلم بأصول الفقه.

لكنّ الإمام الشاطبي وضع لتحصيل درجة الاجتهاد شرطين اثنين:

الأول: فهم مقاصد الشريعة على كمالها، وأنّها مبنية على اعتبار المصالح، وأنّ المصالح في نظر الشرع على ثلاث مراتب: الضروريات، الحاجيات، التحسينيات.

الثاني: التمكّن من الاستنباط من الشريعة بناءً على فهمه فيها. والاستنباط لا يكون إلاّ بواسطة معارف محتاج لها في فهم الشريعة. هذه المعارف قد يكون المجتهد عالماً بها إلى حدّ الاجتهاد فيها. وقد يكون حافظاً لها غير بالغ رتبة الاجتهاد فيها، وقد يكون غير حافظ ولا عارف لكنّه يعلم متى يحتاج إليها، ويلجأ إلى أهل المعرفة بها ولا يقضي إلا بمشورتهم.

وقد اعتبر الشاطبي الشرط الثاني بمثابة الخادم للشرط الأول. ونحن نعتقد مع الإمام الشاطبي أنّ فهم مقاصد الشريعة على كمالها هو الشرط الأول والأهمّ، والذي به تصبح العلوم الأخرى عند المجتهد قادرة على استنباط الأحكام الشرعية بما يتلاءم مع كمال الشريعة.

  • تعليل الأحكام في باب العبادات:

إتفق الفقهاء بما يشبه الإجماع أنّ العلّة إذا وردت في النص فهي معمول بها. وذهب جمهورهم إلى أنّ العلة إذا كانت مذكورة في النص يمكن تعديتها إلى حالات أخرى، أمّا إذا كانت مستنبطة بالاجتهاد، فقد اختلفوا في حصرها بالحالة المنصوص عليها أو تعديتها إلى حالات مماثلة.

ثم لاحظوا أنّ التعليل يكثر في باب العادات والمعاملات ويقلّ في باب العبادات. يقول الإمام الشاطبي أنّ الشارع (غلّب في باب العبادات جهة التعبّد، وفي باب العادات جهة الالتفات إلى المعاني، والعكس في البابين قليل)[14]. هذا هو رأي جمهور الفقهاء أيضاً، وهو أنّ الأصل في العبادات عدم التعليل، وخالفهم في ذلك الأحناف الذين يرون أنّ (الأصل التعليل حتى يتعذر)، وبناءً على ذلك قال أبو حنيفة رضي الله عنه عن نصوص الزكاة التي تبين الواجب أنّها (معللة بالمالية الصالحة لإقامة حقّ الفقير)[15]. ومال إلى ذلك الإمام الشافعي، وهو من المقلّين في التعليل عموماً، وفي تعليل العبادات خاصة. وقد ذكر الزنجاني (وهو شافعي): (معتقد الشافعي رضي الله عنه، أنّ الزكاة مؤونة مالية، وجبت للفقراء على الأغنياء بقرابة الإسلام، على سبيل المواساة، ومعنى العبادة تبع فيها، وإنما أثبته الشرع ترغيباً في أدائها…)[16].

 

ومن المعروف أنّ بعض نصوص العبادات ذكر التعليل في سياقها. كقوله تعالى: ﴿إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ وقوله ﴿كُتب عليكم الصيام .. لعلّكم تتقون﴾ وقوله في الحجّ: ﴿.. ليشهدوا منافع لهم..﴾ وفي الزكاة: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها..﴾ وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي وقصته الدابة وهو محرم (…لا تمسوه طيباً، فإنّ الله يبعثه يوم القيامة ملبياً) رواه البخاري في باب الجنائز. ومنها نهيه صلى الله عليه وسلم عن صلاة النفل وقت غروب الشمس ووقت طلوعها معللاً بأنها (تطلع وتغرب بين قرني الشيطان) رواه البخاري في كتاب الصلاة. ومنها (إنا أمّة أميّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين) رواه البخاري عن ابن عمر.

 

وهناك أحكام أخرى في العبادات استنبط الفقهاء علّتها فأعملوا فيها القياس، وخاصة الأحناف، كقولهم بجواز الخبث بكلّ مائع طاهر قياساً على الماء، وقولهم أنّ الماء المتغير بالطاهرات كالصابون والعطر يجوز به الو    ضوء، وقولهم في الزكاة والكفارات بجواز دفع القيم، ولا يتعين المنصوص عليه في النوع ولا في عدد المساكين، بل يجوز إطعام مسكين واحد عن أيام الكفارة. وقد نقل الدكتور الريسوني[17] كثيراً من هذه المسائل، وقال عن فقه الزكاة: إنّنا لا نكاد نجد حكماً من أحكامها إلاّ وقد أدخل عليه الفقهاء التعليل. إن لم يعلله هذا علله غيره، وكلها تعليلات مصلحية واضحة.

 

  • تعليل الأحكام يعني قابليتها للتغيير:

إذا كان الحكم الشرعي لا تعرف علّته، فيجب على المسلم الالتزام به تعبداً لله تعالى، ومثل هذه الأحكام لا تكون موضعاً للقياس ولا للتغيير. أمّا إذا كان معللاً فهو عند ذلك معقول المعنى والمفهوم، ويجري فيه القياس (الذي يأخذ به جمهور الفقهاء والمذاهب إلاّ الظاهرية).

وإذا كانت العلّة ثابتة مثل: أنّ الإسكار علّة تحريم الخمر، أو انّ الغرر هو علّة تحريم القمار. ففي مثل هذه الحالات يجري القياس على هذا الحكم بشكل دائم لأنّ العلّة لا يمكن أن تتغيّر.

أمّا لو كانت العلّة قابلة للتغيير (وسواء كانت منصوصاً عليها أو مستنبطة بالاجتهاد) بسبب ارتباطها بالأعراف أو المصالح أو العلوم، وتغيّرت فعلاً، فإنّ الحكم الشرعي يتغيّر تبعاً لها لأنّ (الحكم يدور مع علّته وجوداً وعدماً)[18]. من أمثلة ذلك:

 

  • قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تسافر المرأة إلاّ مع ذي محرم)[19] فقد علّله الكثيرون بالخوف على المرأة إذا سافرت وحدها، في عصر كان السفر فيه محاطاً بمخاوف ومشكلات كثيرة، فلمّا تغيّر الظرف وزالت العلّة أجازوا للمرأة أن تحجّ بلا محرم، إذا كانت مع نسوة ثقات أو رفقة مأمونة، وهو قول المالكية والشافعية. والرفقة المأمونة عند المالكية رجال صالحون أو نساء صالحات، وأولى إن اجتمعا. وهذا عندهم لا ينحصر في الحجّ، بل يشمل كلّ سفر واجب. على أنّ الباجي من المالكية أباح للمرأة سفر التطوع والمباح بدون محرم أو زوج في القوافل العظيمة، فهي كالبلاد[20]. وقد حجّت عائشة مع بعض أمهات المؤمنين في عهد عمر، ولم يكن معهنّ أحد من المحارم، بل صحبهنّ عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف كما في صحيح البخاري[21].

ب-  صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم التروايح بالناس جماعة، ثمّ تركها وقال: (لم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ خشية أن تفرض عليكم)[22] فلمّا توفاه الله زالت هذه العلّة، فأقام عمر التروايح جماعة، وقال: نعمت البدعة هذه. وصلاها المسلمون جماعة منذ ذلك اليوم.

ج-  أوقف عمر بن الخطاب إعطاء (المؤلفة قلوبهم) نصيباً من الزكاة بسبب تغيّر ظروف المسلمين، وزوال العلّة في إعطائهم. ورأى عمر بن عبد العزيز أنّ العلّة في إعطائهم موجودة في زمانه فأعطاهم من الزكاة[23]. واعتبر الفقهاء فعل عمر بن الخطاب إعمالاً للنص وليس مخالفة له. ومن الواضح أن فعل عمر هنا هو إيقاف لتطبيق النص بسبب زوال علّته، وبهذا أخذ جمهور الفقهاء، لكن الحنفية اعتبروا فعل عمر مع إجماع الصحابة دليلاً على نسخ هذا الحكم أصلاً.

د-  قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من ضحّى منكم فلا يصبحنَّ بعد ثالثة وفي بيته فيه شيء، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: كلوا وأطعموا وادخروا) وعلّل أمره الأول:  أنّ الناس كانوا في شدّة (فأردت أن تعينوا فيها)[24]، وفي رواية أخرى (إنّما نهيتكم من أجل الدافة) يعني القوم الذين وفدوا على المدينة. وقد ذكر الشافعي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم (ربط النهي عن الإدخار بالدافة)[25]، وقال القرطبي: (هو حكم ارتفعت علّته) وأنكر نسخه، وفرَّق بين رفع الحكم بنسخه، أو رفعه لارتفاع علته. وقال: إنّ المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبداً، امّا المرفوع لارتفاع علّته فيعود بعود علّته[26].

المقدمّة الثالثة: الحكم الشرعي التكليفي والوضعي.

  • التعريف:

يعرّف الأصوليون الحكم الشرعي بأنّه (خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلّفين بالإقتضاء أو التخيير أو الوضع).

و(خطاب الله تعالى) يُعرف من خلال القرآن الكريم أو السنَّة المطهّرة أو ما دلّ عليه القرآن والسنَّة. (المتعلّق بأفعال المكلّفين) أي الخطاب الذي يترتب عليه فعل من المسلم المكلّف، (بالإقتضاء) أي الطلب، سواء كان طلب فعل أو ترك، وسواء كان على سبيل الإلزام أو الترجيح. (أو التخيير) أي الإباحة، وهي التسوية بين فعل شيء وتركه. (أو الوضع) هو جعل أمر من الأمور سبباً لآخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه.

  • أقسام الحكم الشرعي:

بناءً على هذا التعريف، قسم العلماء الحكم الشرعي إلى قسمين:

– الحكم الشرعي التكليفي: وهو ما يقتضي طلب الفعل، أو الكف عنه، أو التخيير بين فعله وتركه، وهو يشمل الوجوب والإستحباب والإباحة والكراهة والتحريم، ومن أمثلة ذلك وجوب الصلاة، واستحباب الاغتسال يوم الجمعة، وإباحة بعض وسائل الترفيه، وكراهة السفر قبل صلاة الجمعة، وتحريم السرقة وغير ذلك مما هو معروف.

– الحكم الشرعي الوضعي: وهو ما يقتضي جعل شيءٍ سبباً لشيء، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، وهو بالتالي ليس فيه أي طلب من المكلّف بفعل أو ترك، بل هو بيان من الشارع يعلق أمراً على حصول أمر آخر مثل: اعتبار زوال الشمس سبباً لوجوب الصلاة، أو اعتبار السرقة سبباً لوجوب الحدّ، أو اعتبار النكاح سبباً لحلّ المعاشرة، أو اعتبار الوضوء شرطاً لصحّة الصلاة، أو اعتبار قتل الوارث لمورثه مانعاً من الإرث.

ج- كلمة حول السبب:

هذه الدراسة، تتناول تمحيص سبب وجوب الصيام، وهل هو دخول الشهر أم رؤية الهلال، لذلك لا بدّ من كلمة مختصرة حول السبب كما يتحدّث عنه الأصوليون، وقد عرفَّوه بقولهم:

السبب: (هو وصف ظاهر منضبط دلّ الدليل السمعي على كونه معرّفاً لحكم شرعي)[27]، فهو إذاً علامة على الحكم وجوداً أو عدماً، فإذا كانت بين هذه العلامة وبين الحكم مناسبة يدركها العقل، سُمِّي هذا السبب علّة. مثل: السفر سبب لإباحة الإفطار، فالسفر عادة مظنَّة للمشقّة، فيناسبه الترخيص للصائم بالإفطار، ولذلك يقال في هذا المثال: السفر سبب أو علّة لإباحة الإفطار. أمّا إذا لم تكن هناك مناسبة بين السبب والحكم يدركها العقل، فهو عند ذلك يُسمّى سبباً فقط. مثل غروب الشمس سبب لصلاة المغرب، أو دخول رمضان سبب للصيام.

    ونحن نرجح اقتصار تسمية السبب على ما لم يكن بينه وبين الحكم مناسبة يدركها العقل، واعتبار النوع الأول من الأسباب التي يدرك العقل مناسبة بينها وبين الحكم علّة لذلك الحكم. وبذلك يتّضح الفرق بين السبب والعلّة.

المقدمّة الرابعة: موقف الإسلام من العلم والحساب.

من المعروف أنّ الإسلام يرفع كثيراً من شأن العلم والعلماء، قال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة: 11)، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (طلب العلم فريضة على كلّ مسلم)[28]، فهو كالعبادة، يتقرّب به المسلم إلى ربه. وقد اتفق أكثر العلماء أنَّ الحد الأدنى من العلوم الشرعيّة الضروريّة، فرض عينٍ على كلّ مسلم، أمّا العلوم الأخرى التي بها قوام الدنيا كالطب والحساب والفلك وغيرها، فهي فروض كفاية. وقد شنّع الإمام الغزالي[29] على أهل بلدة ليس فيها طبيب، ثم يتهاتر أهلها على دراسة علوم الفقه، والبلد مشحون بالفقهاء. وقد استغرب الشيخ نديم الجسر[30] قول من يقول (انّ العلم الذي حثّ على طلبه الإسلام هو في جوهره العلوم الدينية والشرعية وما يتعلّق بها، وليس الفيزياء والكيمياء، وهو يرى أن الحث عام يشمل علم الدين الذي هو أعظم العلوم وأنفعها للمجتمع، ويشمل علم الطب، وكل علم ينفع الناس والمجتمع، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى: ﴿ألم تر أنّ الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها، وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر: 17) فهل العلماء هنا علماء الشريعة والفقه، أم هم علماء الطبيعة، العالمون بأسرار النواميس في الحياة والنبات والحيوان والمطر وطبقات الأرض؟ ويقول السيد رشيد رضا: (المراد بالعلماء هنا الذين يعلمون أسرار الكون، وأسباب اختلاف أجناسه وأنواعه وألوانه وآيات الله وحكمه فيها).[31]

وقد أطلق القرآن الكريم لفظ العلم على علوم الدين والدنيا:

  • قال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم…﴾ (الإسراء: 36)
  • وقال: ﴿أئتوني بكتاب من قبل هذا أو اثارة من علم إن كنتم صادقين﴾ (الأحقاف: 4)
  • وقال: ﴿يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا…﴾ (الروم: 7)
  • وقال: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ (الحج: 8)

وقد أمر الله تعالى الإنسان أن يبحث في أرجاء الكون حوله، ولفت نظره إلى كثير من الآيات، وطلب منه أن يفكّر فيها ليكتشف سننها ﴿قل انظروا ماذا في السموات والأرض…﴾ (يونس: 101). ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض…﴾ ( آل عمران: 191). وخصّ الشمس والقمر بالمزيد من التنبيه إليهما، بإعتبارهما من أعظم آيات الله المسخرة لخدمة الإنسان ﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره…﴾ (الأعراف: 54). ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر…﴾ (فصلت: 37). وكان من عجيب الإشارات القرآنية العلميّة ما ذكرته الآيات الكريمة من انضباط في حركة الشمس والقمر بحساب دقيق ﴿فالق الإصباح، وجعل الليل سكناً، والشمس والقمر حسباناً…﴾ (الأنعام: 96). (أي جعلها محل حساب … وسيرَّها على تقدير لا يزيد ولا ينقص)[32].  ﴿الشمس والقمر بحسبان…﴾( الرجمن: 5). (أي يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها ولا يحيدان عنها)[33]. ﴿هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً، وقدّره منازل، لتعلموا عدد السنين والحساب…﴾ (يونس: 5). ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل، وجعلنا آية النهار مبصرة، لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب…﴾ (الإسراء: 12) والحسبان: كلمة تدل على المبالغة كجوعان وشبعان، وهي تعني هنا الحساب الدقيق.

والآيتان الأخيرتان تشيران إلى أنّ الله تعالى قدّر أن يتحرّك القمر في منازل ليدفعنا إلى تعلّم حساب هذه المنازل، وجعل الليل والنهار آيتين تختصّ كل منهما بمزايا في خدمة الإنسان حتى يتعلّم منهما حساب الليل والنهار، وعدّ الأشهر والسنين. وهذا يؤكّد أهميّة علوم الفلك وحساب حركة النجوم لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة منها طالما أنّ الله تعالى سخّرها لنا.

ورغم أنّ العلماء يعتبرون الأهلّة هي منازل القمر، وأنّ الله تعالى جعلها وسيلة لتحديد المواقيت ﴿يسألونك عن الأهلّة، قل هي مواقيت للناس والحج…﴾ (البقرة: 189)، ويعتبرون دراسة حركة القمر وحسابها من فروض الكفاية، لكنّ أكثرهم يرفض أن يستفيد من هذه العلوم في تحديد مواقيت الصيام والحج، ويصرّ على اعتبار الرؤية البصريّة هي الوسيلة الشرعيّة الوحيدة لذلك ولو أوقعته بالخطأ، مع أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع…)[34]، وقال: (اللهم انفعني بما علّمتني، وعلمني ما ينفعني…)[35]، وقال: (لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع…) وعدَّ منها: (عن علمه فيما فعل)[36]، وقد قال الله تعالى: ﴿وإنّه لذو علم لما علمّناه…﴾ (يوسف: 68) ، قال قتادة: يعني لذو عمل بما علّمناه. وقد كتب الشاطبي فصلاً خاصاً بعنوان: (إنّما فُضِّلَ العلم لكونه وسيلة إلى العمل)[37]، وقال فيه: (فالحاصل أنّ كل علم شرعي ليس مطلوباً إلاّ من جهة ما يتوسّل به إليه، وهو العمل). فكيف يصح للمسلم أن يطلب علم الحساب، والفقهاء يعتبرونه فرض كفاية، ثمّ لا ينتفع به ويعمل بخلافه؟

الفصل الثاني:

الحكم الشرعي التكليفي، وجوب صيام رمضان

1- الحكم الشرعي التكليفي هو وجوب صيام شهر رمضان كلّه.

القرآن الكريم يتحدّث عن صيام الشهر.

قال الله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه …﴾ (البقرة:185) ، ورأى جمهور المفسّرين أنّ الصيام واجب على كلّ مسلم دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم غير معذور. وشهد هنا بمعنى حضر، ولا علاقة لها برؤية الهلال. جاء في (لسان العرب)[38] فمن شهد منكم الشهر، أي كان حاضراً غير غائب في سفر.

والرسول صلى الله عليه وآله وسلّم في الكثير من أحاديثه الصحيحة تحدّث عن صيام شهر رمضان.

فعدّ من أركان الإسلام الخمس (صوم رمضان). وقد أجاب الأعرابي الذي سأله عن عمل يدخله الجنّة (تعبد الله…. وتصوم رمضان). وأجاب الرجل النجدي الذي سأله عن الإسلام، فذكر له الصلوات الخمس وأضاف (وصيام رمضان)، قال: هل عليّ غيره؟ قال: لا إلاّ أن تطوّع. هذه أحاديث متفق عليها، وغيرها كثير جداً حفلت بها كلّ كتب السنَّة من الصحيحين، والسنن الأربعة، ومسند أحمد، وموطأ مالك وغيرها، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، لذلك أجمع المسلمون من جميع المذاهب، وفي مختلف العصور على وجوب صيام رمضان،لم يشذّ عن ذلك أحد، بل واتفق علماؤهم على ردّة كل من ينكر وجوب صيام رمضان، لأنّه لا معنى لذلك إلاّ التكذيب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلّم.

2- شهر رمضان هو الشهر التاسع من أشهر السنة القمريّة، ومن المعروف أنّ العرب كانوا يتعاملون وفق التقويم القمري، وقد أقرّ الإسلام ذلك بقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلّة، قل هي مواقيت للناس والحج…﴾( البقرة: 198)، وجاء النص واضحاً في ربط فريضة الصيام بشهر رمضان، وفي ربط فريضة الحج بالأشهر القمرية (شوال- ذو القعدة- ذو الحجّة) لقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات…﴾ (البقرة: 197)، واعتبر العلماء الحول المشترط لإستحقاق الزكاة سنة قمريّة، إستناداً إلى سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وعمل الصحابة.

أمّا الصلاة وهي خمس مرّات في اليوم والليلة، فقد ارتبطت بحركة الشمس اليومية لأنّها ظاهرة لجميع الناس، وربط أوقات الصلاة بها ميسور للعالم والجاهل. في حين أن حركة القمر في اليوم لا يمكن ربط أوقات الصلاة بها، لأنّ القمر لا يُرى عادة في النهار.

3- عندما فرض الله على المسلمين الصيام في شهر رمضان، فهموا أنّ المقصود هو الشهر الذي يعرفونه،    ويتعاملون به في مواقيتهم، ولم يخطر على بال أحد منهم أنّ الله تعالى جعل حدوداً مختلفة لهذا الشهر تجعله مختلفاً عن الشهر الفلكي الناتج عن حركة القمر. فقد كان العرب يعرفون هذه الحركة، ويشاهدون انتقال القمر يوميّاً من منزلة إلى أخرى، ويسمّون كل منزلة بإسمها، وقد أحصوا منازل القمر ثمانية وعشرين منزلة، باعتبار أنّ اليوم التاسع والعشرين هو يوم الدخول في المحاق والخروج منه.

    وقد أشار الله تعالى إلى انضباط حركة القمر فقال: ﴿…والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم﴾ (يس: 39) ﴿هو الذي جعل الشمس ضياءً، والقمر نوراً، وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب﴾(يونس: 5). فالشهر القمري يبدأ بخروج القمر من المحاق، والمحاق يشير إلى الوقت الذي يكون فيه القمر بين الأرض والشمس على الخط نفسه، فلا يظهر منه شيء لأهل الأرض، حتى إذا خرج من هذا الخط أمكن ظهوره لأهل الأرض، لأنّ جزءً يسيراً منه يتلّقى أشعة الشمس ويعكسها على الأرض، على شكل خط رفيع يسمّى الهلال، ثمّ يكبر هذا الجزء كلّما ابتعد عن خط المحاق، وينتقل كلّ يوم من منزلة إلى أخرى، حتى إذا مضت سبعة أيام صار على شكل نصف دائرة، وفي اليوم الخامس عشر تتوسط الأرض تماماً بين الشمس والقمر، فيظهر القمر على شكل دائرة كاملة هي (البدر)، ثمّ تبدأ الدائرة بالتناقص تدريجيّاً حتى يعود القمر هلالاً كما بدأ، ثمّ يدخل في المحاق من جديد، وينتهي بذلك الشهر القمري، ليبدأ شهر جديد عند خروج القمر من المحاق مرّة أخرى. وقد أشار القرآن بوضوح إلى أنّ هذه المنازل يمكن أن تعرف بالحساب ﴿وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ (يونس:5).

