Error: It's not possible to get http://www.islammemo.cc/rss.aspx...

 
البيان الختامي للدورة العادية الثامنة عشرة
البيان الختامي للدورة العادية الثامنة عشرة للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الم..
اعطاء الصدقة للفقراء فى الغرب
نحن نعيش في بلد النصارى, ونجد من ي..
 

بتاريخ: 27-6-2008

الحمد للَّه وكفى، وسلام على رسله الذين اصطفى، وعلى خاتمهم محمد المجتبى، وآله وصحبه ومن بهم اقتدى فاهتدى.
(أما بعد) فمن فضل اللَّه على المسلمين أن استيقظوا بعد طول رقود، وأدركتهم هذه الصحوة الإسلامية المباركة، التي شرَّقت وغرَّبت، وكان لها أثرها في إحياء القلوب بالإيمان، وفي تنوير العقول بالمعرفة، وفي تقويم العزائم باليقين، وفي تقويم السلوك بالالتزام.
ولم يقف أثر هذه الصحوة عند حدود العالم الإسلامي، بل امتدت أضواؤها وآثارها إلى خارج العالم الإسلامي، حيث توجد الأقليات والجاليات الإسلامية، وقد تجلى ذلك بوضوح في ديار الغرب، وفي أوروبا بصفة خاصة، فقد كان فيها ملايين من أهل البلاد الأصليين يعيشون في شبه عزلة عن أمتهم الإسلامية، وكان بعضهم مكتومي الأنفاس وراء الستار الحديدي أيام سطوة الشيوعية.
وكان (المهاجرون) الأُوَل الذين غادروا أوطانهم في دار الإسلام، طلباً لعيش أرغد، ورزق أوسع أو أسهل، قد ضاع كثير منهم في المجتمعات الجديدة، وذابوا فيها تماماً.
ثم اتسعت الهجرة، وزاد عدد المهاجرين، تبعاً لتطورات حدثت في العالم كله، فهناك من هاجر طلباً للأمن، وفراراً من الاضطهاد في بلده، ومن هاجر للدراسة، ومن هاجر للعمل، ومن هاجر لأسباب أخرى.
وأصبح في أوربا الشرقية والغربية من أهل البلاد الأصليين، ومن المهاجرين نحو خمسين مليوناً، ولم يكن غريباً أن تدركهم الصحوة التي أدركت إخوانهم داخل الوطن الإسلامي، وأن يشعروا بهويتهم الإسلامية، وأنهم جزء من أمة القرآن، وأتباع محمد عليه الصلاة والسلام، وأثر ذلك بلا ريب في وعيهم وسلوكهم، وطفقوا يعودون إلى أمتهم ورسالتهم من جديد.
وبدأت العقول الذكية والقلوب النقية والعزائم الفتية تتجمع وتتساند، وتتفاهم وتتعاون، لبناء المؤسسات التي تحتاج إليها الجماعة المسلمة، والتي تحفظ عليها شخصيتهاالدينية دون عزلة أو انغلاق.
ومن هنا أنشئت المساجد للعبادة، والمدارس للتعليم، والأندية للتوجيه والترفيه، وأقيمت المخيمات، وعقدت المؤتمرات، وتوالت الندوات والحلقات، وصدرت المجلدات، ونشرت الكتب والمقالات، وألقيت الدروس والمحاضرات، وفُرّغ الدعاة والمعلمون.
وفي السنوات الأخيرة فكر الإخوة الغيورون في استكمال المؤسسات التي لا تستغني عنها المجموعات الإسلامية في أي مكان.
فكان من ذلك: تأسيس (اتحاد المنظمات الإسلامية في أوربا) الذي كان من ثمراته: إنشاء (الكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية) في فرنسا، وقد خرجت أول دفعة منها منذ بضع سنوات، ومثلها قد نشأ في بريطانيا.
ومن ذلك: إنشاء (المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث) الذي يضم عدداً من العلماء الذين يتصدون للفتوى في المراكز الإسلامية المهمة في أوروبا، إلى حوار عدد من العلماء الذين يعيشون داخل الوطن الإسلامي، ولكنهم مهمومون بأمر إخوانهم في أوروبا، ويترددون عليهم، ويعرفون ظروفهم وأحوالهم.
مهمة هذا المجلس محاولة (توحيد الفتوى) في هذه الديار بقدر الإمكان، ومنع البلبلة والصراع الفكري حول هذه الأمور، ما وجد إلى ذلك سبيل. وذلك عن طريق التشاور والبحث المشترك، والاجتهاد الجماعي، الذي أصبح اليوم فريضة وضرورة.
كما يراد أن يكون هذا المجلس (مرجعية دينية معتمدة) لدى السلطات المحلية في كل بلد ولدى السلطات الأوروبية عامة، وهذا يقوي شأن الجاليات الإسلامية، ويشد من أزرها.