 

4- هذه الحركة الدوريّة للقمر حول الأرض كانت معروفة عند المسلمين، وكانوا يتتبعونها بالحساب، لكنّ العلوم عندهم لم تكن قد وصلت إلى درجة كافية من الضبط، وكان الذين يشتغلون بهذا العلم قلّة نادرة، ولم تكن هناك وسائل إعلام تنقل نتائج حساباتهم للناس. ثمّ إنّ علماء الفلك هؤلاء اختلطوا بالمنجمين، وهناك فارق كبير بينهما. فالمنجّم هو الذي يزعم معرفة حظوظ الناس ومستقبلهم ومصيرهم بحسب مواقع النجوم عند ولادتهم، وهو الذي ينظر في النجوم ويحسب حركتها فيتوّهم من خلالها معرفة أحوال الناس والعالم، وهو يعتقد أنّ النجوم وحركتها توثّر في سلوك الناس وأعمالهم وحياتهم. فالتنجيم يستغلّ العلم لإدّعاء الغيب، وهو يناقض عقيدة التوحيد. أمّا الفلكي فهو يدرس قوانين حركة الأجرام السماوية ويجري القياسات والاختبارات والحسابات المتعلّقة بها، وهو علم اتسع كثيراً في العصور الحديثة بحيث يستغرق الطلاب في الجامعات أكثر من عشرة أعوام في دراسته، لأنّه يشمل دراسة (القياس الفلكي-Astrometry) (والميكانيك السماوي Celestial mechanics) (والفيزياء الفلكية Astro physics) (وفيزياء الفضاء Space physics) (والبصريات الفضائية Space Optics) (وعلوم القمر Selenology) (والأرصاد الجوية Meteorology) (والاتصالات الفضائية Space communication) ومواضيع أخرى كثيرة، بينما المنجّم لا يحتاج إلا إلى شهور قليلة لإتقان مهنته القائمة على الشعوذة، وعلى علم بدائي بحركة النجوم، مع الخوض في الغيب بما لم يأذن به الله. لذلك وردت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن التنجيم (من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد)[39]. (من صدّق كاهناً أو عرّافاً أو منجّماً، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلّم)[40]. وقد كان هذا الإلتباس بين علم الحساب وبين التنجيم أحد أسباب رفض كثير من العلماء إعتماد الحساب في إثبات الهلال، خاصة وأنّ أكثر هؤلاء يستخدم عبارة التنجيم والمنّجم بدل عبارة الحساب والحاسب. وقدّ ردَّ الإمام السرخسي جواز إعتماد الحساب بحديث (من أتى كاهناً أو منجّماً، فقد كفر بما أنزل على محمد)، وقال الحلواني (لا يؤخذ بقول المنجمّين)، وقال الترجاني (لا إعتماد على قول المنجّمين)، وقال الشيخ خليل (لا يثبت -أي الهلال- بقول المنجّم)، ويقول ابن حجر (لا يجب الصوم بقول منجّم)[41]، وقال ابن بزيزة: (نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنّها حدس وتخمين، ليس فيها قطع ولا ظن غالب، ومع أنّه لو ارتبط الأمر بها لضاق، إذ لا يعرفها إلاّ القليل)[42]. فكلّ هؤلاء رفضوا اعتماد الحساب لمعرفة دخول رمضان بسبب اختلاطه عندهم مع التنجيم المنهيّ عنه.

5- والشهر القمري المعروف عند الناس منذ القديم يكون 29يوماً أو30يوماً. وقد أكّد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذلك في الحديث الصحيح (إنّا أمّة أميّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين)[43]، ولم يفرض عليهم الصيام أياماً محددة، بل أمرهم أن يعودوا إلى الشهر، فإن ثبت لهم أنّه تسع وعشرون يوماً التزموا به، وإن غمّ عليهم أكملوا العدة ثلاثين. مما يعني بوضوح أنّ المطلوب منهم الالتزام بالشهر كما تكون حقيقته.

6- لكن الإشكال الذي وقع فيه المسلمون هو معرفة بداية الشهر ونهايته، ولماّ لم يكن علم الحساب متقّدماً بالشكل الكافي لمعرفة ذلك، فقد أرشدهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى الطريقة الوحيدة الممكنة والميسورة في عصره، وهي رؤية الهلال بعد ولادته، لأنّها هي التي تؤكّد لهم دخول الشهر، وعلَّل ذلك بأنّا (أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسب) أي لا توجد عندنا طريقة أخرى لمعرفة ولادة الهلال.

    لقد كانت الرؤية البصريّة هي الوسيلة التي توصل إلى أكبر قدر من اليقين بدخول شهر رمضان، فأمرهم بها، ونهاهم عن الوسائل الأخرى فقال: (لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم، فاقدروا له)[44]، (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته…)[45](إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)[46]. ومن هنا ظنَّ كثير من العلماء أنّ (الرؤية هي سبب الصيام)، فقوله صلى الله عليه وسلّم (صوموا لرؤيته)، كقوله تعالى ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ فالدلوك هو سبب الصلاة، والرؤية هي سبب الصيام. والمنع من الصيام إذا لم يروا الهلال يعني منع استعمال أي وسيلة أخرى، وهو ما يؤكّد في نظرهم أنّ الرؤية هي السبب الشرعي.

7- هذا الإشكال الذي وقع فيه المسلمون حول معرفة بداية شهر رمضان ونهايته، ينقلنا إلى دراسة الحكم الشرعي الوضعي المتعلّق برمضان، وهو معرفة السبب الشرعي للصيام، هل هو دخول الشهر أم رؤية الهلال؟

الفصل الثالث: الحكم الشرعي الوضعي

 ما هو السبب الشرعي لوجوب الصيام؟

قبل الإجابة على هذا السؤال نعرض لأراء العلماء فيه:

القول الأول: السبب هو رؤية الهلال:

1- يرى جمهور الفقهاء والمذاهب أنّ السبب الشرعي لوجوب الصيام هو رؤية الهلال أو إكمال العدّة. بعضهم يصرّح بذلك، وأكثرهم يؤكّد أنّ الصيام في نظرهم لا يجب إلاّ بالرؤية:

– فالمعتمد عند الأحناف (أنّ شرط وجوب الصوم والإفطار رؤية الهلال، وأنّه لا عبرة بقول المنجّمين ولو عدولاً، ومن رجع إلى قولهم فقد خالف الشرع)[47]. (وأن الشارع علّق الوجوب على الرؤية لا على الولادة )[48] وهذا تصريح واضح أنّ السبب في نظرهم هو الرؤية.

– والراجح عند المالكية أنّ (رؤية الهلال خارجاً من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي، فلا يثبت الحكم…) (ولو كان الإمام يرى الحساب فأثبت الهلال به، لم يتبع لإجماع السلف على خلافه)[49].

 

– والمشهور عند الشافعية أنّه (لا يجب صوم رمضان إلاّ بدخوله، ويعلم دخوله برؤية الهلال، فإن غمّ، وجب استكمال شعبان ثلاثين)[50]، وفي هذا الحصر نفي لاعتماد الحساب، وقد صرّح كثير من الشافعية برفضه لأنّه حدس وتخمين، رغم اعتباره في أوقات الصلوات.

 

– والحنابلة لا يعتبرون الحساب الفلكي في إثبات رمضان ولو كثرت حسابته[51]، ونلخص فيما يلي رأي شيخ الإسلام ابن تيمية فهو أكثرهم تأصيلاً وتفصيلاً، وهو يعتبر أنّ (الطريق إلى معرفة طلوع الهلال، هو الرؤية لا غيرها)، وأنّ توقيت الشهر والسنة يكون بالهلال، (وأنّه ليس شيء يقوم مقام الهلال البتة، لظهوره وظهور العدد المبني عليه، وتيسّر ذلك وعمومه) وأنّ (المواقيت كلّها معلّقة بالهلال) وأنّه (ليس للمواقيت حد ظاهر عام للمعرفة إلاّ الهلال)، وأنّ الله تعالى جعل (الأهلّة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع إبتداءً، أو سبباً في العبادة). ولذلك يرى ابن تيمية أنّ (العمل في رؤية الهلال بخبر الحاسب لا يجوز) و(أنّ المسلمين أجمعوا على ذلك، ولم يخالف فيه إلاّ بعض المتأخرين من المتفقهة بعد المائة الثالثة، وقولهم مقيّد بحالة الإغمام، ومختص بالحاسب دون غيره، وهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه. فأمّا اتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم به فما قاله مسلم)[52].

 

2- وإلى جانب المعتمد من أقوال المذاهب، أذكر فيما يلي أقوال بعض العلماء:

– يقول ابن حجر في شرحه لحديث (إنّا أمّة أميّة، لا نكتب ولا نحسب…) (المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولو لم يكونوا يعرفون من ذلك إلاّ النذر اليسير، فعلّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية، لدفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمرّ الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يُشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً. ويوضحه الحديث- فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين- ولم يقل فسألوا أهل الحساب)[53].

– يقول السبكي[54] في تعليقه على حديث (إنّا أمّة أميّة، لا نكتب ولا نحسب…) (وقد تأملّت هذا الحديث فوجدت معناه إلغاء ما يقوله أهل الهيئة والحساب، من أنّ الشهر عندهم عبارة عن مفارقة الهلال شعاع الشمس، فهو أول الشهر عندهم، ويبقى الشهر إلى أن يجتمع معها ويفارقها، فالشهر عندهم ما بين ذلك، وهذا باطل في الشرع قطعاً لا اعتبار فيه… فالشهر في الشرع ما بين الهلالين، ويدرك ذلك إمّا برؤية الهلال، أو بإكمال العدّة ثلاثين). ثم ذكر السبكي حالة (ما إذا دلّ الحساب على مفارقة الشعاع، ومضت عليه مدّة يمكن أن يرى فيها عند الغروب، فقد اختلف العلماء في جواز الصوم بذلك للحاسب ولغيره، فمنهم من قال بالجواز وهم علماء كبار، وحجّتهم أنّ المقصود وجود الهلال وإمكان رؤيته)، لكن الصحيح عند السبكي عدم الجواز. وهو يرى أنّ (ترتيب الحكم للشارع، وقد رتّبه على الرؤية)، فالسبب عنده هو (نفس الرؤية أو إكمال العدّة)، وليس مجرّد إمكان الرؤية.

 

–  والذي يخفف من تشدد السبكي في رأيه هذا، هو قبوله الحساب القطعي في النفي وليس في الإثبات، فإذا جزم الحساب بعدم وجود الهلال أصلاً، أو إذا جزم بعدم إمكان رؤيته رغم وجوده، ثم شهد الشهود أنّهم رأوه، فإنّ شهادتهم ترد، لأنّ الحساب قطعي والشهادة ظنيّة. ونصّ قوله: (وها هنا صورة أخرى، وهو أن يدلّ الحساب على عدم إمكانية رؤيته… ففي هذه الحالة لا يمكن فرض رؤيتنا له حساً لأنّه يستحيل، فلو أخبرنا به مُخبر واحد أو أكثر، ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط، فالذي يتجّه عدم قبول هذا الخبر، وحمله على الكذب أو الغلط، ولو شهد به شاهدان لم تقبل شهادتهما، لأنّ الحساب قطعي، والشهادة والخبر ظنيّان، والظن لا يعارض القطع، فضلاً عن أن يقدّم عليه. والبيِّنة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكناً حساً وعقلاً وشرعاً، فإذا فرض دلالة الحساب عقلاً على عدم الإمكان، استحال القبول شرعاً لإستحالة المشهود به، والشرع لا يأتي بالمستحيلات… وتجويز الكذب أو الغلط على الشاهدين أولى من تجويز انخرام العادة)[55].

ورغم وضوح هذا الكلام وقوّة حجّته إلاّ أنّ كثيراً من العلماء لا يأخذون به، ويفضّلون قبول شهادة شاهدين على رؤية الهلال، ولو كانت كلّ الحسابات العلميّة تؤكّد عدم ولادة الهلال أصلاً، أو عدم إمكان رؤيته.

– أمّا القرافي فهو يقول: (إنّ حساب الأهلّة والكسوفات والخسوفات قطعي، فإنّ الله تعالى أجرى عادته بأنّ حركات الأفلاك وإنتقالات الكواكب السبعة السيارة، على نظام واحد طول الدهر بتقدير العزيز العليم، قال الله تعالى: ﴿والقمر قدرّناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم﴾ (يس:36)، وقال تعالى: ﴿الشمس والقمر بحسبان﴾ (الرحمن:5). أي هما ذوا حساب، فلا ينخرم ذلك أبداً، وكذلك الفصول الأربعة لا تنخرم، والعوائد إذا استمرّت أفادت القطع، وإذا حصل القطع بالحساب ينبغي أن يعتمد عليه كأوقات الصلاة، فإنّه لا غاية بعد حصول القطع). ورغم هذا البيان الواضح الذي يؤدّي بالضرورة إلى اعتماد الحساب لمعرفة بداية الشهر ونهايته، إلاّ أنّ القرافي عاد إلى رأي الجمهور، وعلل ذلك بالفرق بين اعتماد الحساب لمعرفة مواقيت الصلاة، واعتماده في تحديد بداية الصيام، قال: (والفرق، وهو المطلوب هنا، وهو عدّة السلف والخلف، أنّ الله تعالى نصب زوال الشمس سبب وجوب الظهر، وكذلك بقية الأوقات لقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ (الإسراء:17) – أي لأجله-، فالآية دالّة على إيقاع الصلاة في هذا الوقت، ومثله الأوقات الأخرى، والسنة دالة على أنّ نفس الوقت سبب، فمن علم السبب بأي طريقة كان لزمه حكمه. فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات. وأمّا الأهلّة فلم ينصب صاحب الشرع خروجها من الشعاع سبباً للصوم، بل رؤية الهلال خارجاً من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي، فلا يثبت الحكم. ويدلّ على أنّ صاحب الشرع لم ينصب نفس خروج الهلال عن شعاع الشمس سبباً للصوم، قوله صلى الله عليه وسلّم: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، ولم يقل لخروجه عن شعاع الشمس)[56].

– ومن المعاصرين الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في كتابه (فقه النوازل)[57] حيث يقول: (الصيام حكم سببه الرؤية للهلال أو الإكمال)، ويقول: (إنّ صاحب الشرع جعل رؤية الهلال خارجاً من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي، فلا يثبت الحكم، فلجأ الشرع غلى سبب شرعي أخر هو إكمال العدة، ثلاثين يوماً، التي هي أقصى مدة للشهر القمري بنص الشرع).

القول الثاني: السبب هو إمكان رؤية الهلال:

تحدّث بعض الفقهاء أنّ السبب الشرعي لوجوب الصيام هو (وجود الهلال وإمكان رؤيته) ومعنى ذلك أنّ السبب الشرعي يوجد إذا ولد الهلال وكانت رؤيته ممكنة لكنها تعذرت لسبب من الأسباب، وأنا أنقل الأقوال التي اطلعت عليها:

– قال ابن دقيق العبد: (الحساب لا يجوز الاعتماد عليه في الصوم بمفارقة القمر للشمس، على ما يراه المنجمون من تقدم الشهر بالحساب على الشهر بالرؤية بيوم أو يومين، فإن ذلك إحداث لسبب لم يشرعه الله تعالى، وأمّا إذا دلّ الحساب على أنّ الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى، لولا وجود المانع كالغيم مثلاً، فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي. وليس حقيقة الرؤية مشروطة في اللزوم، فإنّ الاتفاق على أنّ المحبوس في المطمورة إذا علم بالحساب بإكمال العدّة أو بالاجتهاد بالأمارات أنّ اليوم من رمضان وجب عليه الصوم وإن لم ير الهلال، ولا أخبره من رآه)[58].

 

– يرى السيد رشيد رضا أنّ الشارع حدّد أوقاتاً للعبادات، ووضع لها علامات ترشدنا إليها، لكن (غرض الشارع من ذلك العلم بهذه الأوقات، لا التعبّد برؤية الهلال، ولا بتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ولا التعبّد برؤية ظل الزوال وقت الظهر…، فغرض الشارع في مواقيت العبادة معرفتها، وما ذكره من نوط إثبات الشهر برؤية الهلال أو إكمال العدّة قد علّله بكون الأمّة في عهده كانت أميّة، ومن مقاصد بعثته إخراجها من الأميّة لا إبقاؤها فيها، قال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزّكيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة…﴾ (الجمعة:2)،  وبناءً على ذلك، يرى السيد رشيد رضا أمام المسلمين طريقتين: (إمّا العمل بظواهر نصوص الشرع وعمل النبي وأصحابه في الصدر الأول في مواقيت الصلاة والصيام والحج، من رؤية الفجر والظل والغروب والشفق والهلال عند الإمكان، وبالتقدير أو رؤية العلامات عند عدم الإمكان، وفي هذه الحالة لا يجوز لمؤذّن الفجر أن يؤذّن إلاّ إذا رأى ضوءه معترضاً في جهة المشرق.. إلخ, وإمّا أن تعمل بالحساب والمراصد عند ثبوت إفادتها بالعلم القطعي بهذه المواقيت، ولو مع المحافظة على الإستهلال ورؤية الهلال في حال عدم المانع من رؤيته، للجمع بين ظاهر النص والمراد منه… وفي غير حالة الصحو وعدم المانع من رؤية الهلال، يكون إثبات الشهر بإكمال العدّة ثلاثين ظنيّاً أو دون الظني، ومن قواعد الشريعة أنّ العلم يُقدّم على الظن). ويرى السيد رشيد رضا أنّ الحساب اليوم يفيد (العلم القطعي بوجود الهلال وإمكان رؤيته، وهو أصح من إثبات الشهر بإكمال عدّة شعبان ثلاثين يوماً، وأنّ الذين لم يبيحوا العمل بالحساب قد علّلوه بأنّه ظن وتخمين لا يفيد علماً ولا ظناً)[59].

 

– حكى ابن سريج عن الشافعي أنّه قال: (من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبيّن له من جهة الاستدلال أنّ الهلال مرئي وقد غمّ، فإنّ له أن يعقد الصوم ويجزيه)[60]، ومعنى ذلك أنّ وجود الهلال وإمكان رؤيته هو السبب الشرعي لوجوب الصيام، لأنّه لو صام بناء على ذلك أجزأه الصيام.

 

– ذكر الإمام السبكي حالة ما إذا دلّ الحساب على أنّ الهلال (فارق الشعاع، ومضت عليه مدّة يمكن أن يرى فيها عند الغروب، فقد اختلف العلماء في جواز الصوم بذلك وفي (وجوبه)، وذكر أنّ القول الثاني هو الجواز، ومعناه أنّ المقصود عندهم (وجود الهلال وإمكان رؤيته)، وأنّ هذا القول قاله كبار من العلماء، ولم يذكر أسماء هؤلاء الكبار، لكنّه رجّح القول الأول، وهو عدم الوجوب وعدم الجواز، لأنّ الشارع رتّب الحكم على الرؤية. ولخّص السبكي الخلاف في مسألة ما إذا دلّ الحساب على إمكان الرؤية ولم يُر بقولين، الأول: أنّ السبب هو نفس الرؤية وإكمال العدّة، والثاني: أنّ السبب هو إمكان الرؤية. واعتبر القول الأول هو الأصح.[61]

 

مناقشة القولين.

أولاً: إنّ تحديد السبب الشرعي للصيام ينحصر بين دخول الشهر أو رؤية الهلال.

أما إمكان الرؤية فهي اعتبرت سبباً بالاجتهاد عند تعذّر الرؤية، وهي محاولة للتوفيق بين الأحاديث التي تعلّق الصوم على رؤية الهلال، وبين ما إذا تأكّدنا من وجود الهلال دون أن نراه.

لقد رجحنا في تعريف السبب أنه ينحصر فيما لا يوجد بينه وبين الحكم علّة مناسبة، فإذا مضينا مع هذا الترجيح فإننا نقول: إنّ الرؤية لا يمكن أن تكون سبباً شرعياً للصيام، لأنها معلّله بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: (إنّا أمّة أميّة لا نقرأ ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا)[62]، وإذا أخذنا بالقول الثاني، وهو أنّ السبب يمكن أن يكون علّة، فهذا سيضطرنا للقول بإمكان تغير السبب، لأنّ العلّة يمكن أن تتغيّر، ولأنّ الحكم كما هو معروف (يدور مع علّته وجوداً وعدماً)[63]. والسبب كما هو معروف عند الأصوليين لا يتغير.

 

وإذا لم نعتبر الرؤية هي السبب الشرعي للصيام، فإمكان الرؤية لا تكون سبباً أيضاً.

أما إكمال العدّة فهي لا يمكن أن تكون سبباً، لأنّها ليست وسيلة لتحديد دخول الشهر، إنما هي (اعتماد الأحوط) في دخول الشهر والخروج منه، وقد يتبيّن خطؤها بعد ذلك في تحديد بداية الشهر أو نهايته، وقد حدث ذلك مئات المرّات.

ثانياً: يعرّف الأصوليون السبب بأنّه: (وصف ظاهر منضبط…). فالرؤية ليست وصفاً يتعلّق بالهلال وولادته- وهو المعوّل عليه في دخول الشهر – إنما هي وصف يتعلّق بالإنسان الذي يرى. وهو لا علاقة له بسببية الصيام، لأنّ سبب الصيام خارج عنه. والرؤية ليست وصفاً ظاهراً، ففي أكثر الأحيان وبالنسبة لأكثر الناس، وفي أكثر الأماكن، فإنّ الرؤية لا تتحقّق. دلّ ذلك على أنّها وصف (غير ظاهر) في أكثر الحالات. والرؤية ليست وصفاً منضبطاً لأنها تتأثّر بالأشخاص، وبالأماكن، وبالجو وبغير ذلك من الأسباب العلمية المعروفة.

لذلك فإنّ الرؤية لا تصلح لأن تكون سبباً شرعياً للصيام وفق تعريف الأصوليين. وإمكان الرؤية ليس سبباً من باب أولى.

وإكمال عدّة الشهر ليس سبباً لأنه لا يحدّد بداية الشهر ونهايته بل يعتمد الأحوط في ذلك. واعتماد الأحوط لا يكون إلاّ عند فقدان الدليل وعدم معرفة السبب.

ثالثاً: لم يُعرف في الأحكام الشرعية الوضعية أنّ السبب يمكن أن يكون تخييرياً، إلاّ في هذه المسألة، فالسبب الشرعي للصيام عندهم هو رؤية الهلال أو إمكان رؤية أو إكمال العدّة، في حين أنّ السبب الشرعي لا يكون دائماً إلاّ واحداً. مثل: دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، وملك النصاب سبب لوجوب الزكاة، والسفر سبب لإباحة الفطر وقصر الصلاة، والزنا سبب لوجوب الحدّ، والاضطرار سبب لإباحة الميتة، والجنون سبب لوجوب الحجر، والقتل سبب لوجوب القصاص، والموت سبب لاستحقاق الإرث، والنكاح سبب لحلّ المعاشرة الزوجية، والطلاق سبب لإزالة هذا الحل، وهكذا…

بناءً على ذلك لا يصحّ من الناحية الأصولية أن نقول: إنّ رؤية هلال رمضان هي سبب وجوب صيامه، فإن لم ير الهلال فإنّ إمكان رؤيته أو إكمال العدّة هي السبب، إذ مثل هذا التخيير ليس له مثيل في الأسباب، والصحيح أنّ يقال: إنّ دخول شهر رمضان هو سبب وجوب الصيام، ويعرف دخوله برؤية هلاله، وإلاّ فبإمكان رؤيته أو بإكمال العدّة. فالسبب لا يتغير، يقول الشاطبي: (ما أثبت سبباً، فهو سبب أبداً لا يرتفع…)[64] وهو هنا اختيار رمضان لإيجاب الصوم فيه، أمّا الوسيلة المستعملة للتحقّق من وجود السبب فقد تكون قابلة للتغيير، وهي وسيلة تبقى مطلوبة بمقدار تحقيقها للهدف.

رابعاً: إذا قلنا أنّ الرؤية هي الوسيلة التي شرعها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعرفة بداية الشهر ونهايته، فإنّها تأخذ حكم الوسائل. والوسائل تبع في حكمها للمقاصد وللأهداف، فهي معللة من حيث الأصل بإمكان تحقيق المقصد أو الهدف منها، فإذا تخلّفت الوسيلة عن تحقيق الهدف منها لا تعود مطلوبة شرعاً، وإذا وُجدت وسيلة أخرى (مشروعة) أفضل منها في تحقيق الهدف أصبحت هي المطلوبة شرعاً، لأنّ تحقيق المقاصد والأهداف الشرعية هو المطلوب، والوسائل إلى ذلك تكون مطلوبة بمقدار تحقيقها لتلك الأهداف.

 

لذلك يكون من طبيعة الوسائل أنّها قابلة للتغيّر بخلاف الأسباب، فهي أحكام شرعيّة وضعيّة غير قابلة للتغير. فإذا كان صيام رمضان من أوله إلى آخره بدون زيادة أو نقصان هو المقصد والهدف، لأنّه الحكم التكليفي، فإنّ رؤية الهلال أو إكمال العدّة، هي الوسيلة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّها تحقق الهدف بيسر وسهولة، وبأكبر قدر من اليقين في ذلك العصر.

 

وهذا من أسباب اختيارنا التفريق بين السبب والعلّة، وترجيحنا (أنّ السبب ما لم تكن بينه وبين الحكم مناسبة) فهو بهذا المعنى غير قابل للتغيّر، أمّا إذا كانت بينه وبين الحكم مناسبة، فهو عند ذلك يأخذ حكم العلّة، والعلّة تدور مع المعلول وجوداً او عدماً كما هو معروف عند الأصوليين.

 

خامساً: إذا قلنا أنّ رؤية الهلال هي السبب الشرعي للصيام، فقد ورد تعليلها بالنص، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنّا أمّة أميّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين). ومن الواضح أنّه لم يقصد حساب الأرقام، فقد أرشدنا في نهاية الحديث إلى عدِّ الأيام وحسابها تسعة وعشرين أو ثلاثين. إنّما المقصود بالحساب هنا حساب منازل القمر، وقد كان معروفاً عند العرب بشكل بدائي وعند القلّة من الناس، ولم يكن هذا العلم قد بلغ درجة اليقين كما هو عليه اليوم. وقد بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم معرفة العرب بالحساب الأخذ بما هو يقيني، وهو أنّ الشهر يكون تسعاً وعشرين أو ثلاثين ، وهذه مسألة أقرّها النص المعصوم ويؤكّدها علم الفلك. أمّا كيف يُعرف أنّ الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون، فهو غير ممكن في ذلك العصر إلاّ بالرؤية أو بإكمال العدّة، ولذلك ورد الأمر في الأحاديث الأخرى بإلتزام الرؤية لأنّها الوسيلة الوحيدة المقدروة للناس (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته…) (لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه..). فإذا زالت العلّة، وهي أنّا أمّة أميّة، وأصبحنا نكتب ونحسب، فقد زال معها حكم الإلزام بالرؤية أو إكمال العدّة. ورجعنا إلى الحكم الأصلي بوجوب صيام شهر رمضان عند التأكّد من دخوله.

 

  • والغريب أنّ كثيراً من العلماء اعتبروا وصف الأمّة بالأميّة وأنّها (لا تكتب ولا تحسب) دليلاً على تعليق الصوم على الرؤية وليس على الحساب، وأنّ هذا الحكم يستمّر ولو وجد بعدهم من يعرف الحساب كما يقول ابن حجر[65]. أو إنّ القول (إنّا أميّة أميّة لا نكتب ولا نحسب) هو خبر تضمّن نهياً، فإنّه أخبر أنّ الأمّة التي اتبعته هي الأمة الوسط، أميّة لا تكتب ولا تحسب، فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم، بل يكون قد اتبّع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمّة، فيكون قد فعل ما ليس في دينها، والخروج عنها محرّم منهي عنه، فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرّمين منهياً عنهما، كما قال ابن تيمية، ثم زاد في المبالغة فقال: (إنّ الأميّة المذكورة هنا صفة مدح وكمال من وجوه: من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال، ومن جهة أنّ الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط، ومن جهة أنّ فيهما تعباً كثيراً بلا فائدة. وإذا كان نفي الكتاب والحساب عنهم للاستغناء عنه بخير منه، وللمفسدة التي فيه، وكان الكتاب والحساب في ذلك نقصاً وعيباً، بل سيئة وذنباً، فمن دخل فيه فقد خرج من الأمّة الأميّة فيما هو من الكمال والفضل السالم عن المفسدة، ودخل في أمر ناقص يؤديّه إلى الفساد والاضطراب)[66] .
  • من الواضح هنا أنّ النهي عن الحساب في مسألة الهلال قد بناها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على ما كان معروفاً في عصره، وهو (أنّ الحساب يدخله الغلط، وأنّ فيه تعباً كثيراً بلا فائدة، وإنّ رؤية الهلال هي أبين وأظهر من الحساب) وهذه أمور لم تعد موجودة، فالحساب بالنسبة لحركة الهلال وولادته لا يدخله الغلط إلاّ بنسبة ضئيلة جداً لا عبرة بها، بينما احتمال الغلط في رؤية الهلال أكبر بكثير. ولم يعد علم الفلك يحتاج لتعب كثير، بل هو علم ميسور في الجامعات، ولا يشك أحد في فائدته بعد أن اعتمد عليه العلماء في وصول الإنسان إلى القمر، ولم تعد رؤية الهلال أبين وأظهر من الحساب في معرفة دخول الشهر.

  • أمّا القول بأنّ الحديث (إنّا أمّة أمية لا نكتب ولا نحسب) هو خبر تضمّن نهياً، وأنّ الكتاب والحساب محرّمين منهياً عنهما، وإنّ الأميّة المذكورة هنا هي صفة مدح وكمال، وإنّ من دخل في الكتاب والحساب فقد ارتكب سيئة وذنباً، وخرج من الأمّة الأميّة فيما هو من الكمال والفضل…) فهو مبالغة خاطئة، فالنص النبوي الكريم خبر تضمن وصفاً لواقع، وليس ملتصقاً بهذه الأمّة، فضلاً عن أن يكون صفة مدح وكمال، وقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على نشر التعليم بين الصحابة، ومن المعروف أنّ جميع العلوم تتراوح بين أن تكون فرض عين أو فرض كفاية أو مستحبّة، ولم ينه الإسلام إلاّ عن علم النجوم الذي يستدل على الحوادث بحركة الأفلاك، فهو شعبة من السحر أو ادّعاء لعلم الغيب، أمّا علم النجوم بمعنى حساب سيرها لتحديد أوائل الشهور فلا خلاف بين الفقهاء في جوازه، بل ذهب جمهورهم إلى أنّه فرض كفاية[67] فلا يمكن أن يُفهم وصف الأمّة بالأميّة (وأنّها لا تكتب ولا تحسب) على أنّه نهي عن التعلّم والحساب، فيما النصوص الكثيرة في القرآن الكريم والسنَّة المطهّرة تأمر بطلب العلم والحساب وتشجّع عليه.
  • يضاف إلى ذلك أنّ النهي عند الأصوليين، إذا لم يكن بصيغة صريحة من الصيغ المعروفة، فإنّه لا يمكن استنتاجه من الصيغ الأخرى، إلاّ إذا رتّبت صيغة النهي عن فعل معين عقوبةً أو وعيداً أو لعنةً، أو وصفت هذا الفعل بأنّه من الذنوب، أو أنّه عدوان أو ظلم أو إساءة أو فسق، أو شبّهت الفاعل بالبهائم أو الشياطين أو الكفرة أو الخاسرين[68]. أي لا بدّ من قرينة تصرف الوصف إلى النهي. وليست هذه القرينة موجودة لا في نفس النص ولا في غيره من النصوص.

  • لو اعتبرنا أنّ وصف الأمّة بالأميّة دليل على تعليق الصوم بالرؤية، فإنّه لا يمكن أن يكون دليلاً على عدم جواز تعليق الصوم بالحساب، فليس في النص أي تصريح بذلك، إلاّ إذا أخذنا بمفهوم النص، وهو أمر مختلف فيه بين الأصوليين، فضلاً عن أنّ شروطه عند من يقول به غير موجودة هنا. بل إنّ مجرّد صفة الأميّة يشير إلى علّة الاعتماد على الرؤية دون الحساب، فإذا تعلّمنا الحساب لم نعد أمييّن في هذا المجال، وبالتالي يمكننا أن نعتمد على الحساب كما نعتمد على الرؤية.
  • يؤيّد ذلك أنّ معرفة دخول الشهر تعتبر من مسائل العادات، ولا علاقة لها بالتعبّد إلاّ من حيث أنّنا لا ندخل في عبادة معيّنة إلاّ بعد التأكّد من دخول وقتها. وقد غلَّب الشارع في العبادات جهة التعبّد التي يندر التعليل فيها، كما غلَّب في العادات جهة الالتفات إلى المعاني واكتشاف العلل كما أشار إلى ذلك الشاطبي[69]، وبيَّن أنّ الشارع (توسع في بيان العلل والحكم في باب تشريع العادات، وأكثر ما يعلّل فيها بالمناسب الذي إذا عُرض على العقول تلقتّه بالقبول، ففهمنا من ذلك أنّ الشارع قصد فيها اتباع المعاني لا الوقوف مع النصوص)[70]. وقد ذكر الشيخ علي السبكي (فحيث ثبت حكم وهناك وصف صالح لعلية ذلك الحكم، ولم يوجد غيره، يحصل ظنّ أنّ ذلك الوصف علّة لذلك الحكم، والعمل بالظنّ واجب)[71].

القول الثالث: دخول شهر رمضان، هو السبب الشرعي لوجوب الصيام:

  أجمع الفقهاء قديماً وحديثاً أنّ الواجب على المسلم صوم شهر رمضان كاملاً من أوّله إلى آخره، وعلى حرمة صيام يوم الفطر -وهو الأول من شوّال- لحديث أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم نهى عن صوم يومين: (يوم الفطر ويوم النحر)[72]، وصرّح كثير منهم بكراهة صيام يوم الشكّ – وهو الثلاثين من شعبان- للحديث المشهور: (من صام اليوم الذي يُشكّ فيه فقد عصا أبا القاسم صلى الله عليه وسلّم)[73]. وقد صح في الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصوموا قبل رمضان…) وأمرهم أن لا يفطروا آخر رمضان إلاّ إذا رأول الهلال أو أكملوا الثلاثين[74].

 

وهذا يعني أنّ سبب الوجوب هو دخول رمضان، لكن لم أجد من صرّح بذلك من الفقهاء إلاّ القليل، وسبب ذلك هو كثرة الأحاديث الصحيحة التي تبيّن أنّ رؤية الهلال هي التي تعلمنا بدخول الشهر، وتأمر بالصيام عند حصولها، وبعضها يمنع الإعتماد على أية وسيلة أخرى، حتى صرّح الكثير منهم أنّ الصيام معلّق على الرؤية، أو بعضهم صرّح كما مرّ سابقاً أنّ الرؤية هي السبب الشرعي لوجوب الصيام، أو اكتفى بإمكان الرؤية سبباً للصيام. وسأذكر في هذا المبحث الأقوال التي اطلعّت عليها والتي تذكر أنّ سبب الوجوب هو دخول رمضان، وبالتالي فإنّ الرؤية هي مجرّد وسيلة لمعرفة السبب:

 

– ذكر الإمام النووي أنّه (لا يجب صوم رمضان إلاّ بدخوله، ويعلم دخوله برؤية الهلال، فإن غمّ وجب استكمال شعبان ثلاثين)[75] ومعنى ذلك أنّ دخول رمضان هو سبب وجوب الصيام، وأنّ رؤية الهلال هي وسيلة العلم بدخوله.

– ذكر السيد رشيد رضا أنّ غرض الشارع من تحديد الهلال كوسيلة لإثبات أول شهر رمضان وأول شهر شوال هو (العلم بهذه الأوقات، وليس التعبّد برؤية الهلال… وما ذكره صلى الله عليه وسلم من نوط إثبات الشهر برؤية الهلال أو إكمال العدّة بشرطه، قد عللّه بكون الأمّة في عهده كانت أميّة، ومن مقاصد بعثته إخراجها من الأميّة لا إبقاؤها فيها…)[76] ويُفهم من ذلك أنّ سبب وجوب الصيام دخول الشهر، وأنّ رؤية الهلال هي وسيلة لذلك، وانّها كانت معلّلة، ويمكن استبدالها بوسيلة أخرى إذا تغيّرت العلّة، أو وجدت وسيلة أخرى أكثر يقيناً بتحقق السبب.

– وقد ذكر الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله، في معرض بحثه عن (السبب) أنّ (الشهر هو إمارة على وجوب الصوم)[77].

– كما ذكر الشيخ عبد الله الجديع[78] من أمثلة ما جعلته الشريعة سبباً: (دخول الشهر لوجوب صوم رمضان) أخذاً من قوله تعالى ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه …﴾ (البقرة:185).

– وقد ذكر الدكتور عبد الكريم زيدان من أمثلة السبب الشرعي (دلوك الشمس لوجوب الصلاة، وشهر رمضان لوجوب الصيام)[79].

ونحن نرى أنّ دخول رمضان هو السبب الشرعي للصيام، ونؤيد رأينا بالأدلة التالية.

الأدلة على أنّ دخول رمضان هو السبب الشرعي للصيام

أولاً: من القرآن الكريم:

قال تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس، وبينّات من الهدى والفرقان. فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (البقرة: 185). فما معنى شهود الشهر؟

  • شهد في اللغة بمعنى حضر. شهده شهوداً أي حضره، قال ابن منظور: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) معناه من شهد منكم المصر في الشهر، لا يكون إلاّ ذلك، لأنّ الشهر يشهده كل حيّ فيه. قال الفراء: المعنى: (فمن شهد منكم في الشهر، أي كان حاضراً غير غائب في سفره)[80].
  • قال القرطبي في تفسير هذه الآية: (فيها إضمار، أي من شهد منكم المصر في الشهر عاقلاً بالغاً صحيحاً فليصمه)[81].
  • وذكر الطبري في تفسير الآية ثلاثة أقوال كلّها تدور حول هذا المعنى وهي:
  • من دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فعليه صوم الشهر كلّه غاب بعد أو سافر، أو أقام ولم يبرح.
  • من شهد منكم الشهر فليصم ما شهد منه (أي فليصم الأيام التي كان فيها مقيماً غير مسافر).

ج- من دخل عليه شهر رمضان وهو صحيح عاقل بالغ فعليه صومه.

ويرى الجمهور الأكبر من المفسرين أن شهود الشهر يعني حضوره، ذكر ذلك ابن كثير والنسفي والرازي والآلوسي وأبو السعود والسيوطي، وهو قول علي بن ابي طالب وابن عباس وسويد بن غفلة كما ذكر القرطبي[82].

  • أمّا القرافي فيقول: (شهد لها ثلاث معاني: 1- شهد بمعنى حضر، وقد شهدنا صلاة العيد، وشهد بدراً. 2- شهد بمعنى أخبر، ومنه شهد عند الحاكم أي أخبره بما يعلمه. 3- شهد بمعنى علم، وقوله تعالى: ﴿والله على كل شيء شهيد﴾ أي عليم. وشهد في الآية بمعنى حضر، وتقدير الآية: فمن حضر منكم المصر في الشهر فليصمه أي حاضراً مقيماً، احترازاً من المسافر فإنّه لا يلزمه الصوم. وإذا كان شهد بمعنى حضر، لا بمعنى شاهد ورأى، لم يكن فيه دلالة على اعتبار الرؤية، ولا على اعتبار الحساب أيضاً، فإنّ الحضور في الشهر أعم من كونه ثبت بالرؤية أو بالحساب)[83].
  • وقد خالف الجصّاص في هذا التفسير واعتبر شهود الشهر يعني رؤية الهلال، مستنداً إلى الأحاديث التي تعلّق الصيام على رؤية الهلال فقال: (اتفق المسلمون على معنى الآية والخبر في اعتبار رؤية الهلال في إيجاب صوم رمضان، فدلّ ذلك على أنّ رؤية الهلال هي شهود الشهر)[84]. وهو تفسير يتعارض تماماً مع المعنى اللغوي الذي اعتمده جمهور أهل التفسير، وهو أنّ (شهود الشهر يعني حضوره)، كما أنّ الجصاص نفسه عاد إلى التفسير الأول عندما استدّل بهذه الآية الكريمة (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) على النهي عن صيام يوم الشك من رمضان، بحجّة (أنّ الشاك غير شاهد للشهر، إذ هو غير عالم به، فغير جائز له أن يصومه عن رمضان)[85]، والعلم بالشهر أوسع من حضور الشهر كما هو ظاهر، لأنّ الحضور يستلزم العلم، أمّا العلم فقد لا يستلزم الحضور.
  • نخلص من ذلك أنّ شهود الشهر عند اللغوين وجمهور المفسرين يعني حضوره: أمّا قول الجصاص بأنّ (رؤية الهلال هي شهود الشهر) فغير مسلَّم، لأنّ رؤية الهلال تحدد بداية الشهر لا أكثر، وهي أمر يتعلّق بالهلال وبالشهر، أمّا الشهود فهو أمر يتعلّق بالإنسان المكلّف ومتى يجب عليه الصيام.

وإذا كان شهود الشهر يعني حضوره، فإنّ مقتضى ذلك أنّ السبب الشرعي لوجوب صيام  رمضان حسب الآية الكريمة هو (دخول الشهر)، وهو السبب الموضوعي الذي يتعلّق بالمسلمين جميعاً. أمّا الشروط المطلوبة من كل منهم حتى يجب عليه الصيام، فهي أن يكون مقيماً غير مسافر، سليماً غير مريض، عاقلاً غير مجنون، بالغاً غير صغير، (طاهرة غير حائض إذا كانت امرأة).

ثانياً: السنَّة تؤكّد أنّ دخول رمضان هو السبب الشرعي للصيام.

  • وردت مئات الأحاديث الصحيحة في جميع كتب السنن وهي تتحدث عن صيام شهر رمضان وفضائله وما يتعلّق به من أحكام. ومقتضى هذه الروايات أنّ دخول الشهر هو السبب الشرعي لوجوب الصيام، إذ أنّ المفهوم الذي يتبادر إلى الأذهان عند سماع قول النبي صلى الله عليه وسلم (من صام رمضان إيماناً واحتساباً…)[86] وأمثاله من الأحاديث أنّ الصيام يجب على المسلم بدخول شهر رمضان، لذلك نستطيع أن نقول جازمين أنّ السنَّة الصحيحة تؤكّد ما ورد في القرآن من أن دخول الشهر هو سبب الصيام.
  • وردت روايات أخرى كثيرة تبيّن للمسلمين كيف يعلمون دخول الشهر، وتحدد وسيلتين لذلك: رؤية الهلال أو إكمال العدّة إذا تعذّرت رؤية الهلال. قال صلى الله عليه وسلم (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فاقدروا له)، وفي رواية: (لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له) وفي رواية (فإن غم عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين) وفي رواية (فإن غمّ عليكم فاقدروا ثلاثين)[87].

مما لا شك فيه أنّ رؤية الهلال دليل واضح على دخول الشهر، وأنّه إذا لم ير الهلال وكان الجو صافياً، فإنّ الإنسان يرجح أنّ الشهر لم يدخل، ولذلك وجب عليه أن يتمّ عدّة شعبان ثلاثين يوماً. أمّا إذا لم يُر الهلال وكان الجو غائماً، فيحتمل أنّه موجود لكن الغيم غطّاه، ويحتمل أنّه غير موجود، وعلى المسلم أن يأخذ بالاحتياط ويُتم عدّة شعبان ثلاثين يوماً، ثم يبدأ صيام رمضان بعد ذلك. لكن رغم صراحة النص أنّه في حالة الغيم يجب إتمام العدّة ثلاثين، فإنّ عبد الله بن عمر (وهو أحد من روى هذه الأحاديث)، كان يرى أنّه في حالة الغيم يجب اللجوء إلى (التقدير) الوارد في روايات أخرى، والتقدير عنده معناه التضييق أي أن نقول: إنّ الهلال موجود وحال دونه الغيم، فنصوم اليوم التالي بدل إكمال العدّة، وهو الرأي الذي أخذ به الحنابلة فيما بعد. ومعنى ذلك حسب هذا الرأي أنّ المسلم يبدأ صيام رمضان من غير رؤية الهلال ومن غير إكمال العدّة، ولا يمكن أن يفسّر هذا الرأي إلاّ باعتبار أنّ دخول رمضان هو السبب الشرعي للصيام، وليس رؤية الهلال ولا إكمال العدّة.