ليس هذا المجلس منافساً أو بديلاً للمجامع الإسلامية الأصلية والكبيرة في داخل عالمنا الإسلامي، مثل (مجمع بحوث الأزهر)، و(المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي)، و(مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي)، بل هو مكمل لعملها في هذا الميدان الذي عُني به وتخصص فيه، وهو (فقه الأقليات) ومن يعيش خارج ديار الإسلام ومجتمع المسلمين، وهو ينتفع يقيناً بما يصدر عن هذه المجامع الكبرى من قرارات، وما يقدم إليها من بحوث.
إن فقهاءنا - رحمهم اللَّه - قرروا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، وأعظم مظهر لتغير المكان هو: اختلاف دار الإسلام عن غيرها.
فالذي يعيش في قلب المجتمع الإسلامي، يجد من الأوضاع التي حوله - غالباً - ما يعينه على السلوك الإسلامي، والالتزام الإسلامي، بخلاف من يعيش في مجتمع مختلف تماماً.
ومن هنا كانت رسالة هذا المجلس أن ييسر في فتواه على هؤلاء ولا يعسر، وأن يبشر في دعوته ولا ينفر، وأن يستبقي الناس في إطار الدين، ولو بالحد الأدنى من الإسلام، وأن يفتيهم بالأيسر لا بالأحوط، وقد قال الإمام سفيان الثوري رضي اللَّه عنه: «إنما الفقه الرخصة من الثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد».
ومما أكد ضرورة وجود هذا المجلس وجود بعض المتعالمين، الذين حشروا أنفسهم في زمرة أهل الفتوى، وصدرت عنهم فتاوى ضالة مضلة، تبيح للمسلمين أن يسرقوا أموال تلك البلاد التي آوتهم، وأطعمتهم من جوع، وآمنتهم من خوف، وأن يستولوا عليها بكل ما يستطيعون: بالاختلاس، أو بالتزوير، أو بالغش، أو بأي وسيلة كانت. فلا يدفعوا ثمن ما يستهلكون، ولا أجر ما يستخدمون، وهم يكذبون ليأخذوا من المعونات ما لا يستحقون، ويخونون من يتعاملون معه، ويغدرون به متى قدروا على ذلك، فهؤلاء وصمة في جبين الإسلام، وهم أشبه باليهود الذين استحلوا مال الآخرين، وقالوا كما ذكر القرآن: ]ليس علينا في الأميين سبيل[ [آل عمران: 75].
هذه الفتاوى تسيء إلى سمعة الإسلام وأهله، وتضر بالجاليات الإسلامية أبلغ الضرر، وتصور المسلمين بصورة العصابات التي لا تؤمن بقيم ولا أخلاق، ولا تعترف بعهد ولا ميثاق، فهؤلاء هم الرؤوس الجهال، الذين وصفهم الحديث الصحيح أنهم إذا سئلوا «أفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا».
وقد أفضت هذه الفتاوى الجاهلة إلى أن دخل بعض المسلمين السجن متهمين بالسرقة أو الاختلاس أو نحوها من الجرائم.
وأشد من ذلك خطراً: إفتاؤهم لأفراد المسلمين باستباحة قتل أهل هذه البلاد، التي يعيشون فيها آمنين، وإذا تبطلوا عن العمل، أو ظهرت لهم حاجة، صرفوا لهم من المعونة ما يساعدهم على العيش، و]هل جزاء الإحسان إلا الإحسان[؟
لهذا كان لا بد من هذا المجلس ليرشّد المسيرة الإسلامية في الغرب، ويسكت هذه الأصوات المتطاولة بالباطل، ويعمل على حل مشاكل المسلمين في ضوء الشريعة السمحة الغراء.
وقد يسر الله للمجلس أن يعقد سبعة عشر دورة في أقطار مختلفة من القارة الأوروبية، وأن يناقش عدة قضايا مهمة، قدمت فيها دراسات وبحوث عميقة، كما اجاب على أسئلة عديدة وصلت إليه من الأفراد أو المؤسسات في البلاد الأوروبية المختلفة، وكان من ثمرات ذلك مجموعة طيبة من الفتوى لها قيمتها العلمية، أكثرها أجمع عليها أعضاء المجلس، وأقلها أختلف فيه، وأخذ بأصوات الأغلبية، كما هو الشأن في كل المجامع الفقهية.
كما لا يفوتني أن أشكر لهيئة آل المكتوم الخيرية تلبيتها لهذا المجلس، وسخاءهافي الإنفاق عليه دون من ولا أذى،ولا تدخل في شؤونه من قريب أو بعيد . فجزاهم الله خيراً، وأثابهم على ماقدموا. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

فضيلة الدكتور العلامة / يوسف القرضاوى