  • أحاديث الرؤية هي بيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكيفية معرفة دخول الشهر، وهي تؤكد أن سبب الصيام هو دخول الشهر وليس رؤية الهلال، لأنّها تحدد طريقة أخرى إذا لم ير الهلال، وهي إكمال العدة ثلاثين أو التقدير، وهي طريقة تعني التأكّد من نهاية شهر وبداية شهر آخر، ولو لم ير هلاله. وهذا يؤكّد أنّ سبب الصيام هو دخول الشهر وليس رؤية الهلال.
  • بيّنت السنن الصحيحة أيضاً أنّ الشهر القمري يكون تسعة وعشرين يوماً، ويكون أحياناً ثلاثين يوماً[88]. هذه حقيقة علمية مؤكدة، لأن دورة القمر الشهرية تختلف بين شهر وآخر فتكون في الحد الأدنى (29) يوماً و(5) ساعات، و(44) دقيقة و(19) ثانية. وتكون في حدها الأقصى (29) يوماً و(9) ساعات و(45) دقيقة و(36) ثانية. هكذا نرى أن المدّة الزمنية للشهر القمري تختلف بين شهر وآخر في السنة نفسها، وتختلف بين الشهر في سنة معينة والشهر المماثل له في سنة أخرى[89].
  • وإذا كان الشهر – فلكياً وشرعياً- يكون تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً، فقد بيَّنت السنَّة المطّهرة الوسيلة المقدروة لتحديد بداية الشهر ونهايته في عصر النبوة، وهي رؤية الهلال، وإنّه إذا لم ير وجب على الناس إكمال عدّة الشهر ثلاثين يوماً. ولذلك مال جمهور الفقهاء إلى اعتبار الرؤية هي السبب الشرعي للصيام بسبب كثرة النصوص الصريحة الصحيحة وتنوّعها، منها ما يأمر بالصيام عند رؤية الهلال، ومنها ما يمنع الصيام قبل رؤية الهلال.

لكن من الواضح أنّ رؤية الهلال أو إكمال العدّة لا توصل دائماً إلى العلم اليقيني ببداية الشهر أو نهايته، فقد يبدأ الشهر ولا يُرى هلاله، فيتأخر الصيام إلى اليوم التالي، وقد ينتهي الشهر ولا يُرى هلال الشهر التالي، فتكمل العدة ثلاثين يوماً، بينما يكون الشهر الحقيقي تسعة وعشرين يوماً. لكن رغم ذلك وبسبب عدم توفّر وسيلة أخرى أكثر يقيناً، فقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ هذا الخطأ مغتفر فقال: (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحّون)[90] (فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحّون)[91].

فإذا كان الخطأ في صيام تسعة وعشرين يوماً بدلاً من ثلاثين، أو العكس، فلا حرج في ذلك لأنّ الشهر يكون عادة هكذا أو هكذا.

أمّا إذا أدى الخطأ إلى صيام ثمانية وعشرين يوماً، وهذا ما يحصل إذا لم ير الناس هلال رمضان فأكملوا عدة شعبان احتياطاً، ثم رأوا هلال شوال يوم الثامن والعشرين من رمضان، فيجب عليهم الإفطار لثبوت دخول شوال، ويكونون بذلك قد أفطروا يوماً من رمضان، مما يوجب عليهم الصيام يوماً آخر فيما بعد، بدلاً عن اليوم الأول من رمضان الذي أفطروا فيه خطأ، لأنّ الشهر لا يمكن أن يكون ثمانية وعشرين يوماً، وقد توافقت على ذلك الأدلّة الشرعية والفلكية. وهذا ما فعله أمير المؤمنين علي أبي طالب رضي الله عنه، فقد ورد في مسند زيد بن علي زين العابدين أنّ قوماً جاؤوا عليّاً فشهدوا أنّهم صاموا لرؤية الهلال، وأنّهم قد أتّموا ثلاثين، فقال عليّ: (إنّا لم نصم إلاّ ثمانية وعشرين يوماً، فدعا بهم، ودعا المصحف فأشهدهم بالله وبما فيه من القرآن العظيم ما كذبوا، ثمّ أمر الناس فأفطروا، وأمرهم بقضاء يوم…). وقد ورد مثل ذلك عن الوليد بن عتبة الليثي، قال (صمنا مع علي ثمانية وعشرين يوماً، فأمرنا يوم الفطر أن نقضي يوماً)[92] ويعنى ذلك أنّ سبب وجود الصيام عنده هو دخول الشهر، لأنّه اعتبر أنّ اليوم الذي أفطر فيه باعتباره من شعبان، هو في الحقيقة الأول من رمضان، وإن لم يثبت له ذلك عن طريق الوسيلة الشرعية المعتمدة: رؤية الهلال أو إكمال العدّة. فعدم رؤية هلال رمضان لم تؤثر على دخول الشهر، ووجوب صيام اليوم الأول منه، ولذلك أمر بقضاء هذا اليوم عند رؤية هلال شوال يوم الثامن والعشرين، مما يؤكّد أنّ رؤية الهلال تعتبر دليلاً على بداية الشهر، وليست هي التي تحدد هذه البداية، وإذا انعدمت الرؤية ووقع الخطأ في تحديد أول الشهر فهو مغتفر، إلاّ إذا أدى إلى صيام ثمانية وعشرين يوماً.

وهذا يؤكّد أنّ السبب الشرعي للصيام هو دخول الشهر وليس رؤية الهلال أو إكمال العدّة، لأنّ عدم رؤية هلال رمضان وإكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً في الحالة المذكورة، أدّت إلى إفطار أوّل رمضان باعتباره الثلاثين من شعبان، فلّما تبين لنا بوسيلة أخرى- وهي رؤية هلال شوال- أنّ شعبان كان تسعة وعشرين يوماً، أخذنا بهذه الوسيلة، وهذا دليل قاطع أنّ السبب هو دخول الشهر وليس رؤية الهلال.

 

ونتسائل هنا: أيهما أفضل من حيث تحقيق مقصد الشرع في التعبّد؟ هل الجمود على اعتبار الرؤية أو إكمال العدة هي الوسيلة الوحيدة التي لا يجوز استبدالها، حتى لو أدّى الأمر إلى إضاعة صيام أول رمضان ثم قضاؤه بعد ذلك. أم اعتماد وسيلة أخرى تبيِّن لنا دخول الشهر في وقته الصحيح، فنصوم الأول من رمضان أداءً في وقته، بدل أن نصومه قضاء بعد ذلك.

 

ثالثاً: خطأ الاعتماد على الأحاديث للقول بأنّ رؤية الهلال هي السبب الشرعي للصيام.

إنّ كثيراً من الفقهاء فهموا من أحاديث الرؤية أنّها سبب الصيام، وهذا الفهم في نظرنا خاطئ للأدلّة التالية:

  • أنّه يناقض أحاديث أخرى صحيحة أيضاً، كما يناقض الآية الكريمة التي تفرض صيام الشهر، حين نعلم بوسيلة أخرى أنّ الشهر قد دخل، فيجب علينا بمقتضى الآية وأحاديث رمضان أن نصوم لأنّ رمضان قد بدأ، بينما يطلب منا بمقتضى أحاديث الرؤية أن نفطر إكمالاً لعدّة شعبان. إنّ الواجب يقتضي التوفيق بين النصوص المتعارضة في ظاهرها. هذا التوفيق لا يكون إلاّ باعتبار دخول الشهر هو السبب الشرعي للصيام، وأنّ رؤية الهلال أو إكمال العدّة وسيلة لمعرفة ذلك، فإذا عرفنا دخول الشهر بوسيلة يقينية أخرى، يجب علينا التزامها تحقيقاً للمقصد الشرعي المتفق عليه، وهو صيام الشهر كاملاً بدون زيادة أو نقصان.
  • إنّ السنَّة كما يقول الشاطبي[93] (راجعة في معناها إلى الكتاب، فهي تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره)، وإنّ الحديث (إمّا وحي من الله صرف، وإمّا إجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم معتبر بوحي صحيح من كتاب الله أو سنة رسوله، وعلى كلا التقديرين، لا يمكن فيه التناقض مع كتاب الله، لأنّه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى). ولذلك يعتبر الشاطبي أنّ: (رتبة السنَّة التأخر عن الكتاب في الاعتبار)، وفسّر القول المشهور على ألسنة العلماء أنّ (السنَّة قاضية على الكتاب) بمعنى أنّها تفسير وشرح لمعاني الكتاب، وليس بمعنى تقديمها عليه. وقال: (إذا لم يستند الخبر – أي الحديث- إلى قاعدة قطعية فلا بدّ من تقديم القرآن على الخبر بإطلاق). وأيّد الشاطبي رأيه هذا بقول الإمام أحمد بن حنبل، عندما سئل عن الحديث: إنّ السنَّة قاضية على الكتاب: (ما أجسرُ على هذا أن أقوله، ولكنّي أقول: إنّ السنَّة تفسّر الكتاب وتبيّنه). فإذا كان القرآن مقدماًَ على السنَّة بإطلاق عند التعارض، فكيف إذا كان بعض السنَّة يؤكد القرآن أيضاً؟

  • لا يمكن القول بأنّ أحاديث الرؤية ناسخة لنصوص صيام الشهر، فإجماع العلماء أنّ هذه الأحاديث تبيّن وتفسّر، ولا تضع حكماً جديداً ينسخ حكماً سابقاً. بدليل أنّه إذا أفطر الناس أوّل رمضان لأنّهم لم يروا الهلال، ثم رأوا هلال شوال في الثامن والعشرين من رمضان، انّ عليهم أن يفطروا للعيد، ثم يقضوا يوماً بدل اليوم الأول من رمضان الذي فاتهم صيامه.

  • إنّ القول بأنّ رؤية الهلال هي سبب الصيام، يمنع المسلم من صيام أوّل رمضان إذا لم ير هلاله، مهما ثبت بالوسائل الأخرى دخول الشهر. وهذا معناه أن يفطر يوماً من رمضان، وإذا تبيّن خطؤه في نهاية الشهر برؤية هلال شوال يوم الثامن والعشرين من رمضان، فعليه قضاء اليوم الأول، وقد حصل مثل هذا كثيراً كما هو معروف. أمّا القول بأنّ دخول الشهر هو سبب الصيام، وإنّ رؤية الهلال هي الوسيلة إلى ذلك، وأنّه إذا عرفنا دخول الشهر بوسيلة مؤكّدة فصمنا، فقد أديّنا الواجب في وقته، وهذا أفضل من قضائه بعد ذلك، لأنّ الأداء أفضل من القضاء عند الجميع.

  • بناءً على ذلك نقول: إنّ دخول شهر رمضان هو السبب الشرعي لوجوب صيامه، وذلك إنطلاقاً من نصوص القرآن الكريم والسنَّة المطهرة. أمّا رؤية الهلال أو إكمال العدّة، الثابتة في نصوص نبوية أخرى، فهي في التحقيق الأصولي وسائل مشروعة لمعرفة بداية رمضان ونهايته. وإذا وجدت وسيلة أخرى للتأكّد من دخول الشهر أكثر يقيناً، فيحسن اعتمادها وربما وجب المصير إليها، إذا كانت أدقّ في الوصول إلى الهدف المطلوب من رؤية الهلال أو إكمال العدّة والأخذ بالاحتياط.

رابعاً: التفريق بين الشهر القمري الشرعي والشهر القمري الفلكي.

درج الفقهاء على التفريق بين الشهر الفلكي والشهر الشرعي، إستناداً إلى أنّ دخول الشهر لا يعتبر شرعاً إلاّ برؤية هلاله بعد غروب الشمس، أو بإكمال عدة الشهر السابق ثلاثين يوماً، وهو ما أشارت إليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة. بينما الشهر القمري الفلكي يبدأ بغروب الشمس الذي يلي خروج القمر من المحاق.

إنّ السبب الذي دعا الفقهاء لهذا التفريق بين الشهر الفلكي والشهر الشرعي، هو اعتبارهم (أنّ الرؤية هي السبب الشرعي للصيام)، فإذا لم توجد الرؤية لم يجب الصيام ولم يبدأ الشهر، وإذا وجدت أو تم ّ إكمال عدّة الشهر بدأ الشهر الجديد. وقد ناقشنا هذه المسألة فيما سبق، وبينّا أنّ دخول الشهر هو سبب الصيام وليس رؤية هلاله، فلا نعيد ذلك، لكنّا نجد من الضروري إبطال القول بالتفريق بين الشهر الفلكي والشهر الشرعي، ونورد لذلك الأدلّة التالية:

أدلّة إبطال التفريق بين الشهر الفلكي والشهر الشرعي:

إنّ الأحاديث الصحيحة التي تعلّق الصيام على رؤية الهلال أو إكمال العدّة، تبيّن متى يجب الصيام على المسلم بناء على الوسائل المقدورة في ذلك العصر، لكنّها لا تحدد بداية الشهر ونهايته. إذ أنّ الشهر ظاهرة فلكية لا علاقة لها بالرؤية أو بإكمال العدة، بمعنى أنّ الشهر قد بدأ قبل رؤية هلاله، وقد ينتهي ولا نرى هلال الشهر التالي فنكمل العدة. يؤيد ذلك ورود أحاديث صحيحة تؤكد احتمال الخطأ في تحديد أول الشهر ونهايته، وتبيّن أنّ هذا الخطأ مغتفر، طالما أنّ المسلمين بذلوا جهدهم واستخدموا الوسائل المقدورة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون)[94] (فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون)[95] قال الخطابي في معنى الحديث: (إنّ الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أنّ قوماً اجتهدوا، فلم يروا الهلال إلاّ بعد الثلاثين، فلم يفطروا حنى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أنّ الشهر كان تسعاً وعشرين، فإنّ صومهم وفطرهم ماضٍ لا شيء عليهم من وزر ولا عنت)[96].

فالخطأ المغتفر لا يتغيّر حقيقة الشهر. فإذا صمنا تسعاً وعشرين وكان الشهر ثلاثين، أو صمنا ثلاثين وكان الشهر تسعاً وعشرين، فلا حرج في ذلك لورود الأحاديث الصحيحة أنّ الشهر يكون تسعاً وعشرين يوماً ويكون ثلاثين. لكن ألا ترى معي أننا لو عرفنا بوسيلة صحيحة أنّ شهرنا تسعاً وعشرين إلا ّ أننا لم نر هلال شوال، ألا ترى أنّه من الأفضل لنا أن نفطر بدل أن نصوم يوم العيد. وصيامه محرّم؟

 

صحيح أنّ الله تعالى عذرنا إذا لم نعرف أنّه الأول من شوال وأنّه يوم العيد. لكن ماذا نفعل لو عرفنا بيقين؟ هل نغيّر حقيقة الشهر فنجعله ثلاثين يوماً بناء على جهلنا، ثم نسمّي هذا الشهر القائم على الجهل بالعلم شهراً شرعياً كما يقول بعض الفقهاء، نواجه به الشهر الفلكي العلمي، ثم نعتبر الخطأ القائم على جهل بالعلوم المعاصرة حكماً شرعياً ملزماً، مع أنّ ما ورد في النصوص هو مجرّد اعذارنا لأنّ خطأنا غير مقصود، ولم يرد فيها أبداً ما يدعونا إلى تغيير الحقائق العلمية، أو إلى تقديس الجهل واعتباره حقيقة شرعية نواجه بها العالم، سبحانك هذا خطأ عظيم.

ثمّ ألا ترى معي أنّه لو كان شهرنا ثلاثين يوماً فصمنا تسعاً وعشرين لأننا رأينا هلال شوال، ومعنى ذلك أننا أفطرنا اليوم الول من رمضان لأننا لم نر الهلال فأكملنا عدّة شعبان. ألا ترى معي رغم أنّ الشهر يكون تسعاً وعشرين، وبالتالي فنحن أدينا فريضة صيام الشهر، لكن أليس من صام رمضان ثلاثين لأنّه عرف اليوم الأول منه بواسطة الحساب، خير من الذي لم يعرفه (لأنّه ينكر اعتماد الحساب) فأفطره، وإذا كانت رحمة الله الواسعة قد غفرت له هذا الخطأ، لأنّ المسلم لا يكلّف إلاّ بالمستطاع، ولم يكن يستطيع أن يعرف دخول الشهر، فأفطر اليوم الأول من رمضان ظاناً أنّه الثلاثين من شعبان. أو ليس صيام اليوم الأول من رمضان بناءً على الحساب العلمي أفضل من اختراع فكرة الشهر الشرعي الذي لا يبدأ إلاّ برؤية الهلال؟

 

أمّا إذا كان الشهر تسعاً وعشرين يوماً، ولم نر هلال اليوم الأول فأفطرنا، ثم رأينا هلال شوال في الثامن والعشرين من رمضان، فيجب علينا الإفطار للعيد، ثم الجميع متفقون على قضاء يوم بدل اليوم الذي أفطرناه. ألا يؤكد هذا أنّ الشهر الشرعي هو الشهر الفلكي نفسه، لكنّنا نعذر إذا أخطأنا معرفته فصمنا يوماً زائداً أو يوماً ناقصاً، أمّا إذا صمنا ثمانية وعشرين يوماً فلا بد أن نقضي يوماً آخر، لأنّ الشهر لا يكون ثمانية وعشرين يوماً. هذه حقيقة علمية فلكية، وقد أقرّتها الأحكام الشرعية.   

         الفصل الرابع: كيف نعرف دخول شهر رمضان؟

إذا عرفنا أنّ السبب الشرعي لصيام رمضان هو دخول الشهر، فكيف يمكننا أن نعرف ذلك؟ هذا ما نشرحه فيما يلي:

الشهر ظاهرة فلكية[97].

  • يدور القمر حول الأرض في أقل من شهر، وهو في نفس الوقت يدور حول نفسه، وتقطع الشمس مدارها الظاهري مرة كل عام، فلا بد إذاً أن يدرك القمر الشمس (12) مرة في كل عام قمري. وتُسمّى هذه اللحظة بالاجتماع والاقتران (Congestion)، وهي لحظة زمنية واحدة لجميع سكان الأرض، ويمكن حسابها بدقة فائقة جداً، وتعرف هذه الحالة باسم (المحاق).
  • يولد القمر لحظة خروجه من المحاق، وعندها يبدأ الشهر القمري. هذه اللحظة قد تكون في أي وقت من أوقات الليل أو النهار، ثم ينتقل القمر في منازل متتابعة، فيُسّمى هلالاً في الأيام الثلاثة الأولى والأخيرة من الشهر، ويُسمّى قمراً فيما سوى ذلك، أمّا في وسط الشهر فيُسمّى بدراً، وينتهي الشهر القمري عند دخول القمر في المحاق، ﴿هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً، وقدّره منازل، لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ (سورة يونس: 5).
  • إنّ طول الشهر القمري الحقيقي يختلف بين شهر وآخر، لكنّه يترواح بين حدّين:

الأكبر: وهو (29) يوماً، و(19) ساعة، و(45) دقيقة، و(36) ثانية.

الأصغر: وهو (29) يوماً، و(5) ساعة، و(44) دقيقة، و(18) ثانية.

  • من المفترض أن يبدأ الشهر القمري فلكياً لحظة خروج القمر من المحاق. لكن هذه اللحظة تختلف بين شهر وآخر، مما يجعل بداية اليوم الأول من الشهر القمري مختلفة بين شهر وآخر. ولمّا كان لا بد من بداية موحدة فقد اصطلح العرب والمسلمون على ابتداء اليوم القمري عند غروب الشمس، والفقهاء متفقون على ذلك. ولهذا نقول: إنّ الشهر القمري الفلكي يبدأ عند غروب الشمس بعد خروج القمر من المحاق. فإذا خرج قبل الغروب بساعة مثلاً بدأ الشهر التالي عند الغروب، أمّا إذا خرج القمر من المحاق بعد الغروب فنحن في آخر يوم من الشهر السابق، ويبدأ الشهر الجديد عند غروب شمس اليوم التالي.

الرؤية هي الوسيلة الشرعية لمعرفة دخول الشهر.

يبدأ الشهر الفلكي علمياً عند خروج القمر من المحاق، وهو ما يسمّى ولادة القمر. لكن لم يكن ممكناً معرفة هذه اللحظة في العصر النبوي، وبالتالي لم يكن من الممكن معرفة دخول الشهر الجديد إلاّ عندما نرى القمر. ذلك لأنّ علم حساب سير القمر في منازله كان في بدايته، وكان مختلطاً بالتنجيم. وبما أنّ اليوم القمري يبدأ عند غروب الشمس، فضلاً عن أنّه لا يمكن رؤية الهلال في اليوم الأول من ولادته في فترة ظهور الشمس في النهار، لذلك تواترت الأحاديث الصحيحة التي تعلّق دخول شهر رمضان على رؤية القمر بعد غروب الشمس، لأنّ هذه الرؤية دليل قاطع أنّ القمر ولد بعد الغروب، وأنّ شهر رمضان قد دخل. وفي حال تعذّر الرؤية بسبب الغيم، توجب الأحاديث على المسلمين إكمال عدّة الشهر السابق، وتمنع الصيام قبل ذلك. وقد ذكرنا عدداً من هذه الأحاديث فلا مبرر لإعادتها.

ونظراً لصراحة هذه النصوص وكثرتها، فقد ذهب جمهور الفقهاء قديماً وحديثاً إلى اعتبارها مسألة تعبدية، ورفض اعتبار الطرق الأخرى وسائل مشروعة لمعرفة دخول الشهر، ثم امتدّ هذا الرفض إلى علم الحساب، رغم تغيّر الظروف المحيطة بهذا الموضوع تغيراً كاملاً. وأستعرض فيما يلي آراء بعض العلماء المخالفين للجمهور في هذه المسألة، والذين قاموا بشيء من التحقيق فيها:

القرضاوي: الرؤية هي مجرّد وسيلة

لم يرد عند الفقهاء أو الأصوليين في العصور السابقة أي دراسة أو تحقيق حول الوسيلة والهدف. لكن الإمام الدكتور يوسف القرضاوي عقد فصلاً خاصاً بهذا الموضوع في كتابه (كيف نتعامل مع السنَّة النبوية)[98] بعنوان: التمييز بين الوسيلة المتغيرة والهدف الثابت للحديث. وأجد من المفيد أن أنقل كلامه بنصّه مع بعض الاختصار. قال حفظه الله:

ومن أسباب الخلط والزلل في فهم السنَّة: أنّ بعض الناس خلطوا بين المقاصد والأهداف الثابتة التي تسعى السنَّة إلى تحقيقها، وبين الوسائل الآنيّة والبيئية التي تعيّنها أحياناً للوصول إلى الهدف المنشود، فتراهم يركّزون كل التركيز على هذه الوسائل، كأنّها مقصودة لذاتها، مع أن الذي يتعمّق في فهم السنَّة وأسرارها، يتبين له أن المهم هو الهدف، وهو الثابت والدائم، والوسائل قد تتغيّر بتغيّر البيئة أو العصر أو العرف أو غير ذلك من المؤثرات.

ومن هنا تجد كثيراً من الدارسين للسنَّة، المهتمين بالطب النبوي، يركّزون بحثهم واهتمامهم على الأدوية والأغذية والأعشاب والحبوب وغيرها، مما وصفه النبي للتداوي به في علاج بعض العلل والأمراض البدنية.

ومن ثم يذكرون الأحاديث الواردة المعروفة هنا مثل:

(خير ما تداويتم به الحجامة)[99]، (خير ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري)[100]، (عليكم بهذا العود الهندي فإنّ فيه سبعة أشفية…)[101]، (عليكم بهذه الحبة السوداء، فإنّ فيها شفاء من كل داء، إلاّ السام وهو الموت)[102]، و(في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام أي الموت)[103]، (اكتحلوا بالإثمد، فإنّه يجلو البصر، وينبت الشعر)[104].

ورأيي أنّ هذه الوصفات وما شابهها ليست هي روح الطب النبوي، بل روحه المحافظة على صحة الإنسان وحياته، وسلامة جسمه وقوته، وحقه في الراحة إذا تعب، وفي الشبع إذا جاع، وفي التداوي إذا مرض، وأنّ التداوي لا ينافي الإيمان بالقدر، ولا التوكل على الله تعالى، وأن لكل داء دواء، وإقرار سنة الله في العدوى، وشرعية الحجر الصحي، والعناية بنظافة الإنسان والبيت والطريق، ومنع تلويث المياه والأرض، والاهتمام بالوقاية قبل العلاج، وتحريم كل ما يضرّ تناوله بالإنسان من مسكر أو مفتر، أو أي غذاء ضار أو مشروب ملوث، وتحريم إرهاق الجسم الإنساني ولو في عبادة الله تعالى، وتشريع الرخص حفظاً للأبدان، والمحافظة على الصحة النفسية بجوار الصحة الجسدية، إلى غير ذلك من التوجيهات التي تمثّل حقيقة الطب النبوي الصالح لكل زمان ومكان.

إنّ الوسائل قد تتغير من عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى أخرى، بل هي لا بدّ متغيرة، فإذا نص الحديث على شيء منها، فإنّما ذلك لبيان الواقع، لا ليقيدنا بها، ويجمدنا عندها.

بل لو نصّ القرآن نفسه على وسيلة مناسبة لمكان معين وزمان معين فلا يعني ذلك أن نقف عندها، ولا نفكر في غيرها من الوسائل المتطورة بتطور الزمان والمكان.

ألم يقل القرآن الكريم: ﴿وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم﴾ (سورة الأنفال:60).

ومع هذا لم يفهم أحد أن المرابطة في وجه الأعداء لا تكون إلاّ بالخيل التي نصّ القرآن عليها. بل فهم كل من له عقل يعرف اللغة والشرع: أن خيل العصر الدبابات والمدرعات ونحوها من أسلحة العصر.

وما ورد في فضل احتباس الخيل، وعظيم الأجر فيه، مثل حديث (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة: المغنم والأجر)[105]. ينبغي أن يطبق على كل وسيلة تستحدث، تقوم مقام الخيل، أو تتفوق عليها بأضعاف مضاعفة.

ومثل ذلك ما جاء في فضل (من رمى بسهم في سبيل الله كذا وكذا)[106] فهو ينطبق على الرمي بالسهم والبندقية أو المدفع أو الصاروخ أو أي وسيلة أخرى يخبئها ضمير الغيب.

وأعتقد أن تعيين السواك لتطهير الأسنان من هذا الباب، فالهدف هو طهارة الفم، حتى يرضى الرب، كما في الحديث (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)[107].

ولكن هل السواك مقصود لذاته، أم كان الوسيلة الملائمة الميسورة في جزيرة العرب؟ فوصف لهم النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤدي الغرض ولا يعسر عليهم.

ولا بأس أن تتغير هذه الوسيلة في مجتمعات أخرى لا يتيسر لها هذا العود، إلى وسيلة يمكن تصنيعها بوفرة تكفي مئات الملايين من الناس، مثل (الفرشاة). وقد نص بعض الفقهاء على نحو ذلك.

قال في (هداية الراغب) في الفقه الحنبلي: ويكون العود من أراك وعرجون وزيتون، وغيرها، ولا يجرح ولا يضر ولا يتفتت، ويكره ما يجرح أو يضر أو يتفتت، والذي يضر كالرمان والريحان والطرفاء ونحوها ولا يصيب السنَّة من استاك بغير عود، ونقل مهذب الكتاب الشيخ عبد الله البسام عن النووي قوله: بأي شيء استاك مما يزيل التغير حصل الاستياك كالخرقة والإصبع، وهو مذهب أبي حنيفة، لعموم الأدلّة.

وفي المغنى: أنّه يصيب من السنَّة بقدر ما يحصل من الإنقاء، ولا يترك القليل من السنَّة للعجز عن أكثرها، وذكر أنّه الصحيح[108].

وبهذا نعلم أنّ (الفرشاة) والمعجون يمكن أن يقوما مقام الأراك في عصرنا، وخصوصاً في البيت بعد الأكل وعند النوم…

… ومن عجيب ما سمعته ما ذكره لي بعض العلماء: أنّه زار بعض البلاد في آسيا الإسلامية، فوجد في دورات المياه عندهم أحجاراً صغيرة مكدّسة في جوانبها، فسألهم عن سرّها، فقالوا: إنّنا نستجمر- نستنجي- بها، إحياءً للسنّة[109].

وكان على هؤلاء أن يفرشوا مساجدهم بالحصباء اتّباعاً للسنّة، وأن يدعوها بلا أبواب محكمة، تغدو الكلاب فيها وتروح، اتّباعاً للسنّة، وأن يسقفوها بجريد النخل، ويضيؤوها بمصابيح الزيت، اتّباعاً للسنّة! لكن مساجدهم مزخرفة، مفروشة بالسجاجيد، مضاءة بثريات الكهرباء!

ميزان مكّة ومكيال المدينة:

ومن ذلك: حديث (الوزن وزن أهل مكّة، والمكيال مكيال أهل المدينة)[110].

هذا الحديث يتضمّن تعليماً نبوياً تقدمّياً- إذا استخدمنا لغة المعاصرين- بالنسبة للعصر الذي قيل فيه، والهدف من هذا التعليم هو توحيد المقاييس أو المعايير التي يحتكم إليها الناس في بيعهم وشرائهم وسائر معاملاتهم ومبادلاتهم، والرجوع في ذلك إلى أدقّ وحدات القياس التي يعرفها الناس.

ولمّا كان أهل مكّة أهل تجارة، وكانوا يتعاملون في بيعهم وشرائهم بالنقود المعدنية، وكان الأساس فيها الوزن بالأوقية والمثقال والدراهم والدانق ونحوها، كانت غايتهم موجّهة إلى ضبط هذه الموازين ومضاعفاتها وأجزائها، فلا عجب أن تكون موازينهم هي المعيار المعتمد، والمرجع الذي يحتكم إليه عند التنازع، وعلى هذا الأساس جاء الحديث باعتبار (الميزان ميزان أهل مكّة).

ولمّا كان أهل المدينة أهل زرع وغرس، وأصحاب حبوب وثمار، اتّجهت عنايتهم إلى ضبط المكاييل من المدّ والصاع وغيرهما، لمسيس حاجتهم إليها في تسويق منتجات أرضهم ونخيلهم وكرومهم، فهم إذا باعوا أو اشتروا استخدموا المكيال، فكانوا أحقّ بضبطه، فلا غرو أن اعتبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم المكيال مكيالهم.

والذي نريد أن نقرّره هنا: أنّ تعيين الحديث الشريف ميزان أهل مكّة، ومكيال أهل المدينة، هو من باب الوسائل، القابلة للتغير بتغيّر الزمان والمكان والحال، وهو ليس أمراً تعبدياً يوقف عنده ولا يتجاوز.

أما هدف الحديث، فلا يخفى على ذي بصيرة، وهو ما ذكرنا من توحيد المقاييس بالرجوع إلى أدقّ ما يعرفه البشر في ذلك.

لهذا لا يجد المسلم اليوم حرجاً في استعمال المقاييس العشرية من الكيلو جرام وأجزائه ومضاعفاته، لما يتميّز به من دقّة وسهولة في الحساب. ولا يعتبر ذلك مخالفة للحديث بحال من الأحوال. لهذا استخدمه المسلمون المعاصرون في أقطار كثيرة، دون نكير من أحد.

ومثل ذلك استعمال المقاييس المتريّة ونحوها في الأطوال، ما دام الهدف هو الوصول إلى الدقّة والوحدة، والحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها فهو أحقّ الناس بها.

رؤية الهلال لإثبات الشهر:

وممّا يمكن أن يدخل في هذا الباب: ما جاء في الحديث الصحيح المشهور: (صوموا لرؤيته، (أي الهلال) وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فاقدروا له) وفي لفظ آخر (فإن غمّ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين).

فهنا يمكن للفقيه أن يقول: أنّ الحديث الشريف أشار إلى هدف، وعيّن وسيلة، أماّ الهدف من الحديث فهو واضح بيِّن، وهو أن يصوموا رمضان كلّه، ولا يضيعوا يوماً منه، أو يصوموا يوماً من شهر غيره، كشعبان أو شوّال، وذلك بإثبات دخول الشهر أو الخروج منه، بوسيلة ممكنة مقدورة لجمهور الناس، لا تكلّفهم عنتاً ولا حرجاً في دينهم.

وكانت الرؤية بالأبصار هي الوسيلة السهلة والمقدورة لعامّة الناس في ذلك العصر، فلهذا جاء الحديث بتعيينها، لأنّه لو كلّفهم بوسيلة أخرى كالحساب الفلكي- والأمّة في ذلك الحين أمّية لا تكتب ولا تحسب- لأرهقهم من أمرهم عسراً، والله يريد بأمّته اليسر ولا يريد بهم العسر، وقد قال عليه الصلاة والسلام عن نفسه: (إنّ الله بعثني معلّماً ميسراً، ولم يبعثني معنتاً)[111].

فإذا وجدت وسيلة أخرى أقدر على تحقيق هدف الحديث، وأبعد عن احتمال الخطأ والوهم والكذب في دخول الشهر، وأصبحت هذه الوسيلة ميسورة غير معسورة، ولم تعد وسيلة صعبة المنال، ولا فوق طاقة الأمّة، بعد أن أصبح فيها علماء وخبراء فلكيون وجيولوجيون وفيزيائيون متخصصون على المستوى العالمي، وبعد أن بلغ العلم البشري مبلغاً مكّن الإنسان أن يصعد إلى القمر نفسه، وينزل على سطحه، ويجوس خلال أرضه، ويجلب نماذج من صخوره وأتربته! فلماذا نجمد على الوسيلة – وهي ليست مقصودة لذاتها- ونغفل الهدف الذي نَشَده الحديث؟!

لقد أثبت الحديث دخول الشهر بخبرِ واحدٍ او إثنين يدّعيان رؤية الهلال بالعين المجرّدة، حيث كانت هي الوسيلة الممكنة والملائمة لمستوى الأمّة، فكيف يتصوّر أن يرفض وسيلة لا يتطرّق إليها الخطأ أو الوهم، أو الكذب، وسيلة بلغت درجة اليقين والقطع، ويمكن أن تجتمع عليها أمّة الإسلام في شرق الأرض وغربها، وتزيل الخلاف الدائم والمتفاوت في الصوم والإفطار والأعياد، إلى مدى ثلاثة أيام تكون فرقاً بين بلد وآخر[112]، وهو ما لا يعقل ولا يقبل لا بمنطق العلم، ولا بمنطق الدين، ومن المقطوع به أنّ أحدها هو الصواب والباقي خطأ بلا جدال.

إنّ الأخذ بالحساب القطعي اليوم وسيلة لإثبات الشهور، يجب أن يقبل من باب (قياس الأولى) بمعنى أنّ السنّة التي شرعت لنا الأخذ بوسيلة أدنى، لما يحيط بها من الشكّ والاحتمال- وهي الرؤية- لا ترفض وسيلة أعلى وأكمل وأوفى بتحقيق المقصود، والخروج بالأمّة من الاختلاف الشديد في تحديد بداية صيامها وفطرها وأضحاها، إلى الوحدة المنشودة في شعائرها وعباداتها، المتصلة بأخصّ أمور دينها، وألصقها بحياتها وكيانها الروحي، وهي وسيلة الحساب القطعي.

الرؤية معلّلة، والعلّة زالت: وقول أحمد شاكر.

هذا ما ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر في موضوع رؤية الهلال عند مناقشته لقول الحافظ بن حجر (..فعلّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية، لرفع الحرج عنهم في معاناة التسيير، واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك. بل ظاهر السياق ينفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويوضحه قوله في الحديث فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، ولم يقل فسلوا أهل الحساب..)[113] قال الشيخ أحمد شاكر: “هذا التفسير صواب، في أن العبرة بالرؤية لا بالحساب، والتأويل خطأ، في أنّه لو حدث بعدهم من يعرف ذلك، استمر الحكم في الصوم، لأنّ الأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء معللاً بعلّة منصوصة، وهي أنّ الأمّة (أميّة لا تكتب ولا وتحسب)، والعلّة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإذا خرجت الأمة عن الأمية، وصارت تكتب وتحسب، وأمكن الناس أن يصلوا إلى اليقين والقطع في حساب أول الشهر، وأمكن أن يثقوا بهذا الحساب ثقتهم بالرؤية أو أقوى. إذا صار هذا شأنهم، وزالت علّة الأميّة، وجب أن يرجعوا إلى اليقين الثابت، وأن يأخذوا في إثبات الأهلة بالحساب وحده، وأن لا يرجعوا إلى الرؤية إلاّ حين يستعصي عليهم العلم به، كما إذا كان ناس في بادية أو قرية، لا تصل إليهم الأخبار الصحيحة الثابتة عن أهل الحساب.

 

وإذا وجب الرجوع إلى الحساب وحده بزوال علّة منعه، وجب أيضاً الرجوع إلى الحساب الحقيقي للأهلة، وإخراج إمكان الرؤية أو عدم إمكانها، فيكون أول الشهر الحقيقي الليلة التي يغيب فيها الهلال بعد غروب الشمس، ولو بلحظة واحدة” [114].

 

ونحن نرى في نقد الشيخ أحمد شاكر لقول الحافظ بن حجر موقفاً أصولياً ينسجم مع مقاصد الشريعة، ومع ثوابتها القطعية، ونؤيده بالأدلة التالية:

  • اتفق الفقهاء أنّ الأحكام الشرعية تتأثّر بالعلّة وجوداً وعدماً، وهذا الأمر ينطبق على الحكم الشرعي المتعلّق بالأهداف، ومن باب أولى أن يسري على الأحكام المتعلّقة بالوسائل، وهي في الأصل غير مقصودة لذاتها. ومن المقطوع به عندنا أنّ رؤية الهلال هي وسيلة لمعرفة دخول الشهر لا أكثر.
  • إنّ النصوص الشرعية ألزمت المسلمين بهذه الوسيلة لمعرفة دخول الشهر، لأنها كانت الأكثر يقيناً والأكثر سهولة وتيسيراً في ذلك العصر، والنصوص نفسها أشارت إلى احتمال الخطأ عند استعمال هذه الوسيلة، ورفعت عن المسلمين الإثم في ذلك، في الحديث الذي أشرنا إليه سابقاً (صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون). وليس من المقبول شرعاً ولا من المعقول الإصرار على استعمال هذه الوسيلة عند ظهور وسيلة أبعد عن الخطأ وأقرب إلى اليقين وأكثر سهولة.
  • إنّ النصوص الشرعية في ظاهرها تمنع اعتماد وسائل أخرى غير الرؤية كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه)، لكن هذا المنع ليس بإطلاق بل يتوجّه إلى الوسائل التي كانت معروفة في ذلك العصر، ومنها الحساب، وذلك يتوافق مع ما كان عليه علم الحساب في تلك الأيام، حيث قال العلماء فيه: إنّه نوع من التنجيم أو الرجم بالغيب، ويدخله الغلط، وفيه تعب كثير بلا فائدة، وانّ رؤية الهلال هي أبين وأظهر من الحساب. وبما أنّ هذه التفسيرات لم تعد واردة في هذا العصر بعد أن تكرّس الفصل نهائياً بين التنجيم وبين حساب منازل القمر، ولم يعد الغلط فيه وارداً، ولم يعد فيه تعب، بعد أن أصبح علماً منتشراً بين الناس، وظهرت فوائده الكثيرة بلا جدال، ولم تعد رؤية الهلال أظهر من الحساب، بل أصبح الحساب هو اليقين، ورؤية الهلال هي التي يدخلها الغلط، أو تتعذر لأسباب كثيرة. كل هذه التغيرات جعلت منع العمل بالحساب في إثبات دخول الشهر غير مقبول ولا مفهوم، إلاّ إذا اعتبرنا اعتماد رؤية الهلال مسألة تعبدية غير قابلة للتعليل، ولا أظن أنّ أحداً من العلماء المحققين يقول ذلك.

الأهداف والمقاصد، والوسائل والذرائع، وتأثير العلّة عليها.

–  درج العلماء على الحديث عن (مقاصد الأحكام الشرعية)، ولا أذكر أنّني اطّلعت في أي من كتب الفقه أو الأصول عن (أهداف الأحكام الشرعيّة)، وذلك لأنّ الحكم الشرعي نفسه هو الهدف. فوجوب الصلوات الخمس هو الحكم الشرعي، والهدف هو أداؤها في أوقاتها. ووجوب صوم رمضان هو الحكم الشرعي، وهو الهدف المطلوب تحقيقه. وحرمة الربا هي الحكم الشرعي، والهدف هو الإقلاع عن التعامل بالربا. وحرمة الزنا هي الحكم الشرعي، والهدف هو ترك الزنا. فالأهداف عادة هي نفس الأحكام الشرعية.

أمّا المقاصد فهي أمر مختلف، إنها تعني الغايات التي تقصد من وراء الأفعال، وهي نوعان: مقاصد عامّة وهي التي تسعى لتحقيقها جميع الأحكام الشرعية مثل: عمارة الأرض، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وحفظ النظام، وإقامة العدل والمساواة، والتيسير على الناس، وغيرها. ومقاصد خاصّة وهي التي تريد الشريعة تحقيقها في باب معيّن، أو من خلال حكم شرعي محدّد، مثل اعتبار التوثّق هو المقصد من مشروعية الرهن، وبناء المؤسسة العائلية هو المقصد من عقد النكاح، ووضع حدّ للضرر المستمرّ هو المقصد من إباحة الطلاق، وتحقيق التقوى هو المقصد من فرض الصيام، ومنع الاستغلال هو المقصد من تحريم الربا.

في موضوع هذه الدراسة نقول: إنّ المقصد من فرض صيام رمضان هو تحقيق للتقوى ﴿لعلّكم تتقون﴾، وتحقيق الشكر ﴿لعلكم تشكرون﴾. وهو مقصد يتحقق ولو أخطأنا في معرفة بداية الشهر أو نهايته، ولو صمنا يوماً إضافياً، أو أفطرنا يوماً من رمضان، طالما أنّنا بذلنا جهدنا، وصمنا بالنتيجة تسعاً وعشرين أو ثلاثين يوماً. وطالما أنّنا التزمنا أداء فريضة الصيام وفق أحكامها التي شرعها الله لنا، ومنها أداؤها في وقتها المحدد (شهر رمضان). إنّ تحديد بداية الشهر ونهايته أمر ضروري لأداء العبادة في وقتها، وإرشاد الشارع إلى الوسيلة المناسبة لذلك، لا يمكن إدخاله في معنى التعبّد الذي لا يعلّل ولا يتغيّر، إذ المعنى التعبدي يتعلّق باختيار رمضان لأداء فريضة الصيام فيه فهو لا يمكن أن يُعلَّل، وبالتالي لا يجوز قطعاً إبداله بشهر آخر. أمّا إلحاق كيفية تحديد بداية الشهر ونهايته مع بالمعنى التعبّدي، فهو يؤدّي في حال الخطأ إلى ابتداع شهر آخر يختلف في بدايته أو نهايته مع شهر رمضان الفلكي، وما أراد الشارع أن يفرض علينا إلاّ صيام شهر رمضان كما هو، لا كما تحدّده وسائلنا القابلة للخطأ. وهذا يؤكّد أنّ (رؤية الهلال) هي حكم شرعي يتعلّق بالوسيلة لمعرفة بداية الشهر ونهايته، وليست مسألة تعبّدية ولا مقصداً ولا هدفاً.

–  أمّا الذرائع فهي الوسائل، وكما أنّ وسيلة المحرّم محرّمة، فوسيلة الواجب واجبة، وإن كان جمهور الفقهاء يخصصون كلمة الذريعة بالوسيلة المفضية إلى الفساد، ويتحدثون عن (سد الذرائع)، بمعنى أنّ الوسيلة المباحة من حيث الأصل تُمنع إذا أدّت إلى الفساد، ومذهب مالك يتوسّع في هذا الباب أكثر من غيره.

وموارد الأحكام على قسمين كما يقول القرافي[115]: (مقاصد: وهي المتضمّنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها، والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسّط متوسّطة…).

والوسائل في نظر ابن عاشور[116] هي (الأحكام التي شرعت لأن يتمّ بها تحصيل أحكام أخرى، وهي غير مقصودة لذاتها، بل لتحصيل غيرها على الوجه الأكمل المطلوب، إذ بدونها لا يحصل المقصد، أو يحصل معرضاً للاختلال والانحلال، فالإشهار في عقد النكاح وشهرته غير مقصودين لذاتهما، وإنّما شرعا لأنّهما وسيلة لإبعاد صورة النكاح عن شوائب السفاح والمخادنة) (ويدخل في الوسائل الأسباب المعرفات للأحكام والشروط وانتفاء الموانع، ويدخل أيضاً ما يفيد معنى، كصيغ العقود) (وقد أتضح أن الوسائل مجعولة في الدرجة الثانية من المقاصد، فلذلك كان من قواعد الفقه أنّه إذا سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة) (وقد تتعدد الوسائل إلى المقصد الواحد، فتعتبر الشريعة في التكليف بتحصيلها أقوى تلك الوسائل تحصيلاً للمقصد المتوسَّل إليه، بحيث يحصل كاملاً راسخاً عاجلاً ميسوراً، فتقدمها على وسيلة هي دونها في هذا التحصيل).

أمّا العلّة فقد كثر الخلاف بين الأصوليين والفقهاء والمتكلمين حول تعريفها، وجمهورهم متفق أنّ الأحكام الشرعية لا تعلل بغرض يعود إلى الله تعالى، لكنّها شرّعت لمنفعة العباد، جلباً للمصلحة أو درءاً للمفسدة، فمنهم من قال: (العلّة هي المعرف للحكم)، ومنهم من قال: (العلّة هي الوصف المؤثر في الأحكام بجعل الشارع لا لذاته)، وقال المعتزلة: (العلّة هي الوصف المؤثر بذاته في الحكم)، وذلك بناء على مذهبهم المعروف في الحسن والقبح والعقليين، وقال الآمدي: (العلّة هي الباعث على التشريع)، وقال المالكية: (العلّة هي الصفة التي يتعلّق الحكم الشرعي بها)، وعرّف الشاطبي العلّة بأنّها (الحِكَم والمصالح التي تعلّقت بها الأوامر أو الإباحة، أو المفاسد التي تعلّقت بها النواهي)[117]. من هذه التعاريف وكثير غيرها نستنتج أن العلّة عند الفقهاء هي وصف معرّف أو وصف مؤثر أو باعث على الحكم، لذلك أميل إلى تعريفها بما يراه الأخ الكريم الدكتور عبد الله الجديع أنّ العلّة (هي الوصف الذي يبنى عليه الحكم)[118].

وهذا يعني بوضوح أنّ العلّة ترتبط مباشرة بالمقصد من الحكم الشرعي، وأنّ هذا الحكم لا يوجد بدونها، فإذا فقدت العلّة سقط الحكم، وهذا معنى القاعدة المشهورة أنّ (الحكم يدور مع علّته وجوداً وعدماً)، وأنّ (الحكم إذا أثبت بعلّة زال بزوالها)[119]. أمّا الوسيلة فهي حكم آخر يرتبط أيضاً بالمقصد من الحكم الشرعي، من حيث أن تحقيقه يتم عن طريقها، وأنّها ليست مقصودة لذاتها، بل لتحصيل غيرها على الوجه الأكمل المطلوب. فإذا كان الحكم الشرعي المتعلق بالهدف والمقصد يسقط بسقوط علّته ويتغيّر إلى حكم شرعي آخر، فمن الطببعي أن يسقط أيضاً أو يتغيّر الحكم الشرعي إذا كان مجرّد وسيلة لتحقيق مقصد شرعي، ولم تعد هذه الوسيلة تؤدي دورها في تحصيل هذا المقصد، أو إذا وجدت وسائل أخرى أقدر على تحصيله على الوجه الأكمل المطلوب. فالوسائل ليست مقصودة لذاتها، وإنّما لتحصيل الأعمال التي شرعت لأجلها.

الوسيلة المنصوص عليها هل تقبل التغيير؟

الوسائل المستخدمة لتحقيق الأحكام الشرعية نوعان:

  • وسائل ورد النص عليها في الكتاب أو السَّنة بالإيجاب أو بالمنع.
  • وسائل استنبطها العلماء المجتهدون ولم يرد حولها نصوص توجبها أو تمنعها.

من الطبيعي أن تكون الوسائل التي استنبطها العلماء قابلة للاستبدال بوسائل أفضل منها إذا ظهرت، وباب الاجتهاد هنا مفتوح أمام العلماء، ولا يقيّد إلاّ بالضوابط الشرعية العامة، كأن لا تكون الوسيلة الجديدة من المحرمات، وأن تؤدي لتحصيل العمل المطلوب.

أمّا الوسائل التي ورد النص عليها في القرآن الكريم أو في السنة المطهرة، سواء بالمنع أو بالإيجاب، فتغييرها بوسائل أخرى جرى فيه الخلاف بين العلماء، تبعاً لخلافهم حول وجوب الالتزام بظاهر النص، أو مشروعية الاجتهاد لمعرفة علّته أو مقصده. وقد استقر رأي جمهور الفقهاء والأصوليين على مراعاة المقاصد الشرعية، وعلى ضرورة معرفة علَّة الأحكام الشرعية لإعمال القياس، وعلى مشروعية تغيّر الحكم إذا تغيّرت علّته، كما اتفقوا على أنّ الوسائل تابعة للمقاصد في حكمها الشرعي. وقد ذكر الدكتور القرضاوي عدداً من الأمثلة التي أوردناها آنفاً، وفيها نص من القرآن الكريم هو قوله تعالى: ﴿وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل …﴾ وأكّد أن المرابطة بالخيل كانت وسيلة تناسب العصر، وقد اتفق الجميع على جواز- بل وجوب- المرابطة بالأسلحة المعاصرة. كما ذكر كثيراً من النصوص النبوية حول أحاديث التداوي بالأعشاب والأغذية والحبوب، وحول الرمي في المعركة، وحول السواك، وحول الميزان والمكيال،  وبيَّن اتجاه علماء العصر إلى مشروعية استعمال الوسائل الجديدة، لأنّ المقاصد الشرعية من هذه الأحاديث تتحقق بالوسائل المعاصرة بصورة أفضل.

إنّ هذه الأمثلة تتناول حالة ما إذا كان النص المعصوم يشير إلى وسيلة معينة، وتجيز استعمال وسائل أخرى إذا كانت تحقق الأهداف الشرعية المقصودة. وأحب إكمالاً لهذا البحث أن  أتناول حالة ثانية، وهي ما إذا كان النص يحصر الأمر بوسيلة محددة، أو يمنع استعمال وسائل أخرى.

هل يجوز استعمال وسيلة يمنعها ظاهر النص؟ وهل يتصور حصول تغيرات تؤدي إلى جعل وسيلة أخرى أقدر على تحقيق المقصد الشرعي من الوسيلة المنصوص عليها؟ إنّ هذا التساؤل ينطبق في موضوع رؤية الهلال. فإنّ الأحاديث الصحيحة لم تكتف بإيجاب الرؤية لمعرفة دخول الشهر (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، لكنّها أيضاً منعت استعمال جميع الوسائل الأخرى، فقد روى البخاري والنسائي عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: (لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له)، وروى أبو داود وأحمد عن ابن عمر (الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له). لقد فهم العلماء من هذه النصوص منع استعمال الوسائل الأخرى ووسيلة الحساب بشكل خاص. وهذا ما فهمه نافع راوي الحديث عن ابن عمر فقد كان يقول: (كان ابن عمر إذا كان شعبان تسعاً وعشرين نُظر له، فإن رؤي فذاك، وإن لم يُر ولم يحل دون منظره سحاب ولا قترة أصبح مفطراً، وإن حال دون منظره سحاب أو قترة أصبح صائماً، قال: وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب).

وللجواب على هذا السؤال أقول:

إنّ جميع الأحكام الشرعية المتعلّقة بالوسائل سواء كانت إيجاباً أو منعاً، ترتبط وجوداً وعدماً بمدى تحصيلها للأهداف والمقاصد المطلوبة، لأنّها أصلاً لم تُشرَّع إلاّ لذلك، ولذا فهي قابلة للتغيير. وإنّ ورود النص بفرض وسيلة محددة أو بمنع وسيلة أخرى، مرتبط بواقع هذه الوسيلة في ذلك العصر، ومدى قدرتها على تحقيق الهدف الشرعي المطلوب. ولا يمنع استعمال وسائل أخرى صارت أقدر على تحقيق الأهداف والمقاصد. هذا ما يؤيده جمهور الفقهاء والأصوليين، وهذه بعض الأمثلة:

  • منع كتابة السنَّة:

من المعروف أنّ الكتابة وسيلة مشروعة لحفظ العلم، لكن ثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى الصحابة عن كتابة السنَّة، وقال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)[120]. وثبت عنه أيضاً أنه أباح كتابة السنَّة للصحابة، قال أبو هريرة: (ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً عنه مني، إلاّ ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنّه كان يكتب ولا أكتب)[121]، وأمر أصحابه بالكتابة لأبي شاه يوم فتح مكة عندما طلب منه، وقد سمعه يخطب: (يا رسول الله اكتبوا لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اكتبوا له).[122]

وقد استمر الصحابة يحجمون عن الكتابة في عصر الخلافة الراشدة، حرصاً على سلامة القرآن الكريم وتميزَّه عن السنَّة، لكن ثبت عن بعضهم أنّهم كتبوا شيئاً من السنَّة، بل ورد عن بعض من منع كتابة السنَّة أنه أجازها فيما بعد، كابن مسعود وأبي سعيد الخدري[123]. وعللّ العلماء ذلك بأنّ النهي كان مخافة أن يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، وأن يشتغل عن القرآن بسواه، فلمّا أُمِنَ ذلك، ودعت الحاجة إلى كتابة العلم، لم تكره كتابته. وقد شاعت كتابة السنَّة في أواخر القرن الأول الهجري وأوائل القرن الثاني حتى لم يعد أحد ينكرها، واتفق على ذلك أكثر التابعين، خاصة بعدظهور الوضع في الأحاديث بسبب الخلافات السياسية والمذهبية، مما حمل العلماء على بذل الجهود الجبارة لتنقيح السنَّة وحفظها، فصارت الكتابة الوسيلة الأفضل لذلك، وهذا ما دفع عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشدي الخامس أن يكتب إلى الآفاق (انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه)[124]، وأمر ابن شهاب الزهري وأبا بكر بن حزم بجمع السنن، بينما كان الخلفاء الراشدون قبله يكرهون كتابة الحديث، وظلّت الكراهة معروفة عند كثير من العلماء، رغم شيوع كتابة الحديث، إلى أن زال الخلاف بعد ذلك، وأجمع المسلمون على تسويغ كتابة الحديث كما يقول ابن الصلاح في مقدمته (ولو لا تدوينه في الكتب لدُرس في الأعصر الأخيرة).

نخلص مما تقدّم إلى أن الكتابة كوسيلة مشروعة لحفظ العلم مباحة من حيث الأصل، بل هي مطلوبة، فقد روى ثمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (قيدوا العلم بالكتابة)[125]، وثبت أنّه صلى الله عليه وسلم قبل الفدية من بعض أسرى بدر (أن يُعلِّم كل واحد منهم عشرة من ابناء الأنصار القرآن والكتابة)[126]، لكن ورد النص الصريح بمنعها في مجال حفظ السنَّة، وهي أهم العلوم الشرعية بعد القرآن. (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه). فكان لا بد لهذا المنع من سبب أو علّة، وقد ذكر كثير من العلماء أنّ علَّة منع كتابة السنَّة هي الخوف من مضاهاة القرآن، ولذلك فقد اتفقوا على زوال هذه العلة في أواخر القرن الثاني للهجرة، حيث أصبحت كتابة السنَّة مشهورة ومقبولة بلا نكير في جميع بلاد المسلمين، واستمر هذا الأمر حتى عصرنا الحاضر، فنحن اليوم نكتب حديث رسول الله صلى الله ولا نمحوه، وانعقد على صحة ذلك إجماع المسلمين قاطبة.

إنّ جميع النصوص المتعلّقة بالوسائل المستخدمة لتحقيق الأهداف والمقاصد الشرعية، يمكن أن تكون محل نظر واجتهاد، إذا لم يعد الهدف نفسه مطلوباً، كما في حالة كتابة السنَّة. ومن باب قياس الأولى أن يكون الموضوع محل نظر واجتهاد إذا بقي الهدف مطلوباً، لكن الوسيلة التي كانت ممنوعة أصبحت أقدر على تحقيق الهدف من الوسيلة المسموحة، لأنّه إذا كان الهدف وهو المقصد الشرعي معرضاً للزوال بزوال علّته، فإنّ الوسيلة- وهي دائماً أدنى من الهدف وتابعة له- معرضة للزوال أو التغير بوسيلة أخرى أقدر على تحقيق الهدف الشرعي المطلوب. فالهدف والمقصد هو حفظ العلم، والوسيلة إلى ذلك كتابته، لكن هذه الوسيلة في عصر نزول الوحي قد تؤدي إلى اختلاط القرآن بالسنَّة، ولذلك منعت، ولما لم يعد هذا الأمر وارداً بعد حفظ القرآن وجمعه، عادت الوسيلة الممنوعة إلى الإباحة الأصلية، بل أصبحت مطلوبة لضرورة المحافظة على السنَّة من الوضع والتحريف.

 

  • اشتراط قرشية الإمام:

وردت في ذلك أحاديث صحيحة مشهورة أهمها:

  • (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي اثنان)[127].
  • (إنّ هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلاّ أكبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين)[128].
  • (الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم، والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا..)[129] .
  • (الأئمة من قريش، إن لهم عليكم حقاً، ولكم عليهم حقاً مثل ذلك، ما ان استرحموا رحموا، وإن عاهدوا وفوا، وان حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)[130].
  • (أمّا بعد يا معشر قريش فإنّكم أهل هذا الأمر ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يلحاكم كما يلحى هذا القضيب، لقضيب في يده، ثم لحى قضيبه فإذا هو أبيض يصلد) [131].

ولقد اعتبر الجمهور الأكبر من الفقهاء أنّ هذه الأحاديث ليست مجرد خبر، لكنّها أيضاً تتضمن أمراً، ومن ثَمَّ تكون القرشية عندهم شرطاً لازماً لصحة تولية الخليفة. وقد كان هذا الأمر مقبولاً أيام الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، ثم صار الأمر إلى سلاطين بني عثمان، وادعى السلطان عبد الحميد الخلافة في أواخر القرن التاسع عشر، وقد تولى العثمانيون أمر الدين، فأقاموا الحدود، وسيَّروا الجيوش دفاعاً عن الإسلام، مدة تزيد عن أربعة قرون، وخضع لهم وأطاعهم القرشيون أنفسهم، واستمدوا منهم الولاية في مكة والحجاز. كل هذه الوقائع التاريخية التي استمرت مئات السنين، جعلت كثيراً من الفقهاء المحدثين[132] يعتبرون هذه الأحاديث مجرّد خبر، وينفون اشتراط القرشية في الإمام، لأنّ الإمامة في قريش (ما أقاموا الدين)، فإذا تخلوا عن ذلك أو عجزوا عنه انتقلت إلى غيرهم وفق نواميس الكون، وقد حذرهم الحديث المذكور أعلاه، إنّهم إذا عصوا الله بعث عليهم من يلحاهم كما يلحى القضيب (لحا القضيب أي قشره، ولاحاه أي نازعه وعاداه)، وبناءً على ذلك تبنى أكثر الفقهاء اليوم مقولة ابن خلدون (إنّ الأحكام الشرعية كلها لا بد لها من مقاصد وحكم، تشتمل عليها وتشرع لأجلها. ونحن إذا بحثنا عن الحكمة في اشتراط النسب القرشي وقصد الشارع منه، لم يقتصر الأمر على التبرك بوصلة النبي صلى الله عليه وسلم كما هو المشهور… فلا بد إذاً من المصلحة في اشتراط النسب، وهي المقصودة من مشروعيتها. وإذا سبرنا وقسمنا لم نجد إلاّ اعتبار العصبية التي تكون بها الحماية والمطالبة، ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب المنصب، لتسكن إليه الملة وأهلها، وينتظم حبل الألفة فيها، ذلك أنّ قريشاً كانوا عصبة مضر وأصلهم، وأهل الغلبة فيهم، وكان لهم على سائر مضر العزة بالكثرة والعصبية والشرف، فكان سائر العرب يعترفون لهم بذلك، ويستكينون لغلبهم، فلو جعل الأمر في سواهم لتوقع افتراق الكلمة.. فاشترط نسبهم القرشي في هذا المنصب، وهم أهل العصبية القوية، ليكون أبلغ في انتظام الملّة واتفاق الكلمة… فإذا ثبت ان اشتراط القرشية إنّما هو لدفع التنازع، بما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أنّ الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة معينة، علمنا أنّ ذلك إنّما هو من الكفاية، فرددناه إليها، وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية، وهي وجود العصبية، فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها)[133].

إنّ الإمامة العظمى إنّما هي وسيلة لإقامة أمر الدين، وكل الشروط المتعلقة بها قصد منها تمكين الإمام من القيام بواجباته، فإذا وردت فيها النصوص فهي خاضعة للاجتهاد، من حيث قدرتها على تحقيق أهدافها، وإذا استدعت الظروف فرض شروط أخرى تحقق المصلحة المشروعة، فليس هناك ما يمنع من ذلك. ومن هذا القبيل نرى أن اشتراط قرشية الإمام وإن وردت فيه أحاديث نبوية صحيحة لا يمكن الطعن فيها، لكنه ليس من الشروط المطلقة التي يتوقف عليها صحة ومشروعية الإمامة، بل هي إحدى المواصفات الشرعية المطلوبة، والتي توضع أمام المسلمين إلى جانب مواصفات أخرى، حتى يتم اختيار الأفضل الذي يتمتع بأكثر المواصفات. فهي صفات مطروحة على أهل الحل والعقد، أو على الناخبين، ليختاروا في ضوئها، وليست شروطاً، تسقط الترشيح وتمنع الانتخاب. ومن البديهي القول أنّ جميع المواصفات الشرعية المطلوبة، يمكن أن ترتفع درجة طلبها أو تنخفض، حسب الظروف المحيطة بها، بحيث يجب اختيار الأفضل الذي يتمتع بأكثر هذه المواصفات، ولو كان فاقداً لبعضها كلياً أو جزئياً، مما يجعل هذا الأمر خاضعاً لفقه الموازنات. ومن المعروف أن الجماعة الإسلامية في باكستان وقفت إلى جانب ترشيح فاطمة جناح ضد الجنرال أيوب خان، ولما سئل الإمام المودودي رحمه الله عن سبب تأييد امرأة للرئاسة الأولى رغم الحديث الصحيح المشهور (ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة) أجاب: وهل يفلح قوم ولّوا أمرهم دكتاتوراً.

 

  • الدية على العاقلة:

الدية هي عقوبة شرعية فرضها الله عز وجل في حالة القتل الخطأ. قال تعالى: ﴿… ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله، إلاّ أن يَصَّدقوا…﴾ (النساء: 92). والحكمة منها التعويض على أهل المجني عليه بعض ما خسروه بوفاته. وهي في الأصل مائة من الإبل. ولو فرضت الدية على القاتل نفسه لعجز عنها في أغلب الحالات، ولضاع حق المجني عليه وأهله، بالإضافة إلى أنّه لم يقصد القتل حتى يستحق هذه العقوبة الشديدة، بل وقع منه على سبيل الخطأ. لذلك لجأت الشريعة إلى فرضها على العاقلة، وهي عادة عدد كبير من الناس، مما يؤدي إلى التخفيف عن الجاني الذي لم يقصد القتل، ويضمن وصول التعويض المناسب إلى أهل المجني عليه، فيخفف عنهم مصاب فقده. فالمقصد إذاً من فرض الدية على العاقلة توزيعها على عدد كبير من الناس ليكون دفعها ميسوراً، ولضمان وصولها إلى المستحقين لها.

 

وعاقلة القاتل هم أقرباؤه العصبات، ثبت ذلك في صحيح مسلم، إذ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم (قضى بالدية على العصبة)[134]، وهو قول جمهور الفقهاء (من الشافعية والحنابلة، والمالكية في المعتمد من أقوالهم). وقال الحنفية: إذ كان القاتل من أهل الديوان فالعاقلة هم أهل الديوان[135]، وإلاّ فعاقلته هم قبيلته وأقاربه وكل من يتناصر هو بهم، فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل نسباً على ترتيب العصبات)[136]، ومن لم تكن له عاقلة فديته في بيت المال، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أنا وارث لا وارث له، وأعقل عنه وأرثه)[137].

وعلّل الأحناف مذهبهم (أنّ عمر بن الخطاب فرض العاقلة على أهل الديوان، وهو أول من فرض الديوان وجعل العقل فيه، وكان قبل ذلك على عشيرة الرجل في أموالهم. ولم يكن ذلك منه تغييراً لحكم الشرع بل تقريراً له، لأنّه عرف أن عشيرته كانوا يتحملون بطريق النصرة، فلما كان التناصر بالرايات جعل العقل عليهم، حتى لا يجب على النسوان والصبيان لأنّه لا يحصل بهم التناصر)[138].

 

فمذهب الأحناف يرى (ان التناصر هو الأصل في هذا الباب، ومعنى التناصر أنّه إذا حزبه أمر قاموا معه في كفايته وتمامه فيه) (وإن كان لهم متناصرون من أهل الديوان والعشيرة والمحلة والسوق، فالعاقلة أهل الديوان ثم العشيرة ثم أهل المحلة). وقد عقّب ابن عابدين على هذه النقول بقوله (المدار على التناصر كما ذكروه، فمتى وجد بطائفة فهم عاقلته)، بل نقل عن تنوير البصائر معزياً للحافظية (الحق إذ التناصر فيهم بالحِرَف، فهم عاقلته)، وهذا معناه أنّ العاقلة هم أهل حِرفة القاتل أي النقابة التي ينتمي إليها.

 

وقد اعتمد الأحناف في تفسيرهم للعاقلة على ما فعله عمر بن الخطاب بعد أن دوَّن الدواوين، إذ جعل العقل على أهل الديوان، بعد أن كان يفرضه على أهل العشيرة كما في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وذلك لأنّ أهل الديوان هم أهل النصرة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير منهم، (فروى ابن ابي شيبة في مصنفه في الديات عن الحكم قال: عمر أول من جعل الدية عشرة في أعطيات المقاتلة دون الناس، وعن الشعبي والنخعي قالا: أوّل من فرض العطاء عمر، وفرض فيه الدية كاملة في ثلاث سنين)[139].

 

في ضوء هذا العرض نقول: إنّ مقصد الشريعة في فرض الدية على القتل الخطأ هو وصول نوع من التعويض لأهل المجني عليه، وقد كانت الوسيلة المنصوص عليها توزيع هذه الدية على العصبات من الأقرباء باعتبارهم عاقلة المجني عليه، لكن لمّا تطوّر المجتمع ووضع عمر بن الخطاب الديوان الذي يسجل فيه أسماء الجنود وأعطياتهم، رأي إمكانية نقل الدية من العصبات إلى أهل الديوان، وقد صاروا هم أهل النصرة، ولم ينكر الصحابة عليه ذلك، وأخذ به الأحناف وتوسعوا في تطبيقه، وهذا يؤكد أنّ الوسيلة المحددة بالنص لتحقيق مقصد أو هدف شرعي، يمكن أن تتغيّر بالاجتهاد إلى وسيلة أخرى أقدر على تحقيق هذا المقصد.

 

ولا يؤثر على هذا الاستنتاج أن المذاهب الثلاثة الأخرى لم تأخذ باجتهاد الأحناف، إذ ليس ضرورياً أن يتفق الجميع على صحة الاجتهاد في مسألة ما، بل يكفينا أن نقول: إنّ هذا الأمر قابل للاجتهاد، بدليل فعل عمر بن الخطاب وعدم إنكار الصحابة له، واجتهاد الأحناف بعد ذلك، وهذا هو ما نريده في بحث مسألة رؤية الهلال، وأنّها مجرّد وسيلة لإثبات دخول الشهر، وأنّها حتى لو كانت منصوصاً عليها، يمكن أن تتغير بوسيلة أخرى أقدر على تحقيق المقصد الشرعي.

 

نخلص مما تقدم إلى ما يلي:

  • إنّ السبب الشرعي للصيام هو دخول شهر رمضان وليس رؤية هلاله.
  • إنّ رؤية الهلال شرعت كوسيلة لمعرفة دخول الشهر، فإن تعذرت فإكمال عدة الشهر السابق هي الوسيلة الممكنة عند جمهور الفقهاء، سواء كان الجو صحواً أو غائماً.
  • رفض المسلمون اعتماد الحساب لمعرفة دخول الشهر، بسبب اختلاط علم حساب المنازل مع التنجيم المنهي عنه، ولأنّ علم الحساب كان بدائياً لا يؤدي إلى معرفة يقينية، وكان نادراً لا يعرفه إلا القليل، بينما كانت الرؤية أيسر على الناس وأقرب إلى اليقين.
  • تغير الواقع اليوم، وانفصل علم الحساب تماماً عن علوم التنجيم، وبلغ من الدقة واليقين درجة كبيرة، حتى أصبح احتمال الخطأ فيه نادراً جداً، وبنسبة واحد إلى عشرات الملايين، وانتشر هذا العلم بين الناس عن طريق وسائل الإعلام المعاصرة، ولم يعد محصوراً في الجامعات. وفي المقابل أصبحت الرؤية أكثر صعوبة وأقل يقيناً، بعد أن انتشر الإسلام في كل بقاع الأرض، وأكثرها تزيد فيها الغيوم التي تمنع الرؤية أصلاً، أو تزيد رطوبة الجو التي تؤثر على الرؤية، بينما كانت الرؤية أكثر سهولة وأقرب إلى اليقين في جو الصحراء.
  • إذا كانت رؤية الهلال مجرد وسيلة لإثبات دخول الشهر، وإذا كانت هذه الوسيلة رغم النص القاطع عليها، لا تمنع الأخذ بوسائل أخرى أقدر على إثبات دخول الشهر، وأسهل على الناس، كما مر معنا بالنسبة للكثير من الوسائل المنصوص عليها، والتي دخل عليه التغيير لأسباب مختلفة، فإن الوسيلة الجديدة لإثبات دخول الشهر هي الحساب العلمي الدقيق، لكن كثيراً من العلماء يرفضونها لأنها كانت معروفة أصلاً ومرفوضة، ولا ينظرون إلى التغيير الكبير الذي طرأ على علوم الحساب في هذا المجال، وجعلها أقرب إلى القطع واليقين. هذا ما سنعالجه في الفصل الأخير من هذه الدراسة.

الفصل الخامس: الحساب العلمي

هو الوسيلة الشرعية الأفضل لمعرفة دخول الشهر

في هذا الفصل ألخّص أقوال العلماء حول مشروعية اعتماد الحساب وأدلتّهم:

القول الأول: جواز اعتماد الحساب حالة الغيم:

ورد في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r ذكر رمضان فقال: (لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له)، وعن ابن عمر أيضاً (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له)[140].

ووردت روايات أخرى عن عبد الله بن عمر عند البخاري (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) وعند مسلم (فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين). كما وردت روايات أخرى عن أبي هريرة[141] (فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين) (فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين) (فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة).

وغُمَّ وأُغمي وغُمي وأمثالها معناها: غُطِّي الهلال بشيء من الغيم أو غيره فلم يظهر.

لكن الفقهاء اختلفوا في تفسير كلمة (أقدروا له).

ففي المعنى اللغوي:

  • قَدَرْتُ الأمر أَقدُرُه وأُقدِّرَهُ، إذا نظرت فيه ودبرته. فالتقدير هو النظر في المشكلة وتدبيرها.
  • أو التقدير هو التضيق. قال تعالى (ومن قُدر عليه رزقه) (الطلاق:7). أي ضُيِّق عليه رزقه. والتضيق بالنسبة للهلال حين وجود الغيم، هو أن يحسب أنه موجود ولكن غطاه الغيم، فَيُضيِّق شعبان إلى تسع وعشرين يوماً بدلاً من ثلاثين، ويصوم اليوم التالي باعتباره الأول من رمضان. هذا هو قول عبد الله بن عمر، (وبه أخذ الإمام أحمد في المشهور من مذهبه).

وفي المعنى الشرعي:

1- جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية وأكثر السلف والخلف، فسروا (التقدير) بإكمال العدّة، وهو ما ورد في الروايات الكثيرة الصحيحة التي تنص على (إكمال العدة ثلاثين)، أو (اقدروا ثلاثين) أو (صوموا ثلاثين)، وأولى ما يُفسَّر الحديث بالحديث.

2- وقال عبد الله بن عمر (اقدروا له) أي ضيقوا له وقدِّروه تحت السحاب. وقد صحّ عن ابن عمر أنه (إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يوماً، يبعث من ينظر، فإن رؤي القمر فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطراً. وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائماً)[142]. فالتقدير عنده في حالة الغيم أن يعتبر القمر موجوداً، ولكنه لم يُر بسبب السحاب.

وبما أن ابن عمر هو صاحب الروايات (فاقدروا ثلاثين) (فأكملوا العدة ثلاثين)، فإننا لا نستطيع أن نفسر التناقض الظاهر بين الحديث الذي رواه وبين فعله، إلا أن نقول: إنه رجّح المعنى اللغوي في التقدير، ورجح الاحتياط في اجتهاده الفقهي. وهذا هو مذهب عائشة أيضاً، وقد سُألت عن الشهر إذا غم فقالت: (لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان)[143]. وقد ذكر ابن قدامة أن هذا القول هو مذهب عمر، وابنه، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأنس، ومعاوية، وعائشة وأسماء بنتي أبي بكر، وبه قال بكر بن عبد الله، وأبو عثمان النهري، وابن أبي مريم، ومطرِّف، وميمون بن مهران، وطاووس، ومجاهد. وهؤلاء ثمانية من الصحابة وسبعة من التابعين.

3- أما التفسير الثالث للتقدير فهو الأخذ (بحساب المنازل)، وقد قال به مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخير من التابعين، فقد نقل عنه ابن رشد: (يعتبر الهلال إذا غمّ بالنجوم ومنازل القمر، وطريق الحساب)[144].وهو قول أبي العباس بن سريج، فقد ورد في المهذّب عن الرجل الذي يعرف الحساب ومنازل القمر، إذا غمّ الهلال، (وعرف بالحساب أنه من رمضان، يلزمه الصوم، لأنه عرف الشهر بدليل، فأشبه من عرفه بالبيِّنة… ) وقال صاحب البيان: إذا عرف بحساب المنازل أنّ غداً من رمضان، أوأخبره عارف بذلك فصدقه فنوى وصام بقوله فوجهان: (أحدهما يجزئه، قاله ابن سريج واختاره القاضي أبو الطيب، لأنه سببٌ حصل له به غلبةُ ظن، فأشبه ما لو أخبره ثقة عن مشاهدة)[145].

ولذلك ذكر الشافعية خمسة أقوال في هذه المسألة، ذكرها النووي في المجموع، ومنها (يجوز للحاسب والمنجم العمل بالحساب في معرفة هلال رمضان ويجوز تقليدها). وقد نقل بعض أهل العلم عن ابن سريج أن قوله (فاقدروا له) خطاب لمن خصَّه الله تعالى بعلم الحساب، وقوله في الحديث الآخر (فأكملوا العدة) خطاب للعامة[146].

4- ومن الجدير بالملاحظة أنّ خلاف الفقهاء في تفسير كلمة (فاقدروا له) محصور بين رأيين:

الأول: تفسير هذه الكلمة بما ورد من روايات أخرى توجب على المسلمين إذا غمّ الهلال أن يكملوا العدة. وهذا التفسير وإن أخذ به الجمهور إلاّ أنّه يلاحظ عليه أنه يلغي أي معنى آخر للتقدير، ويحصره بمعنى واحد هو إكمال العدة، رغم أنّ (اقدروا له) و(أكملوا العدّة) عبارتان تكررتا في كثير من الروايات الصحيحة، فلا بد أن يكون هناك فرق بينهما. كما يلاحظ أنّ ابن عمر صاحب روايات إكمال العدّة لم يكن يكمل العدة إلى ثلاثين، بل كان يقتصر على التسع والعشرين، ويصوم في اليوم التالي إذا غمّ الهلال.

الثاني: تفسير (اقدروا له) باعتماد طريق الحساب ومعرفة منازل القمر. والمعنى عند ذلك أنّ اقدروا المنزلة التي هو فيها الآن عن طريق معرفتكم بمنازل القمر، وقد كانوا يعرفونها، وعن طريق مراقبتكم لحركة القمر بين هذه المنازل، وبما أنّ معرفة المنازل لم تكن عامة بين الناس، لذلك قال ابن سريج أن (اقدروا له) خطاب لمن خصّه الله بهذا العلم، (وأكملوا العدة) خطاب لعامة الناس، وهو بهذا التفسير جمع بين الحديثين، وهذا أولى من تفسير الحديث بالحديث، خاصة وأنّ لفظ (اقدروا له) ورد مرات كثيرة، وكذلك لفظ أكملوا العدة أو ما في معناه، مما يشير الى أن اللفظين مقصودين، وأن تفسير أحدهما بالآخر يعني إلغاء اللفظ الثاني تماماً، بينما الجمع بين الحديثين عن طريق اعمال كل لفظ في حالة معينة هو الأفضل، خاصة وأن رسول الله (أوتي جوامع الكلم) فيستبعد أن يكرر عبارة (اقدروا له) وهو لا يقصد بها إلا إكمال العدة، بل لا بد له من مقصد آخر، وتفسير ابن سريج يساعد في كشف هذا المقصد.

بهذا يتبين أن جواز اعتماد الحساب حال الغيم قال به علماء كبار منذ العصور الأولى كمطرِّف وابن سريج، وهو أحد أقوال الشافعية.

 

 القول الثاني: جواز اعتماد الحساب المتعلق بإمكانية رؤية الهلال:

من المعروف أنّ الهلال لا يمكن رؤيته إلاّ بعد ولادته بساعات قد تزيد عن العشرة، وأنّ معرفة منازل القمر تؤدي إلى معرفة خروج القمر من المحاق وهو تاريخ ولادته فقط، هذا الحساب هو الذي أنكره جمهور العلماء، لأنهم يرون أن السبب الشرعي للصيام هو رؤية الهلال وليس وجوده. أما الحساب المتعلّق بوجود القمر وإمكان رؤيته لولا الغيم، فقد تحدّث عنه القشيري فقال: (إذا دلّ الحساب على أنّ الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى، لولا وجود المانع كالغيم مثلاً، فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي، وليس حقيقة الرؤية مشروطة في اللزوم، فإنّ الاتفاق على أنّ المحبوس في المطمورة، إذا علم بإتمام العدّة، أو بالاجتهاد، أنّ اليوم من رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه)[147]. وقد ذكر السبكي في هذه المسألة أنّ هذا الرأي قال به علماء كبار، لكنّه لم يسمّهم، وخالفهم (لأن إمكان الرؤية لا يترتّب عليه حكم، ولأنّ الشارع رتّب الحكم على الرؤية ولم يخرج عنه إلاّ إذا كملت العدة)[148]. وهذا الرأي تبنّاه أيضاً ابن دقيق العيد[149].

يتبين من ذلك أنّ علماءنا تحدثوا عن جواز اعتماد الحساب المتعلق بإمكانية رؤية الهلال، ولو لم يُر فعلاً، لإثبات دخول الشهر ووجوب الصيام.

 القول الثالث:وجوب اعتماد الحساب في النفي دون الإثبات:

نقل القليوبي عن العبادي قوله (إذا دلّ الحساب القطعي على عدم رؤية الهلال لم يقبل قول العدول برؤيته، وتردّ شهادتهم. ثم قال القليوبي مؤيداً: وهو ظاهر جلّي، ولا يجوز الصوم حينئذٍ، ومخالفة ذلك معاندة ومكابرة)[150]. وهو قول الإمام السبكي المعروف بتشدده في اعتبار الرؤية هي السبب الشرعي للصيام، وفي رفض القول بإمكان الرؤية كسبب، ولو ثبت ذلك بالحساب القطعي، لكنه ذكر صورة أخرى أجد من المفيد نقل كلامه بنصّه:[151]

(.. وهاهنا صورة أخرى وهي: إذا دلّ الحساب على عدم إمكان رؤيته، ويدرك ذلك بمقدمات قطعية، ويكون في غاية القرب من الشمس، ففي هذه الحالة لا يمكن فرض رؤيتنا له حساً لأنه يستحيل، فلو أخبرنا به مخبر واحد أو أكثر ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط، فالذي يتجه عدم قبول هذا الخبر وحمله على الكذب أو الغلط، ولو شهد به شاهدان لم تقبل شهادتهما، لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظن لا يعارض القطع فضلاً عن أن يقدم عليه، والبيِّنة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكناً حساً وعقلاً وشرعاً، فإذا فرض دلالة الحساب قطعاً على عدم الإمكان، استحال القبول شرعاً، لإستحالة المشهود به، والشرع لا يأتي بالمستحيلات. ولم يأت لنا نص من الشرع أن كل شاهدين تقبل شهادتهما سواء كان المشهود به صحيحاً أو باطلاً، ولا يترتب وجوب الصوم وأحكام الشهر على مجرد الخبر أو الشهادة حتى إنا نقول العمدة قول الشارع صوموا إذا أخبركم مخبر، فإنه لو ورد ذلك قبلناه على الرأس والعين، لكن ذلك لم يأت قط في الشرع، بل وجب علينا التبين في قبول الخبر حتى نعلم حقيقته أولاً، ولا شك أن بعض من يشهد بالهلال قد لا يراه ويشتبه عليه، أو يرى ما يظنه هلالاً وليس بهلال، أو تريه عينه مالم ير، أو يؤدي الشهادة بعد أيام ويحصل الغلط في الليلة التي رأى فيها، أو يكون جهله عظيماً يحمله على أن يعتقد في حمله الناس على الصيام أجراً، أو يكون ممن يقصد إثبات عدالته، فيتخذ ذلك وسيلة إلى أن يزكى ويصير مقبولاً عند الحكام، وكل هذه الأنواع قد رأيناها وسمعناها، فيجب على الحاكم إذا جرب مثل ذلك، وعرف من نفسه أو بخبر من يثق به، أن دلالة الحساب على عدم إمكان الرؤية، أن لا يقبل هذه الشهادة ولا يثبت بها ولا يحكم بها. ويستصحب الأصل في بقاء الشهر، فإنه دليل شرعي محقق حتى يتحقق خلافه. ولا نقول الشرع ألغى قول الحساب مطلقا،ً والفقهاء قالوا لا يعتمد، فإنّ ذلك إنما قالوه في عكس هذا، وهذه المسألة المتقدمة التي حكينا فيها الخلاف، أما هذه المسألة فلا، ولم أجد في هذه نقلاً، ولا وجه فيها للإحتمال غير ما ذكرته… ومسألتنا هذه في قطر عظيم وأقاليم دل الحساب على عدم إمكان الرؤية فيها، فشهد اثنان أو ثلاثة على رؤيته مع احتمال قولهما بجميع ما قدمناه، فلا أرى قبول هذه البيِّنة أصلاً ولا يجوز الحكم بها. وأعلم أنه ليس مرادنا بالقطع ههنا، الذي يحصل بالبرهان الذي مقدماته كلها عقلية، فإن الحال هنا ليس كذلك، وإنما هو مبني على أرصاد وتجارب طويلة وتسيير منازل الشمس والقمر، ومعرفة حصول الضوء الذي فيه بحيث يتمكن الناس من رؤيته، والناس يختلفون في حدة البصر، فتارة يحصل القطع إما بإمكان الرؤية وإما بعدمه، وتارة لا يقطع بل يتردد، والقطع بأحد الطرفين مستنده العادة، كما نقطع في بعض الأجرام البعيدة عنا بأنا لا نراها ولا يمكننا رؤيتها في العادة، وإن كان في الإمكان العقلي ذلك، ولكن يكون خارقاً للعادة، وقد يقع معجزة لنبي أو كرامة لولي، أما غيرهما فلا، فلو أخبرنا مخبر أنه رأى شخصاً بعيداً عنه في مسافة يوم مثلاً، وسمعه يقر بحق، وشهد عليه به، لم يقبل خبره ولا شهادته بذلك، ولا نرتب عليها حكماً، وإن كان ذلك ممكناً في العقل، لكنه مستحيل في العادة، فكذلك إذا شهد عندنا اثنان أو أكثر ممن يجوز كذبهما أو غلطها برؤية الهلال، وقد دل حساب تسيير منازل القمر على عدم إمكان رؤيته في ذلك الذي قالا أنهما رأياه فيه، ترد شهادتهما لأن الإمكان شرط في المشهود به، وتجويز الكذب والغلط على الشاهدين المذكورين أولى من تجويز إنخرام العادة، فالمستحيل العادي والمستحيل العقلي لا يقبل الإقرار به ولا الشهادة، وحق على القاضي التيقظ لذلك، وان لا يتسرع إلى قبول قول الشاهدين حتى يفحص عن حال ما شهدا به من الإمكان وعدمه، ومراتب الإمكان فيه، وهل بصرهما يقتضي ذلك أو لا، وهل هما ممن يشتبه عليهما أو لا، فإذا تبين له الإمكان، وانهما ممن يجيد بصرهما رؤيته، ولا يشتبه عليهما لفطنتهما، ولا غرض لهما وهما عدلان قَبِلَ شهادتهما، أو لا فيتوقف أو يرد، ولو كان كل ما يشهد به شاهدان يثبته القاضي لكان كل أحد يدرك حقيقة القضاء، لكن لابد من نظر لأجله جعل القاضي، فإذا قال القاضي ثبت عندي، علمنا أنه استوفى هذه الأحوال كلها وتكاملت شروطها عنده، فلذلك ينبغي للقاضي التثبت وعدم التسرع مظنة الغلط. ولهذا إن الشاهد المتسرع إلى أداء الشهادة ترد شهادته، ومن عرف منه التسرع في ذلك لم تقبل شهادته فيه. ومراتب ما يقوله الحساب في ذلك متفاوتة، منها ما يقطعون بعدم إمكان الرؤية فيه، فهذا لا ريب عندنا في رد الشهادة به، إذا عرفه القاضي بنفسه أو اعتمد فيه على قول من يثق به، ويظهر أن يُكتفى فيه بإخبار واحد موثوق به وبعلمه، أمّا إثنان فلا شك فيهما. ومنها ما لا يقطعون فيه بعدم الإمكان ولكن يستبعدون، فهذا محل النظر في حال الشهود وحدَّة بصرهم، ويرى أن احتمال الغلط والكذب يتفاوت في ذلك تفاوتاً كبيراً ومراتب كثيرة، فلهذا يجب على القاضي الاجتهاد وسع الطاقة. أما إذا كان الإمكان بحيث يراه أكثر الناس، فلا يبقى إلا النظر في حال الشاهدين، فلا يعتقد القاضي أنه بمجرد شهادة الشاهدين وتزكيتهما يثبت الهلال، ولا يعتقد أنّ الشرع أبطل العمل بما يقوله الحساب مطلقاً فلم يأت ذلك، وكيف والحساب معمول به في الفرائض وغيرها، وقد ذكر في الحديث الكتابة والحساب، وليست الكتابة منهياً عنها فكذلك الحساب. ولا يعتقد الفقيه أنّ هذه المسألة هي التي قال الفقهاء فيها في كتاب الصيام أنّ الصحيح عدم العمل بالحساب، لأنّ ذلك فيما إذا دلّ الحساب على إنكار الرؤية وهذا عكسه. ولم نجد هذه المسألة منقولة لكنّا تفقهّنا فيها، وهي عندنا من محال القطع مترقية عن مرتبة الظنون والله أعلم.

 

بذلك يتبين أيضاً أن علماءنا تحدثوا منذ مئات السنين عن وجوب العمل بالحساب في النفي دون الاثبات.   

 القول الرابع: وجوب العمل بالحساب لتغير العلّة:

الأقوال السابقة المتعلّقة بجواز اعتماد الحساب حال الغيم، وبجواز اعتماد الحساب لمعرفة إمكانية رؤية القمر، وبوجوب اعتماد الحساب في النفي دون الإثبات، كلّها أقوال لعلماء كبار في العصور السابقة. أما القول بوجوب العمل بالحساب في إثبات دخول الشهر بصورة مطلقة وفي جميع الظروف لتغير العلّة، فهو قول جديد ذكره لأول مرّة الشيخ أحمد شاكر، العلامة السلفي والمحدث الكبير رحمه الله، وأجد من المفيد أن أعيد نقل خلاصة رأيه بنصّه:[152]

(… الأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء معللاً بعلّة منصوصة، وهي أنّ الأمّة أميّة لا تكتب ولا تحسب، والعلّة تدور مع المعلول وجوداً أو عدماً، فإذا خرجت الأمّة عن أميتها، وصارت تكتب وتحسب، أعني صارت في مجموعها ممن يعرف هذه العلوم، وأمكن الناس – عامتهم وخاصتهم- أن يصلوا إلى اليقين والقطع في حساب أول الشهر، وأمكن أن يثقوا بهذا الحساب ثقتهم بالرؤية أو أقوى، إذا صار هذا شأنهم في جماعتهم، وزالت علّة الأميّة، وجب أن يرجعوا إلى اليقين الثابت، وأن يأخذوا في إثبات الأهلة بالحساب وحده، وأن لا يرجعوا إلى الرؤية إلاّ حين يستعصي عليهم العلم به).

 القول الخامس: وجوب العمل بالحساب لتغير الوسيلة:

وهو أيضاً قول جديد أعلنه لأول مرّة الشيخ يوسف القرضاوي، منطلقاً من مبدأ التفريق بين الهدف الثابت والوسيلة المتغيرة، وأعيد نقل خلاصة رأيه بنصّه:

ومما يمكن أن يدخل في الباب (الهدف الثابت والوسيلة المتغيرة): ما جاء في الحديث الصحيح المشهور: (صوموا لرؤيته (أي الهلال) وأفطروا لرؤيته، فإنّ غمّ عليكم فاقدروا له).

فهنا يمكن للفقيه أن يقول: إنّ الحديث الشريف أشار إلى هدف، وعيّن وسيلة. أمّا الهدف من الحديث فهو واضح بيِّن، وهو أن يصوموا رمضان كلّه، ولا يضيعوا يوماً منه، أو يصوموا يوماً من شهر غيره، كشعبان أو شوال، وذلك بإثبات دخول الشهر أو الخروج منه، بوسيلة ممكنة مقدورة لجمهور الناس، لا تكلّفهم عنتاً ولا حرجاً في دينهم.

وكانت الرؤية بالأبصار هي الوسيلة السهلة والمقدورة لعامّة الناس في ذلك العصر، فلهذا جاء الحديث بتعيينها، لأنّه لو كلّفهم بوسيلة أخرى كالحساب الفلكي- والأمّة في ذلك الحين أمّية لا تكتب ولا تحسب- لأرهقهم من أمرهم عسراً، والله يريد بأمّته اليسر ولا يريد العسر، وقد قال عليه الصلاة والسلام عن نفسه: (إنّ الله بعثني معلّماً ميسراً، ولم يبعثني معنتاً)[153].

فإذا وجدت وسيلة أخرى أقدر على تحقيق هدف الحديث، وأبعد عن احتمال الخطأ والوهم والكذب في دخول الشهر، وأصبحت هذه الوسيلة ميسورة غير معسورة، ولم تعد وسيلة صعبة المنال، ولا فوق طاقة الأمّة، بعد أن أصبح فيها علماء وخبراء فلكيون وجيولوجيون وفيزيائيون متخصصون على المستوى العالمي، وبعد أن بلغ العلم البشري مبلغاً مكّن الإنسان أن يصعد إلى القمر نفسه، وينزل على سطحه، ويجوس خلال أرضه، ويجلب نماذج من صخوره وأتربته! فلماذا نجمد على الوسيلة – وهي ليست مقصودة لذاتها- ونغفل الهدف الذي نَشَده الحديث؟!

لقد أثبت الحديث دخول الشهر بخبرِ واحدٍ او إثنين يدّعيان رؤية الهلال بالعين المجرّدة، حيث كانت هي الوسيلة الممكنة والملائمة لمستوى الأمّة، فكيف يتصوّر أن يرفض وسيلة لا يتطرّق إليها الخطأ أو الوهم أو الكذب، وسيلة بلغت درجة اليقين والقطع، ويمكن أن تجتمع عليها أمّة الإسلام في شرق الأرض وغربها، وتزيل الخلاف الدائم والمتفاوت في الصوم والإفطار والأعياد، إلى مدى ثلاثة أيام تكون فرقاً بين بلد وآخر[154]، وهو ما لا يعقل ولا يقبل لا بمنطق العلم، ولا بمنطق الدين، ومن المقطوع به أنّ أحدها هو الصواب والباقي خطأ بلا جدال.

إنّ الأخذ بالحساب القطعي اليوم وسيلة لإثبات الشهور، يجب أن يقبل من باب (قياس الأولى) بمعنى أنّ السنّة التي شرعت لنا الأخذ بوسيلة أدنى، لما يحيط بها من الشكّ والاحتمال- وهي الرؤية- لا ترفض وسيلة أعلى وأكمل وأوفى بتحقيق المقصود، والخروج بالأمّة من الاختلاف الشديد في تحديد بداية صيامها وفطرها وأضحاها، إلى الوحدة المنشودة في شعائرها وعباداتها، المتصلة بأخصّ أمور دينها، وألصقها بحياتها وكيانها الروحي، وهي وسيلة الحساب القطعي[155].

هذه خمسة أقوال لعلماء كبار منذ العصور الأولى حتى اليوم، وهي تتراوح بين جواز اعتماد الحساب في هذه المسألة أو وجوبه، وبعضها يحصره في حالة الغيم، وبعضها يجعله مطلقاً ونتسائل بعدها:

 

لماذا رفض جمهور العلماء اعتماد الحساب لمعرفة دخول الشهر؟

رغم هذه الأقوال الكثيرة حول جواز اعتماد الحساب في حالة الغيم، ووجوب اعتماده في النفي دون الإثبات، ثم وجوب العمل به بعد أن زالت علّة منعه، أو وجوب العمل به بعد أن أصبح وسيلة أكثر دقّة من الرؤية.. رغم ذلك فإنّ الجمهور الأكبر من العلماء اليوم لا يزالون يرفضون اعتماد الحساب بشكل كامل في هذه المسألة، معتمدين على أقوال العلماء السابقين وتدور أدلّتهم حول مسألتين:

الأولى: اعتبار رؤية الهلال هي السبب الشرعي للصيام، وبالتالي فهي مسألة تعبدية، لا نطالَب بالبحث عن علّتها، ولا يمكننا اعتبارها وسيلة تتغيّر بحسب الظروف، فيجب علينا التزامها ليصح صيامنا. وقد ناقشنا هذه المسألة فيما سبق، وذكرنا الأدلّة الكافية لاعتبار أنّ دخول الشهر هو السبب الشرعي للصيام وليس رؤية الهلال.

الثانية: استنباط كثير من العلماء السابقين وجوه الحكمة في اعتماد رؤية الهلال ورفض العمل بالحساب، واعتبار هذه الحكمة مستمرة مهما تغيرت الظروف. من ذلك:

  • قال الحافظ العراقي (فعلّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية، لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك..).[156]
  • قال ابن بزيزة: (نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنّها حدس وتخمين، ليس فيها قطع ولا ظن غالب، مع أنّه لو ارتبط الأمر بها لضاق، إذ لا يعرفها إلاّ القليل..).[157]
  • قال ابن بطال (المعوّل رؤية الأهلة، وقد نهينا عن التكلّف، ولا شك أنّ في مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلاّ بالظنون غاية التكلّف..).[158]
  • قال النووي: (ومن قال بحساب المنازل فقوله مردود بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: إنّا أمّة أمية لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا.. الحديث، قالوا: ولأنّ الناس لو كلفوا بذلك ضاق عليهم، لأنّه لا يعرف الحساب إلاّ أفراد من الناس في البلدان الكبار..).[159]
  • قال المازري (لا يجوز أن يكون المراد – بعبارة اقدروا له- حساب المنجمين، لأنّ الناس لو كلّفوا به ضاق عليهم، لأنّه لا يعرفه إلاّ أفراد)[160].

لكن من الواضح أنّ تطوّر المجتمعات الإنسانية ألغى كل هذه الفوائد والحكم، ولم يعد للإصرار على اعتبار رؤية الهلال السبيل الوحيد لمعرفة دخول الشهر أي معنى، إلاّ إذا كان الأمر تعبدياً محضاً لا تعرف علّته ولا الحكمة منه. فتعليق الحكم بالصوم على رؤية الهلال لم يعد يرفع الحرج عن الناس في معاناة أسباب التيسير، بل صار هو الذي يسبب الحرج للمسلمين. ولم يعد علم النجوم يقوم على الحدس والتخمين وليس فيه قطع ولا ظن غالب، بل أصبح يقوم على حساب علمي دقيق يقطع بحدوث الخسوف والكسوف مثلاً في وقت معين بالثانية. ولم يعد في حساب منازل القمر أي تكليف، فهو حساب معروف ومنشور ويدرّس في الجامعات إلى مئات السنين. ولم يعد التكليف بحساب منازل القمر محصوراً في أفراد من الناس بل صار شائعاً ومعروفاً، وميسراً للجميع. لذلك لم يعد معقولاً التعسف في الكلام عن حكمة اعتماد الرؤية، التي كانت يقيناً في الماضي وزالت اليوم، وليس مقبولاً استعادة ما كتبه العلماء في الماضي في هذا المجال كدليل على صواب رأيهم. بل يجب التوجّه بصراحة ووضوح إلى الحديث عن السبب الشرعي للصيام. هل هو دخول رمضان أم رؤية هلاله. فإذا كان السبب هو رؤية الهلال فهي مسألة تعبدّية محضة، ولا يصحّ الكلام فيها. وإذا كان السبب هو دخول الشهر، وتعليق الصوم على الرؤية ليس لأنّها سبب، بل لأنّها الوسيلة الأيسر لمعرفة دخول الشهر، فإنّ اعتماد الحساب يصبح الوسيلة الشرعية الواجبة في هذا العصر.

 

وجوب الرجوع إلى الحساب العلمي لمعرفة بداية الشهر ونهايته:

يتبيّن لنا أنّ جميع أنواع الحِكَم الذي ذكرها العلماء، لتبرير وجوب اعتماد الرؤية، قد زالت تماماً بشيوع علم حساب سير القمر، ودقّته المتناهية في تحديد حركة القمر، منذ خروجه من المحاق إلى دخوله فيه. كما يتبيّن لنا أنّ العلّة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلّم لوجوب اعتماد رؤية الهلال ولتحديد الشهر (29 أو30 يوماً)، وهي أنّا أمّة أميّة لا نكتب ولا نحسب، قد زالت أيضاً وأصبح منا عشرات الألوف يحسبون مسير القمر، أو يعرفون حسابه من الكتب العلمية المنشورة. وتبيّن لنا أيضاً أنّ السبب الشرعي للصيام دخول الشهر، وأنّ الرؤية كانت الوسيلة الأفضل لمعرفة ذلك، فنصّ عليها الشارع وألزمنا بها، ثم تغيرت الظروف وظهرت وسيلة أخرى وأدقّ منها وأبعد عن الخطأ وهي الحساب العلمي، وأن الوسيلة عند العلماء تأخذ حكمها الشرعي حسب قدرتها على تحقيق الهدف أو المقصد الشرعي، ولذلك فهي قابلة للتغير حتى ولو كانت منصوصاً عليها. كما تبيّن لنا أن تعلم الحساب من حيث الأصل والعمل بمقتضاه واجب شرعي، وأن تعلّم حساب سير القمر بين منازله مطلوب شرعاً لقوله تعالى (لتعلموا عدد السنين والحساب) لأجل أن تتعلموا عد السنين والحساب. كل ذلك يؤدي إلى نتيجة واضحة وأحسبها قاطعة أيضاً وهي: وجوب الرجوع إلى الحساب العلمي لمعرفة بداية الشهر ونهايته.

إذا قبلنا هذه النتيجة فيجب الرجوع إلى لحظة ولادة القمر، باعتبارها بداية الشهر الجديد، ويكون أول أيام هذا الشهر اليوم الذي يبدأ بغروب الشمس بعد ولادة القمر ولو بلحظات. ولا عبرة بما يشترطه البعض من ضرورة وجود الهلال بعد الغروب، فهو ناتج عن الظن أن رؤية الهلال هي السبب الشرعي للصيام. وقد شرحنا بما فيه الكفاية رؤيتنا بأن السبب الشرعي للصيام هو دخول الشهر وليس رؤية الهلال، وقد بذل كثير من علماء الحساب جهدهم في اقناع الفقهاء بضرورة إعتماد الحساب، لكنهم لم يستطيعوا مناقشتهم في مسألة وجود الهلال بعد المغرب في السماء باعتبارها مسألة شرعية، ولذلك فإنّ أقصى ما وصلت إليه المجامع الفقهية وجمهور العلماء هو (جواز إعتماد الحساب، أووجوبه في النفي دون الإثبات). وهذا لم يغير شيئاًً من الواقع المحزن الذي يلفّ المسلمين في هذا العصر كلما جاء رمضان، فيختلفون في موعد الصيام يوماً أو يومين أو ثلاثة. ذلك لأن إعتماد الحساب إلى جانب الرؤية لم يؤد إلاّ إلى نوع من التلفيق، الذي زاد المسألة تعقيداً.

إن اعتماد الحساب وحده، وتحديد لحظة ولادة القمر، وهي لحظة واحدة في جميع الكرة الأرضية، ةتحديد بداية الشهر عند غروب الشمس الذي يلي لحظة الولادة، يؤدي إلى توحيد الصيام والإفطار بالنسبة للمسلمين في كل بقاع الأرض، ويؤدي إلى معرفة مواعيد الأعياد قبل فترة طويلة، وإلى تمكين المسلمين الذي يعيشون أقليات في بلاد غير إسلامية أن يأخذوا إجازاتهم من أعمالهم، ليكون العيد واحداً لكل المسلمين في الأرض.

 

خلاصة هذه الدراسة

تناولت في هذه الدراسة المسائل التالية:

  • لم يكن هناك إجماع على رفض العمل بالحساب في أي عصر من العصور، فالموضوع قابل للاجتهاد.
  • الحكم الشرعي التكليفي المتفق عليه: وجوب صيام شهر رمضان بدون زيادة أو نقصان.
  • الحكم الشرعي الوضعي في رأينا: إنّ السبب الشرعي للصيام دخول شهر رمضان وليس رؤية هلاله.
  • وجوب اعتماد الرؤية كان بياناً نبوياً يحدد وسيلة مناسبة لمعرفة بداية الشهر، ولم يكن حكماً شرعياً يؤدّي إلى إنتاج شهر (شرعي) يختلف عن الشهر (الفلكي)، فهذا منزلق خطير يؤدّي إلى تشريع التناقض بين الإسلام والعلم.
  • الشهر ظاهرة فلكية ناتجة عن حركة القمر منذ خروجه من المحاق إلى دخوله فيه، والرؤية هي الوسيلة الممكنة في عصر نزول الوحي، والمقدورة لجميع الناس، والأكثر يقيناً. والحكمة من اعتمادها معروفة، لكنها زالت اليوم تماماً، ولم يعد هناك أي مبرر للإصرار عليها إلا إذا اعتبرناها مسألة تعبدية غير قابلة للتعليل، وأنها السبب الشرعي للصيام.
  • النصوص النبوية في وجوب اعتماد الرؤية مبنيّة على علّة منصوصة، وهي أنّا (أمّة أميّة لا نكتب ولا نحسب)، وقد زالت هذه العلّة اليوم وأصبحنا نكتب ونحسب فيجب أن يزول الحكم المبني عليها.
  • الوسائل تابعة في حكمها الشرعي للمقاصد والأهداف. معنى ذلك أنّه إذا لم تعد الوسيلة تحقق مقصدها لم تعد واجبة، وإذا ظهرت وسيلة جديدة أقدر على تحقيق الهدف وجب إعتمادها.
  • الوسائل تقبل التغيير ولو وردت فيها نصوص معصومة، طالما أنّها وسائل لتحقيق مقاصد أو أهداف شرعية، وقد ذكرنا أمثلة لذلك.
  • جميع العلوم المفيدة للإنسان ومنها علم الحساب والفلك تعتبر فروض كفاية. والعمل بمقتضاها مطلوب شرعاً. وعلم الفلك أحد هذه العلوم، ومنه حساب منازل القمر، وهو اليوم وسيلة قاطعة لتحديد بداية الشهر ونهايته، ولتمكين المسلم من أداء عبادته على أكمل وجه، فطلب هذا العلم يدخل في فروض الكفاية والعمل بمقتضاها يكون مطلوباً أيضاًَ.
  • رفض العلماء اعتماد الحساب في الماضي لمعرفة دخول الشهر، لم يكن رفضاً مبدئياً لهذا العلم، وإنما كان رفضاً للعمل بنتائجه باعتبار أنّها بعيدة عن اليقين، فإذا تطوّر هذا العلم واصبحت نتائجه أقرب إلى اليقين، فقد زال مبرر رفضها، ويجب أن نرجع إلى المبدأ الأساسي وهو وجوب طلب هذا العلم، ووجوب العمل بنتائجه حين يصبح يقيناً.

تمهيد: الحاجة  إلى هذه الدراسة………………………………………………………………. 2

 

الفصل الأول

المقدمات

المقدمة الأولى: هل هناك إجماع………………………………………………………………………… 4

المقدمة الثانية: حول الاجتهاد …………………………………………………………………………  6

المقدمة الثالثة: الحكم الشرعي التكليفي والوضعي ………………………………….  10

المقدمة الرابعة: موقف الإسلام من العلم والحساب  ……………………………………… 11

 

الفصل الثاني

 الحكم الشرعي التكليفي

 وجوب صيام شهر رمضان بدون زيادة ولا نقصان ……………………………  13

 

الفصل الثالث

الحكم الشرعي الوضعي

 ما هو السبب الشرعي لوجوب الصيام …………………………………………………………. 17

     – القول الأول: السبب هو رؤية الهلال…………………………………………………….. 17

     – القول الثاني: السبب إمكان رؤية الهلال………………………………………………… 20

     مناقشة القولين…………………………………………….. 21

– القول الثالث: السبب دخول شهر رمضان……………………. 25

الأدلة على ذلك أن دخول رمضان هو السبب الشرعي للصيام                                      27

1- من القرآن الكريم……………………………………………………………………………………….. 27

2- السنة تؤكد أنّ دخول رمضان هو السبب الشرعي للصيام                                      28

3- خطأ الاعتماد على الأحاديث للقول أن رؤية الهلال هي السبب الشرعي للصيام..ز 30

 

4- بدعة التفريق بين الشهر الفلكي والشهر الشرعي…………………………………… 32

 

الفصل الرابع

كيف نعرف دخول شهر رمضان

الشهر ظاهرة فلكية…………………………………………………………………………………………… 34

الرؤية مجرد وسيلة لمعرفة دخول الشهر وقول القرضاوي في ذلك                                    35

الرؤية معللة والعلة زالت وقول شاكر في ذلك…………………………………………………. 40

 الأهداف والمقاصد والوسائل والذرائع وأثر العلّة عليها………………………………….. 41

الوسيلة المنصوص عليها هل تقبل التغيير…………………………………………………………. 43

          – منع كتابة السنَّة …………………………………………………………………………….. 45

          – اشتراط قرشية الإمام……………………………………………………………………… 46

          – الدية على العاقلة …………………………………………………………………………. 48

الفصل الخامس

الحساب العلمي هو الوسيلة الشرعية الأفضل لمعرفة دخول الشهر

جواز إعتماد الحساب حالة الغيم……………………………………………………………………… 51

جواز إعتماد الحساب المتعلق بإمكانية رؤية الهلال …………………………………………. 53

وجوب إعتماد الحساب في النفي دون الإثبات ……………………………………………… 54

وجوب العمل بالحساب لتغير العلة …………………………………………………………………….. 56

وجوب العمل بالحساب لتغير الوسيلة………………………………………………………………….. 57

لماذا رفض العلماء إعتماد الحساب لمعرفة دخول الشهر………………………………… 58

وجوب اعتماد الحساب العلمي لمعرفة بداية الشهر ونهايته………………………………….. 60

خلاصة هذه الدراسة…………………………………………………………………………………………. 61

[1] – متفق عليه.

[2] – متفق عليه.

[3] – سبل السلام (1/125).

[4] – بداية المجتهد (1/283).

[5] – الفتاوى لإبن تيمية (25/132).

[6] – الفروق للقرافي- الفرق الثاني والمائة (2/298).

[7] – متفق عليه.

[8] – أخرجه النسائي وابن ماجة.

[9] – رسائل ابن عابدين (1/246).

[10] – المجموع النووي (6/309).

[11] – فتاوى السبكي (1/208).

[12] – الفروق للقرافي (2/298).

– الموسوعة الفقهية الكويتية، باب اجتهاد.[13]

[14] – الموافقات للإمام الشاطبي. جـ2

[15] – نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي- د. أحمد الريسوني- الدار العالمية للكتاب الإسلامي- الرياض- الطبعة الثانية- صفحة 189 وما بعدها.

[16] – تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص110.

[17] – نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي- د. أحمد الريسوني- الدار العالمية للكتاب الإسلامي- الرياض- الطبعة الثانية- صفحة 195 وما بعدها.

[18] – قواعد الأحكام للعزّ بن عبد السلام جـ2 ص 3-5.

[19] – أخرجه البخاري.

[20] – الموسوعة الفقهية الكويتية (باب رفقة) نقلاً عن مواهب الجليل 2/521، والقوانين الفقهية ص29.

[21] –  شريعة الإسلام – د. يوسف القرضاوي.

[22] – أخرجه البخاري.

[23] – ابن سعد- الطبقات 7/35.

[24] – متفق عليه. (فتح الباري) (10/24) ومسلم ( 3/1653).

[25] – أخرجه مسلم (3/1561).

[26] -تغير الأحكام في الشريعة الإسلامية، إسماعيل كوكسال- مؤسسة الرسالة – بيروت نقلاً عن القرطبي- الجامع لأحكام القرآن( 7/47).

[27]–  الاحكام في أصول الأحكام (1/98)، إرشاد الفحول للشوكاني (ص6)، البحر المحيط للزركشي (1/306)

[28] – أخرجه ابن ماجه (1/224)، وحسّنه السيوطي و جمع له خمسين طريقاً.

[29] – إحياء علوم الدين للغزالي- كتاب العلم.

[30] – ركائز التفكير الإسلامي- الشيخ نديم الجسر-منشورات جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية-طرابلس-لبنان.

[31] – تفسير السيد محمد رشيد رضا (11/248).

– فتح القدير للشوكاني (2/143).[32]

– فتح القدير للشوكاني (5/131).[33]

[34] – أخرجه مسلم عن أبي هريرة.

[35] – أخرجه الترمذي، وقال حسن غريب، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.

[36] – أخرجه الترمذي، وقال حديث صحيح.

[37] – الموافقات للشاطبي- الجزء الأول- المقدمة السابعة.

[38] – لسان العرب لأبن منظور.

[39] – أخرجه أبو داوود من حديث ابن عبّاس وصححّه النووي في رياض الصالحين

[40] – أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة، وجميع اصحاب السنن، والحاكم في المستدرك (1/8)، كما صححّه العراقي في فيض القد